Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
المواقيت
الكعبة، وهذا امر قد اختلف فيه، وأحسن شيء روى في ذلك ما
حدثناه خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو الطيب: وجيه بن الحسن بن
يوسف، قال : حدثنا بكار بن قتيبة أبو بكرة القاضي سنة سبعين
ومائتين، قال: حدثنا يحيى بن حماد. قال: حدثنا أبو عوانة، عن
سليمان بن مجاهد، عن ابن عباس، قال كان رسول الله عليه يصلي
نحو بيت المقدس وهو بمكة، والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر الى
المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة(١).
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من
القرآن القبلة وذلك أن رسول الله عَّه لما هاجر الى المدينة، وكان أكثر
أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود،
فاستقبلها رسول الله عَّه، بضعة عشر شهرا، ثم انصرف إلى الكعبة،
وقد ذكرنا الخبر بهذا عن ابن عباس من وجوه، في باب عبد الله بن
دینار، والحمد لله.
ففي قول ابن عباس هذا من الفقه أن الصلاة لم ينسخ منها شيء
قبل القبلة، وفيه أنه كان يصلي بمكة إلى الكعبة، وهو ظاهره أنه لم
يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة، وقد يحتمل غيره. وسنذكر الآثار
في صلاته الى بيت المقدس وتحويله بعد الى الكعبة، في باب يحيى
ابن سعيد، إن شاء الله.
وقال أبو اسحق الحربي، ثم قدم رسول الله عَّة المدينة في ربيع
الأول، فصلى الى بيت المقدس تمام سنة، إحدى عشرة، وصلى من
سنة ثنتين ستة أشهر، ثم حولت القبلة في رجب.
(١) حم: (٣٢٥/١)، وأورده الهيثمي في المجمع (١٥/٢) وقال: رواه أحمد والطبراني في
الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح.

٤٢
فتح البر
وقال موسى بن عقبة وإبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب،
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن القبلة صرفت في جمادى.
وقال الواقدي: انما صرفت صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من
شعبان. وأما قول ابن اسحق أنه صلى حينئذ ركعتين وأربع سجدات
فأظنه أخذه والله أعلم، من قول عائشة، وأما قوله أن رسول الله عَ ليه
توضأ حينئذ، وإن جبريل نزل عليه يومئذ بالوضوء، فإنما اخذه، والله
أعلم، من حديث زيد بن حارثة.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا الحسن بن
موسى، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، قال: حدثنا عقيل بن خالد،
عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه زید
ابن حارثة، أن النبي ◌َّةُ، في أول ما أوحى إليه، أتاه جبريل، عليه
السلام، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء،
فنضح بها فرجه(١).
وأما قوله في الحديث: أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما،
فمعناه، والله أعلم، أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب المرغوب
(١) حم: (١٦١/٤)، جه: (٤٦٢/١٥٧/١)، قط: (١١١/١)، هق: (١٦١/١)، ك:
(٢١٧/٣)، من طريق ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب به قال البوصيري في
زوائد ابن ماجه: ((إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة)) وله شاهد من حديث أبي هريرة:
أخرجه: ت: (٥٠/٧١/١)، جه: (٤٦٣/١٥٧/١)، من طريق الحسن بن علي الهاشمي
عن عبد الرحمن الأعرج به؛ وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب، وسمعت محمدا يقول:
الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث)) وللحديث شواهد أخرى، يصحح بها وانظر السلسلة
الصحيحة (٨٤١/٥١٢/٢).

٤٣
المواقيت
فيه، ولم يؤخرها حتى غربت الشمس، وقوله: أخر الصلاة يوما،
الاغلب فيه والله أعلم، وانه لم يكن ذلك كثيرا منه، ولو كان ذلك
كثيرا ما قيل: يوما وإن كانت ملوك بني أمية على تأخير الصلاة، كان
ذلك شأنهم قديما من زمن عثمان، وقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها
في زمن عثمان، وكان ابن مسعود ینکر ذلك عليه، ومن أجله حدث
ابن مسعود بالحديث في ذلك، وكانت وفاة ابن مسعود في خلافة
عثمان .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حثنا اسحق بن الحسن الحربي، قال: حدثنا أبو طالب الهروي، قال:
حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم: قال زر: قال عبد الله:
قال رسول الله : لعلكم تدركون اقواما يؤخرون الصلاة، فإن
أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الوقت الذي تعرفون، وصلوا معهم
واجعلوها سبحة (١).
وبهذا الاسناد عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع،
عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله، عن النبي عَّه، أخبرنا محمد
ابن زكريا، قال: حدثنا احمد بن سعيد، قال: حدثنا احمد بن خالد،
قال: حدثنا مروان بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو سعيد الاشج،
قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عبيدة، يعني ابن معتب قال: كنا
نصلي مع الحجاج الجمعة، ثم ننصرف فنبادر مسجد سماك نصلي
المغرب، وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله
المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: أخر الوليد بن عقبة
سـ
(١) ن: (٢/ ٧٧٨/٤١٠)، جه: (١٢٥٥/٣٩٨/١)، وصححه ابن خزيمة
(١٦٤٠/٦٨/٣)

