Indexed OCR Text

Pages 201-220

القدر
٢٠١
ويموت کافرا، ومنهم من يولد کافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا،
ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم حسن
القضاء، حسن الطلب- وذكر تمام الحديث(١).
قالوا: ففي هذا الحديث ومع الحديث في غلام الخضر، ما يدل
على أن قوله: كل مولود ليس على العموم، وأن المعنى فيه أن كل
مولود يولد على الفطرة- وأبواه يهوديان أو نصرانيان، فإنهما يهوّدانه
أو ينصرانه، أي يحكم له بحكمهما، ثم يصير عند بلوغه إلى ما
يحكم به عليه؛ قالوا: وألفاظ الحفاظ على نحو حديث مالك هذا،
ودفعوا رواية من روى، كل بني آدم يولد على الفطرة(٢)، قالوا: ولو
صح هذا اللفظ ما كان فيه أيضا حجة لما ذكرنا؛ لان الخصوص جائز
دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب، ألا ترى إلى قول الله
- عز وجل -: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: (٢٥)]. ولم تدمر السموات
والأرض. وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبُوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: (٤٤)].
- ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة، ومثل هذا كثير.
وذكروا من ألفاظ الاحاديث في ذلك رواية الأوزاعي، عن
الزهري،، عن حميد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: كل
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه(٣)، قال
الاوزاعي: وذلك بقضاء وقدر. وهكذا لفظ حديث معمر عن
(١) حم (٦١/٣). ت (٢١٩١/٤١٩/٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح ورواه
جه (١٣٢٥/٢/ ٤٠٠٠) مختصرا.
(٢) ذكرها ابن حجر في الفتح (٢٤٨/٣) من رواية جعفر بن ربيعة وخالد الواسطي كلاهما عن
أبي هريرة.
(٣) حب: الإحسان (١٢٨/٣٣٦/١). من طريق الأوزاعي عن الزهري به.

فتح البر
٢٠٢
الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، كل مولود يولد
على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة
بهيمة جمعاء، هل تحسون من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا-
إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾(١) ذكره عبد الرزاق
هكذا- ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر-فيما علمت- أعني
قوله: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه- الحديث.
وكذلك رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَجله: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه
يهودانه- الحديث(٢) كلفظ حديث معمر سواء، إلا قول أبي هريرة.
وكذلك حديث سمرة بن جندب: حديث الرؤيا عن النبي وَلّ قال:
كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه(٣). هذا لفظه.
وروى أبو رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب- الحديث الطويل:
حديث الرؤيا. وفيه عن النبي عليه السلام وأما الرجل الطويل الذي
في الروضة، فإنه ابراهيم وَيُّ، وأما الولدان حوله، فكل مولود يولد
على الفطرة (٤).
وقال آخرون: المعنى في ذلك: كل مولود من بني آدم فهو يولد
على الفطرة أبدا، وأبواه يحكم له بحكمهما - وإن كان قد ولد على
الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه. والدليل على أن المعنى- كما
وصفنا، روايه من روى: كل بني آدم يولد على الفطرة، وما من
مولود إلا وهو يولد على الفطرة، وحق الكلام أن يحمل على
عمومه .
(١) حم (٢٧٥/٢) من طريق معمر به. م (٢٦٥٨/٢٠٤٧/٤).
٢) خ (١٣٨٥/٣١٤/٣). م (٤/ ٢٦٥٨/٢٠٤٧).
(٣) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٨/٧) وقال: رواه البزار وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف
ونقل عن يحيى القطان أنه وثقه.
(٤) خ (١٢ / ٧٠٤٧/٥٤٢).

القدر
٢٠٣
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا مطلب، قال حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن
ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، أنه قال: قال أبو هريرة: قال
رسول الله وَلخلّ : كل بني آدم يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو
ينصرانه، كما تنتج الابل من بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟
قال: أفرأيت من يموت صغيرا يا رسول الله؟ قال: الله أعلم بما كانوا
عاملین؟
وكذلك رواه خالد الواسطي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن
أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله :
كل بني آدم يولد على الفطرة (١)- ثم ذكره سواء. روى ابن وهب عن
يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَلخيله ما من مولود إلا يولد على فطرة، ثم قرأ
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْدِينُ
اُلْقَيِّرُ﴾(٢).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم: قال حدثنا مطلب بن
شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال:
حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال أخبرني أبو سلمة بن
عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ما من مولود
إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج
البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء. ثم قال أبو هريرة:
اقرءوا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِيرُ
اَلْقَيِّمُ﴾(٣). وكذلك حديث سمرة ابن جندب، عن النبي ◌َّ ذلك؛
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢)و(٣) خ (١٣٥٩/٢٨١/٣). م (٢٦٥٨/٢٠٤٧/٤).

