Indexed OCR Text
Pages 141-160
البيعة ١٤١ وأما حديث هذا الباب فمعناه - والله أعلم -: ما ذكرنا، على أنه قد اختلف فيه على ما وصفنا؛ وكان الأصل في هذا أنهم كانوا يسألون رسول الله وَله عن أشياء ويلحون فيها فينزل تحريمها، قال الله - عز وجل -: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهًّا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ! ﴾ [المائدة: (١٠١)]. ثبت عن النبي ◌َّجلال أنه قال: أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عما لم يحرم، فحرم على الناس من أجل مسألته (١). وروي عن الزهري ومجاهد وقتادة وعكرمة - بمعنى واحد - أنهم قالوا: كانوا يسألون رسول الله وَّله فسألوه يوما فأكثروا عليه، فقام مغضبا وقال: سلوني فوالله لا تسألوني أو لا يسألني أحد عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرته؛ ولو سألني عن أبيه لأخبرته، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. قال الزهري: فقالت أمه: ما رأيت ولدا أعق منك! أكنت تأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها؟ وقام رجل فقال: الحج واجب في كل عام أم مرة واحدة؟ فقال: بل مرة واحدة، ولو قلتها لوجبت. وقام سعد مولى شيبة فقال: من أنا يا رسول الله؟ قال أنت سعد مولى شيبة بن ربيعة، وقام رجل من بني أسد فقال: أين أنا يا رسول الله؟ قال: أنت في النار! فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا؛ نعوذ بالله من غضب الله وغضب (١) حم (١٧٩/١). خ (٧٢٨٩/٣٢٨/٣). م (٢٣٥٨/١٨٣١/٤). فتح البر ١٤٢٠ رسوله، فنزلت عند ذلك ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(١) الآية. ونهى رسول الله وَله عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، قال ابن جريج عن عطاء، وعمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير - أن الله - حرم أشياء وأحل أشياء، فما حرم فاجتنبوه، وما أحل فاستحلوه، وما سكت عنه فهو عفو فلا تسألوا عنه. وقال آخرون: معنى نهي النبي وَله عن كثرة السؤال أراد سؤال المال والإلحاح فيه على المخلوقين، واستدلوا بعطفه على ذلك قوله: وإضاعة المال، وبما رواه المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر عن النبي وَ له أنه قال: إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، ومنع وهات، ووأد البنات، وعقوق الأمهات(٢). قالوا: فقوله: ومنع وهات - هو من باب السؤال - والمنع في المال لا في العلم، قالوا: فكذلك نهيه عن كثرة السؤال - والله أعلم. حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي أخبرنا هشيم، قال أخبرنا غير واحد، منهم: مغيرة، عن الشعبي، عن وراد - كاتب المغيرة بن شعبة - أن معاوية كتب إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله وَ له، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: لا إله إلا الله، وحده لا (١) خ (٩٣/٢٤٩/١). م (٤ /٢٣٥٩/١٨٣٢). (٢) حم (٢٥٥/٤). خ (٢٤٠٨/٨٦/٥). م (٥٩٣/١٣٤١/٣). البيعة ١٤٣. شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير - ثلاث مرات، وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات(١). قال أبو عمر: قد مضى فيما يحل من السؤال وما لا يحل - أبواب كافية فيما سلف من هذا الكتاب، والسؤال إذا لم يحل، فلا يحل منه الكثير ولا القليل، وإذا كان جائزا حلالا فلا بأس بالإكثار منه حتى يبلغ إلى الحد المنهي عنه - والله أعلم. وقد كان رسول الله وَله يكره كثرة المسائل ويعيبها، والانفكاك - عندي - من هذا المعنى والانفصال من هذا السؤال والإدخال: أن السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العي السؤال. ومن سأل معنتا غير متفقه ولا متعلم، فهذا لا يحل قليل سؤاله ولا كثير؛ وقد أوضحنا هذه المعاني كلها في كتاب العلم بما لا سبیل إلی ذکره ههنا. وأما قوله: وإضاعة المال، فللعلماء في تأويل معناه - ثلاثة أقوال، أحدها أنه أراد بذكر المال ههنا: الحيوان من ملك اليمين: أن يحسن إليهم، ولا يضيعون فيهلكون. وهذا قول رواه السري بن إسماعيل، عن