Indexed OCR Text
Pages 381-400
الفتح وأشراط الساعة
٣٨١.
قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سحبل بن محمد الاسلمي،
قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: انما الكلام اربعة: ان تذكر
الله، أو تقرأ القرآن، أو تسأل عن علم فتخبر به، أو تتكلم فيما
یعنیك من أمر دنياك.
= وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده خالد بن عمرو، وهوضعيف شفق على ضعفه،
واتهم بالوضع وأورده له العقيلي هذا الحديث، وقال: ليس له أصل من حديث الثوري. لكن
قال النووي عقب هذا الحديث: رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة)).
قلت: لكن تابعه محمد بن كثير وأبو قتادة، وللحديث شاهد مرسل، انظر تفصيل ذلك في
الصحيحة (٩٤٤).
فتح البر
٣٨٢
ما جاء في العزلة فى آخر الزمان
أو عند ظهور الفتن
[٥] مالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر الانصاري ، عن عطاء بن يسار
أنه قال: قال رسول الله صل: ((الا اخبر كم بخير الناس منزلا ؟ رجل آخذ
بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله، الا اخبركم بخير الناس منزلة بعده؟
رجل معتزل في غنيمة له يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله لا يشرك به
شیئا)).
هذا حديث مرسل من رواية مالك، لا خلاف عنه فيه وقد يتصل
من وجوه ثابتة عن النبي وَجَلّ من حديث عطاء بن يسار وغيره،
وسنذكر ذلك في آخر الباب ان شاء الله، و هو من احسن حديث
يروى في فضل الجهاد، وفي الجهاد من الفضائل على لسان رسول الله
ګچڼ ما لا یکاد یحصی، قد مر منها کثیر فی کتابنا هذا، وليس هذا
على شرطنا موضع ذكرها.
واما قوله: خير الناس بعده، رجل معتزل في غنيمة له، ففي ذلك
حض على الانفراد عن الناس واعتزالهم، والفرار عنهم، ولست ادري
في هذا الكتاب موضعا أولى بذكر العزلة وفضلها من هذا الموضع،
وقد فضلها رسول الله وَ له كما ترى، وفضلها جماعة العلماء
والحكماء، لاسيما في زمن الفتن وفساد الناس، وقد يكون الاعتزال
عن الناس مرة في الجبال والشعاب، ومرة في السواحل والرباط، ومرة
في البيوت، وقد جاء في غير هذا الحديث: ((إذا كانت الفتنة، فاخف
مكانك، وكف لسانك)) ولم يخص موضعا من موضع، وقد قال عقبة
ابن عامر لرسول الله وَله: ((ما النجاة يارسول الله؟ فقال: يا عقبة
الفتن وأشراط الساعة
٣٨٣
امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(١)،
ويمثل هذا أوصى ابن مسعود رجلا قال: اوصني وقد حدثنا محمد بن
عبد الملك، حدثنا ابن الاعرابي وحدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم
ابن اصبغ قالا: حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي اخبرنا وكيع عن
الاعمش عن مسلم البطين، عن عدسة قال: مر بنا ابن مسعود فأهدي
له طائر فقال ابن مسعود: وددت اني حيث صيد هذا الطائر، لا
يكلمني أحد ولا أكلمه. وقال رسول الله وَ له لعبد الله بن عمر: ((إذا
رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت اماناتهم، فالزم بيتك واملك
عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر))(٢) وقالت عائشة: كان
اول ما بديء به رسول الله وَخلال من الوحي الرؤيا الصادقة، ثم حبب
اليه الخلاء، فكان يمكث الايام في غار حراء يتعبد، ويتزود لذلك من
عند خديجة، فيبقى الايام ذوات العدد، ثم يرجع الى خديجة فتزوده،
فلم يزل كذلك حتى جاءه الوحي(٣). ذكره معمر وغيره عن الزهري
عن عروة عن عائشة، وكان يقال قديما: طوبى لمن خزن لسانه،
ووسعه بیته وبکی علی خطيئته.
