Indexed OCR Text

Pages 181-200

المواقيت
١٨١
(وكانت خيبر في سنة ست من الهجرة))(١). وفيه أن رسول الله وعليه
كان ينام أحيانا نوما يشبه نوم الآدميين، وذلك إنما كان منه غبا،
لمعنى يريد الله إحداثه، وليسن لأمته سنة تبقى بعده، يدلك على ذلك
قوله وَّله: إنى لأنسى أو أنسى لأسن(٢). وقوله في حديث العلاء بن
خباب أن النبي وَّ قال: لو شاء الله لا يقظنا، ولكن أراد أن تكون
سنة لمن بعدكم. وأما طبعه وجبلته وعادته المعروفة منه ومن الأنبياء
قبله، فما حكاه عن نفسه- وَّل: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٣).
فأطلق ذلك عن نفسه اطلاقا غير مقيد بوقت.
وفي حديث آخر: إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا (٤).
فأخبر أن كل الانبياء كذلك. ومما يصحح ذلك قوله وَ لّه لأصحابه:
تراصوا في الصف، فإنى أراكم من وراء ظهري(٥). فهذه جبلته
وخلقته وعادته- وَخلال فأما نومه في السفر عن الصلاة، فكان خرق
عادته ليسن لأمته، ويعرفهم بما يجب على من نام منهم عن صلاته
حتى يخرج وقتها، وكيف العمل في ذلك، وجعل الله نومه سببا بما
جرى له في ذلك النوم من تعليمه أمته وتبصيرهم. وقد ذكرنا الآثار
(١) قال ابن إسحق: خرج النبي ◌َ ﴿﴿ في بقية المحرم سنة سبع. وحكى ابن التين عن ابن
الحصار أنها كانت في آخر سنة ست، وهذا منقول عن مالك وبه جزم ابن حزم. قال ذلك
كله الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٠) ورجح ما ذكره ابن إسحق، وذكر بأنه يمكن الجمع بأن من
أطلق سنة ست بناه على ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول.
(٢) من بلاغات مالك الغير الموصولة وقد سبق في العقيدة: كتاب النبوة والوحي.
(٣) تقدم تخريجه في الباب السابق.
(٤) تقدم تخريجه في الباب الذي قبله.
(٥) حم: (١٨٢/٣)، خ: (٧١٩/٢٦٤/٢)، ن: (٢ / ٨١٣/٤٢٦) من حديث أنس وبلفظ ((
أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري.

فتح البر
١٨٢
الواردة في هذا المعنى في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب، ولا
سبيل إلى حملها على الائتلاف والاتفاق، إلا على ما ذكرناه، وغير
جائز حمل أخباره -إذا صحت عنه- على التناقض عند أهل الاسلام،
لأنه لا يجوز فيها النسخ. حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا
الحسيني، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا المزنى: قال: سمعت
الشافعي يقول: رؤيا الأنبياء وحي.
وقد روينا عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال رؤيا الأنبياء
وحي. وتلا: ﴿إِنّ أَرَىْ فِ اٌلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَأَبَتِ
أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: (١٠٢)]. وهذا يدل على أن قلوبهم
لا تنام، ألا ترى إلى حديث ابن عباس: إن رسول الله وَ﴾ نام حتى
نفخ، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي(١). والنوم إنما يحكم له بحكم الحدث إذا خمر القلب وخامره،
وكان رسول الله وَ له لا يخامر النوم قلبه وقوله وَخل* إني لست
كهيئتكم، إني أبيت أطعم وأسقى (٢). ومثل هذا كثير. فإن قال قائل:
إن في قوله وَّ من يكلأ لنا الصبح -دليلا على أن عادته النوم. قيل
له لم تمعن النظر، ولو أمعنته لعلمت أن المعنى: من يرقب لنا انفجار
(١) خ: (١٣٨/٣١٧/١)، م: (٥٢٥/١-٧٦٣/٥٢٨).
(٢) الحديث يروى عن جمع من الصحابة:
أخرجه من حديث ابن عمر: خ: (١٩٦٢/٢٥٣/٤)، م: (١١٠٢/٧٧٤/٢)، د:
(٢٣٦٠/٧٦٦/٢)
من حديث عائشة: خ: (١٩٦٤/٢٥٣/٤)، وم: (١١٠٥/٧٧٦/٢).
من حديث أنس: خ: (١٩٦١/٢٥٣/٤)، م: (٧٧٦/٢ / ١١٠٤[٦٠])، ت:
(٧٧٨/١٤٨/٣).
من حديث أبي هريرة: خ: (١٩٦٥/٢٠٥/٤)، م: (١١٠٣/٧٧٤/٢).
من حديث أبي سعيد الخدري: خ (١٩٦٧/٢٠٨/٤)، د: (٢٣٦١/٧٦٧/٢).