الشعبي. (١) تقدم تخريجه. فتح البر ١٤٤ واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث أنس وأم سلمة أن عامة وصية رسول الله وحّ حين حضرته الوفاة، كانت قوله: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم(١). والقول الثاني: إضاعة المال بترك إصلاحه والنظر فيه وكسبه، واحتج من قال هذا بقول قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة: يا بني، عليكم بالمال واصطناعه، فإن فيه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. ويقول عمرو بن العاص في خطبته حيث قال: يا معشر الناس إياي وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العز؛ إياي وكثرة العيال، وإخفاض الجلال، والتضييع للمال، والقيل والقال - في غير درك ولا نوال. والقول الثالث: إضاعة المال: إنفاقه في غير حقه من الباطل، والإسراف والمعاصي، لا جعلنا الله ممن يستعين بنعمه على معاصيه، آمین برحمته. حدثنا عبد الرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن وهب، حدثنا إبراهيم بن نشيط، قال: سألت عمر مولى عفرة عن الإسراف ما هو؟ قال: كل شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف وإضاعة المال. أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه حدثه قال: حدثنا عبد الله بن يونس، قال حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير أنه سأله رجل عن إضاعة المال فقال: أن يرزقك الله فتنفقه فيما حرم الله عليك. وهكذا قال مالك. (١) حم (١١٧/٣). جه (٢٦٩٧,٩٠٠/٢) حب: الإحسان (٦٦٠٥/٥٧١/١٤). ك (٥٧/٣) وقال البوصيري في الزوائد ((إسناده حسن)). ٣ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة الاعتصام بالكتاب والسنة ١٤٧ تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما [١] مالك أنه بلغه أن رسول الله -*- قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه - وَلِ﴾(١). وهذا أيضا محفوظ معروف مشهور عن النبي- وَ﴾- عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد، وروي في ذلك من أخبار الآحاد أحاديث من أحاديث أبي هريرة، وعمرو بن عوف. حدثنا عبد الرحمن بن مروان، قال حدثنا أحمد بن سليمان البغدادي، قال حدثنا البغوي، قال حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال حدثنا صالح بن موسى الطلحي، قال حدثنا عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -وَلِ ◌ّ -: إني قد خلفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبدا: كتاب الله، وسنتي(٢). وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال حدثنا الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن (١) هكذا رواه مالك بلاغا وسيأتي موصولا في الحديث بعده. (٢) ك (٩٣/١). هق (١١٤/١٠). البغدادي في الفقيه والمتفقه (٩٤/١). الدار قطني (٢٠٨/٤). وقال: صالح بن موسى ضعيف لا يحتج بحديثه. وكذا قال الهيثمي في المجمع (١٦٦/٩). وللحديث شواهد يتقوى بها: منها حديث جابر عند مسلم وزيد بن أرقم عند مسلم وأحمد والحاكم والطبراني وأبي سعيد عند أحمد والطبراني. فتح البر ١٤٨ عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - حَ ظله - تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه- وَالي (١). وذکر أبو عيسى الترمذي، قال حدثنا عبد بن حميد، قال حدثنا محمد بن بشر العبدي، ويعلى بن عبيد، عن الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - مَّه -: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله - وَ لخلّ-((ما ضربوه لك إلا جدلا، بل هم قوم خصمون))(٢) وهذا لفظ حديث مالك سواء، والكتاب والسنة قد هدي من تمسك بهما. (١) أخرجه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢٤/٢ - ١١٠). وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف. وللحديث شواهد يتقوى بها. (انظر تخريج الحديث الذي قبله). (٢) ت (٣٢٥٣/٣٥٣/٥) وقال: حسن صحيح. جه (٤٨/١٩/١). ك (٢/ ٤٤٨) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والآية من سورة الزخرف: الآية (٥٨). الاعتصام