Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَيَشْعُ البَرّ
في التّتِيبُ الفِقْهِيِّ
لِتَضِيُّ التََُّّ لِّرُ
٠١٤٠/
وَمَعَُّ
فتح المجيد
فى اخْتْصَارِ تَخْرِيح أُحَادَيْث التّهيد
رتبه واختصر تخريجه
الشيخُ محَمَّد بْن عَبْد الرّحمن المغراوي
الجزء الخَامِسْ
كتاب: صَلاة الجماعة - الجمعة- العيدين- الاستسقاء
الكسوف والخسُوق - صلاة السفر - صلاة الخوف
سُجُود السّهُ
عَمُوقُ التحفَ النَّائِ الَّوليّة
لِلنشِّرُ وَالتوزيْع

ל
1)
1

٥٠٠
فَتْهُالَّرُ
في التّتِيِّبُ الفِقْـهِيِّ
لِتَهِيدُ التّ ◌َيِّدِالَّ
٥

حقوق الطبع محفوظة
الطّبعَة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦مـ
◌َجْتَهُ الثّقَ الَائِ الأَوْتَّةُ
للنشر وَالتوزيْع
هَاتف: ٤٧٨٢٠٥٢ - فَاكس: ٤٧٩٤٥٦٠
صب: ٤٣٣٥٢ - الهْز البهديُّ: ١١٥٦١
الهَاض - المملكة العربيّة السّعُوديَّة

٢٦ - كتاب
صلاة الجماعة

صلاة الجماعة
من فيه رائحة مؤذية
فلا ينبغي له أن يقرب المساجد
[١] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله وَ ل* قال: من
أكل من هذه الشجرة، فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم(١).
هكذا هو في الموطأ عند جميعهم مرسل، الا ما رواه محمد بن
معمر، عن روح بن عبادة، عن صالح بن أبي الأخضر، ومالك بن
أنس، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرة موصولاً. وقد
وصله معمر، ويونس، وابراهيم بن سعد، عن ابن شهاب. فأما
رواية معمر، فذكرها عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن
المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من أكل من هذه
الشجرة - يعني - الثوم فلا يؤذينا في مسجدنا(٢). وذكره ابن وهب
عن يونس، عن ابن شهاب كذلك سواء مسندا. وحدثنا أحمد بن
عبد الله بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن القاسم، قال: حدثنا ابو
عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي ببغداد، قال: حدثنا فضل
الأعرج، قال حدثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي،
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي
وَلّه قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يؤذينا في مسجدنا - يعني
الثوم. قال يعقوب: وذكر أبي عن ابيه أنه ذكر معه الكراث
والبصل.
قال ابو عمر: روى النهي عن أكل الثوم بألفاظ متقاربة المعاني عن
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي موصولا.
(٢) حم (٢/ ٢٦٤-٢٦٦-٤٢٩). م (٣٩٤/١ / ٥٦٣).

٨
فتح البر
النبي ◌َّ - جماعة، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن ابي
طالب، وحذيفة، وابن عمر، وجابر، وأنس، وابو سعيد، والمغيرة
ابن شعبة، ومعقل بن يسار، وأم أيوب. فأما حديث ابن عمر،
فرواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي رَّ قال
في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن
مسجدنا(١). ذكره البخاري عن مسدد، عن يحيى، عن عبيد
الله. قال البخاري: وحدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن
عبد العزيز قال: سأل رجل أنس بن مالك ما سمعت من نبي الله
وَخَلّه في الثوم؟ فقال: قال النبي وَّ: من أكل من هذه الشجرة فلا
يقربنا ولا يصلين معنا. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا
محمد بن بکر، قال: حدثنا ابو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل،
قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن
النبي ◌َّ قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن المساجد.
قال ابو عمر: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث: فقال
بعضهم إنما خرج النهي عن مسجد النبي ◌َّله - من أجل جبريل
عليه السلام، ونزوله فيه على النبي عليه السلام. وقال آخرون -
وهم الأكثرون - مسجد النبي وَّ وسائر المساجد غيره في ذلك
سواء، وملائكة الوحي في ذلك وغيرها سواء؛ لأنه قد أخبر أنه
يتأذى بنو آدم، وقال: إن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم. وقال:
يؤذينا بريح الثوم، ولا يحل اذى الجليس المسلم حيث كان.
(١) خ (٢ /٨٥٣/٤٣٠). م (١/ ٣٩٣/ ٥٦١). د (١٧٢/٤ /٣٨٢٥).

