Indexed OCR Text

Pages 81-100

النجاسات
٨١ -
الوراق ، حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا مسلم بن
إبراهیم، قالا جمیعا : حدثنا همام ، قال حدثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي
طلحة، عن أنس بن مالك - أن أعرابيا أتى المسجد فبال فيه، فسكت عنه
النبي وَّ ثم دعا بماء فصبه عليه (١).
ورواه أبو هريرة عن النبي لم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة ؛ وعن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة (٢)؛ وهذا الحديث
أصح حديث يروى عن النبي ◌َّ في الماء، وهو ينفي التحديد في مقدار
الماء الذي تلحقه النجاسة ، ويقضي ان الماء طاهر مطهر لكل ما غلب عليه؛
وأن كل ما مازجه من النجاسات وخالطه من الاقذار لا يفسده إلا أن
يظهر ذلك فيه او يغلب عليه ؛ فإن كان الماء غالبا مستهلكا النجاسات،
فهو مطهر لها، وهي غير مؤثرة فيه، وسواء في ذلك قليل الماء وكثيره ؛ هذا
ما يوجبه هذا الحديث واليه ذهب جماعة من أهل المدينة ، منهم : سعيد بن
المسيب، وابن شهاب، وربيعة ، وهو مذهب المدنيين من أصحاب مالك
ومن قال بقولهم من البغداديين؛ وهو مذهب فقهاء البصرة ، واليه ذهب
داود بن علي وهو اصح مذهب في الماء من جهة الأثر ، ومن جهة النظر ؛
لأن الله قد سمى الماء المطلق طهورا، يريد طاهرا مطهرا فاعلا في غيره ؛
وقد بينا وجه ذلك في اللغة في باب إسحاق. وقال ◌َله: الماء لا ينجسه
شيء(٣) -یعني إلا ما غلب عليه فغيره، یرید في طعم أو لون أو ريح؛ وقد
(١) سبق تخريجه تحت الحدیث قبله.
(٢) خ (٢٢٠/٤٢٩/١). د (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤ /٣٨٠). ت (٢٧٥/١ - ٢٧٦ /١٤٧).
ن (١/ ٥١-٥٦/٥٢). جه (٥٢٩/١٧٦/١). كلهم من حديث أبي هريرة.
(٣) حم (١٦/٣-٣١-٨٦). د (٦٦/٥٥٠٠.٥٣/١-٦٧)، ت (٩٥/١-٦٦/٩٦). وقال: ((هذا
حدیث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث)).
ن (١/ ٣٢٦/١٩١) وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم ((تلخيص
الحبير:٣/١)).

فتح البر
٨٢
=
اوضحنا هذا المعنى وذكرنا فيه اختلاف العلماء، وبينا موضع الاختيار
عندنا في ذلك ممهدا مبسوطا في باب إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة من
هذا الكتاب ، فلا معنی لتکریر ذلك ههنا - والحمد لله .
وهذا الحديث ينقض على أصحاب الشافعي ما أصلوه في الفرق بين
ورود النجاسة على الماء ، وبين وروده عليها ؛ لأنهم يقولون : إن ورود الماء
في الارض على النجاسة، او في مستنقع مثل الإناء وشبهه انه لا يطهره
حتى يكون الماء قلتين؛ وقد علمنا أن الذنوب الذي صبه رسول الله وَلآه
على بول الأعرابي لم يعتبر فيه قلتين ولو كان في الماء مقدار يراعى ، لاعتبر
ذلك في الصب على بول الأعرابي ؛ ومعلوم أن ذلك الذنوب ليس بمقدار
القلتين الذي جعله الشافعي حدا - والله اعلم .
ومن اصحاب الشافعي من فرق بين ورود الماء على النجاسات، وبین
ورودها عليه؛ فاعتبر مقدار القلتين في ورود النجاسة على الماء، ولم يعتبر
ذلك في ورود الماء عليها ؛ بحديث أبي هريرة عن النبي ◌ّ في غسل اليد
لمن استيقظ من نومه قبل أن يدخلها في الإناء (١)، وقد أوضحنا هذا المعنى
في باب أبي الزناد- والحمد لله .
واما الحديث الذي ذهب اليه الشافعي في هذا الباب - حديث القلتين
فإنه حدیث یدور على محمد بن جعفر بن الزبير - وهو شيخ ليس بحجة فيما
انفرد به . رواه عنه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير ، فبعضهم يقول فيه
عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه؛
(١) م (١/ ٢٣٣/ ٢٧٨) ولفظه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها
ثلاثا. فإنه لا يدري أين باتت يداه)). د (٧٩/١/ ١٠٣).
ت (٢٤/٣٦/١). ن (١/١٣/١). جه (١٣٨/١-٣٩٣/١٣٩). كلهم من حديث أبي
هريرة.