بالكتاب والسنة ١٤٩ فضل الدعوة إلى الكتاب والسنة [٢] مالك أنه بلغه أن رسول الله يقول﴿ قال: ما من داع يدعو إلى هدی إلا كان له مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وما من داع يدعو إلى ضلالة إلا كان عليه مثل أوزارهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. وهذا الحديث يستند عن النبي ◌َّ من طرق شتى، من حديث أبي هريرة، وحديث جرير، وحديث عمرو بن عوف، وحذيفة، وغيرهم. حدثنا يونس بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا(١). حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: من سن سنة هدى فاتبع عليها، كان له أجره أو (١) م (٤ / ٢٠٦٠ / ٢٦٧٤). د (٥ / ٤٦٠٩/١٥). ت (٢٦٧٤/٤٣/٥). جه (٢٠٦/٧٥/١). فتح البر =١٥٠ مثل أجر من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة ضلالة فاتبع عليها، كان عليه وزرها ومثل أوزار من اتبعه، غير منقوص من أوزارهم شیئا. قال أبو عمر: اختلف في سماع الحسن من أبي هريرة، فأكثرهم لا يصححونه، لأنه يدخل أحيانا بينه وبين أبي هريرة أبا رافع وغيره، ومنهم من يصحح سماعه من أبي هريرة. وقد روي عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة - ونحن إذ ذاك بالمدينة - وقد سمع الحسن من عثمان، وسعد بن أبي وقاص، فغير نكير أن يسمع من أبي هريرة. حدثنا قاسم بن محمد، حدثنا خالد بن سعد، حدثنا محمد بن فطيس، حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري- بمصر، حدثنا وهب بن جریر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير، قال: قال رسول الله - مَله -: من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا (١)- في حديث طويل ذكره. حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي، حدثنا علي بن زيد الفرائضي الحنيني، عن كثير بن عبد الله - يعني ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن (١) م (٢ / ١٠١٧/٧٠٤). ن (٧٩/٥ - ٨٠/ ٢٥٥٣). جه (٢٠٣/٧٤/١). ١٥١ الاعتصام بالكتاب والسنة جده، قال: قال رسول الله -مَّالول -: من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، كان له أجر من عمل بها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا(١). أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن محمد بن قيس، عن مسلم بن صبيح، قال: سمعت جرير بن عبد الله -وهو يخطب- قال: قال رسول الله-وَلو -: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة؛ فعليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء(٢). أخبرنا عبيد بن محمد بن عبيد، حدثنا عبد الله بن مقرور، حدثنا عيسى بن مسكين، قال حدثنا ابن سنجر، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا كثير المزني، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله وَّ - قال: من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا(٣). وحدثنا عبيد، حدثنا عبد الله، حدثنا عیسی، حدثنا ابن سنجر، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا مروان بن معاوية، قال حدثنا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده - أن رسول الله -وَ جالة- قال لبلال (١) و(٣)ت (٢٦٧٧/٤٤/٥). وقال: هذا حديث حسن. جه (٢٠٩/٧٦/١ - ٢١٠). وفيه کثیر ابن عبد الله وهو ضعیف جدا. (٢) م (٢ / ١٠١٧/٧٠٥). ت (٢٦٧٥/٤٢/٥) وغيرهما. فتح البر ١٥٢ = ابن الحارث المزني: اعلم أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت- فذكر مثله إلى آخره(١). قال أبو عمر: حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم والدعاء إليه وإلى جميع سبل البر والخير، لأن الميت منها كثير جدا؛ ومثل هذا الحديث في المعنى: قوله - وَ الله -: ينقطع عمل المرء بعده إلا من ثلاث: علم علمه فعمل به بعده، وصدقة موقوفة يجري عليه أجرها، وولد صالح يدعو له (٢). وقد جمعنا -والحمد لله- من فضائل العلم وأهله في صدر كتاب جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله ما فيه شفاء واستغناء- والحمد لله-، وعلى قدر فضل معلم الخير وأجره