٤٤
فتح البر
الصلاة مرة، فأمر ابن مسعود المؤذن فثوب بالصلاة، ثم تقدم فصلى
بالناس، فأرسل اليه الوليد: ما صنعت؟ أجاءك من أمير المؤمنين حدث
أم ابتدعت؟ فقال ابن مسعود: كل ذلك لم يكن، ولكن أبى الله
ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا، وأنت في حاجتك(١)، وذكر معمر عن
عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن
مسعود أن النبي ◌ّه: قال له: كيف بك يا أبا عبد الرحمن اذا كان
عليك امراء يطفون السنة، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها؟ قال: فكيف
تأمرني يا رسول الله؟ فقال النبي، عليه السلام، يسألني ابن أم عبد:
كيف يفعل؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الله(٢).
فإن ظن ظان أن في هذا الخبر دليلا على أنهم كانوا يؤخرونها حتى
يخرج الوقت كله، ولهذا استحقوا اسم العصيان لله، قيل له: يحتمل
أن يكون قوله، خرج على جملة طاعة الله وعصيانه في سائر الامور،
وعلى أنه لا يؤمن على ما من كان شأنه تأخيرها ابدا أن يفوته
الوقت .
وأما الآثار عنهم فتدل على ما ذكرنا. وروى معمر عن أيوب عن
ابن سيرين أن ابن مسعود قال لاصحابه يوما: إني لا ألوكم عن
الوقت، فصلى بهم الظهر، حسبته قال: حين زالت الشمس ثم قال:
إنه سيكون عليهم امراء يؤخرون الصلاة فصلوا الصلاة لوقتها، فإن
أدركتكم معهم فصلوا.
(١) عبد الرزاق في المصنف: (٣٧٩٠/٣٨٤/٢)، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢٩/١)،
وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات)).
(٢) حم: (٣٩٩/١-٤٠٠)، جه: (٢٨٦٥/٩٥٦/٢)، عبد الرزاق في المصنف:
(٣٧٨٨/٣٨٣/٢) وله شاهد عند مسلم من حديث أبي ذر وهو الآتي.

٤٥
المواقيت
ومعمر عن أبي اسحق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود، قال:
إنكم في زمان قليل خطباؤه، كثير علماؤه يطيلون الصلاة، ويقصرون
الخطبة، وأنه سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه يطيلون
الخطبة، ويؤخرون الصلاة حتى يقال: هذا شرق الموتى، قال: له: ما
شرق الموتى؟ قال: اذا أصفرت الشمس جدا، فمن ادرك ذلك فليصل
الصلاة لوقتها، فإن احتبس، فليصل معهم، وليجعل صلاته وحده
الفريضة، وصلاته معهم تطوعا.
ومما يدل على ذلك أن الفقهاء في ذلك الزمان كانوا يصلون معهم
ويأمرون بذلك. روى معمر عن رجل عن الحسن، وعن الزهري
وقتادة أنهم كانوا يصلون مع الأمراء وإن أخروا، ومعمر عن ثابت
قال: خطب الحجاج يوم الجمعة فأخر الصلاة فجعل إنسان يريد أن
یشب إلیه، ویحبسه الناس.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أرأيت إماما
يؤخر الصلاة حتى يصليها مفرطا فيها؟ فقال: صل معهم الجماعة
أحب إلي، قلت له: فمالك لا تنتهي الى قول ابن مسعود في ذلك؟
قال: الجماعة أحب الي، ما لم تفت، قلت: وإن اصفرت الشمس
للغروب، ولحقت برؤوس الجبال، قال: نعم، ما لم تفت، وعن
الثوري، عن الاعمش، عن النخعي، وخيثمة، أنهما كانا يصليان
الظهر والعصر مع الحجاج، وكان يمسى. وعن ابن جريج عن عطاء،
قال: أخر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، قال: فصليت الظهر قبل أن
أجلس، ثم صليت العصر وأنا جالس، وهو يخطب، قال: أضع يدي
على ركبتي وأومئ برأسي، وعن الثوري عن محمد بن اسماعيل قال:
رأيت سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وأخر الوليد بن
عبد الملك الصلاة، فرأيتهما يومثان إيماء وهما قاعدان. وعن الثوري