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا علي بن
أزهر ابو الحسن الفرغاني بفرغان، حدثنا عيسى بن يونس عن ثور بن
يزيد عن أبي يحيى سليم بن عامر قال: قال أبو الدرداء: نعم صومعة
(١) حم (٢٥٩/٥). ت (٢٤٠٦/٥٢٣/٤). وقال: هذا حديث حسن.
(٢) حم (١٦٢/٢ و٢١٢ و٢٢٠ و٢٢١). د (٤٣٤٢/٥١٣/٤و٤٣٤٣).
جه (٣٩٥٧/١٣٠٧/٢). ك (٥٢٥/٤) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقال المنذري
والعراقي: سنده حسن ذكره في فيض القدير (٦٢٦/٣٥٣/١).
(٣) حم (١٥٣/٦). خ (٣/٢٢/١). م (١٣٩/١ / ١٦٠).
فتح البر
٣٨٤
الرجل بيته يكف فيه بصره ونفسه وفرجه واياكم والمجالس في
الاسواق فإنها تلغي وتلهي.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا احمد بن
داود حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب اخبرني مسلم بن خالد عن
إسماعيل بن أمية أن عمر بن الخطاب قال: إن اليأس غنى وإن الطمع
فقر حاضر، وإن العزلة راحة من خلطاء السوء وقد روي عن النبي
وَلَّ انه قال: ((صوامع المؤمنين بيوتهم)) (١) من مراسيل الحسن وغيره.
وأخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن
مخلد، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا سعيد ابن أبي مريم
أخبرنا ابن لهيعة عن يسار بن عبدالرحمن قال: قال لي بكير بن
الاشج: ما فعل خالك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال:
إلا ان رجالا من اهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا
إلا الى قبورهم، قال: وحدثنا محمد بن مخلد حدثنا عبد الملك بن
محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا محمد بن كثير اخبرنا شعبة عن
إسماعيل بن ابي خالد عن قيس بن ابي حازم قال: قال طلحة بن
عبيد الله: أقل لعيب الرجل لزومه بيته. وعن حذيفة انه قال: لوددت
اني وجدت من يقوم لي في مالي فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم
يدخل علي احد، ولم اخرج الي احد حتى الحق بالله عز وجل. وقال
(١) القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٣٢٢) عن أبي أمامة بلفظ (نعم صومعة المسلم بيته)) وفيه
عفير بن معدان وهوضعيف. ورواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب
(٢٢٣٤/٩١٢/٢) عن أبي الدرداء موقوفا بلفظ: ((نعم صومعة الرجل بيته)). وقال العجلوني
في كشف الخفا (٣٢٢/٢) (رواه العسكري عن أبي الدرداء رفعه والبيهقي موقوفا والطبراني
عن أبي أمامة والعسكري عن الحسن قال: ((البيوت صوامع المؤمنين)) وله شواهد كثيرة.
الفتح وأشراط الساعة
٣٨٥
غيره: طوبى لمن كان غنيا خفيا. وكان طاوس يجلس في البيت، فقيل
له: لم تكثر الجلوس في البيت؟ فقال: حيف الائمة وفساد الناس.
قال أبو عمر: فر الناس قديما من الناس، فكيف بالحال اليوم مع
ظهور فسادهم، وتعذر السلامة منهم ورحم الله منصورا الفقيه حيث
يقول :
والبعد منهم سفينة
الناس بحر عميق
لنفسك المسكينة
وقد نصحتك فانظر
وقال رجل لسفيان الثوري : أوصني ، فقال : هذا زمان السكوت،
ولزوم البيوت، وأخذ هذا منصور فقال:
الخير أجمع في السكوت
فإذا استوی لك ذا و ذا
وفي ملازمة البيوت
لك فاقتنع بأقل قوت
وقال منصور أيضا:
ليس هذا زمان قولك ما الحكم على من يقول انت حرام؟
عتيق محرر يا غلام
والحقي بائنا بألك او انت
عن شبهة ؟ وكيف الكلام
ومتى تنكح المصابة في العدة
فتول وللغزال بغام
في حرام أصاب سن بغام
ت وقـوت مبلغ والسلام
إنما ذا زمان كد الى المو
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا عبد الله بن
محمد بن عبدالحميد حدثنا إسماعيل بن ابي الحارث قال: سمعت
أحمد بن عبد الله بن يونس يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: ما
رأيت لأحد خيرا من أن يدخل في جحر. وقال يحيى بن يمان: قال
لي سفيان: انكر من تعرف، ولا تتعرف إلى من لا تعرف.
فتح البر
٣٨٦
ـسيـ
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا يحيى بن
محمد ابن صاعد سمعت الحسين بن الحسن المروزي يقول: سمعت
سفيان بن عيينة يقول: رأيت الثوري في النوم، فقلت له: أوصني،
فقال: اقل من معرفة الناس، اقل من معرفة الناس، قال ابن عيينة:
كأنه ملدوغ من مجالسة الناس، وقال داود الطائي: فر من الناس كما
تفر من الاسد واستوحش منهم كما تستوحش من السباع ومما يروى
للشافعي رحمه الله، وزمانه لا محالة خير من زماننا هذا:
وليتنا لا نرى ممن نرى احدا
لیت السباع لنا كانت مجاورة إن
والناس ليس بهاد شرهم ابدا
السباع لتهدا في مرابضها
تعش سليما إذا ما كنت منفردا
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها
وقال الفضيل بن عياض: أقل من معرفة الناس، وليكن شغلك في
نفسك، وقال وهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما
وجدت رجلا غفر لي ذنبا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته ولا
ستر علي عورة، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق. وقال
مالك بن دينار: قال لي راهب من الرهبان: يا مالك، إن استطعت ان
تجعل بينك وبين الناس سوراً من حديد فافعل، فانظر كل جليس لا
تستفيد منه خيرا في دينك فانبذه عنك.
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا الفريابي
حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن
مهدي ووهب بن جرير عن شعبة عن حبيب بن عبدالرحمن عن
حفص بن عاصم قال: قال عمر بن الخطاب: خذوا بحظكم من
العزلة. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وذكر عبد الله بن
الفتح وأشراط الساعة
٣٨٧.
حبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: قال لي سفيان الثوري - وهو
يطوف حول الكعبة -: والذي لا اله الاهو لقد حلت العزلة، وقال
بعض الحكماء: الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت،
والعاشرة عزلة الناس، قال: وعالجت نفسي على الصمت فلم أظفر
به، فرأيت ان العاشرة خير الاجزاء وهي عزلة الناس.
قال ابو عمر: وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة: اعتزال الشر
واهله بقلبك وعملك، وإن كنت بين ظهرانيهم، ذكر ابن المبارك قال:
حدثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: إن
الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدثت نفسي ان لا أخالطهم،
فقال: لا تفعل إنه لابد لك من الناس، ولابد لهم منك، ولك إليهم
حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم اصم سميعا، أعمى
بصيرا، سكوتا نطوقا، وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع
القوم، فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير
ذلك فاسكت.
قال أبو عمر: يشبه ان يكون من ذهب هذا المذهب من حجته ما
حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة
حدثنا البغوي حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة عن الأعمش عن
يحيى بن وثاب حدثني شيخ من أصحاب النبي وَّ، قلت: من هو؟
قال: ابن عمر عن النبي وَلّ قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس
ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر
على أذاهم))(١).
(١) حم (٣٦٥/٥).، ت (٤/ ٢٥٠٧/٥٧٢). جه (٤٠٣٢/١٣٣٨/٢). والحديث أورده
الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٣٩).
فتح البر
٣٨٨
وروينا عن الاحنف بن قيس انه قال: الكلام بالخير افضل من
السكوت، والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل، والجليس
الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. وهذا باب
يتسع بالآثار والحكايات عن العلماء والحكماء، وهو باب مجتمع عليه
علی حسب ما ذكرنا، - وبالله توفيقنا.
وأما الآثار المرفوعة في هذا الباب: فحدثنا سعيد بن نصر حدثنا
قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة
حدثنا شبابة واخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين
البغدادي حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا
محمد بن اسماعيل بن ابي فديك جميعا عن ابن أبي ذئب عن سعيد
ابن خالد عن اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب عن عطاء بن
يسار عن ابن عباس ان النبي وَلَّ خرج عليهم - وهم جلوس - فقال:
ألا أخبركم بخير الناس منزلا؟ قلنا: بلى يارسول الله، فقال: رجل
يمسك بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل او يموت، الا اخبركم
بالذي يليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل معتزل في شعب
يقيم الصلاة، ويوتي الزكاة، ويعتزل شر الناس(١).
أخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا جعفر بن
محمد الفريابي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن عبد
الله بن الأشج عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ان النبي وَّ قال:
((الا اخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا
(١) حم (٢٣٧/١). ت (١٥٦/٤/ ١٦٥٢) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا
الوجه. ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس عن النبي وَ{ 10 . =
الفتن وأشراط الساعة
٣٨٩
اخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها،
الا اخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به)) (١) وقد رواه
بعضهم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة والصحيح فيه: عن ابن
عباس إن شاء الله. وروي هذا المعنى ايضا من حديث الزهري عن
عطاء بن يزيد الليثي حدثنا محمد بن ابراهيم حدثنا محمد بن معاوية
حدثنا احمد بن شعيب، أخبرنا كثير بن عبيد الله، حدثنا بقية، عن
الزبيدي عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري: (( أن
رجلا أتى رسول الله وّل فقال: يا رسول الله اي الناس افضل؟ قال:
مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله فقال: ثم من يارسول الله؟
قال: ثم مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من
شره))(٢) وحدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا
الفريابي حدثنا عبدالرحمن بن ابراهيم دحيم حدثنا الوليد بن مسلم
حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد
الخدري قال: ((قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: الجهاد في
سبيل الله عز وجل، قيل: ثم مه؟ قال: رجل في شعب من الشعاب
يتقي ربه عزوجل، ويذر الناس من شره))(٣).
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا
أبو بكر بن ابي شيبة حدثنا وكيع حدثنا اسامة بن زيد عن نعجة بن
= ن (٢٥٦٨/٨٨/٥). حب: الإحسان (٦٠٥/٣٦٨/٢). ك (٢/ ٦٧) وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ولكن من غير هذا الطريق وبغير هذا اللفظ وإنما
قریب منه .
(١) انظر الذي قبله.
(٢) و(٣) خ (٢٧٨٦/٧/٦). م (١٨٨٨/١٥٠٣/٣). د (٢٤٨٥/١١/٣).
ت (٤/ ١٦٦٠/١٦٠). ن (٣١٠٥/٣١٨/٦). جه (٣٩٧٨/١٣١٦/٢).
فتح البر
٣٩٠=
عبد الله الجهني عن ابي هريرة قال: قال رسول الله وَخاله: ((يأتي على
الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة: من أخذ بعنان فرسه في سبيل
الله كلما سمع بهيعة استوى على متنه ثم يطلب الموت في مظانه
ورجل في شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة،
ويدع الناس إلا من خير))(١).
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا الفريابي
حدثنا أبو جعفر النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق
عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ام مبشر بنت البراء بن
معرور قالت: سمعت رسول الله وَّله يقول لاصحابه: ((الا خبركم
بخير الناس رجلا؟ قالوا: بلى يارسول الله، فأشار بيده إلى الشام
وقال: رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ينتظر ان يغير او يغار
عليه، ثم قال: الا اخبركم بخير الناس بعده؟ قالوا: بلى يا رسول
الله، فأشار بيده نحو الحجاز ثم قال: رجل في غنيمة يقيم الصلاة
ويؤتي الزكاة، يقيم حق الله في ماله، قد اعتزل شرور الناس))(٢).
قال ابو عمر: ويدخل في هذا الباب قوله عليه السلام: ((يوشك ان
يكون خير مال المسلم، غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر
بدينه من الفتن))(٣) وسيأتي ذكر هذا الحديث في باب عبد الرحمن بن
أبي صعصعة إن شاء الله، وإنما جاءت هذه الاحاديث بذكر الشعاب
والجبال، واتباع الغنم - والله اعلم ــ لان ذلك هو الاغلب في المواضع
(١) حم (٤٤٣/٢). م (٣ / ١٨٨٩/١٥٠٤). جه (٣٩٧٧/١٣١٦/٢).
(٢) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٠٤/١٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن ابن
إسحاق مدلس.
(٣) سيأتي تخريجه.
الفتن وأشراط الساعة
٣٩١
التي يعتزل فيها الناس، فكل موضع يبعد عن الناس، فهو داخل في
هذا المعنى، مثل اسم الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرباط
والذكر، ولزوم البيوت فرارا عن شرور الناس؛ لان من نأى عنهم
سلموا منه وسلم منهم لما في مجالستهم ومخالطتهم من الخوض في
الغيبة واللغو وأنواع اللغط، وبالله العصمة والتوفيق، لا رب غيره.
٣٩٢
فتح البر
باب منه
[٦] مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن
أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: قال رسول الله وَلاير: يوشك أن يكون
خير مال المسلم غنما يتبع بها شعب الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من
الفتن(١).
هكذا وقع في هذه الرواية شعب الجبال، وهو عندهم غلط، وإنما
يرويه الناس شعف الجبال، وشعف الجبال عند أهل اللغة: رؤوسها،
وشعفة كل شيء: أعلاه.
قال الأخفش: الشعف: أطراف الجبال وظهورها وأعلاها، الواحدة
شعفة .
قال الشاعر:
كنا كزوج من حمام
ترتقي شعف الجبال
بذي حابل أو نصال
ترعى النهار ولا تراع
وأما الشعب، فهو عندهم ما انفرج بين الجبلين، وقد قيل في قوله
شعب الجبال: ما تشعب منها وما توعر، وهذا الحديث إنما ورد خبرا
عن حال آخر الزمان، وما المحمود في ذلك الوقت لكثرة الفتن، وقد
كان وَّ يحض في أول الاسلام على لزوم الخواص للجماعات
والجمعات، ويقول: من بدا جفا(٢).
(١) حم (٤٣/٣). خ (١٩/٩٤/١). د (٤٢٦٧/٤٦١/٤). ن (٨ / ٩٨ ٤ / ٥٠٥١).
جه (٣٩٨٧/١٣١٧/٢).
(٢) حم (٢/ ٣٧١) عن البراء. ورمز السيوطي لحسنه. وقال المناوي، قال الهيثمي رجاله ثقات.
وأعاده في موضع آخر ثم قال رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن الحكم النخعي
وهوثقة. فيض القدير (٨٥٥٧/٩٤/٦). وله شاهد =
الفتح وأشراط الساعة
٣٩٣.
والحديث المذكور في هذا الباب من أحسن حديث في العزلة والفرار
من الفتنة، والبعد عن مواضعها من الحواضر وغيرها، والفتنة المذكورة
في هذا الحديث تحتمل أن تكون فتنة الأهل والمال، وفتنة النظر إلى
أهل الدنيا، وفتنة الدخول الى السلطان، وغير ذلك من أنواع الفتن،
ولم يرد الفتنة النازلة بين المسلمين الحاملة على القتال في طلب الامارة
دون غيرها من الفتن، بل أراد بقوله: يفر بدينه من الفتن، جميع أنواع
الفتن- والله أعلم. وفي ذلك دليل على فضل العزلة والانفراد في آخر
الزمان كزماننا هذا، وقد ذكرنا لمعا في العزلة وفضلها، وفضل اعتزال
الناس ولزوم البيوت في باب أبي طوالة من هذا الكتاب. وذكرنا
هناك آثارا مرفوعة حسانا تدل على فضل العزلة أيضا والجهاد، فلا
معنى لاعادتها ههنا. وفي هذا الحديث حض على كسب الغنم، وفي
ذلك فضل لها وتبرك بها، الى ما روي فيها عن أبي هريرة أنها من
دواب الجنة(١)، وفي ذلك فضل لرعيها ومعاناتها، وما من نبي إلا وقد
رعی الغنم.
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد
الحلبي القاضي، قال حدثنا عمر بن حفص العسكري، قال حدثنا أبو
خيثمة مصعب بن سعيد الضرير بحلب إملاء، قال حدثنا عيسى بن
يونس، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف، قال مررنا بثمر
الأراك، فقال النبي ◌َّر: عليكم بالأسود منه، فإني قد كنت اجتنيه،
= من حديث ابن عباس عزاه السيوطي للطبراني ورمز لحسنه أيضا (٨٥٥٨/٦ الفيض).
(١) حم (٤٣٦/٢) عن أبي هريرة موقوفا. ورواه ابن عدي (٦٨/٦). البيهقي (٤٤٩/٢) من
حديث أبي هريرة مرفوعا. ورواه البزار من طريق أخرى عنه=
فتح البر
٣٩٤
وأنا أرعى الغنم، قالوا: يا رسول الله، ورعيت؟ قال: نعم، ما من
نبي إلا وقد رعى(١).
قال أبو عمر:
قَالَ هِىَ عَصَاىَ
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى
أَتَوَ كَؤُأْ عَلَيْهَا وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى﴾ [طه: (١٧ -١٨)].
أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، وأخبرنا سعيد
ابن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قالا حدثنا ابن وضاح، قال
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن نمير، عن يحيى
ابن سعيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله الانصاري، عن أبيه، أنه
سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله وَ له: يوشك أن يكون
خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه
من الفتن(٣).
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم،
ومحمد بن أحمد بن كامل، ومحمد بن أحمد بن المسور، قالوا:
حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: قال رسول الله وَله: يوشك أن
يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر
بدينه من الفتن(٣).
= موقوفا. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠): ((رواه البزار وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو
ضعيف وقال أحمد بن عدي يكتب حديثه ولا يحتج به)). وانظر الصحيحة (١١٢٨).
(١) ذكره الهيثمي في المجمع (٢٣٢/٨) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط وأبو سلمة لم يسمع
من أبيه)). وله شاهد من حديث جابر: رواه خ (٣٤٠٦/٥٤١/٦). م (١٦٢١/٣ /٢٠٥٠).
(٢) و (٣) سبق تخريجهما في الباب نفسه.
الفتح وأشراط الساعة
٣٩٥
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر،
قال حدثنا علي بن غالب بن سالم، حدثنا علي بن المديني، قال
حدثنا معاذ بن هشام صاحب الاستوائي، قال حدثني أبي، عن محمد
ابن جحادة، عن نعيم بن أبي هند الأشجعي، عن أبي حازم، عن
حسين بن خارجة، قال: لما قتل عثمان أشكلت علي الفتنة، فقلت:
اللهم أرني أمرا أتمسك به، قال: فرأيت فيما يرى النائم الدنيا والآخرة
بينهما حائط، فقلت: لو تسنمت هذا الحائط لعلي أهبط على قتلى
أشجع فيخبروني؟ فهبطت الحائط، فإذا أنا بأرض ذات شجر، وإذا
بنهر، فقلت: أنتم الشهداء؟ قالوا: لا، بل نحن الملائكة، قال:
قلت: فأين الشهداء؟ قالوا: اصعد الى الدرجات العلى، قال:
فصعدت درجة - الله أعلم بما فيها، ثم صعدت أخرى، فإذا محمد
وَله وابراهيم عنده شيخ، وإذا محمد وَّله يقول: أستغفر لأمتي،
قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ إنهم أهرقوا دماءهم وقتلوا
إمامهم، فهلا فعلوا كما فعل خليلي سعد؟ قال: فقلت: لقد رأيت
رؤيا لعل الله- عزوجل، أن ينفعني بها، انطلق فانظر مع من كان
سعد فأكون معه، قال: فأتيت سعدا، فقصصتها عليه، فما أکبر بها
فرحا، وقال: لقد خاب من لم يكن له ابراهيم خليلا، قال: فقلت:
أي الطائفتين؟ قال: ما أنا في واحدة منهما، قال: فما تأمرني؟ قال:
هل لك من غنم، قلت: لا ، قال: فاشتر غنما فكن فيها.
