Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن .
زاد الناظم أيضاً : (وبئس ما اقترف) أي : اكتسب من وضعه .
(وكل من أودعه كتابه) التفسير أو نحوه (ك) أبي الحسن (١) علي
= (٤)
(الواحدي) (٢) وأبي إسحاق الثَّعْلَبِيِّ (٣)، وأبي القاسم الزَّمَخْشَرِيِّ
(مخطئ) في ذلك (صوابه) إذ الصواب تجنُّبه إلا مبيّناً كما مر .
وأشدهم خطئاً الزمخشري حيث أورده بصيغة الجزم ولم يبرز سنده .
(وجوز الوضع) في الحديث (على) وجه (الترغيب) للناس في فضائل
الأعمال (قوم) محمد أبي (٥) عبدالله (ابن كرام) (٦) بالتشديد مع فتح
الكاف على المشهور كما قاله شيخنا كغيره .
وقيل : بالتخفيف مع فتحها .
وقيل : به مع كسرها . وهو الجاري على ألسنة أهل بلده سجستان .
١- في ز : كأبي حسن .
٢- هو الإمام علي بن أحمد أبو الحسن النيسابوري ، كان فقيهاً شافعياً ، وإماماً في التفسير
والنحو واللغة، توفي سنة ٤٦٨هـ. ((وفيات الأعيان)) (٣٠٣/٣)، ((طبقات السبكي))
(٢٨٩/٣) .
٣- هو الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، الثعلبي، مفسر، مقرئ ، واعظ ، أديب ،
من تصانيفه: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، توفي سنة ٤٢٧هـ. ((طبقات السبكي))
(٢٣/٣) ((البداية والنهاية)) (١٢ /٤٠).
٤- هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي ، النحوي ، اللغوي ، المفسر المعتزلي ، كان حنفي
المذهب معتزلي الاعتقاد، صاحب التفسير المعروف بالكشاف ، قال الذهبي : صالح لكنه داعية
إلى الاعتزال فكن حذراً من كشافه، توفي سنة ٥٣٨هـ. («الميزان» (٧٨/٤).
٥- فى س : محمد بن عبداللّه وهو خطأ.
٦- قال الذهبي : محمد بن كرام السجستاني ، العابد ، المتكلم ، شيخ الكرامية ، ساقط الحديث
على بدعته ، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم السعدي وكانا كذابين . قال : ومن بدع
الكرامية قولهم في المعبود: إنه جسم لا كالأجسام. ((ميزان الاعتدال)) (٢١/٤).

٢٢٢
(و) جوّزه أيضاً (في الترهيب) زجراً عن المعصية محتجِّيْنَ في ذلك
بأنَّ الكذب في الترغيب والترهيب للنبي صلى الله عليه وسلّم لكونه مقوٍ
بالشريعة (١) ، لا عليه .
والكذب عليه إنَّما هو كأن يقال : إنَّه ساحر ، أو مجنون ، أو نحو
ذلك .
تمسكوا في ذلك بخبر : ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ
فَلْيَتَبَوَّاً مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (٢) .
وتمسكهم به مردود لأنَّ ذلك كذب عليه في وضع الأحكام فإنَّ المندوب
منها ، ويتضمن ذلك الإخبار عن اللّه بالوعد على ذلك العمل بالثواب .
ولأنَّ لفظة: «ليُضِلَّ بِهِ النَّاسَ)) اتفق الأئمة على ضعفها .
وبتقدير قبولها فاللام ليست للتعليل ليكون لها مفهوم ، بل العاقبة
كما في قوله تعالى: ((فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْعُوْنَ لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُواْ وَحَزَنَاً)) (٣)
لأنّهم لم يلتقطوه لذلك .
أو للتاكيد كما في قوله: «فَمَنْ أُظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ)) (٤) إذ افتراؤه الكذب على اللَّه محرم مطلقاً سواء
أَقَصَدَ به الإضلال أم لا .
١- في د : مقوياً لشريعته .
٢- قال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وهو عند الترمذي والنسائي دون قوله :
((ليضل به الناس)) ((مجمع الزوائد» (١٤٤/١)، وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))
(٩٦/١) عن البراء بن عازب، وجابر، وعبدالله بن مسعود، ويعلى بن مرة وقال: هذه
الأحاديث كلها لاتصح .
٣- سورة القصص : الآية ٨.
٤- سورة الأنعام : الآية ١٤٤ .