٩
صلاة الجماعة
قال ابو عمر: في هذا الحديث من الفقه معرفة كون البقول
والخضر بالمدينة، فلما لم ينقل أحد عن النبي وَخلال أنه أخذ منها
الزكاة، دل على أن الزكاة ساقطة عن الخضر، وعما اخرجت الأرض
غير القوت المدخر، وقد أوضحنا هذه المسألة، وذكرنا وجوهها
واختلاف العلماء فيها في أول بلاغات مالك، وذلك قوله: أنه بلغه
عن سليمان بن يسار، وبسر بن سعيد، أن رسول الله وَ ظله قال: فيما
سقت السماء العشر(١) - الحديث. وفي هذا الحديث ايضا من الفقه،
أن أكل الثوم ليس بمحرم؛ لان الحرام لا يقال فيه: من فعله فلا
يفعل كذا - لشيء غيره؛ لان هذا لفظ إباحة، لا لفظ منع، وليس
هذا من باب ما روي عنه - وَلّ: من شرب الخمر، فليشقص
الخنازير(٢) - في شيء؛ لان شرب الخمر وتشقيص الخنازير، كلاهما
محرم. وقد اختلف العلماء في أكل الثوم: فذهبت طائفة من أهل
الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا، الى تحريم أكل
الثوم في وقت يوجد ريحه منه في المسجد. وقالوا: نهى رسول الله
وَخلي عن أكل الثوم نهي تحريم، فلا يجوز لأحد أكله؛ لانه لا يجوز
(١) أخرجه ت (٦٣٩/٣١/٣). جه (١/ ٥٨٠- ١٨١٦/٥٨١) من طريق سليمان بن يسار وبسر
ابن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ فذكره.
قال الترمذي رحمه الله عقب هذا الحديث. (( وقد روي هذا الحديث عن بكير بن عبد الله بن
الأشج وعن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن النبي ◌َّ مرسلا، وكأن هذا أصح. وقد
صح حديث ابن عمر عن النبي ◌َّر في هذا الباب وعليه العمل عند عامة الفقهاء)». والحديث
موصول من طرق أخرى: انظرها في كتاب الزكاة باب [مقادير الزكاة في الأوسق والذهب
والإبل ونحوها].
(٢) حم (٢٥٣/٤). د (٣٤٨٩/٧٥٩/٣). وفيه عمر بن بيان التغلبي. قال الحافظ في التقريب:
مقبول (٧١٣/١).

١٠
فتح البر
لأحد التأخر عن صلاة الجماعة اذا كان قادرا على شهودها، ولا
يحل له التخلف عنها اذا سمع النداء بها، مع الاستطاعة على المشي
اليها، قالوا: وكل منع من اتيان الفرض والقيام به، فحرام عمله
والتشاغل به، كما أنه حرام على الانسان فعل كل ما يمنعه من
مشاهدة الجمعة واحتجوا بأن رسول الله وَل قد سماها خبيثة، والله
عز وجل قد وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه يحرم الخبائث.
وذكروا حديث يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي
وَّلله أنه قال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا.
وقوله: من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مساجدنا
وذهب جماعة فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين من اهل الفقه
والحديث، الى إباحة أكل الثوم لدلائل. منها: حديث علي بن ابي
طالب: أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحارث بن ابي أسامة قال حدثنا أبو النضر، قال
حدثنا اسرائيل، عن مسلم الأعور، عن حبَّة العُرني، عن علي
رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله وَّل أن نأكل الثوم، وقال: لولا
أن الملك ينزل علي لأكلت (١). فقد بان بهذا الحديث أنه ليس
بمحرم، وأنه مباح، وأن النهي عنه إنما ورد من أجل أن الملك كان
يتأذى به. ومنها أيضا حديث أبي سعيد الخدري، ذكره عبد الرزاق،
عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال:
قال رسول الله وَله: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا
يقربن مسجدنا، ولا يأتينا يمسح جبهته. قال: فقلت يا أبا سعيد،
(١) ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٠)، وقال غريب من حديث اسرائيل.