النجاسات
٨٣ =
وبعضهم يقول فيه : عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عمر ،
عن أبيه، وقد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر ، عن عبيد الله بن
عبدالله بن عمر ، عن أبيه - وكلهم يرفعه، وعاصم بن المنذر عندهم قال
إسماعيل بن إسحاق : هذان شيخان - يعني محمد بن جعفر بن الزبير،
وعاصم بن المنذر - لا يحتملان التفرد بمثل هذا الحكم الجليل، ولا يكونان
حجة فيه، قال : ومقدار القلتين غير معلوم ، قال : ومن ذهب الى انها قلال
هجر، فمحال ان يسن رسول الله وَ لي لأهل المدينة سنة على قلال هجر مع
اختلافها واكثر من القول في ذلك .
قال أبو عمر :
إذا لم يصح حديث القلتين في التحديد المفرق بين قليل الماء الذي تلحقه
النجاسة ، وبین الکثیر منه الذي لا تلحقه ؛ إلا بأن یغلب عليه في ريح او
لون او طعم ؛ فلا وجه للفرق بين اليسير من الماء والكثير منه من جهة
النظر إذا لم يصح فيه اثر ، وما رواه أهل المغرب عن مالك في ذلك فعلى
وجه التنزه والاستحباب ، والله الموفق للصواب، وما مضى في هذا المعنى
في باب اسحاق وأبي الزناد كاف إن شاء الله .

.

١٤ - كتاب الاستطابة
وآداب قضاء الحاجة

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٨٧ -
ما جاء في الإيتار في الاستجمار
[١] مالك عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة أن رسول الله وَل
قال: من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر(١).
قال أبو عمر:
لا يصح عن مالك ولا عن ابن شهاب في هذا الحديث غير هذا الاسناد،
وقد وهم فيه عثمان الطرايفي عن مالك أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر
حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد بن صالح حدثنا عبدالله بن محمد بن ناجية
حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن المفضل حدثنا عثمان بن عبدالرحمن حدثنا
مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: من
توضأ فليستثر ومن استجمر فليوتر(٢).
قال أبو الحسن علي بن عمر هذا وهم، ولا يصح فيه عن مالك ولا عن
الزهري غير حديث أبي إدريس الخولاني، وقد رواه اسيد بن عاصم عن
بشر بن عمر عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي
هريرة، عن النبي وَّر. وذلك أيضًا خطأ والصواب ما في الموطأ.
وقد مضى القول في الاستئثار وحكمه وما للعلماء في ذلك من الاقوال،
في باب حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي، واما
الاستجمار فهو الاستطابة بالاحجار، ومعناه إزالة الأذى من المخرج
بالاحجار. قال ابن الأنباري: معنى الاستجمار: التمسح بالأحجار،
والجمار عند العرب الحجارة الصغار، وبه سميت جمار مكة . قال : ومنه
(١) و(٢) حم (٢٣٦/٢-٢٧٧ -٣٠٨ -٤٠١ -٥١٨). خ (١ / ٣٤٧/ ١٦١).
م (١ / ٢١٢/ ٢٣٧ [٢٢]). ن (١ / ٨٨/٧١). جه (١/ ٤٠٩/١٤٣). من طرق عن ابن شهاب به.

M=
فتح البر
الحديث الذي يروى ، إذا توضأت فانثر وإذا استجمرت فأوتر(١).
قال أبو عمر :
هذا اللفظ يرويه منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس
الاشجعي، عن النبي ◌ُّله. قال ابن الانبارى ومعنى الوتر عندهم أن يوتر
من الجمار، وهي الحجارة الصغار ويقال قد جمر الرجل يجمر تجمیرا اذا رمى
جمار مكة قال عمر بن أبي ربيعة .
ولا کلیالي الحج افلتن ذا هوی
فلم أر کالتجمیر منظر ناظر
افلتن يعني اهلكن، والفلت بفتح اللام الهلاك . ومنه قيل، المسافر على
فلت إلا ما وقی الله منه .
قال أبو عمر :
ویروی أفتن ذا هوی، ویفتن ذا هوی. وهذا شعر عرضت فيه قصة
طريفة لعمر بن أبي ربيعة، مع سليمان بن عبد الملك، وهي حكاية عجيبة،
حدثنيها عبد الله بن محمد بن يوسف قال : أنبأنا العاندي، قال : انبأنا أبو
محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن
عبد الله بن بكر بن عمار الثقفي البغدادي، قال : حدثني عبد الرحمن بن
عبدالله الكوفي، عن مصعد الزبيري، عن الضحاك بن عثمان، أن سليمان بن
عبدالملك حج في خلافته، فارسل الى عمر بن أبي ربيعة فأتاه فقال له أنت
القائل:
وكم من قتيل لا يباء به دم
ومن غلق رهنا اذا ضمه منى
(١) ت (٢٧/٤٠/١) وقال حديث حسن صحيح. ن (٨٩/٧١/١). جه (٤٠٦/١٤٢/١).

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٨٩ سك
ومن ماليء عينيه من شيء غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض کالدما
يسحين أذيال المروط بأسوق
خوال اذا أولين اعجازها روا؟
اونس يسلين الحليم فؤاده
فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلا
فلم أر كالتجمير منظر ناظر
ولا كليالي الحج افلتن ذا هوى
قال: نعم، قال لا جرم والله لا تشهد الحج مع الناس العام .
واخرجه الى الطائف . وذكر هذا الخبر محمد بن خلف . أنبأنا وكيع قال:
حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا مصعب بن عبدالله قال : حج سليمان بن
عبدالملك وهو خليفة، فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له : ألست
القائل:
فکم من قتيل لا یباء به دم ومن غلق رهنا إذا ضمه منی
فذكر الأبيات والخبر سواء إلا انه قال :
خدال وأعجاز مئاکمھا روی
یسجن أذيال المروط بأسوق
ولم يذكر الضحاك بن عثمان .
وعرضت له فيه أيضًا مع عمر بن عبدالعزيز قصة يليق بأهل الدین
الوقوف عليها . ذكر الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن كناسة عن أبي بكر
ابن عياش أن عمر بن أبي ربيعة قال هذا الشعر في أم عمر بنت مروان في

فتح البر
٩٠
خبر ذكره. قال الزبير وحدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن عبدالعزیز، لما
ولي الخلافة، لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة، والأحوص، فكتب الى
عامله بالمدينة اني قد عرفت عمر والاحوص بالخبث والشر، فاذا اتاك كتابي
هذا فاشددهما واحملهما إلي، فلما اتاه الکتاب حملهما إلیه، فأقبل على عمر، ثم
قال هیه ؟ .
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليالي الحج افلتن ذا هوى
ومن مالى عينيه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض کالدما
اما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر الى شيء غيرك فاذا لم يفلت الناس
منك في هذه الايام فمتى يفلتون ثم أمر بنفيه: فقال يا أمير المؤمنين أو خير
من ذلك ؟ قال : ما هو ؟ قال : اعاهد الله عز وجل على أن لا أعود لمثل
هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبدا . وأجدد توبة على يديك. قال :
أو تفعل ؟ قال نعم . فعاهد الله علی توبته فخلاه. ثم دعى بالأحوص فقال
هیه:
الله بيني وبين قيمها يهرب مني بها وأتبع
بل الله بين قيمها وبينك . ثم امر بنفيه، فكلمه فيه رجال من الانصار
فأبى وقال : والله لا ارده ما دام لي سلطان، فإنه فاسق مجاهر . والتجمير
أيضًا في لسان العرب أن یرمی بالجند في ثغر من ثغور المسلمین، ثم لا يؤذن
لهم في الرجوع، قال حميد الارقط :
فاليوم لا ظلم ولا تجمير ولا لغاز ان غزا تجمير
وقال بعض الغزاة المجمرين:
معاوي إما أن تجمر أهلنا إلينا وإما أن نؤب معاويا
اجمرتنا إجمار کسری جنوده ومنيتنا حتى مللنا الأمانیا

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٩١=
واختلف العلماء في إزالة الأذى من المخرج بالماء، أو بالاحجار، هل هو
فرض واجب أم سنة مسنونة، فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن
ذلك ليس بواجب فرضا وانه سنة لا ينبغي تركها . وتاركها عمدا مسيء .
فان صلى كذلك فلا إعادة عليه إلا ان مالكا يستحب له الاعادة في الوقت،
وعلى ذلك اصحابه، والإعادة في الوقت ليست بواجبة عنده ولا عند كل
من قال كقوله، وانما هو استدراك لما فاته من السنة في الوقت، ولو وجب في
السنن أن تعاد بعد الوقت لكانت كالفرائض في وجوبها .
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل، وابو ثور، والطبري : الاستنجاء
واجب، لا تجزيء صلاة من صلى دون ان يستنجى بالاحجار أو بالماء،
وموضع المخرج مخصوص عند الجميع بالاحجار، واما سائر البدن
والثياب، فلا مدخل للاحجار فيها .
ويجوز عند مالك وابي حنيفة واصحابه الاستنجاء بأقل من ثلاثة احجار
اذا ذهب النجس، لأن الوتر يقع على الواحد، فما فوقه. والوتر عندهم
مستحب وليس بواجب . واذا كان الاستنجاء عندهم ليس بواجب فالوتر
فيه أحرى بأن لا يكون واجبا، وقد روي عن النبي ◌َّ في ذلك: من فعل
فقد أحسن، ومن لا فلا حرج .
وحدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا
إبراهيم بن موسى ، حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن الحصين
الحرابي، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لا من استجمر
فليوتر من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج الحديث(١) .
(١) د (٣٣/١-٣٥/٣٤). جه (١٢١/١-١٢٢/ ٣٣٧).
حب: الإحسان (١٤١٠/٢٥٧/٤). قال النووي في المجموع (٢/ ٥٥): «هذا حديث حسن)).
وقال الحافظ في الفتح (٣٤٨/١): ((وإسناده حسن)).

فتح البر
١١ = ٩٢
وقال الشافعي : لا يجوز ان يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار، وهو قول
أحمد بن حنبل، وإلى هذا ذهب أبو الفرج المالكي، ومن الحجة لهذا القول،
ما حدثناه محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، قال : حدثنا أحمد بن
شعيب قال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش
عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال : قال له رجل ان
صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة، قال أجل نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو
بول، أو نستنجي بأيماننا، ونكتفي بأقل من ثلاثة أحجار(١). قال وأخبرنا
يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان قال :
اخبرنا القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي وَلي قال : إنما أنا لكم
مثل الوالد أعلمكم فاذا ذهب أحدكم الى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا
يستدبرها ولا يستنجي بيمينه(٢).
وكان يأمر بثلاثة احجار، وينهى عن الروث والرمة.
قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم: كل ما قام مقام الأحجار
من سائر الأشياء الطاهرة فجائز ان يستنجي به، ما لم يكن مأكولا .
وقال الطبري كل طاهر وكل نجس أزال النجس أجزا وقال داود وأهل
الظاهر لا يجوز الاستنجاء بغير الاحجار الطاهرة، والاحجار عندهم
مخصوصة بتطهير المخرج، كما ان المخرج مخصوص بأن يطهر بالأحجار
فيجزئ فیه عن الماء دون ما عداه .
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: إن استنجى بعظم أجزأه وبئس ما
صنع.
(١) م (١/ ٢٦٢/٢٢٣). د (١٧/١ -٧/١٨). ت (١٦/٢٤/١). ن (١/ ٤١ - ٤٢ /٤١).
(٢) حم (٢/ ٢٤٧ - ٢٥٠). د (١ / ١٨ - ١٩ /٨) . ن (١ / ٤١ / ٤٠).
جه (٣١٣/١١٤/١). وأخرجه م (٢٦٥/٢٢٤/١) مختصرا.

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٩٣ ====
وقال الشافعي لا يجزيء، لان رسول الله وَطل ونهى عن الروث والرمة،
ونهى أن يستنجى بعظم والرمة العظام، فلما طابق النهي لم يجز.
وذكر أبوداود عن أحمد بن حنبل قال : حدثنا روح بن عبادة، قال :
حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول :
نهى رسول الله وُّ و أن يتمسح بعظم أو بعر(١).
ولا فرق عند مالك وابي حنيفة واصحابهما في مخرج البول والغائط بين
المعتادات وغير المعتادات أن الحجارة تجزئ فيها في السبيلين جميعا، وهو
المشهور من قول الشافعي .
وقد روي عن الشافعي انه لا يجزئ فيما عدا الغائط والبول إلا الماء،
قال: وكذلك ما عدا المخرج وما حوله مما يمكن التحفظ منه فإنه لا يجزئ
فيه الأحجار ولا يجزئ فيه إلا الماء . وسيأتي القول في المذي، وحكم غسل
الذکر منه في باب أبي النضر إن شاء الله .
وعند اصحاب مالك أن ما حول المخرج مما لا بد منه في الأغلب
والعادة لا يجزئ فيه إلا الماء . وهكذا حكى ابن خواز بنداد عنهم .
وقد قالت طائفة إن الا حجار تجزئ في مثل ذلك لأن مالا يمكن
التحفظ منه من الشرج حکمه حکم المخرج، قال واختلف اصحاب
الشافعي، فقالوا مرة يجزئ فيه الاحجار، ومرة مثل قولنا .
واما أبو حنيفة واصحابه فعلى أصلهم أن النجاسة إذا لم تكن رطبة تزول
بكل ما أزال عينها وأذهبها غير الماء، وقدر الدرهم معفو عنه أصلا عند
جميع العراقيين .
(١) حم (٣٤٣/٣ -٣٨٤). م (١ / ٢٢٤/ ٢٦٣). د (٣٨/٣٦/١).

٩٤
فتح البر
وقال داود النجاسة لا يزيلها غير الماء، وإذا زالت بأي وجه زالت أجزاً،
ولا يحد قدر الدرهم .
قال مالك تجوز الصلاة بالاستنجاء بالأحجار، والماء أحب إليه، ويغسل
ما هنالك فيما يستقبل .
وقال أبو حنيفة وأصحابه، یستنجی بثلاثة احجار فإن لم تنق زاد حتى
ينقى، وإن أنقاه حجر واحد أجزأه . وكذلك غسله بالماء إن أنقاه بغسلة
واحدة، وذلك في المخرج، وما عدا المخرج فإنما يغسل بالماء، وهذا كله قول
مالك واصحابه .
وقال الاوزاعي يجوز ثلاثة أحجار والماء أطهر .
وقال الشافعي يجوز بالاحجار ما لم يعد المخرج، فإن عدا المخرج لم يجز
إلا الماء والمهاجرون كانوا لا يستنجون بالماء وهو قول سعيد بن المسيب .
وروي عن حذيفة انه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال : إذا لا تزال يدي
في نتن .
وأما الأنصار فكانوا يتبعون الأحجار بالماء وأثنى الله عز وجل بذلك
على أهل قباء .
والماء عند فقهاء الأمصار أطهر وأطيب والاحجار رخصة تجزى، ومن
العلماء من جعل الإستنجاء واجبا، وسائر العلماء يستحبون الوتر، وقد
روى ثور بن يزيد الشامي عن الحصين الجواني عن أبي معبد عن أبي هريرة
عن النبي ◌َّ قال: من اكتحل فليوتر من فعل فقد احسن ومن لا فلا
حرج ومن استجمر فلیوتر من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج، وذكر
الحديث(١) .
(١) د (٣٣/١-٣٥/٣٤). جه (١/ ١٢١- ٣٣٧/١٢٢). حب: الإحسان (١٤١٠/٢٥٧/٤).
قال النووي في المجموع (٥٥/٢): ((هذا حديث حسن)). وقال الحافظ في الفتح (٣٤٨/١):
«وإسناده حسن)).

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٩٥ =
وهو حديث ليس بالقوي لأن إسناده ليس بالقائم، فيه مجهولون ذكره
أبو داود عن إبراهيم بن موسى الرازي عن عيسى بن يونس عن ثور،
وحدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن قال : حدثنا محمد بن بكر التمار قال
: حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا معاوية بن هشام
عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح، عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّ ﴾ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ
يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَرُ واْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
[التوبة: (١٠٨)] قال: وكانوا
يستنجون بالماء (١).
(١) د (٣٨/١-٣٩/ ٤٤). ت (٥/ ٣١٠٠/٢٦٢) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. جه
(١٢٨/١/ ٣٥٧). وفي الباب عن أبي أيوب وأنس بن مالك ومحمد بن عبد الله بن سلام. وقد
صححه ابن خزيمة كما في تفسير ابن كثير، وللحديث طرق وشواهد استوفاها ابن كثير رحمه الله
في تفسيره (٣٧٢/٢).
وانظر الإرواء (٤٥/١).

٩٦
-
فتح البر
باب منه
[٢] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله وَليل سئل عن الاستطابة فقال:
أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار (١).
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة مرسلا إلا ما ذكره
سحنون في رواية بعض الشيوخ عنه عن ابن القاسم عن مالك عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن أبي هريرة. وقد روي عن ابن بكير أيضا في الموطأ
هكذا عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهذا غلط
فاحش، ولم يروه أحد كذلك لا من أصحاب هشام، ولا من أصحاب
مالك، ولا رواه أحد عن عروة، عن أبي هريرة، وإنما رواه أصحاب عروة،
عن عروة، عن عائشة- وهو مسلم بن قرط، وأما هشام بن عروة،
فاختلف علیه فیه: فطائفة ترویه عنه عن أبيه مرسلا كما رواه مالك، وطائفة
ترویه عنه عن عمرو بن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن
خزيمة بن ثابت، وطائفة ترويه عنه، عن أبي وجرة، عن عمارة بن خزيمة،
عن أبيه خزيمة بن ثابت.
حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم، قالا حدثنا أحمد
ابن مطرف، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح،
حدثنا حسین بن علي الجعفي، حدثنا زائدة، عن هشام بن عروة، عن عمرو
ابن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري، عن أبيه، أن
(١) أخرجه مرسلا: حم (٢١٥/٥). الحميدي (٤٣٢/٢٠٦/١).

الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
٩٧ _
رسول الله وَ يلو قال: ثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع - يعني الاستطابة(١)،
وفي إسناد هذا الحدیث اضطراب کثیر.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبدة بن سليمان، عن
هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن
خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله وَله في الاستطابة: ثلاثة أحجار ليس
فيها رجيع(٢).
وكذلك رواه أبو معاوية وابن نمير وأبو أسامة عن هشام بن عروة بمثل
هذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجرة عن
خزيمة بن ثابت عن النبي ◌َ ◌ّ مثله.
ورواه إبراهيم بن المنذر الخزامي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن
أبي وجرة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي ◌َّ مثله.
ورواه الحميدي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ◌ّ
صَلى الله
وسلم
مرسلا مثل رواية مالك. وكذلك رواه ابن جریح عن هشام عن أبيه مرسلا
مثل رواية مالك.
ورواه معمر عن هشام بن عروة عن رجل من مزينة عن أبيه عن النبي
څڑ قال في الاستطابة: ثلاثة أحجار عند اخلاء لیس منهن رجيع، والرجيع
الذي ينتن(٣).
(١) و(٢) و(٣) حم (٢١٤/٥-٢١٥). د (٤١/٣٧/١). جه (٣١٥/١١٤/١). من طرق عن
خزيمة بن ثابت الأنصاري.

٩٨
فتح البر
ورواه الفضل بن فضالة عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن
عمارة بن خزيمة، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد،
قال حدثنا محمد بن زبان، قال حدثنا زکریا بن یحیی بن صالح قال حدثنا
المفضل بن فضالة، عن هشام بن عروة، أن عمرو بن خزيمة المزني، أخبره
أن عمارة بن خزيمة الأنصاري، أخبره عن أبيه خزيمة بن ثابت، عن رسول
الله ◌َّ أنه قال: ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع - يعني الاستطابة(١).
وروى ابن المبارك عن هشام بن عروة - الحديثين جميعا، فدل على أنهما
حدیثان، وبان به ذلك والحمد لله.
قرأت علی عبد الوارث بن سفیان۔ أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال
حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا نعيم بن حماد، قال حدثنا ابن
المبارك، قال أخبرنا هشام بن عروة- يعني الحجر مرتين. قال ابن المبارك:
وأخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَليلةٍ: أو لا يجد
أحدكم ثلاثة أحجار(٢).
قال أبو عمر:
جود ابن المبارك هذا الحديث بالإسنادين، وما زال مجودا- رضي الله
عنه-، وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة الحديثين جميعا عن هشام، عن
أبيه، مرسلا.
وعن هشام عن أبي وجرة عن خزيمة عن النبي وَله.
قال أبو عمر:
قوله - *-: ليس فيها رجيع- يرد قول الطبري حيث قال: كل طاهر
(١) انظر الحديث قبله.
(٢) سبق تخريجه تحت حديث الباب.

٩٩
الاستطابة وآداب قضاء الحاجة
وكل نجس أزال النجو أجزأ، ويرده أيضا حديث ابن مسعود عن النبي
إذ رمى بالروثة وقال: هي رجس أو ركس(١). والذي عليه جمهور الفقهاء
أنه لا يجوز الاستنجاء بغير الطاهر من الأحجار وما قام مقامها، وقد مضى
في باب ابن شهاب ما للعلماء في هذا الباب كله من التنازع واختلاف
المذاهب- والحمد لله.
وأما رواية مسلم بن قرط عن عروة في هذا الحديث، فأخبرنا عبد الله بن
محمد بن یحیی، قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال
حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، قالا حدثنا يعقوب بن
عبدالرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط عن عروة، عن عائشة، أن
رسول الله و اله قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة
أحجار يستطيب بها، فإنها تجزئً عنه(٢).
وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرني قتيبة بن سعيد، قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن
وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط عن عروة عن
عائشة عن النبي وَلِ مثله(٣).
قال أبو عمر:
روى في هذا الباب جماعة من الصحابة فيهم أبو أيوب وسلمان وأبو
هريرة وأثبتها حديث أبي هريرة وسلمان وكلها حسان . قال الأخفش :
الاستطابة الاستنجاء بالأحجار، يقال منه استطاب الرجل وأطاب إذا
استنجى، ويقال : رجل مطيب إذا فعل ذلك .
(١) سيأتي تخريجه في الباب نفسه.
(٢) و(٣) حم (١٠٨/٦-١٣٣). د (٤٠/٣٧/١). ن (٤٤/١-٤٤/٤٥). الدار قطني
(٥٤/١-٥٥) وقال: إسناد صحيح.

فتح البر
== ١٠٠
قال الشاعر- وهو الأعشى :
يا رخمافاظ على مصلوب يعجل كف الخارى المطيب
وأما قوله قاظ، فانه أراد قام عليه في القيظ في اليوم الصائف .
قال أبو عمر :
الاستطابة والاستنجاء والاستجمار-معنى هذه الثلاثة ألفاظ واحد،
وقد فسرنا معنى الاستجمار في اللغة والفقه وما للعلماء في الاستنجاء من
المذاهب في أصول مسائله وفروعها مبسوطا ممهدا في باب ابن شهاب عن
أبي إدريس الخولاني، فلا وجه لتكرير ذلك هاهنا .
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن
السندي، قال حدثنا الربيع بن سليمان، قال حدثنا بشر بن بكر، قال حدثنا
الأوزاعي، قال حدثني عثمان بن أبي سودة، قال حدثني أبو شعيب
الحضرمي، قال سمعت أبا أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله وَل
يقول: قال رسول الله وَلقوله: إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار، فإن
ذلك طهوره (١).
وحدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا بکیر بن الحسن الرازي، قال حدثنا
بكار بن قتيبة القاضي، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا محمد بن
عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : قال
رسول الله وَله: إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط،
فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وإذا استطاب، فلا يستطيب بيمينه؛
وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة(٢).
(١) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٦/١) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله
موثقون، إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلا ولا تجريحا».
(٢) حم (٢٤٧/٢ -٢٥٠). د (١٨/١ -٨/١٩). ن (١ / ٤٠/٤١). جه (١/ ١١٤/ ٣١٣).
وأخرجه م (١/ ٢٦٥/٢٢٤) مختصرا.