المواقيت
١٨٣
الصبح فيشعرنا به في أول طلوعه؟ لأن من نامت عيناه لم ير هذا في
أوله، ونوم العين يمنع من مثل هذا، لا نوم القلب. وكان شأنه
التغليس بالصبح - وَ ج*، وكان بلال من أعلم الناس بذلك، فلذلك
أمره بمراقبة الفجر، لا أن عادته كانت النوم المعروف من سائر الناس-
والله أعلم. ذكر ابن أبي شيبة أبو بكر، عن محمد بن فضيل، عن
يزيد بن أبي زياد، عن تميم بن سلمة، عن مسروق قال: ما أحب أن
لي الدنيا وما فيها بصلاة رسول الله وَخلال بعد طلوع الشمس. وذكره
أيضا عن عبيدة بن حميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن تميم بن سلمة،
عن مسروق، عن ابن عباس(١). وهذا -عندي والله أعلم- لانه أعلم
أمته أن مراد الله تعالى من الصلاة، أن تقضى في وقت آخر - كما قال
تعالى في الصيام: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: (١٨٤)]. وليس كالحج
وعرفة والضحايا والجمار، وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب
الاستذكار. وليس في تخصيص النائم والناسى بالذكر في قضاء
الصلاة، ما يسقط قضاءها عن العامد لتركها حتى يخرج وقتها، بل
فيه أوضح الدلائل على أن العامد المأثوم أولى أن يؤمر بالقضاء من
الناسي المتجاوز عنه والنائم المعذور، وإنما ذكر النائم والناسي، لئلا
يتوهم متوهم أنهما لما رفع عنهما الإثم، سقط القضاء عنهما فيما
وجب عليهما، فأبان -وَ لّ- أن ذلك غير مسقط عنهما قضاء الصلاة،
وأنها واجبة عليهما متى ما ذكراها، والعامد لا محالة ذاكر لها،
فوجب عليه قضاؤها، والاستغفار من تأخيرها، لعموم قوله وَ له: فإن
[طه: ١٤]. وقد قضاها عليه
الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ
(١) حم: (٢٥٩/١) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢٦/١)، وقال: ((رواه أحمد وأبو
يعلى وقال ما يسرني به الدنيا، والبزار والطبراني في الأوسط، ورواه أحمد عن يزيد بن أبي
زياد عن رجل عن ابن عباس، ورواه أبو يعلى والبزار والطبراني عن يزيد بن أبي زياد عن
تميم بن سلمة عن مسروق عن ابن عباس ورجال أبي يعلى ثقات)).

فتح البر
١٨٤
السلام بعد خروج وقتها يوم الخندق من غير نسيان ولا نوم، إلا أنه
شغل عنها. وأجاز لمن أدرك ركعة من العصر، أن يصلي تمامها بعد
خروج وقتها. وقد زدنا هذا بيانا وإيضاحا في كتاب الاستذكار-
والحمد لله. وفي فزع رسول الله وَجله دليل على أن ذلك لم يكن من
عادته منذ بعث- والله أعلم. ولا معنى لقول من قال: أن فزع رسول
الله وَخله كان من أجل العدو الذي يتبعهم، لأن رسول الله وَله لم
يتبعه عدو في انصرافه من خيبر، ولا في انصرافه من حنين، ولا ذكر
ذلك أحد من أهل المغازي، بل كان منصرفه في كلتا الغزوتين غانما
ظافرا، قد هزم عدوه، وظفر به وقمعه - والحمد لله. وأما فزع
أصحابه في غير هذا الحديث، فلما رأوا من فزعه، وقد فزعوا حين
قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي لهم في غزوة تبوك- حين خرج
رسول الله وَخلاله مع المغيرة بن شعبة، فتوضأ ومسح على خفيه وانتظروه
وخشوا فوات الوقت، فقدموا عبد الرحمن بن عوف يؤمهم، فجاء
رسول الله وَخلاله وقد صلى بهم عبد الرحمن ركعة، ففزع الناس، فلما
فرغ رسول الله وَخلو، قال: أحسنتم - يغبطهم ان صلوا الصلاة
لوقتها .
هكذا نقله جماعة من أصحاب ابن شهاب(١). وقد قام رسول الله
وَلخيله إلى صلاة الكسوف فزعا يجر ثوبه(٢). ويحتمل أن يكون فزعهم
شفقة وتأسفا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ولعلهم حسبوا أن
الصلاة قد فاتتهم أصلا، فلحقهم الفزع والحزن لفوت الأجر والفضل،
ولم يعرفوا أن خروج الوقت لا يسقط فرض الصلاة، حتى قال لهم
(١) تقدم تخريجه في المسح على الخفين، في كتاب الطهارة.
(٢) انظر تخريجه في صلاة الكسوف