فتح البر
٢٠٤
حديث الرؤيا فيه: والشيخ الذي في أصل الشجرة ابراهيم، والولدان
حوله أولاد الناس(١)، قالوا: فهذه الأحاديث تدل ألفاظها على أن
المعنى في حديث مالك وما كان مثله ليس كما تأوله- المخالف- أنه
يقتضي أن الابوين لا يهودان ولا ينصران إلا من ولد على الفطرة من
أولادهما، بل الجميع يولدون على الفطرة.
قال أبو عمر: الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلف العلماء فيها،
واضطربوا في معناها، وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة، ونزعت كل
فرقة منهم في ذلك بظاهر آية ونص سنة، وسنبين ذلك كله ونوضحه،
ونذكر ما جاء فيه - من الآثار، واختلاف الاقوال والاعتلال عن
السلف والخلف بعون الله- إن شاء الله.
وقد سأل أبو عبيد محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة عن
معنى هذ الحديث، فما أجابه فيه بأكثر من أن قال: كان هذا القول من
النبي عليه السلام، قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، قال: وقال ابن المبارك
يفسره آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين. هذا ما ذكره أبو عبيد
في تفسير قوله كل مولود يولد على الفطرة عن محمد بن الحسن،
وابن المبارك - لم يزد على تلك عنهما ولا عن غيرهما.
فأما ما ذكره عن ابن المبارك، فقد روي عن مالك نحو ذلك، وليس
فيه مقنع من التأويل، ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها جملة
تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان، أو جنة أو نار- ما
لم يبلغوا.
وأما ما ذكره- عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد
عن الجواب فيه إما لاشكاله عليه، أو لجهله به، أو الكراهية الخوض
في ذلك، وأما قوله فيه إن ذلك القول كان من النبي وَ لّ قبل أن يؤمر
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

القدر
٢٠٥,
الناس بالجهاد، فليس كما قال؛ لأن في حديث الأسود بن سريع ما
یبین ان ذلك کان بعد الامر بالجهاد. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا
قاسم بن اصبغ قال حدثنا محمد ابن وضاح، قال حدثنا ابوبكر بن
أبي شيبة قال حدثنا عبدالرحمن بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم،
عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله وَخلوي: ما بال قوم
بالغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟ فقال رجل: اوليس انما هم اولاد
المشركين؟ فقال رسول الله وَله: او ليس خياركم اولاد المشركين؟ انه
ليس من مولود الا وهو يولد على الفطرة، فيعبر عنه لسانه ويهوده
ابواه أو ينصرانه(١) .
وروى هذا الحديث عن الحسن - جماعة منهم: بكر المزني والعلاء
ابن زياد والسري بن يحيى؛ وقد روي عن الاحنف عن الاسود بن
سريع وهو حديث بصري صحيح. وروى عوف الأعرابي، عن أبي
رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب، عن النبي وَّر قال: ((كل
مولود يولد على الفطرة)) فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد
المشركين؟ قال: ((وأولاد المشركين))(٢).
قال ابوعمر: اما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا
الحديث، فقالت جماعة من اهل الفقه والنظر: اريد بالفطرة المذكورة
في هذا الحديث الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه
قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه - إذا بلغ مبلغ المعرفة؛
يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها الى معرفة
(١) حم (٤٣٥/٣). ك (١٢٣/٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي. حب: الإحسان (١٣٢/٣٤١/١).
ذكره الهيثمي في المجمع (٣١٦/٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط
وقال: وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.
(٢) خ (٧٠٤٧/٥٤٢/١٢) مطولا، وهو عندم (٤ /٢٢٧٥/١٧٨١) مختصرا لكن دون موضع
الشاهد.