صلاة الجماعة
١١
أحرام هي؟ قال: لا، إنما كرهها النبي وَجَلّ من أجل ريحها (١). وهذا
نص عن صاحب، عرف مخرج النهي. ومثله حديث جابر، ذكره
البخاري، قال حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عاصم، قال:
أنبأنا ابن جريج، قال: اخبرني عطاء، قال: سمعت جابر بن
عبد الله قال: قال النبي ◌َّ: من أكل من هذه الشجرة -يريد
الثوم- فلا يغشانا في مساجدنا. قلت ما يعني به؟ قال: ما أراه يعني
الا نيئه. قال: وقال مخلد بن يزيد، عن ابن جريج: الا نتنه. قال:
وحدثنا سعيد بن عفیر، قال حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن
شهاب، عن عطاء، أن جابر بن عبد الله، زعم أن النبي وَخلاله قال:
من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا. وان النبي وَّ
أتى بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا، قال: فأخبر بما
فيها من البقول، فقال: قربوها الى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه
كره أكلها قال: كل فإني أناجي من لا تناجي(٢).
قال ابو عمر: هذا بين في الخصوص له والإباحة لمن سواه وهذا
الحديث ذكره ابو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا
ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء
ابن أبي رباح، أن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله وَلاه قال: من
أكل ثوما أو بصلا - فذكره سواء الى آخره؟ قال ابو داود: حدثنا
أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، أن
بكر بن سوادة حدثه، أن أبا النجيب مولی عبد الله بن سعد حدثه،
أن أبا سعيد الخدري حدثه أنه ذكر عند رسول الله وَخلال الثوم
(١) م (١/ ٥٦٥/٣٩٤). د (٤ / ١٧١ /٣٨٢٣).
(٢) خ (٨٥٤/٤٣١/٢-٨٥٥). م (٥٦٤/٣٩٥/١). د (٤ / ١٧٠/ ٣٨٢٢).
ت (١٨٠٦/٢٢٩/٤). ن (٢/ ٣٧٣ / ٧٠٦).

١٢
فتح البر
والبصل، وقيل يا رسول الله وأشد ذلك كله الثوم أفتحرمه؟ فقال
النبي وَله: كلوه ومن أكله منكم فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب
ريحه منه. ومثل هذا ايضا حديث أم أيوب الانصارية: حدثنا سعيد
ابن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل
الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال: حدثني
عبيد الله بن ابي يزيد، قال: اخبرني ابي ان أم أيوب الانصارية،
أخبرته قالت: نزل علينا رسول الله وَّله، فتكلفنا له طعاما فيه بعض
هذه البقول، فكرهه وقال لأصحابه: اني لست كأحد منكم، فإني
أكره أن أوذي صاحبي(١). قال الحميدي: قال سفيان: رأيت رسول
الله وَّ في النوم، فقلت يا رسول الله، هذا الحديث الذي تحدث به
أم أيوب عنك: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم؟ قال: حق.
ومثل هذا حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار،
قال: كان رسول الله وَلَّه لا يأكل الثوم ولا الكراث ولا البصل، من
أجل ان الملائكة تأتيه، ومن أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام(٢)،
رواه عبد الله بن يوسف والقعنبي وطائفة، عن مالك في الموطأ
هكذا. ورواه محمد بن اسحاق البكري، عن يحيى بن يحيى
النيسابوري، عن مالك انه قرأ عليه، عن ابن شهاب، عن انس بن
مالك، أن رسول الله وَّجله كان لا يأكل الثوم ولا الكراث ولا
البصل، من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنه يكلم جبريل عليه
السلام(٣). قال الدارقطني: هذا مما انفرد به محمد بن اسحاق
(١) ت (٢٣١/٤ / ١٨١٠) وقال: حسن صحيح غريب. جه (٣٣٦٤/١١١٦/٢).
وصححه ابن خزيمة (١٦٧١/٨٦/٣).
(٢) الخطيب في تاريخه (٢٦٥/٢) وقال: ((قال الازهري: قال لنا علي بن عمر: تفرد به محمد
ابن اسحاق البكري بهذا الاسناد وهوضعيف)).
(٣) ابو نعيم في الحلية (٣٣٢/٦) وقال: غريب من حديث مالك لم يحدث به عنه الا يحيى
ابن یحیی .