المواقيت
١٨٥
رسول الله وَجُله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، كما
كان يصليها لوقتها (١). فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم، وإذا لم تسقط
عنهم صلوها، وإذا صلوها أدركوا أجرها- إن شاء الله. وأعلمهم-
صلى الله وَّي- في حديث أبي قتادة أن الاثم عنهم في ذلك ساقط
بقوله: ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة(٢). وفي بعض
ألفاظ حديث أبي قتادة أن رسول الله وَ له قال: ان الصلاة لا تفوت
النائم، انما تفوت اليقظان، ثم توضأ وصلى بهم. وفي هذا الحديث
تخصيص لقوله عليه السلام: رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ(٣).
وبيان ذلك أن رفع القلم عنه ههنا من جهة رفع المأثم، لا من جهة
رفع الفرض عنه. وأن ذلك ليس من باب قوله: وعن الصبي حتى
يحتلم- وإن كان ذلك جاء في أثر واحد، فقف على هذا الأصل.
وأما قول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، يقول: إذا كنت أنت
في منزلتك من الله قد غلبتك عينك، وقبضت نفسك، فأنا أحرى
بذلك. وفي هذا دليل على طلب الحجة والادلاء بها. ذكر عبد الرزاق
عن معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، قال: دخل رسول الله
وَ لرد على علي وفاطمة- وهما نائمان، فقال: ألا تصلوا؟ فقال علي:
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) م: (٦٨١/٤٧٢/١)، د: (٤٤١/٣٠٧/١)، ت: (١٧٧/٣٣٤/١)،
ن: (٣٢٠/١-٦١٤/٣٢١ و٦١٥)، جه: (٦٩٨/٢٢٨/١).
(٣) حم: (١٠٠/٦) د: (٤٣٩٨/٥٥٨/٤)، ن: (٣٤٣٢/٤٦٨/٦)،
جه: (٢٠٤١/٦٥٨/١)، ك: (٥٩/٢) وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي.

فتح البر
١٨٦
يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا أراد أن يبعثها بعثها،
فانصرف عنهما - وهو يقول: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا
[الكهف: (٥٤)](١) .
ورواه الليث عن عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين، أن
الحسين بن علي حدثه عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله عَليه
طرقه وفاطمة - فذكر الحديث. وفي آخره: فانصرف رسول الله وَ له
حين قلت له ذلك، فسمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول:
﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: (٥٤)](٢).
وأما قول بلال في هذا الحديث: أخذ بنفسى الذي أخذ بنفسك،
فمعناه: قبض نفسي الذي قبض نفسك. والباء زائدة، أي توفى نفسي
متوفي نفسك. والتوفى هو القبض نفسه - يعني أن الله عز وجل
قبض نفسه. وهذا قول من جعل النفس الروح، وجعلهما شيئا واحدا
لأنه قد قال في غير هذا الحديث: إن الله قبض أرواحنا. فنص على
أن المقبوض هو الروح. وفي القرآن: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: (٤٢)]. ومن قال: إن النفس غير
الروح، تأول قول بلال: أخذ بنفسي من النوم، ما أخذ بنفسك منه.
وقد تقدم القول في النفس والروح مستوعبا في باب زيد بن أسلم من
كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته. فأما قوله: اقتادوا شيئا، فمعناه عند
أهل المدينة ما ذكره زيد بن أسلم في حديثه- وهو قوله وصاله: إن هذا
واد به شيطان. وقد تقدم القول في هذا في باب مرسل زيد بن أسلم
(١) حم: (٧٧/١)، خ: (٧٣٤٧/٣٨٧/١٣)، م: (٥٣٨/١/ ٧٧٥)،
ن: (١٦١٠/٢٢٧/٣-١٦١١)، وعبد الرزاق في المصنف: (٢٢٤٤/٥٩٠/١)
(٢) انظر تخريجه في الذي قبله.

المواقيت
١٨٧
من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته؟ وقال أهل العراق: معنى اقتياد
النبي ◌َّ وأصحابه رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، إنما كان تأخيرا
للصلاة، لأنهم انتبهوا في وقت لا تجوز فيه صلاة، وذلك عند طلوع
الشمس، وزعموا أن نهي رسول الله وَطل عن الصلاة عند طلوع
الشمس وعند غروبها، يقتضي الفريضة والنافلة، وكل صلاة مفروضة
ومسنونة. واحتجوا من الآثار بنحو حديث مالك عن هشام بن عروة،
عن أبيه، أن رسول الله وَ له كان يقول: إذا بدا حاجب الشمس،
فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة
حتى تغيب(١). وتأولوا هذا على الفرائض وغيرها، وقد مضى الرد
عليهم في تأويلهم هذا في غير موضع من كتابنا هذا، فأغنى عن
إعادته. ومما يبين لك أن خروج النبي بَّ، وخروج أصحابه من ذلك
الوادي، لم يكن كما ذكره العراقيون- أنهم لم يستيقظوا حتى ضربهم
حر الشمس، والشمس لا تكون لها حرارة إلا وقد ارتفعت وحلت
الصلاة .
وهذه اللفظة محفوظة في حديث الزهري، وفي غير ما حديث من
الأحاديث المروية في نوم النبي وَالّ عن الصلاة، منها: حديث جبير
ابن مطعم، وحديث ابن مسعود، وحديث أبي قتادة، وقد ذكرناها في
باب زید بن أسلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا أحمد بن سعيد،
وحدثنا خلف بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قالا: حدثنا
أحمد بن خالد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا
(١) سيأتي في بابه من هذا الكتاب.
ـ