٤٦
=
فتح البر
عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق وأبي عبيدة، أنهما كانا
يصليان الظهر إذا حانت الظهر واذا حانت العصر صليا العصر في
المسجد مكانهما، وكان ابن زياد يؤخر الظهر والعصر، وعن اسرائيل،
عن عامر بن شقيق، عن شقيق قال: كان يأمرنا أن نصلي الجمعة في
بيوتنا، ثم نأتي المسجد، وذلك أن الحجاج كان يؤخر الصلاة.
وذكر سنيد: حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش عن مسلم بن صبيح
أبي الضحى قال: رأيت مسروقا وأبا عبيدة بن عبد الله، مع بعض
الامراء وأخر الوقت فأوميا في وقت الصلاة، ثم جلسا حتى صليا معه
تلك الصلاة، قال: فرأيتهما فعلا ذلك مرارا.
قال: وحدثنا أبو معاوية عن محمد بن أبي اسماعيل قال: رأيت
سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وأخر الوليد بن عبد الملك الصلاة
عن وقتها، فرأيتهما يومئان في وقت الصلاة، ثم جلسا حتى صليا
معه .
وروى محمد بن الصباح الدولابي قال: حدثنا جرير، عن أبي
فروة: عروة بن الحارث الهمداني عن إياس قال: تذاكرنا الجمعة،
واجتمع قراء أهل الكوفة أن يدعوا الصلاة مع الحجاج، لأنه كان
يؤخرها حتى تكاد تغيب الشمس، فتذاكروا ذلك، وهموا ان يجمعوا
عليه، فقال شاب منهم: ما أرى ما تفعلون شيئا ما للحجاج تصلون:
إنما تصلون لله عز وجل، فاجتمع رأيهم على أن يصلوا معه.
قال أبو عمر :
إنما صلى من صلى إيماء وقاعدا لخوف خروج الوقت، وللخوف
على نفسه القتل والضرب والله أعلم.

٤٧
المواقيت
ومن كان شأنه التأخير لم يؤمن عليه فوات الوقت وخروجه،
عصمنا الله برحمته.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن
راشد بدمشق قال: حدثنا أبو زرعة قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا
سعيد بن عبد العزيز، قال: كانوا يؤخرون الصلاة في أيام الوليد بن
عبد الملك ويستحلفون الناس أنهم ما صلوا، فأتى عبد الله بن أبي
زكريا فاستحلف أنه ما صلى، فحلف أنه ما صلى، وقد كان صلى،
وأتى مكحول فقال فلم جئنا إذن؟ فترك.
وحديث أبي ذر، عن النبي، تَّ، في الامراء المذكورين حديث
صحيح. ويقال: أن أبا ذر لم يخرج من المدينة والشام إلا على إنكاره
عليهم تأخير الصلاة، ولا يصح عندي إخراجه من المدينة على ذلك،
والله أعلم.
حدثنا خلف بن سعيد، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي، قال:
حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا اسحق بن ابرهيم قال: حدثنا
عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن أيوب، عن أبي العالية قال:
أخر عبيد الله بن زياد الصلاة، فسألت عبد الله بن الصامت، فضرب
فخذي ثم قال: سألت خليلي أبا ذر، فضرب فخذي، ثم قال: سألت
خليلي، يعني النبي، عَّ، فضرب فخذي، ثم قال: صل الصلاة
لوقتها، فإن أدركتك فصل معهم، ولا تقولن: إني قد صليت فلا
أصلي(١)، وحدثنا احمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا احمد بن اسحق قال: حدثنا
وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي العالية البراء قال: أخرت الصلاة
(١) حم: (١٤٧/٥)، م: (٤٤٩/١ /٦٤٨ [٢٤٢])، ن: (٢ /٤٠٩ /٧٧٧)

٤٨
فتح البر
على عهد عبيد الله بن زياد فمر بي عبد الله بن الصامت فذكر نحوه
بمعناه.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ، حدثتهم
قال: حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد بن
زيد، عن أبي عمران الجويني عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر،
قال: قال لي رسول الله عَّه، يا أبا ذر، كيف انت إذا كانت عليك
أمراء يمسون الصلاة أو قال: يؤخرون الصلاة؟ قال: قلت يا رسول
الله، فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإذا ادركتها معهم فصلها
فإنها لك نافلة(١)، وقد روى هذا الخبر عن النبي ◌َّه، عبادة بن
الصامت، وعامر بن ربيعة، وقبيصة بن وقاص، ومعاذ بن جبل، کما
رواه أبو ذر، وابن مسعود، وهي أيضا آثار صحاح، كلها ثابتة، وإنما
حمل العلماء والله أعلم، على الصلاة معهم، أمره عَلَّه، بذلك،
وحضه على لزوم الجماعة.
روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عاصم بن عبيد الله
ابن عاصم قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن
رسول الله عنه، قال: إنها ستكون بعدي امراء يصلون الصلاة لوقتها،
ويؤخرونها عن وقتها، فصلوا معهم، فإن صلوها لوقتها وصليتموها
معهم، فلكم ولهم، فإن أخروها عن وقتها فصلوها معهم فلكم،
وعليهم، من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن نكث العهد ومات
ناكثا للعهد جاء يوم القيامة لاحجة له(٢).
(١) م: (٦٤٨/٤٤٨/١)، د: (٤٣١/٢٩٩/١)، ت: (٣٣٢/١-١٧٦/٣٣٣)، جه:
(١٢٥٦/٣٩٨/١)
(٢) حم: (٤٤٥/٣)، عبد الرزاق في المصنف (٣٧٧٩/٣٧٩/٢) وذكره الهيثمي في المجمع
(٣٢٩/٢) وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف
إلا أن مالكا روى عنه)»، قلت: كذا قال الهيثمي لكن قوله مالكا روى عنه ليس بحجة لأن مالكا
نفسه يضعفه ( انظر الميزان)