١٣
صلاة الجماعة
البكري بهذا الاسناد، وهو ضعيف، وما جاء به وهم لأنه في الموطأ
عن الزهري، عن سليمان بن يسار - مرسل. وأخبرنا محمد
ابن ابراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن
شعيب، قال أنبأنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا يحيي، عن ابن
جريج، قال: حدثنا عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله وَظله :
من أكل من هذه الشجرة، قال أول يوم: الثوم، ثم قال: الثوم
والبصل والكراث، فلا يقربنا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما
یتأذی منه الإنس. وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن
بكر، قال حدثنا ابو داود، قال: حدثنا سفيان بن فروخ، قال:
حدثنا أبو الهلال، قال: حدثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن
المغيرة بن شعبة، قال: أكلت ثوما فأتيت مصلى رسول الله وَظله وقد
سبقت بركعة، فلما دخلت المسجد، وجد رسول الله وَ ل* ريح
الثوم، فلما قضى رسول الله وَله صلاته، قال: من أكل من هذه
الشجرة، فلا يقربنا حتى يذهب ريحها. فلما قضيت الصلاة جئت
إلى رسول الله وَّله فقلت: يا رسول الله، والله لتعطيني يدك، قال:
فأدخلت يده في كم قميصي الى صدري، فإذا أنا معصوب الصدر
فقال: إن لك عذرا(١). قال ابو داود: وحدثنا مسدد، قال: حدثنا
الجراح أبو وكيع، عن ابي اسحاق، عن شريك بن حنبل عن علي
قال: نهى رسول الله وَلّ عن أكل الثوم الا مطبوخا(٢). وحدثنا
(١) حم (٤/ ٢٥٢). د (٤/ ٣٨٢٦/١٧٢).
(٢) د (٤/ ٣٨٢٨/١٧٣). ت (١٨٠٩/٢٣٠/٤) وقال: ((هذا الحديث ليس اسناده بذلك
القوي. وقد روي هذا عن علي قوله، وروي عن شريك بن حنبل عن النبي صلو مرسلا: قال
محمد: الجراح بن مليح صدوق. والجراح بن الضحاك مقارب الحديث)). وفي السند: ابو
اسحاق السبيعي: وهو مدلس، واختلط ويشهد له حديث قرة المزني الذي رواه د
(٤/ ١٧٢/ ٣٨٢٧).
حم (١٩/٤).

فتح البر
١٤
عبد الوارث وسعيد، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
اسماعيل بن اسحاق وبكر، قالا: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو
وكيع، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن علي فذكره.
قال ابو عمر: ففي هذه الاحاديث أوضح الدلائل على ان أكل
الثوم ليس به بأس، وأنه مباح، وقد أكله جماعة من الصحابة
والتابعين، وأجاز أكله جمهور علماء المسلمين: أخبرنا أحمد بن عبد
الله بن محمد بن علي، أن أباه أخبره قال: أنبأنا أحمد بن خالد،
قال: أنبأنا الحسن بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال
حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا سعيد بن ابي صدقة. وقد ذكره
أيوب عن محمد، أن ابن عمر سئل عن الثوم والبصل، فقال:
اذهبوا واقطعوا عنكم ريحها بالنضج. وحدثنا أحمد بن عبد الله
قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا الحسن
ابن أحمد، قال حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا
حماد بن زيد، قال حدثنا أيوب، عن نافع، ان ابن عمر أصابه بهر
زمن أذربيجان، فنعت له الثوم، فكنا ننظمه فنجعله في حساء له.
وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل
الدينوري، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن عبد
الله بن عبد الحكم، قال حدثني ابي وشعيب بن الليث عن الليث بن
سعد، عن يزيد بن الهادِ، قال: قلت لنافع هل كان ابن عمر يأكل
الثوم في اللحم؟ قال: نعم. فهذا ابن عمر قد روى الحديث في
الثوم، وكان يأكله ، فدل على أنه قد علم المراد وعرف المقصد.
أخبرنا خلف بن القاسم، أنبأنا أحمد بن محمد بن ابي الموت،
حدثنا أبو صالح، حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج،