يكون وزر من علم الشر ودعا إلى الضلال، لأنه يكون عليه وزر من تعلمه منه ودعا إليه وعمل به- عصمنا الله برحمته. وحدثنا أحمد بن قاسم، بن عيسى المقرئ، قال حدثنا عبيد الله ابن حبابة البزار البغدادي ببغداد ، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال حدثنا على بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: سمعت المنذر بن جرير يحدث عن أبيه، قال: كنا عند النبي-مَ﴾- في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار، عليهم العباء والصوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر؛ قال: فرأيت وجه رسول الله- وحّله- يتغير لما رأى بهم (١) تقدم تخريجه. (٢) م (٣/ ١٦٣١/١٢٥٥). د (٣/ ٣٠٠/ ٢٨٨٠). ت (٣/ ١٣٧٦/٦٦٠). ن (٦ / ٥٦١- ٣٦٥٣/٥٦٢) من حديث أبي هريرة. الاعتصام بالكتاب والسنة ١٥٣ من الفاقة- فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: ثم قال رسول الله- وَالله -: من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزرهم شيئا. حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو يوسف يعقوب بن مسدد ابن يعقوب، حدثني أبي عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله ابن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مسعود في قول الله - عز وجل -: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ [الإنفطار: (٥)]. قال: ما قدمت من سنة صالحة يعمل أَخَرَتْ بها من بعده، فله أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، وما أخرت من سنة سيئة يعمل بها بعده؛ فإن عليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا . فتح البر ١٥٤ ((لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة)) [٣] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي وسچور ، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها ام سلمة، أن رسول الله وَلا يقبل وهو صائم؛ فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول وَليفي، يحل الله لرسوله ماشاء؛ ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله وَلچ، فقال رسول الله ويتلتر: ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا اخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت قد أخبرتها، فذهبت الى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا، وقال لسنا مثل رسول الله وَ ﴾، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله ◌َ وقال: والله إني لأنقاكم لله وأعلمكم بحدوده(١). وفيه أن فعل رسول الله محمّ ل كله يحسن التأسى به فيه على كل حال، إلا ان يخبر رسول الله وح لول أنه له خاصة، أو ينطق القرآن بذلك؛ والا، فالاقتداء به أقل أحواله ان يكون مندوبا اليه في جميع اقواله؛ ومن أهل العلم من رأى أن جميع افعاله واجب الاقتداء بها، كوجوب اوامره؛ وقد بينا الحجة فيما اختلف فيه من ذلك في غير هذا الكتاب. والدليل على أن أفعاله كلها يحسن التأسي به (١) مالك مرسلا ووصله عبد الرزاق عن رجل من الأنصار (٨٤١٢/١٨٤/٤) وأحمد من طريق عبد الرزاق (٤٣٤/٥). وذكره الهيثمي في المجمع وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (١٦٩/٣). الاعتصام بالكتاب والسنة ١٥٥, فيها، قال الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: (٢١)]. فهذا على الإطلاق، إلاَّ أن يقوم الدليل على خصوص شيء منه، فيجب التسليم له، ألا ترى أن الموهوبة لما كانت له خالصة، نطق القرآن بانها خالصة له من دون المومنين. وقال ◌َّ في الوصال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقني (١)- فاخبر بموضع الخصوص. على أن من العلماء من لم يجعل الوصال خصوصا له، وجعله من باب الرفق والتيسير على أمته؛ وسنبين القول في ذلك في كتابنا هذا عند ذكر ذلك الحديث- إن شاء الله . صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ٥٢ قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: (٥٢ _ ٥٣)]. وقال ولو خذوا عني مناسككم(٢). وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي(٣). وقال