فتح البر
١٨٨=
١٨٨
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما قفل
رسول الله وَلا من خيبر، أسرى ليلة حتى إذا كان من آخر الليل،
عدل عن الطريق، ثم عرس، وقال: من يحفظ علينا الصبح؟ فقال
بلال: أنا يا رسول الله، فجلس يحفظ عليهم، فنام النبي وَلاّ
وأصحابه، فبينما بلال جالس غلبته عينه، فما أيقظهم إلا حر الشمس
ففزعوا، فقال النبي وَلّ: أنمت يا بلال؟ فقال: يا رسول الله، أخذ
نفسي الذي أخذ أنفسكم. قال: فاقتادوا رواحلهم وارتحلوا عن المكان
الذي أصابتهم فيه الغفلة، ثم صلى بهم الصبح، فلما فرغ قال: من
نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فان الله عز وجل: يقول: ((أقم
الصلاة لذكرى)) قال معمر: وكان الحسن يحدث نحو هذا الحديث،
ويذكر أنهم ركعوا ركعتي الفجر ثم صلى بهم الصبح(١). ففي قوله:
فما أيقظهم الا حر الشمس، وقوله ارتحلوا عن المكان الذي اصابتهم
فيه الغفلة، دليل على صحة ما ذهب إليه أهل المدينة. ودليل آخر وهو
قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع
الشمس، فقد أدرك الصبح(٢).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال: حدثنا عبد الله بن
مسرة، ومحمد بن عبد السلام، قالا: حدثنا أبو موسى الزمن محمد
ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة،
عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي وَ لّ قال: إذا
أدركت ركعة من صلاة الفجر قبل ان تطلع الشمس، فصل إليها
أخرى(٣) .
(١) تقدم نحوه في حديث الباب.
(٢) تقدم تخريجه في بابه من هذا الكتاب.
(٣) خ: (٥٥٦/٤٧/٢) بلفظ ((فليتم صلاته)) وأخرجه: خم: (٣٤٧/٢)، هق: (٣٧٩/١)،
ابن خزيمة في صحيحه: (٩٨٦/٩٤/٢)، حب: (الإحسان (٤/ ١٥٨١/٤٥٠)، كلهم
بلفظ « فلیصل إليها أخرى».

المواقيت
١٨٩
ومعلوم أن الأخرى مع طلوع الشمس، وأي شيء أبين من هذا.
ودليل آخر- وهو ما ذكره عطاء - أن النبي وَ لّ ركع في ذلك الوادى
ركعتي الفجر، ثم سار ساعة، ثم صلى الصبح. ومعلوم أن كل وقت
تجوز فيه النافلة، يجوز فيه قضاء المنسية المفروضة، وهذا ما لا خلاف
فيه. ودليل آخر لا مدفع له- وهو قوله وَّل في آخر هذا الحديث: من
نام عن الصلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها. فهذا اطلاق أن يصلي
المنتبه والذاكر في كل وقت على ظاهر الحديث صلاته التي انتبه إليها
وذكرها.
وقد اختلف العلماء من هذا المعنى، فيمن ذكر الصلاة فاتته وهو في
آخر وقت صلاة، أو ذكر صلاة وهو في صلاة، فجملة مذهب مالك
أنه من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى، بدأ بالتي نسي إذا
کان ذلك خمس صلوات فأدنی، وإن فات وقت هذه، وإن كان أکثر
من ذلك، بدأ بالتي حضر وقتها. وعلى نحو هذا، مذهب أبي
حنيفة، والثوري، والليث، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: الترتيب
عندنا واجب في اليوم والليلة، إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة
الوقت، فان خشي فوات صلاة الوقت بدأ بها، فإن زاد على صلاة
يوم وليلة، لم يجب الترتيب عندهم، والنسيان عندهم يسقط
الترتيب. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من ذكر صلاة فائتة - وهو في
صلاة أخرى من الصلوات الخمس- فإن كان بينهما أكثر من خمس
صلوات، مضى فيما هو فيه، ثم قضى التي عليه، وإن كان أقل من
ذلك، قطع ما هو فيه وصلى التي ذكر، إلا أن يكون في آخر وقت
التي دخل فيها يخاف فوتها إن تشاغل بغيرها، فإن كان كذلك أتمها،
ثم قضى التي ذكر. وقال أبو حنيفة ومحمد: إن ذكر الوتر في صلاة
الصبح، فسدت عليه، وإن ذكر فيها ركعتي الفجر، لم تفسد.