٤٩
المواقيت
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
اسماعيل بن اسحق، واحمد بن زهير، قالا: حدثنا أبو الوليد
الطيالسي قال: حدثنا أبو هاشم الزعفراني عمار بن عمارة، قال:
حدثني صالح بن عبيد، عن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله
◌ّ، يكون عليكم امراء بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وعليهم،
فصلوها معهم ماصلوا بكم القبلة (١).
وفي قول رسول الله، عبّه، لأبي ذر: كيف بك يا أبا ذر إذا كان
عليك أمراء؟ وقوله لكبار الصحابة الذين رووا هذا الحديث، يكون
عليكم امراء، يؤخرون الصلاة، دليل على ان تأخير الصلاة عن وقتها
قد كان قبل زمان الوليد بن عبد الملك، لأن أبا ذر توفي في خلافة
عثمان بالربذة ودفن بها، على قارعة الطريق، وصلى عليه ابن مسعود
منصرفه من الكوفة الى المدينة، ومات ابن مسعود بعد ذلك بيسير
بالمدينة .
وفي قول النبي ◌َّة، في حديث أبي ذر وغيره: سيكون عليكم
أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولم يقل خلفاء، دليل على أن
عثمان رحمه الله لم يكن ممن يؤخرون الصلاة، ولا يظن ذلك به
مسلم يعرفه، ويعرف الله، لأن عثمان من الخلفاء، لا من الامراء،
(١) د: (٤٣٤/٣٠١/١) عن أبي الوليد الطيالسي. وفي سند الحديث: صالح بن عبيد قال
الحافظ في التقريب ((مقبول)) وأما قبيصة: فهو صحابي، له حديث واحد وهو هذا وقال
المزي في تهذيب الكمال في ترجمة قبيصة: روى له أبو داود حديثا وقال عقبه: حدثنا أحمد
بن عبيد عن محمد بن سعد عن أبي الوليد قال: يقولون: قبيصة بن وقاص له صحبة. ثم
قال المزي بعد ما ذكر الحديث بسنده (٤٩٧/٢٣) من طريق الطبراني وأبي الوليد الطيالسي:
((رواه عن أبي الوليد، فوافقناه فيه بعلو)).

فتح البر
٥٠
وقال رسول الله : عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الرشدين المهديين
بعدي(١)، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فسماهم خلفاء
وقال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون امرة وملكا وجبروتا(٢)،
فتضمنت مدة الخلافة الاربعة المذكورين، رضوان الله عليهم اجمعين.
ولعل جاهلا بأخبار الناس يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان من
الفضل والدين، والتقدم في العلم والخير، بحيث لا يظن به أحد أن
يؤخر الصلاة عن أفضل وقتها، كما كان يصنع بنو عمه، فإن قيل
ذلك، فإن عمر رحمه الله كان كما ذكرنا، وفوق ما ذكرنا إذ ولي
الخلافة، وأما وهو أمير على المدينة أيام عبد الملك، والوليد، فلم يكن
كذلك، وهذا أشهر عند العلماء من أن يحتاج فيه الى إكثار.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل،
قال: حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن سعد قال: حدثنا
محمد بن عمر، قال: حدثني ابن أبي سبرة عن المنذر بن عبيد، قال:
ولي عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرت حاله في العصر.
وفي هذا الحديث أيضا ما كان عليه العلماء من صحبة للأمراء،
والدخول عليهم، وإذا كان الامير أو الخليفة يستديم صحبة العلماء
فأجدر به أن يكون عدلا مأمونا، وكان عمر رحمه الله، يصحب
جماعة من العلماء، كابن شهاب، وميمون بن مهران، ورجاء بن
(١) حم: (١٢٦/٤-١٢٧)، د: (٤٦٠٧/١٣/٥)، ت: (٤٤/٥-٢٦٧٦/٤٥) وقال: حسن
صحيح، جه: (٤٣/١٦/١)، حب: (الإحسان (٥/١٧٨/١)، ك: (١ /٩٥-٩٦) وقال:
هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي.
(٢) حم: (٢٢٠/٥-٢٢١)، د: (٤٦٤٦/٣٦/٥)، ت: (٢٢٢٦/٥٠٣/٤) وقال حديث
حسن. حب: ( الإحسان (٦٦٥٧/٣٥/١٥) و (٦٩٤٣/٣٩٢/١٥)، ك: (١٤٥,٧١/٣)
وصحح إسناده ووافقه الذهبي.