فتح البر
٢٠٦
واحتجوا على أن الفطرة الخلقة والفاطر الخالق - بقول الله عز وجل:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: (١)]. يعني خالقهن،
وبقوله: ﴿ وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِىِ فَطَرَنِ﴾ [يس: (٢٢)]. يعني خلقني.
وبقوله: ﴿الَّذِى فَطَرَهُرَّ﴾ [الأنبياء: (٥٦)]. يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة
الخلقة والفاطر الخالق.
وانكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو ايمان أو معرفة أو انكار،
قالوا: وانما يولد المولود على السلامة في الاغلب خلقة وطبعا وبنية
ليس معها ايمان ولا كفر ولا انكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر او
الايمان بعد البلوغ - اذا ميزوا واحتجوا بقوله في الحديث: كما تنتج
البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون فيها من جدعاء - يعني
مقطوعة الأذن. فمثل قلوب بني آدم بالبهائم، لانها تولد كاملة الخلق
- ليس فيها نقصان؛ ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر،
وهذه سوائب؛ يقول: فكذلك قلوب الاطفال في حين ولادتهم ليس
لهم كفر حينئذ ولا ايمان ولا معرفة ولا انكار، كالبهائم السالمة؛ فلما
بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر اكثرهم، وعصم الله اقلهم، قالوا:
ولو كان الاطفال قد فطروا على شيء على الكفر او الايمان في اولية
امرهم ، ما انتقلوا عنه ابدا ؛ وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون ؛ قالوا:
ويستحيل في المعقول ان يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا او
ايمانا، لان الله اخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا؛ قال الله عز
وجل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: (٧٨)].
فمن لا يعلم شيئاً استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
قال ابو عمر : هذا القول اصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد
الناس عليها - والله اعلم، وذلك ان الفطرة: السلامة والاستقامة،
بدليل حديث عياض بن حمار، عن النبي وَالّ حاكيا عن ربه

القدر
٢٠٧
عزوجل: اني خلقت عبادي حنفاء(١) يعني على استقامة وسلامة.
والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم، وانما قيل للاعرج احتف
على جهة الفأل، كما قيل للقفر مفازة؛ فكأنه - والله اعلم - اراد الذين
خلصوا من الآفات كلها والزيادات، ومن المعاصي والطاعات؛ فلا
طاعة منهم ولا معصية، اذا لم يعملوا بواحدة منهما؛ الا ترى الى
قول موسى في الغلام الذي قتله الخضر: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾
[الكهف: (٧٤)]. لما كان عنده ممن لم يبلغ العمل فيكسب الذنوب، ومن
الحجة أيضاً في هذا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوَنَ مَا كُمْ
[المدثر: (٣٨)].
[الطور: (١٦)]. ﴿ كُلِّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
تَعْمَلُونَ
ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنَّ
[الإسراء: (١٥)]. ولما أجمعوا على دفع القود
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى
بذلك - والله أعلم.
واما قوله وَخلال كما تناتج الابل من بهيمة جمعاء، هل تحس من
جدعاء، فالبهيمة الجمعاء المجتمعة الخلق، التامة غير الناقصة،
الصحيحة غير السقيمة، ليس فيها قطع أذن ولا شقها ولا نقص شيء
منها، يقول: فهل ترى فيها جدعاء؟ يقول: هل تحس من جدع او
نقصان حين تنتج لتمام؟ يقول: ثم الجدع والآفات تدخلها بعد ذلك،
فكذلك المولود يولد سالما ثم يحدث فيه بعد الكفر والإيمان.
وقال آخرون: الفطرة ههنا: الاسلام ، قالوا: وهو المعروف عند
عامة السلف من أهل العلم بالتأويل؛ قد اجمعوا في قول الله عز
(١) م (٤ / ١٩٧ ٢ / ٨٦٥ ٢).

فتح البر
٢٠٨
وجل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم: (٣٠)]. على أن قالوا:
فطرة الله: دين الله الإِسلام.
واحتجوا بقول ابي هريرة في الحديث: اقرؤا - ان شئتم - ((فطرة
الله التي فطر الناس عليها)) وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن
وابراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز وجل: ((فطرة الله التي فطر
الناس عليها)). قالوا: دين الله الاسلام، ((لا تبديل لخلق الله)) قالوا:
لدین الله.
واحتجوا بحديث محمد بن اسحاق عن ثور بن يزيد، عن يحيى
ابن جابر، عن عبد الرحمن بن عائد الازدي، عن عياض بن حمار
المجاشعي ان رسول الله ◌َ ل قال للناس يوما: الا احدثكم بما حدثني
الله في الكتاب: أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين - الحديث
بطوله(١)، وكذلك روى بكر بن مهاجر، عن ثور بن يزيد - بإسناده في
هذا الحديث حنفاء مسلمين .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال:
حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أحمد بن محمد بن ايوب قال
حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق عن ثور بن يزيد عن
يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائد الازدي - وكان عبدالرحمن
من حملة العلم، يطلبه من أصحاب النبي (وَلاّ وسلم - واصحاب
اصحابه - انه حدثه عن عياض بن حمار المجاشعي ان رسول الله وَلخلقه
قال للناس يوما: الا احدثكم بما حدثني الله في الكتاب: ان الله خلق
آدم وبنيه حنفاء مسلمين، واعطاهم المال حلالا لا حرام فيه، فجعلوا
مما اعطاهم الله حلالا وحراما - وذكر الحديث بتمامه(٢).
(١) و(٢) حم (٢٦٦/٤). م (٤ / ٢٨٦٥/٢١٩٧).