عبد الله بن عمر: إن الله بعث إلينا محمدا وَّلَه ونحن لا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل. وفي غضب رسول الله وَله ، وقوله: والله إني لأخشاكم لله واعلمكم بحدوده دليل على أن الخصوص لا يجوز ادعاؤه عليه بوجه من الوجوه، إلا بدليل مجتمع عليه، وقال ◌َ له إنما بعثت (١) حم (٢٣١/٢) (٢٣٧/٢) وذكر في غير هذه المواضع من المسند. خ (١٩٦١/٢٥٣/٤). م (٢ / ٧٧٤ / ١١٠٢). د (٢ / ٧٦٦ / ٢٣٦٠). (٢) حم (٣٠١/٣). م (٢/ ١٢٩٧/٩٤٣). د (١٩٧٠/٤٩٥/٢)، ن (٣٠٦٢/٢٩٨/٥). جه (٣٠٢٣/١٠٠٦/٢) من حديث جابر بن عبد الله. (٣) سيأتي تخريجه. فتح البر ١٥٦ معلما مبشرا(١)، وبعثت رحمة مهداة(٢) . - صلوات الله وسلامه عليه، فلا يجوز ادعاء الخصوص عليه في شيء، إلا فيما بان به خصوصه في القرآن أو السنة الثابتة أو الاجماع، لأنه قد أمرنا باتباعه والتأسي به، والاقتداء بأفعاله، والطاعة له امرا مطلقا، وغير جائز عليه ان يخص بشيء فيسكن لامته عنه، ويترك بيانه لها، وهي مأمورة باتباعه ، هذا ما لا يظنه ذو لب مسلم بالنبي وَالله. حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عيسى بن المغيرة، عن أبي مودود، عن نافع، قال رأيت ابن عمر، إذا ذهب إلى قبور الشهداء على ناقته، ردها هكذا وهكذا؛ فقيل له في ذلك؟ فقال: إني رأيت رسول الله وَّ ل في هذه الطريق على ناقته، فلعل خُفِّي يقع على خُفِّه. وهذا غاية في الاقتداء وسام والتأسي برسول الله وحدثني أحمد بن فتح بن عبد الله، قال حدثنا الحسين بن عبد الله بن الخضر، قال: حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا إسماعيل بن (١) أبو داود الطيالسي (ص ٢٩٨ رقم ٢٢٥١) والدارمي (٩٩/١-١٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا بلفظ طويل فيه: (( إنما بعثت معلما)) وفيه عبد الرحمن بن زياد وابن رافع وهما ضعيفان على ما في التقريب. ورواه جه (٢٢٩/٨٣/١) من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو به، وقال البوصيري في الزوائد: ((إسناده ضعيف، داود وبكر وعبد الرحمن كلهم ضعفاء». (٢) ذكره الهيثمي (٨/ ٢٦٠) من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((إنما بعثت رحمة مهداة)) وقال: (( رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح)). وروى مسلم (٢٥٩٩/٢٠٠٦/٤) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا: (( ... إنما بعثت رحمة)). الاعتصام بالكتاب والسنة ١٥٧ زكرياء، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: رخص رسول الله وَخلال في بعض الأمر ، فرغب عن ذلك بعض اصحابه، فقام رسول الله وَجالا خطيبا فقال: مالي أرخص في الأمر، فيرغب عن ذلك أناس؟ والله: إني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله وأشدكم له خشية (١). وذكر البخاري : حدثنا محمد ابن سلام، قال: حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّ اذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون؛ فقالوا: انا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وماتأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم لله وأعلمكم بالله أنا (٢). قال البخاري: وحدثنا عبد السلام بن مطهر، قال: حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي بَّ قال: إن الدين يسر، وإن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة(٣). (١) خ (٧٣٠١/٣٤٢/١٣). م (٤ /١٨٢٩ / ٢٣٥٦ [١٢٨]). (٢) خ (٢٠/٩٥/١). (٣) خ (٣٩/١٢٦/١). ن (٨/ ٤٩٨ /٥٠٤٩). ــ١٥٨ فتح البر وجوب الرجوع إلى السنة وطرح الرأي والقياس ٤ - مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة أن رسول الله بصير، قال ((أكل كل ذي ناب من السباع حرام))(١). وفيه من الفقه أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تحريم، لا نهي أدب وإرشاد، ولو لم يأت هذا اللفظ عن النبي وَله، لكان الواجب في النظر، أن يكون نهيه وَلّ عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تحريم، فكيف وقد جاء مفسرا في هذا الخبر، لأن النهي