المواقيت
٥١
=
حيوة. وكان قبل ذلك يصحب عبيد الله بن عبد الله، وعروة
وطبقتهما .
ذكر الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا سليمان بن حرب، وعارم
ابن الفضل، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير، قال:
دخلت على عمر بن عبد العزيز فسألني عن الحسن كما يسأل الرجل
عن ولده، فقال: كيف طعمه؟ وهل رأيته يدخل على عدي بن أرطاة؟
وأين مجلسه منه؟ وهل رأيته يطعم عند عدي؟ قال: قلت: نعم وليس
بنكير أن يكون عمر بن عبد العزيز خفي عليه حديث نزول جبريل
على النبي ◌َّ، بمواقيت الصلاة، وقد خفي ذلك عن المغيرة بن
شعبة، وله صحبة، وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة، لا
ينكر على أحد جهل بعضها، والاحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من
أئمة الامصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية
من طريق الاحاد، وحسبك بعمر بن الخطاب، فقد فاته من هذا
الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد، من رواية مالك في الموطأ،
ومن رواية غيره أيضا، وليس ذلك بضار له، ولا ناقص من منزلته،
وكذلك سائر الائمة، لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن،
إذ ذاك يسير في جنب كثير ولو لم يجز للعالم أن يفتى، ولا أن يتكلم
في العلم، حتى يحيط بجميع السنن، ما جاز ذلك لأحد أبدا وإذا
علم العالم أعظم السنن، وكان ذا فهم ومعرفة بالقرآن، واختلاف من
قبله من العلماء، جاز له القول بالفتوى، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: إن جهل مواقيت الصلاة لا يسع احدا فكيف جاز
على عمر؟ قيل له: ليس في جهله بالسبب الموجب لعلم المواقيت ما
يدل على جهله بالمواقيت، وقد يكون ذلك عنده عملا واتفاقا، وأخذا
عن علماء عصره، ولا يعرف أصل ذلك کیف کان: النزول من جبريل

فتح البر
٥٢
بها على النبي عَّة؟ أم بما سنه النبي ﴾؟ كما سن غير ما شيء
وفرضه، في الصلاة، والزكاة، والحج، مما لا يمكن أن يقول كل ذي
علم: أن جبريل نزل بذلك كله، والامر في هذا واضح يغني عن
الاكثار.
وفي هذا الحديث دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا
تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء الا شيئا روي عن
أبي موسى الاشعري، وعن بعض التابعين، أجمع العلماء على
خلافه، فلم أر لذكره وجها، لأنه لا يصح عنهم، وقد صح عن أبي
موسى خلافه، مما وافق الجماعة فصار اتفاقا صحيحا.
وهذا حين آل بنا القول إلى ذكر مواقيت الصلاة، وما أجمع عليه
العلماء من ذلك، وما اختلفوا فيه، فهو أولى المواضع بذلك في كتابنا
هذا .
قال أبو عمر:
أجمع علماء المسلمين في كل عصر ، وفي كل مصر، بلغنا عنهم
أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، ووسط الفلك، اذا
استوقن ذلك في الارض بالتفقد، والتأمل، وذلك ابتداء زيادة الظل
بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف جميعا. وإن كان الظل مخالفا
في الصيف له في الشتاء، وهذا اجماع من علماء المسلمين كلهم في
أول وقت الظهر، فإذا تبين زوال الشمس بما ذكرنا أو بغيره فقد حل
وقت الظهر، وذلك ما لا خلاف فيه، وذلك تفسير لقوله، تعالى
﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: (٧٨)]. ودلوكها ميلها عند أكثر
العلماء، ومنهم من قال: دلوكها: غروبها، واللغة محتملة للقولين،
والأول أكثر.