القدر
٢٠٩
قال أبو عمر: روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبدالله بن
الشخير عن عياض بن حمار ولم يسمع قتادة من مطرف؛ لان همام
ابن يحيى روى عن قتادة قال: لم اسمعه من مطرف ولكن حدثني
ثلاثة: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبدالله بن الشخير والعلاء بن
زياد؛ كلهم يقول: حدثني مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار عن
النبي عليه السلام - بهذا الحديث قال فيه: واني خلقت عبادي حنفاء
كلهم (١) - لم يقل مسلمين.
وكذلك رواه عوف الاعرابي عن حكيم الاثرم عن الحسن عن
مطرف ان عياض بن حمار حدثه عن رسول الله وَ له فذكر هذا الحديث
وقال فيه: اني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأنتهم الشياطين فاجتالتهم
عن دينهم(٢) - ولم يقل مسلمين، وانما قال حنفاء فقط.
وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عنده عن
قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار عن النبي وَخلّ فقال فيه: الا
واني خلقت عبادي حنفاء كلهم - وساق الحديث(٣). فدلّ هذا على
حفظ محمد بن إسحاق واتقانه وضبطه؛ لانه ذكر مسلمين في روايته
عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، واسقطه من رواية قتادة؛ وكذلك رواه
شعبة وهشام ومعمر عن قتادة عن مطرف عن عياض عن النبي وَ ثالر -
لم يقولوا فيه عن قتادة مسلمين فليس في حديث قتادة ذکر مسلمین،
وهو في حديث ثور بن يزيد بإسناده؛ وقد اختلف العلماء في قوله
عز وجل ﴿حُنَّفَاءَ﴾ [الحج: (٣١)] - [البينة: (٥)] . - فروي عن الضحاك
والسدي في قوله «حنفاء)) قالا حجاجا.
(١) و(٢) و(٣) انظر الذي قبله.

فتح البر
=٢١
وروي عن الحسن قال: الحنفية: حج البيت وعن مجاهد ((حنفاء))
قال: ((مسلمين)) متبعين؛ وهذا كله يدل على ان الحنفية الاسلام،
ويشهد لذلك قول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ إِنََّهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ
كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: (٦٧)]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾
[الحج: (٧٨)]. فلا وجه لإِنكار من أنكر رواية من روى حنفاء مسلمين،
قال الشاعر - وهو الراعي:
حنفاء نسجد بکرة واصيلا
خليفة الرحمن أنا معشر
حق الزكاة منزلا تنزيلا
عرب نری لله في اموالنا
فهذا قد وصف الحنفية بالاسلام وهو أمر واضح لا خفاء به؛
وقيل: الحنيف من كان على دين ابراهيم، ثم سمى من كان يختتن
ويحج البيت في الجاهلية حنيفا والحنيف اليوم المسلم؛ ويقال: انما
سمي ابراهيم حنيفا؛ لانه كان حنف عما كان يعبد ابوه وقومه من
الآلهة إلى عبادة الله، اي عدل عن ذلك ومال؛ واصل الحنف ميل من
ابهامي القدمين كل واحدة منهما على صاحبها؛ ومما احتج من ذهب
الى ان الفطرة الاسلام، قوله وقالله: خمس من الفطرة (١) - فذكر منهن
قص الشارب والاختتان، وهي من سنن الاسلام - وممن ذهب الى ان
الفطرة في معنى الحديث: الاسلام: ابو هريرة وابن شهاب ؛ حدثني
محمد بن عبد الله بن حكم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال:
حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا
عبدالحميد بن حبيب قال حدثنا الاوزاعي قال: سألت الزهري عن
رجل عليه رقبة مؤمنة: ايجزيء عنه الصبي ان يعتقه وهو رضيع؟
(١) حم (٢٢٩/٢)، خ (٥٨٨٩/٣٣٤/١٠). م (١/ ٢٢١/ ٢٥٧). د (٤١٩٨/٤١٢/٤).
ت (٢٧٥٦/٨٥/٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ن (١/ ٩/٢٠-١٠-١١). جه
(٢٩٢/١٠٧/١). عن أبي هريرة.
٠