حقيقته الإبعاد، والزجر، والانتهاء، وهذا غاية التحريم، لأن التحريم في كلام العرب الحرمان والمنع، قال الله عز وجل: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: (١٢)]، أي حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن، ولم يكن ممن تجري عليه عبادة في ذلك الوقت لطفولته، والنهي يقتضي معنى المنع كله. وتقول العرب حرمت عليك دخول داري، أي منعتك من ذلك، وهذا القول عندهم في معنى لا تدخل الدار، كل ذلك منع وتحريم، ونھي وحرمان. وكل خبر جاء عن رسول الله وَخلال فيه نهي، فالواجب استعماله على التحريم، إلا أن يأتي معه أو في غيره دليل، يبين المراد منه، أنه ندب وأدب، فيقضى للدليل فيه، ألا ترى إلى نهي رسول الله (١) م (٣/ ١٥٣٤/ ١٩٣٣). ن (٤٣٣٥/٢٢٧/٧). جه (٣٢٣٣/١٠٧٧/٢). ت (٤/ ١٤٧٩/٧٤). وفي الباب من حديث أبي ثعلبة وابن عباس. الاعتصام بالكتاب والسنة ١٥٩ وَلَه، عن نكاح الشغار، وعن نكاح المحرم، وعن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وعن قليل ما أسكر كثيره من الأشربة، وعن سائر ما نهى عنه من أبواب الربا في البيوع، وهذا كله نهي تحريم، فكذلك النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، والله أعلم. وقد اختلف أصحابنا في ذلك على ما سنبينه في آخر هذا الباب إن شاء الله، ومما يدل على أن مارواه إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة في هذا الحديث، كما رواه، ما حدثني به أبو عثمان سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن وضاح قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صَل حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الأهلي(١). قال أبو عمر: وأما ما جاء من النهي على جهة الأدب وحسن المعاملة والإرشاد إلى المرء، نهيه وَخل عن أن يمشي المرء في نعل واحدة(٢)، وأن يقرن بين تمرتين في الأكل(٣)، (١) حم (٣٦٦/٢). ت (١٧٩٥/٢٢٤/٤) وقال هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي وفي الباب عن علي وجابر والبراء وابن أبي أوفى وأنس والعرباض بن سارية وأبي ثعلبة وابن عمر وأبي سعيد. (٢) خ (١٠ / ٥٨٥٥/٣٨٠). م (٣/ ١٦٦٠ / ٢٠٩٧[٦٨]) وغيرهما من حديث أبي هريرة. (٣) حم (١٩٩/١) من حديث سعد مولى أبي بكر مرفوعا ((لاتقرنوا))-يعني التمر - ورواه خ (٥٤٤٦/٧١١/٩). م (٢٠٤٥/١٦١٧/٣) وغيرهما من حديث ابن عمر ((نهى النبي وَّر أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعا حتى يستأذن أصحابه» . فتح البر ١٦٠ وأن يأكل من رأس الصحفة(١)، وأن يشرب من في السقاء(٢)، وغير ذلك، مثله كثير، قد علم بمخرجه المراد منه، وقد قال جماعة من أهل العلم، إن كل نهي ثبت عن النبي ◌َّ، في شيء من الأشياء، ففعله الإنسان، منتهكا لحرمته وهو عالم بالنهي، غير مضطر إليه أنه عاص آثم، واستدلوا بقول رسول الله وَالخلال: ((إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم))(٣)، فأطلق النهي ولم يقيده بصفة وكذلك الأمر لم يقيده إلا بعدم الاستطاعة، فقالوا إن من شرب من في السقاء أو مشى في نعل واحدة، أوقرن بين تمرتين في الأكل، أو أكل من رأس الصحفة، ونحو هذا، وهو عالم بالنهي كان عاصيا، وقال آخرون إنما نهى عن الأكل من رأس الصحفة، لأن البركة تنزل منها، ونهى عن القران بين تمرتين لما فيه من سوء الأدب أن يأكل المرء مع جليسه وأكيله تمرتين في واحد، ويأخذ جليسه تمرة، فمن فعل فلا حرج، وكذلك النهي عن الشرب من في السقاء خوف الهوام، لأن أفواه الأسقية تقصدها الهوام، وربما كان في السقاء ما يؤذيه، فإذا جعل منه في إناء، رآه وسلم منه، وقالوا في سائر ما ذكرنا، نحو هذا، مما يطول ذكره، وما أعلم أحدا من العلماء جعل النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من هذا الباب، وإنما هو من الباب الأول، إلا أن بعض أصحابنا زعم أن (١) د (٤ / ١٤٢ / ٣٧٧٢). ت (١٨٠٥/٢٢٩/٤). وقال: حسن صحيح. جه (٢/ ٣٢٧٧/١٠٩٠) من حديث ابن عباس. (٢) خ (٥٦٢٩/١١١/١٠). د (٣٧١٩/١٠٩/٤). جه (٣٤٢١/١١٣٢/٢) من حديث ابن عباس . (٣) حم (٥٠٨/٢). م (٢/ ١٣٣٧/٩٧٥). ن (٢٦١٨/١١٦/٥).