٢٢٣
*
وَلْوَضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَبَعْضُ وَضَعَا
وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
كَلاَمَ بَعْضِ الْحُكَمَا فِي الْمُسْنَدِ
نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ ((مَنْ كَثُرَتَّ صَلَتُهُ)) الْحَدِيْثَ وَهْلَةٌّ سَرَتْ
* * * * *
(والواضعون) أيضاً (بعضهم قد صنعا) (١) كلاماً وضعه على النَّبي
صلى الله عليه وسلّم (من عند نفسه، وبعض) منهم قد (وضعا (٢) كلام
بعض الحكماء) بالقصر للوزن - أو الزُّهَّاد ، أو الصَّحابة ، أو الإسرائيليات
(في المسند) المرفوع ترويجاً له .
كحديث: ((حُبُّ الدُّنْيَا رَأَسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ)) (٣) فإنَّه من كلام مالك بن
دينار (٤) كما رواه ابن أبي الدنيا (٥) ، أو من كلام عيسى بن مريم عليه
[الصلاة] والسلام كما رواه البيهقي في ((كتاب الزهد)).
وقال في ((شعب الإيمان)): ولا أصل له من حديث النَّبي [صلى اللّه
عليه وسلّم] (٦) إلا من مراسيل الحسن البصري .
قال الناظم : ومراسيل الحسن عندهم شبه الريح (٧)
١- في س: ((صنفا)) وهو خطأ .
٢- في س: ((وصفا)) وهو خطأ .
٣- انظر ((المقاصد الحسنة)) (ص: ١٨٢)، ((كشف الخفاء)) (٣٤٤/١).
٤- هو مالك بن دينار السلمي الناجي ، أبو يحيى البصري ، الزاهد ، روى عن أنس بن مالك ،
والأحنف ، والحسن ، وابن سيرين وغيرهم، وثقه النسائي وابن حبان، ((تهذيب التهذيب»
(١٤/١٠) .
٥- هو الحافظ ، الإمام عبدالله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي ، أبو بكر ابن أبي الدنيا ،
البغدادي. توفي سنة ٢٨٠هـ. ((تهذيب التهذيب)) (١٢/٦).
٦- ساقطة من ص ، س ، ط .
٧- ((فتح المغيث)) للعراقي (١٣٣/١).

٢٢٤
وكحديث: ((الْمِعْدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحِمْيَةُ رَأَسُ الدَّواء)) (١).
١
فإنَّه من كلام بعض الأطباء .
(ومنه) أي : [من] (٢) الموضوع (نوع وضعه لم يقصد نحو حديث
ثابت) هو ابن موسى الزاهد (٣) الذي رواه عن شريك، عن الأعمش، عن
أبي سفيان ، عن جابر مرفوعاً: (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) بِاللَّيْلِ (الحديث) .
وتمامه : حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ (٤) .
فهذا لا أصل له عن النّبي صلى الله عليه وسلّم ، ولم يقصد ثابت
وَضْعَه ، وإنَّما دخل على شريك بن عبدالله القاضي وهو بمجلس إملائه عند
قوله : حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلّم ، ولم يذكر المتن ، أو ذكره على ما اقتضاه كلام ابن
حبان وهو: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةٍ رَأَسٍ أُحَدِكُمْ)) (٥) .
فقال شريك متصلاً بالسند أو المتن حين نظر إلى ثابت ممازحاً له : ((مَنْ
كَثُرَتْ صَلاَتُهُ)) إلى آخره - مريداً به ثابتاً (٦) لزهده ، وورعه ، وعبادته .
فظنَّ ثابت أنَّ هذا متن السند أو بقيَّته ، فكان يحدِّث به كذلك منفصلاً
أو مدرجاً له في المتن .
١- قال السخاوي : لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو من كلام الحارث بن كلدة
طبيب العرب، انظر ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٣٨٩)، ((كشف الخفاء)) (٢١٤/٢).
٢- ساقطة من ص ، س ، ظ .
٣- هو ثابت بن موسى أبو إسماعيل الكوفي الضرير، العابد، روى عن شريك والثوري ، مات سنة
٢٢٩ هـ، قال يحيى : كذاب . وقال أبو حاتم وغيره : ضعيف ، وقال ابن حبان : لايجوز
الاحتجاج بخبره إذا انفرد. ((ميزان الاعتدال)) (٣٦٧/١)، ((كتاب المجروحين)) (٢٠٧/١)،
((كتاب الجرح والتعديل)) (٤٥٨/٢).
٤- راجع ((المقاصد الحسنة)) (ص : ٤٢٥).
٥- راجع ((كتاب المجروحين» (٢٠٧/١).
٦- في س : ثابت .

٢٢٥
وهذا (وهلة) أي : غفلة أو غلطة من ثابت نشأت من سلامة صدره
(سرت) منه إلى غيره بحيث انتشرت حديثاً ؛ فرواه عنه كثير .
قال الجَوْهَرِيُّ: يقال: وَهِلَ (١) في الشَّي، وعنه - أي بالكسر - يَوْهَلُ
وَهَلاَ، إذا غلط فيه وسهى . ووَهَلَ إليه - بالفتح - يَهِلُ وَهْلاً ، إذا ذهب
وهمك إليه ، وأنت تريد غيره (٢).
*
*
وَيُعْرَفُ الْوَضْعُ بِالإِقْرَارِ وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ وَرَبَّمَا
الثّبَجِيُّ الْقَطْعَ بِالْوَضْعِ عَلَى
يُعْرَفُ بِالرِّكَّةِ قُلْتُ : اسْتَشْكَلاً
مَا اعْتَرَفَ الْوَاضِعُ إِذْ قَدْ يَكْذِبُ بَلْ نَرُدُّهُ وَعَنْهُ نُضْرِبُ
****
(ويعرف الوضع) للحديث (بالإقرار) بدرج الهمزة - من واضعه (و)
بـ (٣) (ما نزل منزلته) كأن يحدِّث بحديثٍ عن شيخٍ ، ثم يُسْأل عن مولده
فيذكر تاريخاً يعلم به وفاته قبله ، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده .
فهذا لم يقر بوضعه لكن إقراره بمولده ينزل منزلة إقراره بوضعه ؛ لأنَّ
ذلك الحديث لا يعرف إلا عند الشيخ ، ولا يعرف إلا برواية هذا .
(وربما يعرف) وضعه (بالركة) للفظه مما يرجع إلى عدم الفصاحة وما
يتبعها ، مع التصريح بأنَّه لفظ النَّبي [صلى اللَّه عليه وسلّم] (٤).
أو لمعناه مما يرجع إلى الإخبار عن الجمع بين النقيضين ، وعن نفي
الصانع ، وعن قدم الأجسام ، ونحو ذلك .
١- في ص: إلى، وهو خلاف ما هو في ((الصحاح)).
٢- راجع ((الصحاح)) (١٨٤٦/٥).
٣- الباء ساقطة من س ، ز ، ط .
٤- ساقطة من ص ، س ، ط .