القدر
=
٢١١٠
قال: نعم لانه ولد على الفطرة - يعني الاسلام؛ وعلى هذا القول
يكون معنى قوله في الحديث : من بهيمة جمعاء هل تحس من
جدعاء؟ يقول: خلق الطفل سليما من الكفر مؤمنا مسلماً على الميثاق
الذي أخذه الله على ذرية آدم حين اخرجهم من صلبه، واشهدهم على
أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: (١٧٢)].
قال ابوعمر: يستحيل ان تكون الفطرة المذكورة في قول النبي
وَسَّمـ
صَلى الله
((كل مولود يولد على الفطرة)) الاسلام؛ لان الاسلام والإيمان قول
باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح؛ وهذا معدوم من الطفل لا
يجهل ذلك ذو عقل؛ والفطرة لها معان ووجوه في كلام العرب وانما
اجزأ الطفل المرضع عند من اجاز عتقه في الرقاب الواجبة لان حكمه
حكم أبويه؛ وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزيء في الرقاب الواجبة
الا من صام وصلى. وقد مضى في هذا الباب من هذا المعنى ما يكفي
- والحمد لله.
وقال آخرون: معنى قوله - رَله -: كل مولود يولد على الفطرة،
يعني على البدأة التي ابتدأهم عليها، اي على ما فطر الله عليه خلقه
من انهم ابتدأهم للحياة والموت والشقاء والسعادة، والى ما يصيرون
اليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم الله
عليه مما لا بد من مصيرهم اليه. قالوا : والفطرة في كلام العرب:
البدأة والفاطر المبدئ والمبتدئ؛ فكأنه قال ◌َلو كل مولود يولد على ما
ابتدأه الله من الشقاء والسعادة مما يصير اليه.

فتح البر
٢١٢=
واحتجوا بما حدثناه عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن اصبغ
قال حدثنا محمد بن عبدالسلام الخشني قال حدثنا محمد بن بشار قال
حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن ابراهيم بن مهاجر عن
مجاهد عن ابن عباس قال: لم أكن ادري ما فاطر السموات والأرض
حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر قال احدهما: انا فطرتها - اي
ابتدأتها. قالوا: فالفطرة البدأة واحتجوا بقول الله عز وجلٍ:
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾
كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[الأعراف: (٢٩، ٣٠)].
وذكروا ما يروى عن علي بن ابي طالب في بعض دعائه: اللهم
جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها. قال ابوعبد الله بن نصر
المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبوعبيد عن عبد الله بن المبارك
انه سئل عن قول النبي وَلو: كل مولود يولد على الفطرة فقال يفسره
الحديث الآخر حين سئل عن اطفال المشركين، فقال : الله اعلم بما
كانوا عاملين.
قال المروزي، ولقد كان احمد بن حنبل يذهب الى هذا القول ثم
تر که.
قال ابو عمر: ما رسمه مالك في الموطأ وذكره في ابواب القدر، فيه
من الآثار ما يدل على ان مذهبه في ذلك نحو هذا - والله اعلم.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا
محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا موسى بن عبيدة
قال سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله عز وجل: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ
تَعُودُونَ ﴿ فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ قال: من ابتدأ الله

القدر
٢١٣
خلقه للضلالة، صيره الى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهدى؛ ومن
ابتدأ الله - خلقه - على الهدى صيره الله إلى الهدى - وإن عمل
بأعمال الضلالة؛ ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل السعادة
مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة؛ قال:
وكان من الكافرين.
وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل الضلالة ثم هداهم
الله إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم عليها مسلمين؛ وبهذا الاسناد عن
محمد بن كعب في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾
[الأعراف: (١٧٢)]. يقول: فأقروا له بالإِيمان والمعرفة الأرواح قبل أن
تخلق أجسادها.
أخبرنا سعيد بن نصر ، واحمد بن محمد قالا حدثنا وهب بن
مسرة قال حدثنا محمد بن عبدالسلام، قال حدثنا محمد بن بشار قال
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا محمد بن ابي وضاح عن
سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَ كُمْ تَعُودُونَ
قال: كما كتب عليكم تكونوا، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كما
بدأكم تعودون. قال: شقیا وسعيدا. وقال ورقاء بن إياس عن مجاهد
((كما بدأكم تعودون)): قال: يبعث المسلم مسلما، والكافر كافرا.
وقال الربيع بن أنس، عن أبي العالية ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ
تَعُوُدُونَ ((يَا﴾، قال: عادوا إلى علمه فيهم ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَتْهِمُ
ج
الضَّلَلَةُ﴾ .
واحتج من ذهب هذا المذهب في تأويل الفطرة المذكورة في الحديث
المذكور في هذا الباب بما ذكره أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي،
قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا حكم بن سلم، عن عنبسة،
عن عمارة بن عمير، عن أبي محمد رجل من أهل المدينة، قال:
سألت عمر بن الخطاب عن قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ
ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ - الآية. فقال: سألت رسول الله وَلهو كما