صلاة الجماعة
١٥
حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عبيد، عن نعيم
ابن سلامة، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فوجدته يأكل
ثوما مسلوقا بماء وملح وزيت. ولو ذكرنا الآثار عن العلماء في
ذلك، لطولنا وأمللنا، والامر الواضح لا وجه للتطويل فيه. وفي
هذا الحديث من الفقه أيضا، أن حضور الجماعة ليس بفرض لانه لو
كان فرضا ما كان أحد ليباح له ما يحبسه عن الفرض، وقد أباحت
السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أکلہ مباح،
فدل ذلك على ما وصفنا - وبالله عصمتنا، الا ترى أن الجمعة اذا
نودي لها، حرم على المسلمين كل ما يحبس عنها من بيع وقعود
ورقاد وصلاة وكل ما يشتغل به المرء عنها. وكذلك من كان من أهل
المصر حاضرا فيه لا عذر له في التخلف عن الجمعة - أنه لا يحل له
أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضا،
لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حراما، وقد ثبتت إباحته،
فدل ذلك على أن حضور الجماعة ليس بفرض - والله أعلم، وانما
حضورها سنة وفضيلة وعمل بر. ومما يدل على أن حضور الجماعة
ليس بفرض، قول رسول الله وَله: اذا حضر العشاء وسمعتم الإقامة
بالصلاة فابدؤا بالعشاء(١). وفي الحديث المذكور أيضا من الفقه، أن
آكل الثوم يبعد من المسجد ويخرج عنه، لان رسول الله وَ ظله قال: لا
يقرب مسجدنا أو مساجدنا؛ لانه يؤذينا بريح الثوم. واذا كانت العلة
في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به، ففي القياس أن كل ما يتأذى به
جيرانه في المسجد: بأن يكون ذرب اللسان، سفيها عليهم في
(١) سبق تخريجه بنحوه في كتاب المواقيت باب [ مواقيت الصلاة].

١٦
فتح البر
المسجد مستطيلا، أو كان ذا ريحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته أو
عاهة موذية، كالجذام وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس، اذا وجد في
احد جيران المسجد، وأرادوا إخراجه عن المسجد وابعاده عنه، كان
ذلك لهم - ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول، فاذا زالت بافاقة
أو توبة، أو أي وجه زالت، كان له مراجعة المسجد. وقد شاهدت
شيخنا ابا عمر أحمد بن عبدالملك بن هاشم رحمه الله أفتى في رجل
شكاه جيرانه، واثبتوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده، فشور
فيه، فأفتى باخراجه عن المسجد وابعاده عنه، وأن لا يشاهد معهم
الصلاة، اذ لا سبيل مع جنونه واستطالته - الى السلامة منه.
فذاكرته يوما أمره، وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك، وراجعته
فيه القول، فاستدل بحديث الثوم وقال: هو عندي أكثر أذى من آكل
الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد - وذكر الحديث:
أنه كان اذا وجد من أحد ريح الثوم في مسجد رسول الله وك الته -
أخرج عنه، وربما أبعد حتى يبلغ به البقيع: أخبرنا محمد بن ابراهيم
ابن سعيد، قال: حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، قال:
حدثنا أحمد بن شعيب، قال انبأنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا
يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام، قال حدثنا قتادة، عن سالم بن
أبي الجعد، عن معدان بن ابي طلحة، أن عمر بن الخطاب قال: إنكم
أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما الا خبيثتين: هذا البصل
والثوم، ولقد رأيت نبي الله اذا وجد ريحها من الرجل أمر به
فأخرج الى البقيع. فمن أكلهما فليمتهما طبخا(١). فهذا عمر بن
(١) م (١/ ٣٩٦/ ٧٨ (٥٦٧)). ن (٢/ ٧٠٧/٣٧٤). جه (٣٢٤/١ /١٠١٤).