فتح البر
١٩٠
وقال أبو يوسف لا تفسد عليه بذكر الوتر ولا بركعتي الفجر، وبه
أخذ الطحاوي، وقد روي عن الثوري وجوب الترتيب، ولم يفرق بين
القليل والكثير، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، وقال الشافعي:
الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه، فإن لم يفعل وبدأ
بصلاة الوقت أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد بن حنبل
واجب في صلاة ستين سنة وأكثر. وقال: لا ينبغي لأحد أن يصلي
صلاة وهو ذاكر لما قبلها لأنها تفسد عليه.
قال أبو عمر:
ثم نقض هذا الأصل فقال: أنا آخذ بقول سعيد بن المسيب،
ويعجبني في الذي يذكر صلاة في وقت صلاة، كرجل ذكر العشاء في
آخر وقت الفجر، قال: يصلي الفجر ولا يضيع صلاتين. أو قال
يضيع مرتين. وقال: إذا خاف طلوع الشمس فلا يضيع هذه، لقول
سعيد بن المسيب: يضيع مرتين. فهذا يصلي الصبح وهو ذاكر
العشاء، وفي ذلك نقض لأصله. وقال داود والطبري: الترتيب غير
واجب، وهو تحصيل مذهب الشافعي. ذكر الأثرم قال: حدثنا إبراهيم
ابن حمزة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أنه سمع ربيعة يقول
في الذي ينسى الظهر والعصر حتى لا يجد إلا موضع سجدة قبل
الغروب، قال يصلى العصر، ثم يصلى الظهر إذا غابت الشمس.
قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا
يونس ومنصور عن الحسن أنه كان يقول: فيمن نام عن صلاة العشاء
فاستيقظ عند طلوع الشمس، قال: يصلي الفجر ثم يصلي العشاء(١)،
قال: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: أما الحسن فيقول: يصلى تلك
وإن فاتت هذه.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٧٣٢/٤١١).

المواقيت
١٩١
قال أبو عمر:
وأما الذي يذكر صلاة وهو وراء إمام، فكل من قال بوجوب
الترتيب ومن لم يقل به -فيما علمت- يقول يتمادى مع الإمام حتى
يكمل صلاته. ثم اختلفوا: فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل:
يصلي التي ذكر، ثم يعيد التي صلى مع الامام، إلا أن يكون بينهما
أكثر من خمس صلوات- على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين، وهو
مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين. وذكر الخرقى عن أحمد بن
حنبل أنه قال: من ذكر صلاة وهو في أخرى، أتمها وقضى المذكورة،
وأعاد الصلاة التي كان فيها - إذا كان الوقت مبقى، فإن خشي خروج
الوقت اعتقد -وهو فيها- ان لا يعيدها وقد أجزأته، ويقضي التي
عليه .
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله إن بعض الناس يقول: إذا دخلت
في صلاة فأحرمت بها، ثم ذكرت صلاة نسيتها، لم تقطع التي
دخلت فيها، ولكنك إذا فرغت منها، قضيت التي نسيت، وليس
عليك إعادة هذه، فانكره وقال: ما أعلم أحدا قال بهذا، إنما أعرف أن
من الناس من قال: أنا أقطع وإن كنت خلف الإمام، وأصلى التي
ذكرت، لقول النبي وَلاّ: فليصلها إذا ذكرها. قال: وهذا شنيع أن
يقطع وهو خلف الإمام! قيل له: فما تقول أنت؟ قال يتمادى مع
الإمام، وإن كان وحده قطع. وذكر الأثرم قال: حدثنا الحكم بن
موسى، قال: حدثنا هقل، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: سمعت
الزهري يقول في الذي ينسى الظهر ولا يذكرها حتى يدخل في
العصر، قال: يمضي في صلاة الامام، فإذا انصرف، استقبل الظهر
فصلاها، ثم يصلى العصر.

فتح البر
١٩٢
قال أبو عمر:
هذا ابن شهاب يفتي بقول ابن عمر، وهو الذي يروي قول رسول
الله وَّظله: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله
يقول: ((أقم الصلاة لذكرى))(١). وقد رأى تماديه مع الإمام، ثم رأى
إعادتها - لا أدري إن كان استحبابا أو إيجابا. وقد يحتمل هذا
الحديث إيجاب الترتيب. ويحتمل أن يكون معناه الاعلام بأنها غير
ساقطة بالنوم والنسيان. وقد أجمعوا على أن الترتيب فيما كثر غير
واجب. فدل ذلك على أنه مستحب في القليل- والله أعلم. ويدلك
على أن ذلك عندهم استحباب، لأنهم يأمرونه إذا ذكرها وهو وحده
في صلاة- أن يقطعها، وإن ذكرها وراء الإمام تمادى مع الإمام.
والأصل في التمادي مع الإمام عند أكثرهم اتباع ابن عمر، وحديثه
في ذلك: ما رواه مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من
نسى صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل
الصلاة التي نسي، ثم ليصل بعدها الصلاة الأخرى. ولا مخالف له
في هذه المسألة من الصحابة، مع دلالة قول رسول الله وَله: فليصلها
إذا ذكرها(٢) .
وقد روي من حديث أبي جمعة- واسمه حبيب بن سباع وله
صحبة- قال: صلى رسول الله وَّ جله المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم،
قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسول الله،
(١) انظر حديث الباب.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