فتح البر
٢١٤
سألتني فقال: خلق الله - آدم بيده - ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه
ومسح ظهره، فأخرج منه ذرءا، قال ذرء ذرأتهم للجنة يعملون بما
شئت من عمل، ثم أختم لهم بأحسن أعمالهم فأدخلهم الجنة، ثم
مسح ظهره، فأخرج ذرءا فقال: ذرء ذرأتهم للنار يعملون بما شئت من
عمل، ثم أختم لهم بسوء أعمالهم فأدخلهم النار(١)- وذكر حديث
مالك عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبدالرحمن، عن
مسلم بن يسار، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية- فذكر
الحديث مرفوعا بمعنى ما تقدم على حسب ما في الموطأ.
، ولا في: لن
قال أبو عمر: ليس في قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَ كُمْ تَعُودُونَ
يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه حين أخرج ذرية آدم من ظهره
دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أوكافرا، لما شهدت به
العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل ايمانا ولا كفرا.
والحديث الذي جاء فيه: أن الناس خلقوا طبقات، فمنهم من يولد
مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا (٢)- على حسب ما تقدم ذكره- في هذا
الكتاب، ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها، لانه انفرد به علي
ابن زيد بن جدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه، على أنه يحتمل قوله
يولد مؤمنا: يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون كافرا- على سابق علم
(١) د (٤٧٠٣/٧٩/٥). ت (٣٠٧٥/٢٤٨/٥) وقال: هذا حديث حسن. ك (٣٢٥/٢) وقال:
صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وفي الباب أيضا من حديث أبي هريرة
وأبي الدرداء. حديث أبي هريرة: ت (٣٠٧٦/٢٤٩/٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ك (٣٢٥/٢-٥٨٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي. حديث أبي الدرداء: حم (٦/ ٤٤١).
(٢) حم (٦١/٣) من حديث أبي سعيد الخدري وفیه علي بن زيد بن جدعان.
ت (٢١٩١/٤١٩/٤) وقال: حديث حسن صحيح.

القدر
٢١٥.
الله فيه، وليس في قوله في الحديث: خلقت هؤلاء للجنة، وخلقت
هؤلاء للنار، أكثر من مراعاة ما يختم به لهم، لا أنهم في حين
طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا، أو يعقل كفرا أو ايمانا، وقد
أوضحنا الحجة في هذا لمن ألهم رشده فيما تقدم - والحمد لله. وفي
اختلاف السلف، واختلاف ما روي من الآثار في الاطفال ما يبين لك
ما قلنا- إن شاء الله .
وقال آخرون، معنى قوله ◌َّ كل مولود يولد على الفطرة، أن الله
قد فطرهم على الانكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية
آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ((ألست بربكم؟» قالوا جميعا: ((بلى)):
فأما أهل السعادة، فقالوا: بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم: وأما
أهل الشقاء، فقالوا: بلى كرها لا طوعا، قالوا: وتصديق ذلك قوله:
﴿ وَلَهُ، أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ طَؤَّعًا وَكَرْهَا﴾ [آل عمران: (٨٣)].
قالوا: وكذلك قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ () فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ
الضَّلَلَةُ﴾. قال المروزي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن
راهويه - يذهب إلى هذا المعنى.
واحتج بقول أبي هريرة: اقرءوا - إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾، قال إسحاق: يقول لا تبديل لخلقته التي
جبل عليها ولد آدم كلهم - يعني من الكفر والإِيمان، والمعرفة
والإِنكار، واحتج إسحاق أيضاً بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ
بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ - الآية.
قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد،
استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ﴾، فقال
انظروا ألا تقولوا ﴿ إِنَّا كُتَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (*) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن
قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: (١٧٢ - ١٧٣)].