٥٣
المواقيت
وكان مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا بعد الزوال، حتى
يكون الفيء ذراعا على ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله.
واختلفوا في وقت الجمعة، فروى ابن القاسم عن مالك: وقت
الجمعة وقت الظهر، لا تجب الا بعد الزوال، وتصلى الى غروب
الشمس، قال ابن القاسم ان صلى من الجمعة ركعة ثم غربت الشمس
صلى الركعة الاخرى بعد المغيب جمعة.
وقال أبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي: وقت الجمعة وقت
الظهر، فإن فات وقت الظهر بدخول وقت العصر لم تصل الجمعة،
قال أبو حنيفة وأصحابه: إن دخل وقت العصر وقد بقي من
الجمعة سجدة أو قعدة فسدت الجمعة، ويستقبل الظهر. وقال
الشافعي: اذا خرج الوقت قبل أن يسلم أتمها ظهرا. وهو قول
عبد الملك بن عبد العزيز، وكل هؤلاء يقول: لا تجوز الجمعة قبل
الزوال، ولا يخطب لها إلا بعد الزوال، وعلى هذا جمهور الفقهاء
وأئمة الفتوى وقد كان أحمد بن جنبل يقول: من صلاها قبل الزوال
لم أعبه، وقال الأثرم: قلت له: يا أبا عبد الله ما ترى في صلاة
الجمعة قبل زوال الشمس؟ فقال: فيها من الاختلاف ما قد علمت.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا ابن
وضاح: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا
عبد الحميد بن زيد الانصاري، عن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر عن
جابر قال: كنا نصلي مع النبي، ◌َّ، الجمعة، ثم نرجع فنقيل(١)،
وذكر أبو بكر الأثرم عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون
(١) حم: (٣٣١/٣)، ابن أبي شيبة في المصنف (٥١٣٧/٤٤٥/١)، وأخرجه: م:
(٨٥٨/٥٨٨/٢) لكن بلفظ ((كنا نصلي مع رسول الله وَّ ر ثم نرجع فتريح نواضحنا.))
(١) خ: (٩٠٥/٤٩١/٢).

فتح البر
٥٤
الجمعة قبل الزوال، وهو حديث يدور على عبد الله بن سيدان
وعبد الله بن سیدان شامي، أو جزري روى عنه ثابت بن الحجاج،
وميمون بن مهران وحديثه هذا إنما يرويه جعفر بن برقان والله أعلم.
وذكر أيضا حديث حميد، عن أنس: كنا نبكر بالجمعة، ونقيل
بعدها (١). وحديث سهل بن سعد: كنا نبكر إلى الجمعة على عهد
رسول الله، ◌َّة، ثم نرجع فنتغدى ونقيل(٢). وهو حديث في إسناده
ضعف، وذكر حديث شعبة، عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن
سلمة قال: كان عبد الله بن مسعود يصلي بنا الجمعة ضحى، ويقول:
إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم. وعن مجاهد: إنما هي صلاة
عید .
قال أبو عمر:
قد روى مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه أن عمر كان يصلي
الجمعة بعد الزوال، بدليل غشيان الظل طنفسة عقيل، ومن جهة النظر
لما كانت الجمعة تمنع من الظهر دون غيرها من الصلوات دل على أن
وقتها وقت الظهر. وقد أجمعوا على أن من صلاها في وقت الظهر
فقد صلاها في وقتها، فدل ذلك على أنها ليست كصلاة العيد، لأن
العيد لا يصلى بعد الزوال.
واختلفوا في آخر وقت الظهر، فقال مالك وأصحابه: آخر وقت
الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله، بعد القدر الذي زالت عليه
الشمس، وهو أول وقت العصر، بلا فصل، وبذلك قال ابن المبارك
(١) خ: (٢/ ٩٠٥/٤٩١)
(٢) حم: (٤٣٣/٣) و(٣٣٦/٥)، خ: (٩٤١/٥٤٤/٢)، م:(٨٥٩/٥٨٨/٢)،
د: (١٠٨٦/٦٥٤/١)، ت: (٥٢٥/٤٠٣/٢)، وقال حديث سهل بن سعد حديث حسن
صحيح، جه: (١٠٩٩/٣٥٠/١).

المواقيت
وجماعة، ويستحب مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد
هذا المقدار قليلا ما دامت الشمس بيضاء نقية وحجة من قال ذلك،
حديث ابن عباس، وغيره، في امامة جبريل، وأنه صلى بالنبي،
عَّهِ، الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس
من يومه ذلك، بلا فصل، وقال الشافعي، وأبو ثور، وداود،
وأصحابهم: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله وبين آخر
وقت الظهر وأول العصر فاصلة، وهو أن يزيد الظل أدنى زيادة على
المثل.
وحجة من قال بهذا القول حديث أبي قتادة، عن النبي عَّة، أنه
قال: ليس التفريط في النوم، انما التفريط في اليقظة على من لم يصل
الصلاة حتى يدخل وقت الاخرى(١)، وهذا عندهم فيما عدا صلاة
الصبح، للاجماع في الصبح أنها تفوت، ويخرج وقتها، بطلوع
الشمس. وحجتهم أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن
النبي ◌ّه، أنه قال: وقت الظهر ما لم تحضر العصر(٢).
وأما حديث أبي قتادة فقرأته على سعيد بن نصر، أن قاسم بن
أصبغ حدثهم قال: حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن وضاح، قال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة عن سليمان بن المغيرة،
عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله
◌ّة ليس في النوم تفريط، ولكن التفريط على من لم يصل الصلاة
حتى تجيء الصلاة الأخرى(٣).
(١) م: (١/ ٦٨١/٤٧٢)، د: (٣٠٤/١-٤٣٧/٣٠٥)، ت: (١/ ٣٣٤ / ١٧٧)
ن: (١ / ٦١٤/٣٢٠ و٦١٥).
(٢) حم: (٢/ ٢٨٠-٣٩٦/٢٨١)، ن: (١/ ٢٨٠-٥٢١/٢٨١)،
(٣) انظر ما قبل الأخير.