المواقيت
١٩٣
قال فصلى العصر، ثم أعاد المغرب(١). وهذا حديث منكر، يرويه ابن
لهيعة عن مجهولين. وقال الشافعي والطبري وداود: يتمادى مع
الإمام، ثم يصلي التي ذكر، ولا يعيد هذه. وليس الترتيب عند هؤلاء
بواجب- فيما قل ولا فيما كثر. ومن حجتهم أن الترتيب إنما يجب
في اليوم وأوقاته، فإذا خرج الوقت، سقط الترتيب- استدلالا
بالإجماع على أن شهر رمضان تجب الرتبة فيه، والنسق لوقته، فإذا
انقضى، سقطت الرتبة عمن كان عليه منه شيء بسفر أو علة، وجائز
أن يأتي به على غير نسق ولا رتبة متفرقا. فكذلك الصلوات
المذكورات الفوائت - والله أعلم.
واحتج داود وأصحابه بأن رسول الله وَّجله صلى ركعتي الفجر-
ذاكرا للصبح في حين نومه في سفره، قالوا فقد صلى رسول الله وَاجته
وهو ذاكر صلاة واجبة عليه ركعتي الفجر، وهما غير واجبتين عليه،
وهذا عندي لا حجة فيه، لأنه لم يذكر في ركعتي الفجر صلاة قبلها،
وإنما المراعاة أن يذكر في الصلاة ما قبلها. ولكل واحد منهم حجج
من جهة النظر في أكثرها تشعيب وتطويل، وفيما ذكرت لك من
أقاويلهم ما تقف به على المراد من معنى حديث هذا الباب- إن شاء
الله. وأما قوله في حديث مالك: ثم أمر بلالا فأقام الصلاة. يحتمل
أن يكون فأقام ولم يؤذن، ويحتمل أن يكون أقام الصلاة بما تقام به
(١) حم: (٤ / ١٠٦)، من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن يزيد أن
عبد الله بن عوف حدثه أن أبا جمعة فذكره. وذكره الهيثمي في المجمع (٣٢٩/١)، وقال: [
رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف.] وقال الزيلعي في نصب الراية
(١٦٤/٢): ((وأعله الشيخ تقي الدين في ((الإمام)) بابن لهيعة فقط وقال في ((التنقيح)): ابن
لهيعة لا يحتج به إذا انفرد ومحمد بن يزيد هو ابن أبي زياد الفلسطيني، صاحب حديث
الصور روی عنه جماعة، لکن أبو حاتم قال: هو مجهول.

فتح البر
١٩٤
من الأذان والإقامة والطهارة، وقد روي عن النبي وَجَلّ من وجوه: أنه
أمر بلالا فأذن وأقام في حين نام عن الصلاة في السفر، وقد
ذكرناها (١). وقد روى أبان العطار عن معمر، عن الزهري، عن
سعيد، عن أبي هريرة- هذا الحديث، وذكر فيه ان النبي وَلاّ صلى
الركعتين قبل صلاة الفجر، ثم أمر بلالا فأقام فصلى الفجر(٢). وهذا
ليس بمحفوظ في حديث الزهري، إلا من رواية أبان العطار عن
معمر، وأبان ليس بحجة، ولا تقبل زيادته على عبد الرزاق، لأن
عبد الرزاق أثبت الناس في معمر عندهم، وقد ذكرنا اختلاف العلماء
في الأذان لما فات من الصلوات، والحجة لكل فريق منهم في باب زيد
ابن أسلم من كتابنا هذا. وذكر أبو قرة عن مالك فيمن نام عن صلاة
الصبح حتى طلعت الشمس، أنه لا يركع ركعتي الفجر، ولا يبدأ
بشيء قبل الفريضة.
قال مالك: لم يبلغنا أن النبي وَلِلّ صلى ركعتي الفجر حين نام عن
الصبح حتى طلعت الشمس.
قال أبو عمر:
ليس في حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله
0405 ركع ركعتي الفجر في ذلك اليوم من وجه يصح. وقد روي ذلك
من وجوه كثيرة صحيحة، وقد تقدم ذكرنا لها ولجميع معاني هذا
الباب مستوعبة مبسوطة في باب مرسل زيد بن أسلم من كتابنا هذا،
فلذلك اختصرناها في هذا الباب- والله الموفق للصواب؟.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) تقدم تخريجه من طرق أخرى.