٢٢٦
أو لهما معاً .
وقد روي عن الرَّبِيْعِ بن خُقَيْرٍ (١) التابعي قال: إنَّ للحديث ضوءاً كضوء
النَّهارِ تعرفه (٢)، وظلمة كظلمة الليل تنكره .
وقال ابن الجوزي : الحديث المنكر يقشعرُّ منه جلد طالب العلم ، وينفر
منه قلبه في الغالب (٣) .
وذلك بأن يحصل(٤) - كما قال (٥) ابن دقيق العيد - للمحدث لكثرة (٦)
محاولة ألفاظ النَّبي صلى الله عليه وسلّم هَيْئَةٌ نفسانية وملكة قويّة يعرف
بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النُّبُوَّة، وما لا يجوز (٧).
(قلت) : وقد (استشكلا) ابن دقيق العيد (الثَّجِيُّ) (٨) بمثلثة ثم
موحدة مفتوحتين نسبة إلى تَّبَج البحر بساحل ((ينبع)» من الحجاز (القطع
بالوضع على ما) أي : المروي الذي (اعترف الواضع) فيه على نفسه
بالوضع بمجرد اعترافه من غير قرينةٍ معه .
(إذ قد يكذب) في اعترافه لقصد التنفير عن هذا المرويِّ ، أو لغيره مما
يورث ريبةً، وحينئذٍ فالاحتياط أن لا يصرَّح بالوضع .
١- هو : ربيع بن خثيم بن عائذ بن عبدالله بن موهب بن منقذ الثوري ، روى عن النبي صلى الله
عليه وسلم مرسلاً وعن ابن مسعود ، وأبي أيوب ، وعنه الشعبي وإبراهيم النخعي وبكر بن ماعز
وغيرهم، ثقة، عابد، مخضرم. ((تهذيب التهذيب)) (٢٤٢/٣)، ((تقريب)) (٢٤٤/١).
٢- في ز : يعرفه .
٣- راجع ((الموضوعات)) (١٠٣/١).
٤- في س : يحصل له .
٥- في س : قاله .
٦- في س : من كثرة .
٧- راجع ((الاقتراح)) (ص: ٣٣١-٢٣٢).
٨- قال العراقي : ربما كان ابن دقيق العيد يكتب هذه النسبة في خطه لأنه ولد بثبج البحر بساحل
ينبع من الحجاز. ((فتح المغيث)) له (١٣٦/١).

٢٢٧
(بل (١) نرده) أي : المرويِّ لاعتراف راويه بما يفسِّقه (وعنه نضرب)
بضم النون - أي : نعرض ؛ فلانحتج به ولانعمل به مواخذةً له باعترافه .
وحاصله : أنَّ إقراره بوضعه كافٍ في ردّ لكنَّه ليس بقاطع في كونه
موضوعاً ؛ لجواز كذبه في إقراره (٢) .
ففي الحقيقة ليس ذلك استشكالاً ، بل بيان للمراد والواقع ؛ إذ
لا يشترط في الحكم القطع [بل يكفي غلبة الظن والله أعلم] (٣).
١- في ص : بلى وهو خطأ .
٢- راجع ((الاقتراح)) (ص: ٢٣٤).
٣- هذه الزيادة من س .

٢٢٨
مع
المقلوب
اسم مفعول من القلب ، وهو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي (١)،
وهو من أقسام الضعيف بل الإغراب الآتي من أقسام الوضع كما قاله
شيخنا كغيره .
مَا كَانَ مَشْهُوْراً بِرَاوٍ أَبْدلاً
وَقَسَّمُواْ الْمَقْلُوْبَ قِسْمَيْنِ : إِلَى
بِوَاحِدٍ نَظِيْرِهِ كَيْ يَرْغَبَا
فِيْهِ لِلإِغْرَابِ إِذَاَ مَا اسْتَغْرَبَا
وَمِنْهُ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْنٍ
نَحْوُ امْتِحَانِهِمْ إِمَامَ الْفَنِّ
فَرَدَّهَا وَجَوَّدَ الإسْنَاداً
فِيْ مِائَةٍ لَّمَّا أُتَى بَغْدَاداً
وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصدِ الرُّوَةُ نَحْوُ إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ
حَدَّثَهُ فِيْ مَجْلِسِ الْبُنَانِيِّ حَجَّاجُ أُعْنِيْ أَبْنَ أَبِيَّ عُثْمَان
فَظَنَّهُ عَنْ ثَابِتٍ جَرِيْرُ بَيِّنَهُ حَمَّادِ الضَّرِيْرُ
(وقسموا) أي : المحدثون (المقلوب) سنداً (قسمين) : عمداً وسهواً ،
والعمد (إلى) قسمين :
أحدهما : (ما) أي : حديث (كان مشهوراً براوٍ) كسالم (أبدلا
بواحد) من الرواة (نظيره) في الطبقة كنافع (كي يرغبا) بألف
الإطلاق (فيه) أي : في روايته عنه ، ويروج حاله (للاغراب) بدرج
الهمزة (إذا ما) زائدة (استغربا) بألف الإطلاق - من وقف عليه لكون
المشهور خلافه .
١- في د : وهو تبديل من يعرف برواية حديث بغيره .
٠

٢٢٩
وممن كان يفعله بهذا القصد كذباً حمَّاد بن عمرو النَّصيْبيُّ (١) حيث روى
الحديث المعروف بسُهَيْلٍ بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((إِذَاَ لَقِيْتُمُ الْمُشْرِكِيْنَ فِيْ طَرِيْقٍ فَلاَ تُبْدُوْهُمْ بِالسَّلاَمِ»
الحديث (٢)، عن الأعمش، عن أبي صالح ؛ ليغرب به ، وهو لا يعرف
عن الأعمش كما صرَّح به [أبو] (٣) جعفر العُقَيْلِيُّ (٤).
وللخوف من ذلك كره أهل الحديث تتبُّع الغرائب كما سيأتي في بابه .
(ومنه) وهو ثاني قسمي العمد : (قلب سندٍ) تامٍ (المتنٍ) فيجعل لمتن
آخر مرويٌّ بسندٍ آخر ويجعل هذا المتن لإسناد آخر بقَصْد امتحانِ حِفْظِ
المحدِّث واختباره هل اختلط أو لا ؟ وهل يقبل التلقين أو لا ؟
(نحو امتحانهم) أي : المحدثين ببغداد (إمام الفن) البخاري (في
مائة) من الأحاديث (لما أتى) إليهم (بغدادا) بألف الإطلاق ، وبإهمال الدال
الأخيرة على إحدى اللغات .
حيث اجتمعوا على تقليب مُتُونها وأسانيدها فصيّروا متْنَ سندٍ لسندِ
متنٍ آخر ، وسند هذا المتن لمتنٍ آخر ، وعيّنوا عشرة رجالٍ ودفعوا منها
لكل (٥) منهم عشرة أحاديث وتواعدوا (٦) على الحضور لمجلس البخاري
ليلقي عليه كل منهم عشرته بحَضْرتهم .
١- قال ابن حبان: يضع الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. ((كتاب المجروحين)) (١/ ٢٥٢)
((التاريخ الكبير» (٢٨/٣).
٢ - راجع ((مسند الإمام أحمد)) (٥٢٥/٢).
٣- ساقطة من ز .
٤- هو الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي ، صاحب كتاب الضعفاء
الكبير، توفي سنة ٣٢٢هـ ((تذكرة الحفاظ)) (٨٣٣/٣).
٥- في س : كل .
٦- في س : توادعوا وهو تحريف .

٢٣٠
فلما حضروا واطمأنَّ المجلس بأهله البغداديين وغيرهم من الغُرَباء من
أهل خراسان وغيرهم ، تقدَّم إليه واحد من العشرة وسأله عن أحاديثه واحداً
واحداً ، والبخاري يقول له في كل منها : لا أعرفه .
ثم الثاني كذلك ، وهكذا إلى أن استوفى العشرةُ المائةَ ، وهو لا يزيد
في كل منها على قوله : لا أعرفه .
فكان الفُهَماء (١) ممن حضر يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون :
فهم الرجل . ومن كان منهم غير ذلك يقضي عليه بالعجز والتقصير وقلّة
الفهم .
فلما علم أنَّهم فرغوا ، التفت إلى السائل الأول وقال له : سألت
عن حديث كذا وصوابه كذا ، إلى آخر أحاديثه ، وكذا البقية على
الولاء (فردها) أي: المائة إلى أصلها (٢) (وجود الأسنادا) ولم يَخْفَ
عليه موضع مما قلَّبوه (٣) وركَّبوه، فأقرَّ له الناس بالحفظ، وأذعنوا له
بالفضل .
وأغرب من حفظه لها وتيقُّظه لتمييز صوابها من خطأها حفظه لتواليها
كما ألقيت عليه من مرةٍ واحدةٍ .
وقد يقصد بقلب السند كله أيضاً الإغراب ؛ إذ لا ينحصر في راوٍ واحدٍ
كما أنَّه قد يقصد بقلب راوٍ واحدٍ أيضاً الامتحان ، وهو محرَّم إلا بقصد
الاختبار .
فقال الناظم: «في جوازه نظر ، إلا أنَّه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر
١- في ط : الفقهاء ، وفي ص : الفهام وهو خطأ .
٢- في د : أصولها .
٣- في ز : قبلوه وهو تحريف .

٢٣١
حديثاً)) (١) .
قال شيخنا : ((وشرط الجواز أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء
الحاجة)) .
(و) قسم السهو : (قلب ما لم يقصد الرُّواة) قلبه ، بل وقع منهم
سهواً ووهماً (نحو) حديث: (إذا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ) فَلاَتَقُوْمُواْ حَتَّى
تَرَوْنِيْ)) (٢) .
فقد (حدثه) أي : الحديث (في مجلس) ثابت بن أسلم (البناني) (٣)
بضم أوله نسبة إلى ((بنانة)) محلة بالبصرة (حجاج أعني) بدرج الهمزة (ابن
أبي عثمان) بصرفه للوزن - الصواف (٤) ، عن يحيى بن أبي كثير، عن
عبدالله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن النَّبي صلى اللَّه عليه وسلّم .
(فظنه) أي: الحديث (عن ثابت) أبو النضر (جرير) بن حازم (٥) ،
فرواه عن ثابت ، عن أنس كما (بينه حماد) هو ابن زيد (الضرير) وقال :
وهم أبو النضر فيما قاله .
وأما المقلوب متناً وهو قليل : فهو أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر
للآخر كحديث: ((حَتَّى لاَتَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ)) (٦) .
١- راجع ((فتح المغيث)) (١٣٩/١).
٢- راجع ((فتح الباري)) (١١٩/٢)، ((صحيح مسلم)) (١٠١/٥)، ((مسند أحمد)) (٣٠٤/٥)
((سنن أبي داوود)) (٢٤٥/٢) مع العون، ((جامع الترمذي)»: (٥١٧) باب ما جاء في الكلام
بعد نزول الإمام من المنبر. (٣٩٤/٢ -٣٩٥) تحقيق أحمد محمد شاكر .
٣- قال الذهبي : ثقة بلا مدافعة ، كبير القدر ، وقال ابن عدي: ما وقع في حديثه من النكرة فإنما
هو من الراوي عنه؛ لأنه روى عنه الضعفاء. ((ميزان الاعتدال)) (١/ ٣٦١).
٤- ثقة حافظ من السادسة /ع ((تقريب)» (١٥٣/١).
٥- ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف ، وله أوهام إذا حدث من حفظه ، اختلط ولكن لم يحدث في
حالة اختلاطه. ((تقريب)) (١٢٧/١) .
٦- انظر ((فتح الباري)) (٢٩٣/٣).

٢٣٢
فإنَّه جاء مقلوباً بلفظ: ((حَتَّى لاَتَعْلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ شِماَلُهُ)) (٦).
٦- أخرجه مسلم في ((الصحيح)) (١٢٢/٧). قال النووي: هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في
بلادنا وغيرها ، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مسلم: ((لاتعلم يمينه ما تنفق شماله)»
والصحيح المعروف: ((حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه)) هكذا رواه مالك في ((الموطأ)).
والبخاري في ((صحيحه))، وغيرهما من الأئمة ، وهو وجه الكلام لأن المعروف في النفقة فعلها
باليمين .
قال القاضي يعني عياض : ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم لا من مسلم
بدليل إدخاله بعده حديث مالك رحمه اللّه وقال بمثل حديث عبيد، وبين الخلاف في قوله: ((قال
رجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود)) فلو كان ما رواه مخالفاً لرواية مالك لنبّه على هذا
((شرح مسلم)) (١٢٢/٧).
وقال الحافظ ابن حجر : ليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه ، بل هو من شيخه أو من
شيخ شيخه يحيى القطان ؛ فإن مسلماً أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى
وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير ، وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير ، وأخرجه الجوزقي
في مستخرجه عن أبي حامد الشرقي ، عن عبدالرحمان بن بشر بن الحكم عن يحيى القطان كذلك
وعقبه بأن قال : سمعت أبا حامد الشرقي يقول : يحيى القطان عندنا واهم في هذا .
قلت - أي ابن حجر - : والجزم يكون يحيى هو الواهم فيه نظر ؛ لأن الإمام أحمد قد رواه
عنه على الصواب وكذلك أخرجه البخاري والإسماعيلي ، وكأن أبا حامد لما رأى عبدالرحمان قد
تابع زهيراً ترجح عنده أن الوهم من يحيى ، وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة
مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه. ((فتح الباري)) (١٤٦/٢).

٢٣٣
تَنْبِيْهَات
(تنبيهات) ثلاثة توضح ما مر مما حكم بضعفه وغيره :
وَإِنْ تَجِدْ مَتْناً ضَعِيْفَ السَّنَدِ فَقُلْ ضَعِيْفٌ . أَيْ بِهَذَا فَاقْصُدِ
عَلَى الطَّرِيْقِ إِذْ لَعَلَّ جَاءَ
وَلَأَتُضَعِّفْ مُطْلَقاً بِنَاءَ
بِسَنَدٍ مُجَوَّدٍ بَلْ يَقِفُ ذَكَ عَلَى حُكْمٍ إِمَامٍ يَصِفُ
بَيَانَ ضُعْفِهِ فَإِنْ أُطْلَقَهُ فَالشَّيْخُ فِيْمَا بَعْدَهُ حَقْقَهُ
*
* *
أحدها : ما تضمَّنه قوله (وإن تجد متناً) أي : حديثاً (ضعيف السند
فقل) : هو (ضعيف ، أي بهذا) السند فقط .
(فاقصد) ذلك ، فإن صرَّحت به فهو أولى .
(ولا تضعفه (مطلقاً بناءً على) ضعف ذاك (الطريق) أي : السند ؛
(إذ لعل)ـه (جاء بسندٍ) آخر (مجوّد) يثبت بمثله، أو بهما .
(بل يقف ذاك) أي : الإطلاق ، أي جوازه (على حكم إمام) من أئمة
الحديث (يصف بيان) وجه (ضعفه) أي : المتن ، بأنَّه شاذ أو منكر ، أو
بأنَّه لا إسناد له يثبت بمثله ، أو نحو ذلك .
(فإن أطلقه) أي : ذلك الإمام الضُّعْفَ (فالشيخ) ابن الصَّلاح (فيما
بعده) وفي نسخة ((بعد)) قد (حققه) .
وسيأتي بيانه في قول الناظم : ((فإن يقل : قلَّ بيان من جرح)» إلى
آخره .
وما ذكر عن ابن الصلاح من منع إطلاق التضعيف قال شيخنا : الظاهر
أنَّه على أصله من تعذُّر استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به ،

٢٣٤
والحق خلافه كما تقرر في محله ، فإذا غلب على ظن الحافظ المتأهِّل أنَّ
ذلك السند ضعيف ولم يجد غيره بعد التفتيش ، ساغ له تضعيف الحديث ؛
لأن الأصل عدم سند آخر (١) .
وَإِنْ تُرِدْ نَقْلاً لِوَاهِ أُوْ لِمَا يُشَكُّ فِيْهِ لاَ بِإِسْنَادِهِمَا
بِنَقْلِ مَا صَحِّ كَقَالَ فَاعْلَمٍ
فَائْتٍ بِتَمْرِيْضٍ گیُرْوَى وَاجْزِمِ
مِنْ غَيْرِ تَبْيِيْنٍ لِضُعْفٍ وَرَأُوْا
وَسَهَّلُواْ فِيْ غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْاً
عَنِ ابْنِ مَهْدِيٌّ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ
بَيَانَهُ فِي الْحُكْمِ والعَقَائِدِ
(و) ثانيها (٢) ما تضمَّنه قوله: (إن ترد نقلاً لـ)متنٍ (واهٍ) أي:
ضعيف لم يبلغ الوضع ، (أو لما يشك فيه) من أهل الحديث أهو صحيح أو
ضعيف ؟ (لا بـ) ذكر (إسنادهما) أي : الواهي ، والمشكوك فيه ، بل بمجرد
إضافتهما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو إلى غيره بحيث يشمل المعلّق
(فأت بتمريض) أي : بصيغته التي اكتفى بها عن التصريح بالضعف (٣)
(كيُروى)، ويُذكر ، ورُوِي ، وذُكِرٍ ، وروى بعضهم، ولاتجزم بنقله خوفاً من
الوعيد .
(واجزم بنقل) أي : إيتِ بصيغة الجزم في نقلك بلا سندٍ (ما صح كـ
((قال))، فاعلم) ذلك ، ولاتأت بصيغة التمريض ، وإن فعله بعض الفقهاء.
(و) ثالثها (٤) - وهو قسيم لا بإسنادها - ما تضمنَّه قوله: (سهَّلوا)
١- راجع ((النكت)) (٨٨٧/٢).
٢- في ط : ثانيهما .
٣- في ط ، د : بالتضعيف .
٤- في ط : ثالثهما .

٢٣٥
أي : جوَّزوا التساهل (في غير موضوع) من الحديث حيث (رووا) أي :
رووا بإسناده (من غير تبيين لضعف) إن كان في الترغيب والترهيب من
المواعظ ، والقصص ، وفضائل الأعمال ونحوها .
(ورأوا بيانه) وعدم التساهل فيه ، وإن ذكروا إسناده إن كان (في
الحكم) الشرعي من حلالٍ وحرامٍ وغيرهما .
(و) في (العقائد) كصفات اللّه تعالى ، وما يجوز له ، ويستحيل
عليه .
وما ذكر من جواز التساهل وعدمه منقول (عن ابن مهْدِي) عبدالرحمان
(وغير واحد) من الأئمة كأحمد بن حنبل ، وابن مَعِيْن ، وابن المبارك .

٢٣٦
صَعْرْفَةَ مَنْ تُقْبَل روايَتُهُ وَمَنْ تُرَّد
(معرفة) صفة (من تقبل روايته ومن ترد) وما يتبع ذلك .
أُجْمَعَ جُمْهُوْرُ أَتِمَّةِ الأَثَرْ وَالْفِقْهِ فِيْ قَبُوُلِ نَاقِلِ الْخَبَرْ
أَيْ يَقِظأ وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلا
بِأَنْ يَكُوْنَ ضَابِطاً مُعَدَّلا
كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ
يَحْفَظُ إِنْ حَدَّثَ حِفْظاً يحوى
إِنْ يُرْوَ بِالْمَعْنِى وَفِيْ الْعَدَلَةْ
يَعْلَمُ مَافِيْ اللَّفْظِ مِنْ إِحَالَهْ
قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيْمَ الْفِعْلِ
بِأَنْ يَكُوْنَ مُسْلِمِاً ذَا عَقْلٍ
زَكَّاهُ عَدْلَانِ فَعَدِّلْ مُؤْتَمَنْ
مِنْ فِسْقٍ أُوْ خرم مُرُؤْمَةٍ وَمَنْ
وَصُحْحَ اكْتِفَائُهُمْ بِالْوَاحِدِ
جَرْحاً وَتَعْدِيْلاً خلاَفَ الشَّاهد
*
(أجمع جمهور أئمة الأثر) أي : الخبر ، (والفقه) ، والأصول (في
قبول ناقل الخبر) المحتج به (بأن) أي : على اشتراط أن (يكون ضابطاً
معدّلاً، أي) : بأن يكون في الضبط (يقظاً) بضم القاف وكسرها .
(و) ذلك بأن (لم يكن مغفَّلاً) لا يميِّز الصواب من الخطأ ، وأن يكون
[فيه] (١) (يحفظ) ما سمعه ، بأن يثبته في حفظه بحيث يتمكن من
استحضاره متى شاء (إن حدث حفظاً) أي: من حفظه ، و (يحوي كتابه)
[أي: يصونه بنفسه، أو بثقة عن تطرق التغيير إليه] (٢) (إن كان منه
يروي) ، و (يعلم ما في اللفظ من إحاله) بحيث يأمن من تغيير ما يرويه
(إن يرو) الخبر (بالمعنى) لا بلفظه على ما يأتي بيانه في محله .
١- ليست في ط .
٢- ما بين المعكونتين ساقط من س .

٢٣٧
(و) بأن يكون (في العدالة) وهي : ملكة تحمل على ملازمة التقوى
والمروءة متصفاً (بأن يكون مسلماً ذا عقل قد بلغ الحلم) بإسكان اللام
مخففاً من ضمها - أي : الإنزال في النوم ، والمراد البلوغ به أو بغيره .
(سليم الفعل من فسق) بأن لا يرتكب كبيرةً ، ولا يصرّ على صغيرةٍ .
(أو) [بالدرج] (١) أي: ومن (٢) (خرم المروءة) وهي : التخلُّق بخلق
أمثاله في زمانه ومكانه ؛ فالأكل في السوق ، والمشي مكشوف الرأس ،
وإكثار حكاياتٍ مضحكةٍ ، ولبس فقيهٍ قبا أو قلنسوةً حيث لايعتاد
يسقطها .
فلا تقبل رواية من فقد شرطاً (٣) مما ذكر حتى المراهق على الأصح عند
من يقبل روايَتّه .
وعلم مما قاله أنَّه لا يشترط في الرَّأوي الحرية ، ولا الذكورة ، ولا
العدد ؛ فتقبل رواية الرقيق ، والمرأة ، والواحد ، وهو المشهور .
ثم بيَّن ما تثبت به العدالة فقال :
(ومن زكاه) أي : عدله في روايته (عدلان ف)هو (عدل) فتقبل روايته
اتفاقاً (مؤتمن) تاكيد وتكملة .
(وصحح اكتفائهم) أي : جمهور أئمة الأثر فيها (ب) قول العدل
(الواحد) ولو عبداً ، أو المرأة (جرحاً وتعديلاً) أي : فيهما ، أو من جهتهما .
لأنَّ قوله إن كان نقلاً عن غيره فهو خبر من جملة الأخبار ، أو اجتهاداً
من قبل (٤) نفسه فهو كالحاكم ، وفي الحالين لا يشترط العدد .
١ - ساقطة من ز .
٢- في ص ، ط ، غ : أو من .
٣- في د : شيئا .
٤- في ط : قبيل .

٢٣٨
(خلاف الشاهد) فالصحيح عدم الاكتفاء فيه بقول الواحد كنفس
الشهادة .
وإذا جمعت المسئلتين (١) كان فيهما ثلاثة (٢) أقوال:
١- لايكتفى بواحد فيهما .
٢- یکتفی به فيهما .
٣- يفرّق (٣) بينهما، وهو الأصح كما تقرّر مع الفرق بينهما.
وفرقوا بينهما أيضاً بأنَّ الشهادة أمرها ضيِّق لكونها في الحقوق
الخاصة التي يترافع فيها ، بخلاف الرِّواية فإنَّها في عام للناس غالباً لا
ترافع فيه .
ويأنَّ بينهم في المعاملات عداوة تحملهم على شهادة الزُّور ، بخلاف
الرُّواة .
**
*
وَصَحِّحُواْ اسْتِغْنَاءَ ذِيْ الشُّهْرَةِ عَنْ تَزَكِيَّةٍ كَمَالِكِ نَجْمِ السُّنَنْ
بِحَمْلِهِ الْعِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ
وَلَابْن عَبْدِالْبَرِّ كُلُّ مَنْ عُنِي
يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ لَكِنْ خُوْلِفَا
فَإِنَّهُ عَدَلٌ بِقَوَلَ الْمُصْطَفَی
وَهَنْ يُوَفِقْ غَالِباً ذَ الضّبْطِ فَضَابِطٌ، أُوْ نَادِراً فَمُخْطِئ
*
(وصححوا) مما تثبت به العدالة أيضاً (استغناء ذي الشهرة) بها بين
أهل العلم (عن تزكية) صريحةٍ (كمالك نجم السنن) كما وصفه به
الإمام الشافعي ، وكشعبة ، وأحمد ، وابن مَعِيْن ، فهؤلاء وأمثالهم
١- في س : المسئلتان .
٢- في س : ثلاث وهو خطأ .
٣- في س : فرق .

٢٣٩
لا يسأل عن عدالتهم .
وقد سئل الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه فقال : مثل إسحاق يسئل
عنه ؟ إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين .
وابن معين سئل عن أبي عُبَيْد (١) فقال : مثلي يسأل عن أبي عبيد ؟
أبو عبيد يسئل عن الناس .
(ولابن عبدالبر) الحافظ قول وهو: (كل من عني) بضم أوله - أي :
اهتم (بحمله العلم) زاد الناظم (ولم يوهن) أي : يضعف (٢) (فإنَّه عدل
بقول المصطفى) صلى اللّه عليه وسلم: (يَحْمِلُ هَذَ الْعِلْمَ) مِنْ كُلِّ خَلْفٍ
عُدُولُهُ يَنْفَوْنَ عَنْهُ تَحْرِيْفَ الْغَالِيْنَ - أي : تغيير المتجاوزين الحد - [وَانْتِحَالَ
الْمُبْطِلِيْنَ] (٣) - أي: ادعائهم لأنفسهم ما لغيرهم - وَتَأْوِيْلَ الْجَاهِلِيْنَ (٤).
(لكن خولفا) بألف الإطلاق - أي : ابن عبدالبر في اختياره ، بأنّه
اتساع غير مرضي وفي احتجاجه بالحديث بأنَّه ضعيف مع كثرة طرقه ، بل
قيل : إنَّه موضوع .
وبأنَّ الاحتجاج به إنَّما يصحُّ لو كان خبراً ، ولا يصح كونه خبراً لوجود
من يَحْمِلُ الْعِلِمَ مع كونه فاسقاً ؛ فلايكون إلا أمراً .
ومعناه : أنَّه أمر الثقات بحمل العلم ؛ لأنَّ العلم إنَّما يقبل عنهم .
ويتأيَّد بأنَّ في بعض طرقه ((لِيَحْمِلْ)) بلام الأمر (٥).
١- هو الإمام المشهور : القاسم بن سلام أبو عبيد، البغدادي، ثقة ، فاضل ، مصنف في شرح
الغريب من الحديث. ((تقريب» (١١٧/٢).
٢- في س : يضعفه .
٣ . ما بين المعكوفتين ساقط من ز .
٤- أخرجه ابن عبدالبر في ((التمهيد)» (٥٩/١)، وابن أبي حاتم في ((تقدمة المعرفة» (١٧/٢).
٥- راجع ((تقدمة المعرفة)) لابن أبي حاتم (١٧/٢).

٢٤٠
ولو سلّم أنَّه خبر لم يحتج به ؛ إذ لا حصر فيه فلا ينافيه حمل بعض
الفَسَتَّةِ العِلْمَ، فإنَّه إنَّما هو إخبار بأنَّ العُدُول يحملونه، لا أنَّ غيرهم
لا يحمله .
هذا وقد اعتمد جماعة منهم ابن سيِّد الناس ما اختاره ابن عبدالبر ،
وقال الذهبي : إنَّه حق .
قال : ولا يدخل فيه المستور فإنَّه غير مشهور بالعناية بالعلم ، فكل من
اشتهر بين الحفّاظ بأنَّه من أصحاب الحديث ، وأنَّه معروف بالعناية بهذا
الشأن ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تلييناً (١) ولا اتفق لهم علم بأنّ
أحداً وثقه فهذا الذي عناه الحافظ ، وإنَّه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح
فيه جرح .
قال : ومن ذلك إخراج الشيخين الجماعة ما اطلعنا فيهم على جرحٍ ولا
توثيق فيحتج بهم ؛ لأنّهم احتجا بهم .
ثم بيِّن الناظم ما يعرف به الضبط ، فقال :
(ومن يوافق) دائماً ، أو (غالباً) في المعنى ، أو في اللفظ وإن سقط
منه ما لا يغيّر المعنى (ذا الضبط فضابط) محتج بحديثه (٢)، (أو) يوافقه
(نادراً فمخطئ) ليس بضابط فلا يحتج بحديثه .
** * * *
وَصَحْحُواْ قَبُوَلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ذِكْرٍ لأَسْبَابٍ لَهُ أُنْ تَفْقُِلاً
للخُلْفِ فِيْ أُسْبَابِهِ وَرَبَّمَا
وَلَمْ يَرَوْاْ قَبُوَلَ جَرْحٍ أَبْهِمَا
أُسْتُفْسِرَ الْجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ كَمَا فَسَّرَهُ شُعْبَةُ بِالرِّكْضِ فَمَا
١- في س : تلبيساً ، وفي ط : تثبيتاً وكلاهما خطأ .
٢- في س: ((صحيح)) وهو خطأ، وفي ط : يحتج .