فتح البر
٥٦
وأخبرنا خلف بن القاسم، وأصبغ بن عبد الله بن مسرة قالا:
حدثنا بكير بن الحسن بن عبد الله المرادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكرة
بكار بن قتيبة القاضي، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا
سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة
قال: قال رسول الله عَليه: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في
اليقظة: أن يؤخر صلاة الى وقت اخرى(١).
وسنذكر حديث عبد الله بن عمرو من هذا الباب في موضعه.
وقال الثوري، والحسن بن حي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن
الشیباني، واحمد بن حنبل، واسحق بن راهويه، ومحمد بن جرير
الطبري: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله: ثم يدخل وقت
العصر، لم يذكروا فاصلة، إلا أن قولهم: ((ثم يدخل وقت العصر))
يدل على فاصلة.
وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر اذا كان ظل كل شيء مثليه،
فخالف الآثار، والناس: لقوله بالمثلين في آخر وقت الظهر، وخالفه
أصحابه. وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة، زعم أنه قال:
آخر وقت الظهر اذا كان ظل كل شيء مثله. على قول الجماعة، ولا
يدخل في وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فترك بين
الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصح لاحدهما.
وأما أول وقت العصر فقد تبين من قول مالك فيه ما ذكرنا، ومن
قول الشافعي ومن تبعه ما وصفنا، ومن قول سائر العلماء أيضا من
مراعاة المثل ما قد بينا، وهو كله أمر متقارب.
(١) سبق تخريجه: انظر الذي قبله.

٥٧
-
المواقيت
وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر من حين يصير الظل مثلين، وهو
خلاف الآثار، وخلاف الجمهور.
واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال مالك: آخر وقت العصر أن
يكون ظل كل شيء مثليه، يعد المثل الذي زالت عليه الشمس، وهذا
محمول عندنا من قوله على وقت الاختيار، وما دامت الشمس بيضاء
نقية، فهو وقت مختار لصلاة العصر عنده وعند سائر العلماء، والحمد
لله .
وقد أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية لم
تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن
مراعاة المثلين عندهم استحباب، وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا في
وقت العصر في باب اسحق بن أبي طلحة وغيره ما فيه كفاية. فنذكر
ها هنا أقاويلهم في آخر وقت العصر.
فقال الثوري إن صلاها ولم تتغير الشمس فقد أجزأه، وأحب إلي
ان يصليها إذا كان ظله مثله، إلى أن يكون مثليه.
وقال الشافعي: أول وقتها في الصيف اذا جاوز ظل كل شيء مثله
بشيء ما كان، ومن آخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في
الصيف، أو قدر ذلك في الشتاء، فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز
ان يقال: فاته وقت العصر مطلقا، كما جاز على الذي أخر الظهر إلى
أن جاوز ظل كل شيء مثله، قال: وإنما قلت ذلك، لحديث أبي
هريرة عن النبي عة، انه قال: من أدرك ركعة من العصر قبل ان
تغرب الشمس فقد أدركها(١).
(١) خ: (٥٧٩/٧١/١)، م: (٦٠٨/٤٢٤/١)، د: (٤١٢/٢٨٨/١)،
ت: (١٨٦/٣٥٣/١)، ن: (٥١٦/٢٧٩/١)، جه: (٦٩٩/٢٢٩/١).