١٧
صلاة الجماعة
الخطاب يجيز أكل البصل والثوم مطبوخين على حسبما ذكرنا، وهذا
هو الصحيح في هذا الباب - والله الموفق للصواب. وحدثنا عبد
الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد
ابن زهير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام ابن
يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني، عن
معدان بن ابي طلحة العمري أن عمر قام على المنبر يوم الجمعة،
فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الحديث بمعنى ما تقدم سواء الى
آخره. وروى جرير بن عبد الحميد وزهير بن معاوية، عن مطرف بن
طريف، عن أبي الجهم، عن أبي القاسم مولى أبي بكر الصديق
رضي الله عنه قال: لما افتتحت خيبر، أكلوا من الثوم، فقال رسول
الله وَ له: من أكل من هذه البقلة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا حتى
یذهب ريحها من فیه (١).
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠١٢) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط من رواية
القاسم مولى ابي بكر ولم اجد من ذكره، وبقية رجاله موثقون.

١٨
فتح البر
فضل صلاة الجماعة
[٢] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول
الله وَ لّ، قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة
وعشرين جزءا (١).
هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة، ورواه جويرية بن أسماء
عن مالك، بإسناده فقال: فضل صلاة الجماعة على صلاة احدكم
خمس وعشرون صلاة. ورواه عبد الملك بن زياد النصيبي، ويحيى
ابن محمد بن عباد، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
ابي هريرة عن النبي وَّه مثله. ورواه الشافعي، وروح بن عبادة
وعمار بن مطر، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن ابي
هريرة .
في هذا الحديث من الفقه معرفة فضل الجماعة، والترغيب في
حضورها . وفيه دليل على أن الجماعة كثرت أو قلت سواء ؛ لانه
وَله، لم يخص جماعة من جماعة، والقول على عمومه. وقد قال
وَلَّة: اثنان فما فوقهما جماعة(٢). وقال: صلاة الجماعة تفضل
(١) م (١/ ٦٤٩/٤٤٩). ت (٢١٦/٤٢١/١). ن (٨٣٦/٤٣٨/٢).
جه (٢٥٨/١/ ٧٨٧).
(٢) أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري: جه (٩٧٢/٣١٢/١) قال في الزوائد: («الربيع
وولده بدر ضعيفان)». الطحاوي في شرح المعاني (٣٠٨/١).
قط (١/٢٨٠/١). البيهقي (٦٩/٣) وقال: «كذلك رواه جماعة عن عليلة وهو الربيع بن
بدر وهو ضعيف والله أعلم وقد روي من وجه آخر أيضا ضعيف)».
ك (٤/ ٣٣٤) وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف، وأبوه مجهول والحديث قد روي عن ابن
عمرو بن العاص وأبي أمامة والحكم بن عمير الثمالي، وأنس بن مالك، والوليد بن أبي
مالك مرسلا. انظر تفصيل ذلك في التلخيص الحبير (٨١/٣-٨٢) والإرواء
(٤٨٩/٢٤٨/٢).

صلاة الجماعة
١٩
على صلاة الفذِّ بكذا وكذا درجة(١) - لم يقصد جماعة من جماعة،
ولا موضعا من المسجد من موضع. وأما حديث أبي بن كعب:
صلاة الرجل مع الرجل ازكى من صلاته وحده، وصلاته مع
الرجلين أزكى من صلاته من الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى له
من صلاته مع الرجلين، وكلما كثر فهو أزكى وأطيب(٢) . - فهو
حديث ليس بالقوي، لا يحتج بمثله .
وفي هذا الحديث - أعنى حديث مالك هذا، دليل على جواز
صلاة الفذ وحده - وان كانت الجماعة أفضل، واذا جازت صلاة
الفذ وحده، بطل أن يكون شهود صلاة الجماعة فرضا ؛ لانه لو كان
فرضا لم تجز للفذ صلاته، كما ان الفذ لا يجزئه يوم الجمعة ان
يصلي قبل صلاة الامام ظهرا ولا غيرها، اذا كان ممن يجب عليه
(١) أخرجه بلفظ ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفد بسبع وعشرين درجة))
حم (١٧/٢-٦٥). خ (٦٤٥/١٦٦/٢). م (١ / ٦٥٠/٤٥٠). ت (١/ ٢١٥/٤٢٠).
ن (٢ /٨٣٦/٤٣٨). جه (٧٨٩/٢٥٩/١) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
وأخرجه بلفظ:(( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)): حم (٥٥/٣).
خ (٦٤٦/١٦٦/٢). جه (٧٨٨/٢٥٩/١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٢) حم (١٤٠/٥). د (٥٥٤/٣٧٥/١). ن (٨٤٢/٤٣٩/٢). جه (٧٩٠/٢٥٩/١)
مختصرا. ك (٢٤٧/١-٢٤٨). ابن خزيمة (١٤٧٧/٣٦٧/٢) مختصرا. حب: الإحسان
(٢٠٥٦/٤٠٥/٥). قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢٦/٢): ((وصححه ابن السكن
والعقيلي والحاكم وذكره الاختلاف فيه وبسط ذلك، وقال النووي: أشار علي بن المديني إلى
صحته، وعبد الله بن أبي بصير قيل: لا يعرف لأنه ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي،
لكن أخرجه الحاكم من رواية العيزار بن حريث عنه فانتفت جهالة عينه. وأورد له الحاكم
شاهدا من حديث قباث بن أشيم، وفي إسناده نظر، وأخرجه البزار والطبراني ولفظه: ((صلاة
الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى وصلاة أربعة يؤم أحدهم
هو أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة
مائة تتری)» .

فتح البر
= ٢٠
إتيان الجمعة. قد احتج بهذا جماعة من العلماء، وأكثر الفقهاء
بالحجاز، والعراق، والشام، يقولون: إن حضور صلاة الجماعة
فضيلة وفضل، وسنة مؤكدة، لا ينبغي تركها، وليست بفرض.
ومنهم من قال: انها فرض على الكفاية. واختلف أصحاب الشافعي
في هذه المسألة: فمنهم من قال: شهود الجماعة فرض على الكفاية،
ومنهم من قال: شهودها سنة مؤكدة لا رخصة في تركها للقادر
عليها، الا من عذر. ولهم في ذلك دلائل يطول ذكرها للقولين
جميعا. وقال أهل الظاهر - منهم داود: ان حضور صلاة الجماعة
فرض متعين كالجماعة سواء، وانه لا يجزئ الفذ صلاة، الا بعد
صلاة الناس في المسجد. وإن صلاها قبلهم أعاد، واستدل بظاهر
آثار رويت في ذلك، سنذكر ما روى منها مالك في موضعه من
كتابنا هذا - إن شاء الله .
قال أبو عمر:
لا يخلو قوله وعَظله: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ من أحد
ثلاثة أوجه: اما ان يكون المراد بذلك صلاة النافلة، او يكون المراد
بذلك من تخلف من عذر عن الفريضة، او يكون المراد بذلك من
تخلف عنها بغير عذر. فاذا احتمل ما ذكرنا وكان رسول الله وعَلجله
قد قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا الا
المكتوبة (١)؛ علمنا انه لم يرد صلاة النافلة، بتفضيله صلاة الجماعة
على الفذ، وإنما اراد بذلك الفرض. وكذلك لما قال وعَظله: من غلبه
(١) أخرجه من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: حم (١٨٢/٥ -١٨٤- ١٨٧) بنحوه. خ
(٧٣٠/٢٧٣/٢) بنحوه مطولا. م (٥٣٩/١-٧٨١/٥٤٠) بنحوه مطولا. د
(٦٣٢/١-١٠٤٤/٦٣٣) وفي (١٤٤٧/١٤٥/٢) بنحوه مطولا .
ت (٣١٢/٢/ ٤٥٠) بنحوه مختصرا. ن (٢١٩/٣ -١٥٩٨/٢٢٠) بنحوه مطولا.