المواقيت
١٩٥
الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها
[١٩] مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَّ له نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن
الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس(١).
قال أبو عمر: هذا حديث لا يختلف في ثبوته وصحة إسناده، وقد
روي من وجوه كثيرة عن النبي وَال وقد اختلف العلماء في هذا الباب
اختلافا كثيرا لاختلاف الآثار فيه، فقال منهم قائلون لا بأس بالتطوع
بعد الصبح وبعد العصر، لأن النهي إنما قصد به إلى ترك الصلاة عند
طلوع الشمس وعند غروبها، واحتجوا من الآثار، برواية من روى
النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وروى ذلك جماعة من الصحابة،
وقد ذكرنا ذلك في باب زید بن أسلم من كتابنا هذا عند ذكر حديث
الصنابحي واحتجوا أيضا بقوله وَله: لا تصلوا بعد العصر إلا أن
تصلوا والشمس مرتفعة (٢).
وبقوله ◌َّطله: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها(٣)،
وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر،
إذا لم يكن عند الطلوع، وعند الغروب، قالوا: فالنهي عن الصلاة
(١) خ: (٢/ ٥٨٨/٧٧)، م: (٨٢٥/٥٦٦/١)، ن: (٥٦٠/٢٩٩/١)، جه :
(١٢٤٨/٣٩٥/١).
(٢) أخرجه من حديث علي: حم: (١٢٩/١)، د: (١٢٧٤/٥٥/٢)، ن: (٥٧٢/٣٠٤/١)،
وصححه ابن خزيمة (١٢٨٥/٢٦٥/٢)، حب: (الإحسان (١٥٤٧/٤١٤/٤).
(٣) خ: (٥٨٢/٧٣/٢)، م: (٨٢٨/٥٦٧/١)، ن: (١/ ٥٦٢/٣٠٠) من حديث ابن
عمر .

فتح البر
١٩٦
بعد العصر والصبح هذا معناه وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع
الذريعة، لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح والعصر لم يؤمن التمادي
فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس وغروبها.
هذا مذهب ابن عمر، وقال به جماعة:
ذكر عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن نافع سمع ابن عمر يقول:
أما أنا فلا أنهى أحدا يصلي من ليل أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع
الشمس ولا غروبها، فإن رسول الله وَ له نهى عن ذلك، روى مالك
عن ابن دينار عن عبد الله بن عمر معناه(١)، وهو قول عطاء وطاوس،
وعمر وابن جريج، وروي عن ابن مسعود نحوه.
قال أبو عمر: مذهب ابن عمر في هذا الباب خلاف مذهب أبيه،
لأن عمر رضي الله عنه حمل الحديث في هذا الباب على العموم،
فكان يضرب بالدرة من رآه يصلي نافلة بعد الصبح، أو بعد العصر،
وحديثه في ذلك ما رواه ابن عباس قال: حدثني رجال مرضيون،
منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله وَ جله قال: لا صلاة
بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب
الشمس(٢) .
حدثناه عبد الوارث بن سفيان: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا بكر
ابن حماد، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة عن
قتادة، قال: سمعت أبا العالية يحدث عن ابن عباس قال: حدثني
(١) عبد الرزاق: (٣٩٦٨/٤٣٠/٢).
(٢) خ: (٥٨١/٧٣/٢)، م: (٨٢٦/٥٦٧/١)، د: (١٢٧٦/٥٦/٢)،
ت: (٣٤٣/١ - ١٨٣/٣٤٤)، ن: (٢٩٩/١/ ٥٦١).

المواقيت
١٩٧
ناس أعجبهم إلي عمر أن رسول الله وَجُلّ نهى عن الصلاة بعد
العصر، حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح، حتى تطلع
الشمس(١). ومذهب عائشة في هذا الباب کمذهب ابن عمر. حدثنا
أحمد بن فتح، قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن
خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عفان بن مسلم
الصفار، ومحمد بن أبي نعيم، قالا: حدثنا وهيب عن ابن طاووس
عن أبيه عن عائشة قالت: أوهم عمر؟ إنما نهى رسول الله وَظله عن
الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس أو غروبها(٢).
وذكر عبد الرزاق، عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: تكره
الصلاة في ثلاث ساعات، وتحرم في ساعتين تكره بعد العصر، وبعد
الصبح، ونصف النهار في شدة الحر، وتحرم حين يطلع قرن
الشمس، حتى يستوي طلوعها وحين تصفر حتى يستوي غروبها(٣).
قال: وأخبرنا ابن جريج، قال: سمعت أبا سعيد الأعمى يخبر عن
رجل يقال له السائب مولى الفارسيين عن زيد بن خالد الجهني أنه رآه
عمر بن الخطاب، وهو خليفة، ركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه،
وضربه بالدرة، وهو يصلي، فقال له زيد: يا أمير المؤمنين اضرب!
فوالله لا أدعهما: إني رأيت رسول الله وَله، يصليهما، قال: فقال له
(١) انظر تخريجه في الحديث الذي قبله.
(٢) حم: (١٤٥/٦)، م: (٨٣٣/٥٧١/١)، ن: (٥٦٩/٣٠٢/١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: (٣٩٥٦/٤٢٧/٢).

فتح البر
١٩٨
عمر: يا زيد بن خالد: لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى
الصلاة حتى الليل، لم اضرب فيهما(١).
وقال آخرون: أما الصلاة بعد الصبح إذا كانت تطوعا أو صلاة سنة
ولم تكن قضاء فرض، فلا تجوز ألبتة، لأن رسول الله وَالله، نهى عن
الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس نهيا مطلقا ومعنى نهيه في ذلك
عن غير الفرض المعين، والذي يجب منه على الكفاية كالصلاة على
الجنائز بدليل قوله وقالله: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب
الشمس فقد أدرك العصر. وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في
باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ها هنا وممن ذهب
إلى هذا ابن عمر فيما أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال:
حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسن
قال: الزبير بن بكار، قال: حدثنا عمي مصعب بن عبد الله وإبراهيم
ابن حمزة، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن قدامة بن إبراهيم بن
محمد بن حاطب قال: ماتت عمتي- وقد أوصت أن يصلي عليها
عبد الله بن عمر- فجئته حين صلينا الصبح فأعلمته، فقال: اجلس
فجلست حتى طلعت الشمس وصفت. قال إبراهيم بن حمزة في
حديثه: وبلغت الكباش الذي في غربي مسجد رسول الله، وَ طله، ثم
قام يصلي عليها. قالوا: فبلوغ الشمس الكباش الذي في غربي
المسجد علم عند أهل المدينة لصلاة السبحة.
قالوا فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر قد كرهها بعد
الصبح.
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٣١/٢-٣٩٧٢/٤٣٢).

المواقيت
١٩٩
قال أبو عمر: قد ذكرنا مذاهب العلماء في وقت الصلاة على
الجنائز في باب زيد بن أسلم من حديث الصنابحي، قالوا فالصلاة
بعد العصر لا بأس بها ما دامت الشمس مرتفعة بيضاء لم تدن
للغروب، لأن رسول الله وَله، قد ثبت عنه أنه كان يصلي النافلة بعد
العصر، ولم يرو عنه أحد أنه صلى بعد الصبح نافلة ولا تطوعا ولا
صلاة سنة بحال، واحتجوا بقول عائشة: ما ترك رسول الله وَ الاله
ركعتين بعد العصر في بيتي قط(١)، وبنحو ذلك من الآثار التي أباحت
الصلاة بعد العصر، ولم يأت شيء منها في الصلاة بعد الصبح.
حدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا ابن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. وحدثنا محمد بن إبراهيم
قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد بن شعيب قال:
حدثنا إسحق بن إبراهيم قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال
ابن يساف عن وهب بن الأجدع، عن علي قال: قال رسول الله وَ لفنه:
لا يصلي بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة. زاد إسحق في
حديثه بيضاء نقية(٢).
وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله
حَلّ ركعتين بعد العصر في بيتي(٣). ورواه ابن عيينة وجماعة عن
هشام.
(١) خ: (٢/ ٥٩١/٨١)، م: (١/ ٨٣٥/٥٧٢[٢٩٩])، ن: (٥٧٣/٣٠٤/١).
(٢) حم: (٨١/١)، د: (١٢٧٤/٥٥/٢)، ن: (٥٧٢/٣٠٤/١).
(٣) سبق تخريجه في الحديث ما قبل الأخير.

فتح البر
٢٠٠=
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال:
حدثنا إبراهيم بن إسحق بن أبي العنبس قاضي الكوفة قال: حدثنا
جعفر بن عون، قال: حدثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن
أبي الضحى عن مسروق، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة
حبيب الله المبرأة أنه كان ◌َله، يصلي الركعتين بعد العصر، فلم
أكذبھا(١).
حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا بكر بن
حماد. وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قالا: حدثنا
إسماعيل بن إسحق قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن
المغيرة، عن أم موسى قالت بعثتني فاختة بنت قرظة إلى عائشة تسألها
عن الركعتين بعد العصر، فأتيتها وما أبالي ما قالت بعد الذي رأيت
من علي، فقالت: كان رسول الله وَخلال يصلي بعد العصر ركعتين(٢).
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أبو تميم، قال:
حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: حدثني أبي عن عائشة أنه دخل عليها
يسألها عن الركعتين بعد العصر، فقالت: والذي هو ذهب بنفسه،
تعني النبي وَلّ ما تركهما حتى لقي الله(٣).
وروي هذا عن عائشة من وجوه كثيرة رواه الأسود وغيره عنها
قالوا: والآثار قد تعارضت في الصلاة بعد العصر، والصلاة فعل
(١) خ: (٥٩٣/٨١/٢)، م: (١/ ٥٧٢-٨٣٥/٥٧٣[٣٠١])، د: (١٢٧٩/٥٨/٢)، هق:
(٤٥٨/٢) والسياق له.
(٢) انظر تخريجه فيما سبق.
(٣) خ: (٢ / ٨١/ ٥٩٠) من طريق عبد الواحد بن أيمن به.