فتح البر
٥٨
قال أبو عمر:
إنما جعل الشافعي وقت الاختيار لحديث امامة جبريل وحديث
العلاء، عن أنس ، تلك صلاة المنافقين(١) ونحوهما من الآثار، ولم
يقطع بخروج وقتها: لحديث أبي هريرة الذي ذكره، ومذهب مالك
نحو هذا وقد كان يلزم الشافعي ان لا يشرك بين الظهر والعصر في
الوقت لاصحاب الضرورات، لخروج وقت الظهر عنده بكمال المثل،
ولكن وقت الحضر عنده وقت رفاهية ومقام لا يتعدى ما جاء فيه،
وأما أصحاب الضرورات فأوقاتهم كأوقات المسافر، لعذر السفر
وضرورته، والسفر عنده تشترك فيه صلاتا النهار وصلاتا الليل، على
ما نذكره في باب أبي الزبير ان شاء الله، وأصحاب الضرورات:
الحائض تطهر، والمغمى عليه يفيق، والكافر يسلم، والغلام يحتلم،
وقد ذكرنا احكامهم، وما للعلماء في ذلك من المذاهب، في باب زيد
ابن أسلم، والحمد لله.
وأما مالك فقد روى عنه ابن وهب وغيره، أن الظهر والعصر آخر
وقتهما غروب الشمس، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، مطلقا،
رواية ابن وهب عن مالك لذلك محمولة عند أصحابه لأهل
الضرورات كالمغمى عليه، ومن أشبهه، على ما قد أوضحناه في باب
زید بن أسلم، والحمد لله.
وروى ابن القاسم عن مالك آخر وقت العصر اصفرار الشمس.
وقال أبو يوسف، ومحمد، وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته،
فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس. وقال أبو ثور: أول وقتها إذا
كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وزاد على الظل زيادة تبين، إلى
أن تصفر الشمس. وهو قول احمد بن حنبل: آخر وقت العصر ما لم
(١) م: (٦٢٢/٤٣٤/١)، د: (٢٨٨/١-٤١٣/٢٨٩)، ت: (١٦٠/٣٠١/١).

المواقيت
٥٩
تصفر الشمس، وحجة من قال بهذا القول حديث عبد الله بن عمرو
عن النبي ◌َّى أنه قال: وقت العصر ما لم تصفر الشمس(١). رواه
قتادة عن أبي أيوب الازدي عنه، وقال اسحق بن راهويه: آخر وقت
العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وهو قول داود، لكل
الناس: معذور، وغير معذور، صاحب ضرورة، وصاحب رفاهية،
إلا أن الأفضل عنده وعند اسحق أيضا أول الوقت، وقال الاوزاعي:
إن ركع ركعة قبل غروبها، وركعة بعد غروبها، فقد أدركها. وحجتهم
حديث أبي هريرة من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس
فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد
أدرك الصبح(٢).
واختلفوا في آخر وقت المغرب بعد إجماعهم على أن أول وقتها
غروب الشمس، والظاهر من قول مالك أن وقتها وقت واحد، عند
مغيب الشمس. وبهذا تواترت الروايات عنه، إلا أنه قال في الموطأ،
فإذا غاب الشفق، فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء، وبهذا
القول قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والحسن بن حي،
وأحمد، واسحق، وأبو ثور، وداود، والطبري.
وحجة من قال بهذا القول وجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات
ما حدثنا به عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهیر، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا بدر بن
صَّى الله
عثمان، قال حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي عَّ﴾
أنه أتاه سائل فسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا، فأمر
(١) حم: (٢ / ٢١٠ و٢١٣ و٢٢٣)، م: (٦١٢/٤٢٧/١[١٧٢])، د: (١/ ٢٨٠-٣٩٦/٢٨١)،
ن: (٢٨١/١-٥٢١/٢٨٢).
(٢) خ: (٥٨٠/٧٢/٢)، م: (٦٠٨/٤٢٤/٢)، د: (٤١٢/٢٨٨/١)، ت: (١٨٦/٣٥٣/١)،
ن: (٥١٣/٢٧٨/١-٥١٤)، جه: (٦٩٩/٢٢٩/١).

فتح البر
= ٦٠
بلالا فأقام بالفجر، حين أنشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم
بعضا، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول:
انتصف النهار أو لم، فكان أعلم منهم، ثم أمره، فأقام العصر
والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره
فاقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف
منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان
قريبا من العصر، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول:
احمرت الشمس، وأخر المغرب حتى كان سقوط الشفق، ثم أخر
العشاء حتى كان ثلث الليل، ثم أصبح فدعا بالسائل، فقال: الوقت
فیما بین هذين(١).
وروى الثوري وغيره، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
عن أبيه عن النبي يده، أنه جاءه رجل فسأله عن وقت الصلاة،
فقال: أقم معنا هذين اليومين، فأمر بلالا فأقام عند الفجر، فذكر
الحديث بمعنى حديث أبي موسى سواء، في المغرب وغيرها وقتين(٢).
حدثنامحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا
احمد بن شعيب، قال: حدثنا عمرو بن هشام، قال: حدثنا مخلد بن
يزيد، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن
بريدة، عن أبيه عن النبي ◌َّ﴾ (٣).
وحدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا احمد بن الفضل، قال:
حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا
اسحق بن یوسف، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن علقمه بن مرثد،
عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ◌َُّ فذكره(٤)، قالوا وهذه
(١) و(٢) و(٣) و(٤) م: (٦١٣/٤٢٨/١)، ت: (١٥٢/٢٨٦/١)، ن: (١/ ٥١٨/٢٨٠)،
جه: (٢١٩/١/ ٦٦٧).