فتح البر
٢١٦
قال أبو عمر: من أحسن ما روي في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ الآية، ما حدثناه محمد
ابن عبد الملك، قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال حدثنا عيسى بن
مسکین، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر، قال حدثنا عمرو بن
حماد، قال حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن السري، عن
أصحابه، قال عمرو: أصحابه: أبو مالك، وعن أبي صالح، عن ابن
عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب
النبي ◌َّ في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾، قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه
من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء مثل
اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة
ظهره اليسرى، فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا
النار ولا أبالي، فذلك قوله أصحاب اليمين والشمال، ثم أخذ منهم
الميثاق فقال: ((ألست بربكم؟ قالوا: ((بلى))، فأعطاه طائفة طائعين
وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال: هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَأُ أَنْ
أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن
تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ
قَبْلُ﴾، قالوا: فليس أحد من ولد آدم إلاَّ وهو يعرف الله أنه ربه،
وذلك قوله عز وجل: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا
وَكَرْهًا﴾، وذلك قوله: ﴿فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ
أَجْمَعِينَ
[الأنعام: (١٤٩)]. يعني يوم أخذ الميثاق(١).
١٤٠
واحتج إسحاق أيضا بحديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي
قتله الخضر، قال أخبرنا مسلم بن قتيبة، قال حدثنا عبد الجبار بن
عباس الهمداني، عن أبي اسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن
(١) حم (٢٧٢/١). وإسناده صحيح كما في المشكاة (١٢١).

القدر
٢١٧
عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي وَالّ قال: الغلام الذي قتله
الخضر، طبعه الله يوم طبعه كافرا (١)، قال اسحاق: وكان الظاهر ما
قال موسى: ((أقتلت نفسا زاكية))؟ فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه
في الفطرة التي فطره عليها، لانه كان قد طبع يوم طبع كافرا. قال
اسحاق: وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، أنه كان يقرأ: ((وأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين))،
قال اسحاق: فلو ترك النبي ◌َّ - الناس ولم يبين لهم حكم
الاطفال- لم يعرفوا المؤمنین منهم من الكافرين؛ لانهم لا يدرون ما
جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم: فبين لهم النبي
وَلاير حكم الطفل في الدنيا فقال: أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه،
يقول أنتم لا تعرفون ما طبع عليه في الفطرة الاولى، ولكن حكم
الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالابوين، فمن كان صغيرا
بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما، ومن كان صغيرا بين أبوين
مسلمين، ألحق بحكمهما، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير اليه، فعلم
ذلك إلى الله، وبعلم ذلك، فضل الخضر موسى، اذ أطلعه الله عليه
في ذلك الغلام، وخصه بذلك العلم.
قال أبو عمر: ما بين رسول الله، وَ لوه- الأحد من أمته- حكم
الاطفال الذين يموتون صغارا بيانا يقطع حجة العذر، بل اختلفت
الآثار عنه في ذلك بما سنورده بعد هذا - إن شاء الله.
واحتج اسحاق أيضا بحديث عائشة حين مات صبي من الانصار
بين أبوين مسلمين، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير
الجنة. فرد عليها النبي وَخلال فقال: مه يا عائشة، وما يدريك ان الله
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢١٨
خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار، وخلق لها أهلها (١)، قال
إسحاق: فهذا الاصل الذي يعتمد عليه أهل العلم.
قال أبو عمر: أما قول إسحاق ومن قال بقوله في تأويل الحديث في
الفطرة التي يولد عليها بنوا آدم: انها المعرفة والانكار والكفر والإيمان.
فانه لا يخلو من أن يكونوا ارادوا بقولهم ذلك أن الله خلق الأطفال،
وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف ویعترف فیؤمن،
ولينكر منهم المنكر ما يعرف فيكفر، وذلك كله قد سبق به لهم قضاء
الله وتقدم فيه علمه، ثم يصيرون اليه في حين تصح منهم المعرفة
والايمان والكفروالجحود، وذلك عند التمييز والادراك، فذلك ما قلنا،
أو يكونوا أرادوا بقولهم ذلك أن الطفل يولد عارفاً مقراً مؤمناً، أو
عارفاً جاحداً منكراً كافراً - في حين ولادته، فهذا ما يكذبه العيان
والعقل، ولا علم أصح من ذلك، لانها شواهد الاصول، ودلائل
العقول، وليس في قوله - عز وجل -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ - الآية، دليل يشهد لهم بما ادعوه من ذلك، ولا
فيه رد لما قلنا، وانما فيه: ان الخلق يحشرون ويصيرون إلى ما سبق
لهم في علمه، وهذا ما لا يختلف أهل الحق فيه، ومعنى الآية
والحديث: أنه أخرج ذرية آدم من ظهره كيف شاء ذلك، وألهمهم أنه
ربهم فقالوا: بلى، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ثم
تابعهم بحجة العقل عند التمييز، وبالرسل بعد ذلك- استظهارا بما في
عقولهم من المنازعة إلى خالق مدبر حكيم يدبرهم بما لا يتهيأ لهم،
ولا يمكنهم جحده، وهذا اجماع أهل السنة- والحمد لله، وانما اختلفوا
(١) حم (٤١/٦). م (٤/ ٢٦٦٢/٢٠٥٠). ن (١٩٤٦/٣٥٩/٤). جه (٨٢/٣٢/١).