فتح البر
٣٩٦
ما أخبر به رسول الله
صَلى الله
وَسَم
من الفتن التى تحدث في أمته بعده
[٧] مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله
ابن عمر في بني معاوية - وهي قرية من قرى الأنصار- فقال: هل تدرون
اين صلى رسول الله وقليل من مسجدكم هذا؟ فقلت له: نعم- وأشرت له
إلى ناحية منه، فقال لي: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت له:
نعم، قال: فأخبرني بهن، قال: فقلت: دعا بأن لا يظهر عليهم عدوا من
غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم،
فمنعها، قال: صدقت. قال ابن عمر: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة(١).
هكذا روی يحيى هذا الحديث بهذا الاسناد، وقد اضطربت فيه رواة
الموطأ عن مالك اضطربا شديدا: فطائفة منهم تقول كما قال يحيى عن
عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن
عمر- لم يجعلوا بين عبد الله شيخ مالك هذا وبين ابن عمر أحدا،
منهم ابن وهب، وابن بكير، ومعن بن عيسى، وطائفة منهم تقول عن
مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك بن
الحارث بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر، منهم: ابن
القاسم على اختلاف عنه، وقد روى عنه مثل رواية يحيى، وابن
وهب، وابن بكير. وطائفة منهم تقول: مالك عن عبد الله بن
عبد الله بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا
(١) حم (٤٤٥/٥). ك (٤/ ٥١٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي. ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢١/٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
الفتن وأشراط الساعة
٣٩٧.
عبد الله بن عمر. منهم: القعنبي، على اختلاف عنه في ذلك،
والتنيسى، وموسى بن أعين، ومطرف.
قال أبو عمر:
رواية يحيى هذه أولى بالصواب -عندي- إن شاءالله، والله أعلم-
من رواية القعنبي، ومطرف، لمتابعة ابن وهب، ومعن، وأكثر الرواة له
على ذلك، وحسبك بإتقان ابن وهب، ومعن؟ وقد صحح البخاري
-رحمه الله- وأبو حاتم الرازي سماع عبد الله بن عبد الله بن جابر
ابن عتیك من ابن عمر.
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد، قال حدثنا أبو محمد جعفر بن
أحمد بن عبد الله البزار بمصر، قال أخبرنا أبو الفضل جعفر بن أحمد
ابن عبد السلام البزار- قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال
أخبرناعبد الله بن وهب قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن عبد الله بن
جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية-
وهي قرية من قرى الأنصار، فقال: هل تدري أين صلى رسول الله
وَخلده من مسجدكم هذا؟ فقلت نعم- وأشرت إليه إلى ناحية منه،
فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت نعم، قال:
فأخبرني بهن، فقلت: دعا بأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم، ولا
يهلكهم بالسنين- فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها.
فقال عبد الله بن عمر: صدقت، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة (١).
والدليل على أن رواية يحيى، وابن وهب، في إسناد هذا الحديث
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
فتح البر
٣٩٨٠
أصوب، أن عبيد الله بن عمر روى هذا الحديث عن عبد الله بن
عبد الله بن جابر بن عتيك هذا، كذلك حدثنا سعيد بن نصر، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا
اسماعيل ابن أبي أويس، قال حدثني أخي، عن سليان بن بلال، عن
عبيد الله ابن عمر، عن عبد الله بن عبد الله الانصاري من بني
معاوية. أن عبد الله بن عمر، جاءهم فسأله أن يخرج له وضوءا،
قال: فأخرجت له وضوءا، فتوضأ ثم قال: إن النبي وَ ل دعا ربه في
مسجدكم وسأل ربه ثلاثا، فأعطاه اثنين ومنعه واحدة، سأله أن لا
يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله
أن لا يهلكهم بالسنين، فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم
بینهم، فمنعه ذلك(١).
وقد روى هذا الحديث سعد بنحو ما رواه جابر بن عتيك،
وعبد الله بن عمر، ذكر يعقوب بن شيبة، قال حدثنا يعلى بن عبيد
الطنافسي، قال حدثنا عثمان بن حكم، عن عامر بن سعد بن أبي
وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله وَ طله حتى مررنا على
مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه وناجى ربه
طويلا، ثم قال: سألت ربي ثلاثا: سألته ألا يهلك أمتي بالعدو
فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يجعل
بأسهم بينهم فمنعنیھا(٢).
قال أبو عمر:
في حديث مالك هذا من وجوه العمل: طرح العالم المسألة من
العلم على تلميذه وسؤاله اياه عما هو أعلم به منه أو مثله، ليقف
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (١٥٧/١). م (٤/ ٢٢١٦ / ٢٨٩٠).
الفتح وأشراط الساعة
٣٩٩,
على حفظه وعلى ما عنده من ذلك. وفيه ما يفسر قوله - وَّة - إن
لكل نبي دعوة يدعو بها، فأختبأت دعوتي شفاعة لأمتي (١) - ان ذلك
على وجه الأمنية والعطاء، لا على وجه الدعاء، لان دعاءه كله أو
أكثره مجاب - إن شاء الله، ألا ترى أنه قد أجيبت دعوته في أن لا
يهلك أمته بالسنين، ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستأصلهم،
فكيف يجوز أن يظن أحد إنه لم تكن له إلا دعوة واحدة يستجاب له
فيها أو لغيره من الأنبياء، هذا ما لا يتوهمه ذو لب إن شاء الله.
وقد مضى القول في هذا المعنى في باب أبي الزناد، والحمد لله.
وفيه ما كان عليه ابن عمر من التبرك بحركات رسول الله وَ خلال اقتداء
به وتأسيا بحركاته، ألا ترى أنه إنما سألهم عن الموضع الذي صلى فيه
رسول الله * من مسجدهم ليصلي فيه تبركا بذلك ورجاء الخير فيه.
وفي قول ابن عمر لعبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك: أخبرني
بهن، ثم قوله له إذ أخبره بهن صدقت، دليل على أنه قد كان يعلم ما
سأل عنه، والله أعلم، وقد بان بحمد الله في هذا الحديث أن الله لا
يهلك أمة محمد وَله بالسنين ولا يعمهم في أقطار الأرض بجوع
وجدب، وهذا يدل على ان الأرض كلها لا يعمها الجدب أبدا، لأن
أمته في أكثر أقطارها، وإذا لم يعمهم الجدب والقحط والجوع،
فأحرى ألا يعم الأرض.
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن دين محمد وَجّ لا يزال إلى
أن تقوم الساعة، ولا يهلك أمة محمد وَّخاله عدو يستأصلها أبدا، وأنها
(١) من حديث أبي هريرة: خ (٧٤٧٤/٥٤٨/١٣). م (١٩٨/١٨٨/١).
فتح البر
٤٠٠
في أكثر أقطار الأرض- والحمد لله كثيرا. وفيه دليل على أن الفتن لا
تزال في أمة محمد والجلا يقتل بعضها بعضا ما بقيت الدنيا، لانه قد
منع وَ لّ ألا يجعل بأسهم بينهم، قال ابن عمر: فلن يزال الهرج الى
يوم القيامة .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا سليمان بن
حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي
أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله وَخلال زويت لي الأرض، أو
قال: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن ملك
أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض،
وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكهم بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا
من قبل أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني قد
قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم
عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين
اقطارها حتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وبعضهم يهلك بعضا، وإنما
أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع
عنها الى القيامة- وذكر تمام الحديث(١).
وأخبرنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
الحارث بن أبي اسامة، قال حدثنا كثير بن هشام، قال حدثنا جعفر
ابن برقان، قال حدثنا يزيد بن الأصم، قال سمعت أبا هريرة يقول:
(١) حم (٢٨٧/٥). م (٢٨٨٩/٢٢١٥/٤). د (٤٢٥٢/٩٥/٤).
ت (٤ / ٢١٧٦/٤١٠). جه (٢/ ١٣٠٤/ ٣٩٥٢).