القدر
٢١٩
فيمن مات وهو طفل لم يدرك من أولاد المؤمنين والكافرين- على ما
نوضحه بعد الفراغ من القول في الفطرة التي يولد المولود عليها،
واختلاف أهل العلم في معناها- إن شاء الله.
وأما الغلام الذي قتله الخضر، فأبواه مؤمنان- لاشك في ذلك، فان
كان طفلا ولم يكن كما قال بعض أهل العلم- رجلا قاطعا للسبيل،
فمعلوم أن شريعتنا وردت بأن كل أبوين مؤمنين لا يحكم لطفلهما
الصغير بحال الكفر، ولا يحل قتله بإجماع، وكفى بهذا حجة في
تخصيص غلام الخضر.
وقد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم- إلا المجبرة أن أولاد
المؤمنين في الجنة، فكيف يجوز الاحتجاج بقصة الغلام الذي قتله
الخضر اليوم في هذا الباب.
وأما حديث عائشة الذي احتج به إسحاق، فانه حديث ضعيف،
انفرد به طلحة بن يحيى، فأنكروه عليه وضعفوه من أجله، وقد بينت
ذلك في باب ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وقول إسحاق في
هذا الباب لا يرضاه الحذاق الفقهة من أهل السنة، وإنما هو قول
المجبرة، وفیما مضى كفاية- والحمد لله.
وقال آخرون: معنى الفطرة المذكورة في المولودين، ما أخذ الله من
ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم
من ظهره فخاطبهم: ((ألست بربكم؟ قالوا: بلى))، فأقروا جميعا له
بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب أبائهم مخلوقين
مطبوعين على تلك المعرفة، وذلك الاقرار، قالوا: وليست تلك المعرفة
بإيمان، ولا ذلك الاقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة
ألزمها قلوبهم، ثم أرسل اليهم الرسل، فدعوهم إلى الاعتراف له
بالربوبية والخضوع- تصديقا بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر

فتح البر
٢٢٠
وجحد بعد المعرفة- وهو به عارف؛ لانه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى
الايمان به- وهو لم يعرفهم نفسه، إذ كان يكون حينئذ قد كلفهم
الإِيمان بما لا يعرفون، قالوا: وتصديق ذلك قوله - عز وجل - :
وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: (٨٧)]. وذكروا ما ذكره
السدي عن أصحابه، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن
ابن مسعود - على حسبما ذكرناه قبل هذا في قول الله - عز وجل -
﴿وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ - الآية.
وذكروا أيضا ما حدثناه ابراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن
عثمان، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن
صالح، قال حدثنا عبيد الله بن موسى، قال حدثنا أبو جعفر الرازي،
عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قول الله
- عز وجل -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ إلى
[الأعراف: (١٧٣)]. قال: جمعهم
قوله: ﴿أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
جميعا فجعلهم أرواحا، ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: ألست
بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم هذا،
قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك،
قال فإني أرسل إلیکم رسلي وأنزل علیکم کتبي، فلا تكذبوا رسلي،
وصدقوا بوعدي، واني سأنتقم ممن أشرك بي، ولم يؤمن بي، قال:
فأخذ عهدهم وميثاقهم، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى منهم
الغني والفقير، وحسن الصورة، وغير ذلك، فقال: يارب، لو سويت
بين عبادك؟ قال: أحببت أن أشكر. قال: والأنبياء يومئذ بينهم مثل
السرج، قال: وخصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها، قال: فهو
قوله: ﴿ وَإِذْأَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نَوعِ﴾ [الأحزاب: (٧)]. قال: