Indexed OCR Text

Pages 181-200

( أَوْ نَحْوُ: أُمِرْنًا) - ببنائِه للمفعول - كـ: أُمِرَ فُلاَنٌ، وَكَنَّا تُؤْمَرُ، ونُهِيْنَا ،
كَقَوْلِ أُمِّ عَطِيّةَ - رضيَ اللهُ عَنْهَا -، كَمَا فِي " الصَّحِيحينِ":
(أُمِرْنَا أنْ تُخرِجَ فِيْ الْعِيْدَيْنِ الْعَوَاتِقَ (١)، وَذَواتِ الْحُدُورِ (٢)، وأُمِرَ الْخُيَّضُ أنْ يَعْتَزِلْنَ
مُصَلَّى المُسْلِمِيْنَ))(٣). و ((نُهِيْنَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا))(٤). ورُخِّصَ، أَوْ أُبِيحَ
لَنَا، أَوْ أُوْجِبَ لَنَا، أَوْ حُرِّمَ عَلَيْنَا .
كُلِّ مِنْهُمَا (٥)مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوْقً لفظً، (حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ بَعْدَ) موتِ (الَّيِّ) ◌ِّ،
( قَالَهُ ) (٦) الصَّحَابِيُّ (بأَعْصُرِ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ ) مِنَ العُلَّمَاءِ.
(١) العوائق: جمع عاتقة، وهي الجارية أوّل ما تدرك، أو التي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس.
انظر: النهاية في غريب الحديث ١٧٨/٣-١٧٩، ولسان العرب ١٠٥/١٢-١٠٦، والقاموس المحيط
٢٦٢/٣-٢٦٣ ( عتق ).
(٢) الخدر : ناحية في البيت يترك عليها ستر، فتكون فيه الجارية البكر ، خُدِّرت فهي مخدرة، وجمع الخدر
الخدور ، قاله ابن الأثير. النهاية ١٣/٢، وانظر: الصحاح ٦٤٣/٢ (خدر).
(٣) أخرجه الحميدي (٣٦١) و (٣٦٢)، وأحمد ٨٤/٥، والدارمي (١٦١٧)، والبخاري ٨٨/١ حديث
(٣٢٤) و ٢٥/٢ حديث (٩٧١) و٢٦/٢ حديث (٩٧٤) و٢٧/٢ حديث (٩٨٠) و١٩٦/٢ حديث
(١٦٥٢)، وأبو داود ( ١١٣٧) و (١١٣٨)، وابن ماجه (١٣٠٧)، والترمذي (٥٤٠)، والنسائي
١٩٣/١-١٩٤ و١٨٠/٣، وابن خزيمة (١٤٦٦) و(١٤٦٧) من طرق، عن حفصة بنت سيرين، عن أم
عطية، ومنهم من رواه مطولاً .
وأخرجه أحمد ٨٥/٥، والبخاري ٩٩/١ حديث (٣٥٦) و٢٦/٢ حديث (٩٧٤) و٢٨/٢ حديث
(٩٨١)، ومسلم ٢٠/٣ حديث (٨٩٠)، وأبو داود (١١٣٦) و (١١٣٧)، وابن ماجه (١٣٠٨)،
والترمذي (٥٣٩)، والنسائي ١٨٠/٣، وابن خزيمة (١٤٦٧) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أم
عطية ، والروايات مطولة ومختصرة .
(٤) أخرجه البخاري ٩٩/٢ حديث (١٢٧٨)، ومسلم ٤٧/٣ حديث (٩٣٨)، وأبو داود (٣١٦٧)،
وابن ماجه ( ١٥٧٧ ) من طريق حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية .
وأخرجه أحمد ٤٠٨/٦، ومسلم ٤٧/٣ (٩٣٨) من طريق محمد بن سيرين ، عن أم عطية .
قال الإمام العراقي : (( وكلاهما صحيح هو من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث، وهو الصّحيح،
وقول أكثر أهل العلم ، قاله ابن الصّلاح قال: لأنّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي
وهو رسول الله ﴿)). انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٣٧/١، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١٤٣.
(٥) في (ق) و (ع): (( منها)).
(٦) في (ق ): ((أي الصّحابيّ)).
١٨١

سَوَاءٌ أقالَهُ فِي مَحَلِّ الاحتجاجِ ، أَمْ لا، تأمَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُ النَّيِّ ◌َ﴿ِ، أَمْ لاَ؛ لأنَّهُ
المتبادَرُ إلى الذّهنِ عِنْدَ إطلاقِ هذِهِ الألفاظ، لأنَّ مَدُولَها مِنْهُ﴿ أصلٌ؛ لأَنَّهُ الشَّارِعُ،
ومِنْ غَيْرِهِ تَبَعِ لَهُ، مَعَ أنّ الظَّاهرَ أنَّ مقصودَ الصَّحَابِيِّ بيانُ الشَّرعِ.
ومُقابلُ الصَّحِيحِ ، وقولِ الأكثر: أنَّه لا يحكمُ لذلك بالرفعِ ؛ لاحتمالِ أنَّه من غَيْرِ
الَِّّ ◌َ﴿، كسنَّةِ البلدِ، وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ، وأمرِهم ونهيهم (١).
فَمَحَلُّ الخِلافِ - كَمَا قَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ - إذَا كَانَ للاجتهاد في المرويِّ مجالٌ ،
وإلا فحكْمُهُ الرفعُ قطعاً .
أما إذَا صَرَّحَ الصَّحَابِيُّ بالآمرِ، كقوله: (( أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِلَّ)) فَلَمْ أَرَ فِيهِ خلافاً(٢)،
ولا يقدحُ فِيهِ مَا حُكِيَ عَنْ داودَ (٣)، وغيرِهِ: أنَّه لَيْسَ بِحُجةٍ ؛ لأنَّ عدمَ الحُجِّيةِ لاَ ينافي
الرَّفعَ، عَلَى أَنَّ النّاظِمَ قَالَ: إِنَّهُ ضَعِيْفٌ مردودٌ إلا أَنْ يُرادَ بِكُونِهِ «غَيْرَ حُجَّةٍ)) أي : في
الوجوب (٤).
( و) ثانيها: (قَوْلُهُ) أي: الصَّحَابِيُّ: (كُنَّا نَرَى)، أَوْ نَفْعَلُ، أَوْ نَقُولُ كَذَا،
أَوْ نَحْوُها ، فِيهِ اقْوَالٌ :
أَصَحُّها: أنَّهُ ( إِنْ كَانَ) ذَلِكَ (مَعْ) ذِكْرِ (عَصْرِ النَِّيِّ) ﴿ كَقُوْلِ جَابِرٍ،
(١) قال الإمام العراقي: (( قال ابن الصباغ في " العدّة": وحكي عن أبي بكر الصّيرفيّ، وأبي الحسن
الكرخيّ وغيرهما أنهم قالوا: يحتمل أن يريد به سنة غير النّيّ ◌َ﴿ّ، فلا يحمل على سنته)). انظر: شرح
التبصرة والتذكرة ٢٣٥/١ وهو قول كثير من العلماء: كأبي بكر الإسماعيلي من الشافعية، والرازي من
الحنفية وابن حزم والغزالي وجماعة من الأصوليين ، وأكثر مالكية بغداد، وحكاه إمام الحرمين عن المحققين ،
وذكر الزّركشيّ أنه قول إمام الحرمين ، بل حكى ابن فورك وسليم الرازي وابن القطان والصيدلاني: أنه
الجديد من مذهب الشّافعيّ وكذا نسبه المازري إلى أحد قولي الشّافعيّ. انظر: البرهان ٦٤٩/١،
والمنخول ٢٧٨، والتبصرة في أصول الفقه ٣٣١، وإحكام الأحكام ٨٧/٢، والإهلج ٣٢٨/٢-٣٢٩،
والبحر المحيط ٣٧٥/٤ .
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٢٣٧/١ - ٢٣٨.
(٣) في ( ق ) : (( الداوودي)) .
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ٢٣٨/١.
١٨٢

كَمَا فِي " الصَّحِيْحَيْنِ": ((كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ﴿ِ))(١) ، فَهُوَ وإِنْ كَانَ
مَوْقُوْفاً لَفْظاً ، ( مِنْ قَبْلِ مَا رَفَعْ ) أي: الصَّحَابِيُّ؛ لِأَنْ غَرِضَهُ بَيَانُ الشَّرْعِ، وذلكَ
يتوقّفُ (٢) عَلَى عِلْمِهِ (٢)°َّ بِهِ، وإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ .
( وَقِيلَ: لا) يَكُونُ مَرْفُوْعاً ، بَلْ هُوَ مَوْقُوْفٌ مُطْلقاً، سَوَاءٌ أَقْيِّدَ بالعَصْرِ النَّبويّ ،
أَمْ لا ؟ بخلاف القولِ الْمُتَقَدِّمِ، فإِنَّهُ إِن قَيِّدَ بِذَلِكَ فمرفوعٌ كَمَا مَرَّ، (أَوْ لاَ) أي: وإن
لَمْ يَقِيَّدْ بِهِ ، (فَلا ) يَكُونُ مرفوعاً (٤) .
( كَذاكَ لَهْ ) أي : لابنِ الصَّلاحِ (٥)، ( وللخَطِيبِ ) المزيد عَلَيْهِ (٦) .
وَقَوْلُه: ((أَوْ لاَ))، إلى آخرِهِ، تصريحٌ بما أفهَمَهُ تقييدُهُ ((أَوْ لا) بقولِهِ: إِنْ كَانَ
مَعَ عَصْرِ النَّيِّ ﴿ه، وإنَّما صرَّحَ بِهِ ليرتِّبَ (٧) عَلَيْهِ القَوْلَ الثَّالِثَ الَمَذْكُوْرَ بقولِهِ:
( قُلْتُ: لكنْ جَعَلَهْ ) أي: مَا لَمْ يُقَّدْ بالعَصْرِ النَّبوي المَفْهُوْمِ مِنْهُ مَا فِيِّدَ بِهِ
بالأَوْلَى ( مَرْفُوْعاً) الحافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ (الَحَاكِمُ، و) (٨) الإِمَامُ الفَخْرِ (الرَّازِيُّ) (٩)
نسْبةٌ - بزيادة الزاي - إلى ((الرَّيِّ) مدينةٍ مِن بلادِ الدَّيْلَمِ (١٠) (إبنُ الْخَطِيْب) بها
(وَهُوَ) بضمِ الهاءِ ( القَوِيُّ) مِن حيثُ المعْنى، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ في " مَجْموعِهِ " (١١).
(١) صحيح البخاريّ ٤٢/٧ (٥٢٠٩)، وصحيح مسلم ١٦٠/٤ (١٤٤٠) من طريق عطاء بن أبي رباح ،
عن جابر. وأخرجه مسلم ١٦٠/٤ عقب (١٤٤٠) من طريق أبي الزبير ، عن جابر. وأخرجه أحمد
٣٠٩/٣ و٣٦٨، والنّسائيّ في الكبرى (٩٠٩٢) من طريق عمرو بن دينار ، عن جابر .
(٢) في ( ق): ((متوقف)).
(٣) في (ق ): (( عمله)) .
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٣٩/١- ٢٤٠، والتقييد والإيضاح ٦٦، ونكت ابن حجر ٥١٥/٢ ،
ونكت الزّركشيّ ٤٢١/١ .
(٥) معرفة أنواع علم الحديث : ١٣٩ - ١٤٠.
(٦) الكفاية : ( ٥٩٥ هـ ، ٤٢٤ ت ).
(٧) في ( ق ): (( ليترتب)).
(٨) معرفة علوم الحديث : ٢٢ .
(٩) المحصول ٢٢١/٢، وانظر: إحكام الأحكام ٨٩/٢، وقال ابن الصباغ: ((إنه الظاهر)). التقييد
والإيضاح : ٦٧، وشرح التبصرة والتذكرة ٢٤١/١ .
(١٠) انظر: معجم البلدان ١١٦/٣.
(١١) المجموع ٦٠/١، وانظر النكت الوفية: ١٠٣/ ب.
١٨٣

فحصلَ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ (١) :
١ - الرفعُ مطلقاً .
٢ - الوقفُ مطلقاً (٢).
٣ - التفصيلُ بَيْن مَا قُيِّد بالعصرِ النَّبويّ ، وما لَمْ يُقَيِّدْ بِهِ .
وفيها أَيْضاً :
رابعٌ، وَهُوَ: إِنْ كَانَ الفعلُ مما لا يَخفى غالباً ، فمرفوعٌ ، وإلاّ فموقوفٌ.
وخامسٌ ، وَهُوَ : إِنْ ذُكرَ في مَعْرضِ الاحتجاجِ فَمَرَفوعٌ وإلاّ فَمَوْقوفٌ .
وسادسٌ، وَهُوَ : إِن كَانَ قائلُهُ مجتهداً ، فموقوفٌ ، وإلاّ فمرفوعٌ .
وسابعٌ ، وَهُوَ: إِنْ قَالَ: ((كُنَّا نَرَى)، فموقوفٌ، أَو(٣) (كُنَّا نَفْعَلُ))، أَوْ نحوَهُ
فمرفوعٌ ؛ لأنّ (َرَى)) من الرأي، فيحتملُ أنْ يكونَ مستندُهُ استنباطاً، لا توقيفاً.
ثُمَّ مَحلُّ الخلافِ إذَا لَمْ يكنْ في القصَّةِ اطّلاعُه ﴿ عَلَى ذَلِكَ ، وإلاَّ فَحُكْمُهُ الرفعُ
قَطْعاً، كقولِ ابنِ عُمَرَ : ((كُنَّا نَقُوْلُ، وَرَسُوْلُ اللهِلَّ حَيِّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الأمَّةِ بَعْدَ نَبِّهَا:
أَبُو بَكْرِ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ (٤) . وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُوْلُ اللهِ﴿ِ فَلاَ يُنْكِرُهُ)) رواهُ الطبرانيّ في
" مُعْجَمِهِ الكبيرِ " (٥) .
وبِالجُملةِ مَا قَيِّد مِن ذَلِكَ بالعَصْرِ النَّبويّ، حُكْمُهُ الرَّفِعُ، إما قَطْعاً، أَوْ عَلَى الأصحِّ .
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٦٦، ونكت ابن حجر ٥١٥/٢، ونكت الزّركشيّ ٤٢١/١.
(٢) سقطت من ( ص ) .
(٣) في (ص ): ((و)).
(٤) بعد هذا في (ع): ((وعلي))، ولم ترد شيء من النسخ ولا ( م) ولا كتب التخريج.
(٥) المعجم الكبير ( ١٣١٣٢) وأخرجه بنحوه في المعجم الأوسط (٣٣٤ مجمع البحرين)، وفي مسند
الشاميين (١٧٦٤ )، وقال الهيثمي في المجمع ٥٨/٩: ((رجاله وثقوا وفيهم خلاف))، وانظر ما كتبه
الحافظ في الفتح ١٦/٧ عقيب ( ٣٦٥٥) .
قال الإمام العراقي: (( والحديث في الصّحيح لكن ليس فيه اطّلاع النّيّ ﴿ على ذلك بالتصريح)). شرح
التبصرة والتذكرة ٢٤١/١.
قلنا : - كما أشار إليه العراقي - الحديث في صحيح البخاريّ ٥/٥ (٣٦٥٥) و ١٨/٥ (٣٦٩٨)،
وأخرجه أبو داود ( ٤٦٢٧) و (٤٦٢٨)، والترمذي (٣٧٠٧)، وأبو يعلى (٥٦٠٣)، والمزي في
تهذيب الكمال ٥٢٦/٥ .
١٨٤

يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ ) مِمَّا وُقِفَا
لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ الْمُصْطَفَى
١١٠.
وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْبٍ
١١١. حُكْمَاً لَدَى (الحَاكِمِ) و(الخَطِيْبِ)
( لَكِنْ حَدِيْثُ: كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى)ِوَ﴿، (يُقْرَعُ) مِن أَصْحَابِهِ (بِالْأَظْفَارِ)(١)
- تأْدُّباً مَعَهُ، وإجلالاً لَهُ- ، (مِمّا وُقِفَا حُكْماً) أي: حُكْمُهُ الوَقْفُ، (لَدى) أي: عِنْدَ
(الحَاكِمٍ (٢) والخَطيبِ (٣))، مَعَ أنَّ فِيْهِ ذِكْرَ النَّيِّ ◌َ﴿، خِلافَ مَا مَرَّ عَنْهُما فِيمَا يَشْمَلُهُ.
قَالَ الَحَاكِمُ: لاَنَّه مَوْقُوْفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكِى فِيهِ عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلاً ،
وَلَمْ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (٤) .
( والرَّفْعُ) فِيهِ (عِنْدَ الشَّيْخِ ) ابنِ الصَّلاحِ (٥) ( ذُوْ تَصْوِيْبٍ). قَالَ وَهُوَ أحرى
بِكَونِهِ مرفوعاً مِمَّ مَرَّ؛ لِكَونِهِ أحرى باطّلاعِهِ ﴿ِ، قَالَ: والحاكِمُ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ
المَرْفُوْعِ، وَقَدْ كُنَّا عَدَدْنَا هَذَا فِيْمَا أَخْذَنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تأوّلْنَا لَهُ عَلَى أَنَّه أَرادَ أنَّه لَيْسَ بُمُسْنَدٍ
لَفْظً، بَلْ هُوَ كَسَائِرِ مَا مَرَّ، مَوْقُوْفٌ لَفْظً، وإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ (٦) مَرْفُوْعاً مِن حَيْثُ المَعْنَى (٧).
١١٢. وَعَدُّمَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِيْ رَفْعاً فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأَسْبَابِ
(١) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث : ١٩ من طريق كيسان مولى هشام بن حسّان، عن محمد بن
سيرين، عن المغيرة، به . وكيسان هذا: مجهول الحال، لم يوثّقه سوى ابن حبّان في ثقاته ٣٥٨/٧ على
عادته في توثيق المجاهيل .
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٨٠)، وفي التاريخ الكبير ١ / ٢٢٨ ، وأبو نعيم في أخبار أصفهان
٢ / ١١٠ و٣٦٥ من طريق أبي بكر الأصفهاني، عن محمد بن مالك بن المنتصر، عن أنس بن مالك،
قال : كان بابه يقرع بالأظافير . قلنا : وهو سندٌ ضعيف ؛ لجهالة أبي بكر الأصفهاني ، وابن المنتصر .
(٢) معرفة علوم الحديث ١٩ .
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢٩١/٢ عقب (١٨٩٠).
(٤) معرفة علوم الحديث : ١٩ .
(٥) معرفة أنواع علم الحديث : ١٤٢ .
(٦) في ( ق ): ((جعل)) .
(٧) معرفة أنواع علم الحديث : ١٤٢، وانظر النكت الوفية : ١٠٥/أ .
١٨٥

١١٣. وَقَوْلُهُمْ (بَرْفَعُهُ)(١) (يَبْلُغُ بِهْ) (روَايَةً) (يَنْمِيْهِ) رَفْعٌ فَانْتَبِهْ
( وَ) أمّا (عَدُّ) تَفْسِيْرِ ( مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِيْ) الذي شَاهَدَ الْوَحْيَ وَالتَنْزِيْلَ مِنْ
آي القُرآن (رَفْعاً) أي: مَرْفُوْعاً، كَمَا صَنَعِ الْحَاكِمُ (٢)، وَعَزَاهُ للشّيخينِ، وَهُوَ ثَالِثُ
الفُرُوْعِ (فَمَحْمُولٌ عَلَى الأسْبَابِ ) للنُزُوْلِ ، ونحوِها ، ثَمَا لاَ مَجالَ لِلرَأيِ فِيهِ .
كَقَوْلِ جَابٍ: كَانَتْ الَْهُوْدُ تَقُوْلُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتُه مِنْ دُبُرِهَا فِيْ قُبُلِهَا، جَاءَ الْوَلَدُ
أَحْوَلَ ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ ... الآيَةَ(٢) .
وَكَتَفْسِيرِهِ أَمْراً مُغيّاً مِن أمْرِ الدُّنيا، أَوْ الآخرةِ، كَتَعِينِ ثَوَابٍ، أَوْ عِقاب .
أما سَائِرُ تفاسيرِهِ التي تَنْشَأُ مِن مَعْرِفَةِ طُرُقِ البلاغَةِ ، واللُّغَةِ، أَوْ غيرهما (٤) ◌َما
للرِّي فِيهِ مَجَالٌ ، فَمَعْدُوْدٌ مِنَ المَوْقُوْفَاتِ (٥).
ء
(و) رَابٌعُها (٦) (قَوْلُهُمْ) أي: الرُّواةُ، كالتَّابِعِينَ فمَنْ دُونَهُم بَعْدَ ذكرِ الصَّحَابِيِّ:
(يَرْفَعُهُ) أي: الحَدِيثَ، أَوْ رِفَعَهُ، أَوْ مَرْفُوْعاً، أَوْ (يَبْلُغُ بِهْ)، أَوْ (روايةٌ) أَوْ يَرْوِيهِ، أَوْ
(١) كذا في النسخ الخطية لشرح الألفية والنسخ الخطية لمتن الألفية، وفي النفائس بزيادة (أو) بعد (يرفعه) ولا
يصحّ الوزن بها وإن كانت منوية في المعنى.
(٢) فقد قال في المستدرك: ((ليعلم طالب العلم أن تفسير الصّحابيّ الذي شهد الوحي والتزيل عند الشيخين
حديث مسندٌ)). المستدرك ٢٥٨/٢، وبمعناه أيضاً ٢٧/١ و١٢٣ و٥٤٢، وكذا في معرفة علوم
الحديث: ٢١ بمعناه أيضاً، وانظر كلام الحافظ ابن حجر في النكت ٥٣١/٢-٥٣٢، وفتح المغيث
١٤٣/١ -١٤٤، وقارن بالعجاب ٦٨ وما بعدها .
(٣) البقرة : ( ٢٢٣).
وأخرجه الحميدي (١٢٦٣)، وابن أبي شيبة (١٦٦٥٦)، والدارمي (٢٢٢٠)، والبخاري ٣٦/٦
حديث (٤٥٢٨)، ومسلم ١٥٦/٤ حديث (١٤٣٥)، وأبو داود ( ٢١٦٣)، وابن ماجه (١٩٢٥)،
والترمذي ( ٢٩٧٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٣٨) (١١٠٣٩) وفي تفسيره (٥٨) و (٥٩)،
وأبو يعلى ( ٢٠٢٤ )، والطبري ٣٩٦/٢، والطحاوي ٤٠/٣، وفي شرح المشكل (٦١١٩)، وابن
حبان ( ٤١٦٩ ) .
(٤) في (م): (( أو غيرها)).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث : ١٤٥، ولابن حجر كلام مفيد في نكته ٤٣١/٢، راجعه تجد فائدة .
(٦) في (م) : (( رابعاً)) .
١٨٦

(يَنْمِيهِ) (١) أي: يَرْفَعُهُ (٢)، أَوْ يُسْنِدُهُ، أَوْ يُؤْثِرُهُ (٣) ، كَحديثِ البُخاريِّ، عَنْ سَعيدِ بنِ
جُبِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((الشِّفَاءُ فِيْ ثَلاَثٍ: شَرْيَةٍ عَسَلٍ ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، وَكَيَّةِ نَارٍ ،
وَأَنْهَى أُمَِّي عَنِ الْكَيِّ)) رَفَعَ الَحَدِيثَ (٤).
وكحدِيثِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أبي الزِّنادِ ، عنِ الأعرجِ، عَن أبِي هُريرةً ، يَبْلُغُ بِهِ:
( النَّاسُ تَبَعّ لِقُرَيْشٍ)) (٥) .
وفي " الصَّحِيحينِ " بهذا السَّنْدِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ روايةً: «تُقَاتِلُوْنَ قَوْماً صِغَارَ
الأَعْنِ)) (٦)، وَفِيهِمَا (٧): عَن سَعيدٍ بنِ المسيِّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: ((الفِطْرَةُ حَمْسٌ)(٨).
(١) قال السخاوي في فتح المغيث ١٤٢/١: ((بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم، والاصطلاح في هذه
اللفظة موافق للغة ، قال أهلها : نميت الحديث إلى غيري نمياً إذا أسندته ورفعته)). وانظر: القاموس
المحيط ٣٩٧/٤، وأوجز المسالك ١٧٠/٣.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٣٦/١٠ عقب (٥٨٨٩): ((وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الرّاوي:
رواية، أو يرويه ، أو يبلغ به ، ونحو ذلك محمول على الرفع)).
(٣) يقال: أثر الحديث: حدّث به ورواه، فهو أثر والحديث مأثور. انظر: متن اللغة ١٤٣/١.
(٤) صحيح البخاري ١٥٨/٧ حديث (٥٦٨٠) و ٧ / ١٥٩ حديث (٥٦٨١)، وأخرجه أحمد ١ / ٢٤٥،
وابن ماجه ( ٣٤٩١)، والطبراني في الكبير (١٢٢٤١)، والبيهقى ٣٤١/٩، والمزي ٣ /١٠٠،
كلهم من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
(٥) أخرجه مسلم ٢/٦ حديث (١٨١٨)، وأخرجه الحميدي (١٠٤٤) و(١٠٤٥) وأحمد ٢ / ٢٤٢ و ٢٥٧
و٤١٨، والبخاري ٢١٧/٤ حديث (٣٤٩٥)، كلهم من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .
قال النووي في الإرشاد ١٦٤/١: ((فكل هذا وشبهه كناية عن رفع الحديث إلى رسول اللهنح مل وحكمه
عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً. وإذا قيل عن التابعي: يرفعه، فهو أيضاً مرفوع لكنه مرفوع مرسل)).
(٦) صحيح البخاري ٥٢/٤ حديث (٢٩٢٨) و٢٣٨/٤ حديث (٣٥٨٧)، ومسلم ١٨٤/٨ (٢٩١٢)،
وأخرجه أيضاً: الحميدي (١١٠١)، وابن أبي شيبة (٣٧٣٤٢)، وأحمد ٢ / ٥٣٠، وابن ماجه
(٤٠٩٧)، والبيهقي ٩ / ١٧٥، والبغوي (٤٢٤٢).
(٧) هكذا قال، وليس في صحيح مسلم ١٥٢/١-١٥٣ (٢٥٧) ما أشار إليه الشارح إنما فيه بلفظ: ((قال))،
وفيه٢/٦ حديث(١٨١٨) في رواية أخرى للحديث المذكور آنفاً في المتن- («الناس تبع لقريش)) -: ((رواية)).
(٨) صحيح البخاريّ ٢٠٦/٧ (٥٨٨٩)، وأخرجه أحمد ٢٣٩/٢ .
١٨٧

وكحديثِ مَالِكٍ في " الموَطَّإِ " (١)، عَنْ أبي حازمٍ، عَنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ ،
قَالَ: ((كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ))،
قَالَ أَبُو حازمٍ : لا أعلمُ إلَّ أَنَّهُ يَنِيْ ذَلِكَ .
( رَفْعٌ) أي: مَرفوعٌ بلا خِلاَف (٢) .
وَقَدْ جَاء بعضُ ذَلِكَ بالتَّصريحِ، فَفي روايةٍ لحديثِ " الصَّحِيحينِ" :
((الفِطْرَةُ حَمْسٌ يَبْلُغُ بِهِ الَّيَّ ◌ِ﴿))(٣) .
وفي أُخْرَى: ((قَالَ رَسُوْلُ الله ﴿ْ)) (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ لحديثِ سَهْلٍ: (( يَنْمِي ذَلِكَ إِلى النَّيِّ ◌ِْ)) (٥) .
( فانْتَبِهْ ) لهذهِ الألفاظِ ، ونحوِها ، مما اصطلحَ عَلَى الكنايةِ بها عَنْ الرَّفْعِ .
والحاملُ عَلَى العدولِ عَنْ التَّصريحِ بِالرَّفْعِ، إما الشَّكُّ في الصِّيغةِ التي سَمِعَ
بها - أهيَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ، أَوْ نَبِيُّ اللهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ك: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي، وَهُوَ ◌َمنْ
لا يَرى الإبدالَ - وإما التخفيفُ، والاخْتِصارُ، أَوْ غيرُ ذَلِكَ.
(١) الموطأ ( ٤٣٧).
(٢) في ( م) : (( خوف)) .
(٣) الحديث بهذا اللفظ جاء من رواية أبي داود ( ٤١٩٨)، والبيهقي ١٤٩/١، والبغوي (٣١٩٥). فعلى
هذا فإن إطلاق الشارح غير صحيح .
(٤) صحيح البخاريّ ٢٠٦/٧ (٥٨٩١) و ٨١/٨ (٦٢٩٧)، وفي الأدب (١٢٩٢)، وصحيح مسلم
١٥٢/١ (٢٥٧) (٤٩) و١٥٣/١ (٢٥٧) (٥٠).
وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٤٣)، والحميدي (٩٣٦)، وابن أبي شيبة (٢٠٤٧) و(٢٦٤٦٠) وأحمد
٢٢٩/٢ و٢٣٩ و٢٨٣ و٤١٠ و٤٨٩، وابن ماجه (٢٩٢)، والترمذي (٢٧٥٦)، والنسائيّ ١٣/١ و١٤
و١٨١/٨، وفي الكبرى (٩) (١٠) و(١١)، وأبو عوانة ١٩٠/١، والطحاوي في شرح المعاني ٢٢٩/٤، وفي
شرح المشكل (٦٨٣)، وابن حبان (٥٤٨٨) و(٥٤٨٩) و(٥٤٩٠) و(٥٤٩١)، والبيهقي ٢٤٤/٣و٣٢٣/٨.
وفي بعض الروايات: عن الرسول ﴿ أنه قال، وفي بعضها: سمعت رسول الله { ﴿ قال.
(٥) صحيح البخاري ١٨٨/١ (٧٤٠)، وأخرجه أيضاً: الإمام أحمد في مسنده ٣٣٦/٥، وأبو عوانة في مسنده
٩٧/٢، والطبراني في الكبير (٥٧٧٢)، والبيهقي في الكبرى ٢٨/٢، كلهم من طريق مالك . وقد أخرجه عن
مالك بدون زيادة اللفظة: أبو مصعب الزهري (٤٢٦)، وسويد بن سعيد (١٣٣)، وعبد الرحمن بن القاسم
(٤٠٩)، وعبد الرحمن بن مهدي: عند أحمد ٣٣٦/٥، وعمار بن مطرف: عند ابن عبد البر ٢١ / ٩٦.
١٨٨

وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِن صَحَابِيِّ بَعْدَ ذكرِهِ صَحَابِياً ، كَانَ مَرْفُوْعاً أَيْضاً، وعِبارةُ النَّاظِمِ
- كغيره - تَشْمَلُهُ ، لكِّي لَمْ أَرَ لَهُ مثالاً .
وَقَدْ يَقعُ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الَّيَّ نَّ، كأنْ يقولَ: ((عَنْ النَّسِيِّ لَّ
يَرْفَعُهُ)) ، فهذا في حُكْمٍ قولِهِ : عَنْ اللّهِ تَعَالَى .
وَمِثَالُهُ: حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ﴿ه، يَرْفَعُهُ: ((إنْ الْمُؤْمِنَ
عِنْدِيْ بِمَنْزِلَةٍ كُلّ خَيْرٍ ، يَحْمَدُنِيْ وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ)) (١) حَدِيثٌ حَسَنٌ رواهُ
البزَّارُ في " مُسندِهِ" ، وَهُوَ من الأحاديثِ الإلهيةِ، وَقَدْ أفردَها جمعٌ بالجمعِ، نَّه عَلَى
ذَلِكَ شَيْخُنا (٢) .
قُلْتُ : (مِنَ السُّنَّةِ) عَنْهُ نَقَلُوْا
١١٤. وَإِنْ يَقُلْ (عَنْ تَابِعِ ) فَمُرْسَلُ
نَحْوُ (أُمِرْنَا) (٣) مِنْهُ (للغَزَالي)
١١٥. تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ
(و) خامسُها: مَا ذَكَرَهُ بقولِهِ: (إِنْ يقُلْ) لفظٌ من الألفاظِ المتقدِّمةِ آنفاً مِن
راوٍ (عَنْ تابعٍ ) أي: تابعيٌّ (فَمُرسلُ ) مَرْفُوْعٌ بلا خلافٍ (٤) .
( قلتُ): وقولُ الراوِي: (مِنَ السُّنَّةِ ) كَذَا حالةَ كونِه صادراً (عَنْهُ) أي: عَنِ
التَّبِعِيِّ، كقولِ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتَبَةَ التَّابِعِيِّ، كَمَا فِي " سُنَنِ البَيْهَقِيِّ": ((
السَُّّةُ تَكْبِيْرُ الإِمَامِ، يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَيَوْمَ الأضْحَى حِيْنَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ،
تِسْعَ تَكْبِيْرَاتٍ )) (٥) . (نَقَلُوا تصْحِيحَ وَقْفِهِ ) عَلَى الصَّحَابِيِّ من وجهينِ، حَكَاهُما
الثَّوَوِيُّ عَنِ الأَصْحابِ ، أهو مَوْقُوْفٌ مُتَّصِلٌ ، أَوْ مَرْفُوْعٌ مُرسلٌ ، وَصَحَّحَ هُوَ أَيْضاً:
أولهما (٦) .
(١) (٨٧١ - كشف الأستار) وأخرجه أحمد ٣٦١/٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٩٤).
(٢) النكت لابن حجر ٥٣٩/٢، وانظر: الرسالة المستطرفة : ٨١ .
(٣) التقدير : أمرنا بكذا من التابعي .
(٤) انظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٤٨/١.
(٥) السّنن الكبرى ٢٩٩/٣ .
(٦) المجموع ٤٧/١، وانظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٤٩/١ .
١٨٩

وفرَّقَ النَّاظِمُ (١) بينَهُما، وبينَ مَا قبلَهُما (٢) مِن صِيَغِ (٣) هَذَا الفرعِ، بأنّ
(( يرفعُ الحديثَ)) تصريحٌ بالرفعِ (٤) ، وقريبٌ مِنْهُ بقيّةُ الألفاظِ، بخلاف (( من السُّنَّةِ)) ؛
لاحتمالِ إرادةِ سنَّةِ الخلفاءِ الراشدينِ ، وسُنةِ البلدِ ، وهذا الاحتمالُ ، وإنْ قِيلَ بِهِ في
الصَّحَابِيِّ، فَهُوَ فِي الَّابِعِيِّ أَقْوى، كَمَا لا يَخْفَى .
نَعَمْ، أَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ في " الأُمّ " بالصَّحَابِيِّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ في قولِهِ: ((من
السُّنَّةِ)) ، فيحتملُ أَنَّهُ مستثنىَّ مِنَ النَّابعينَ (٥) .
والظّاهِرُ : حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اعْتَضِدَ بِغيرِهِ ، كَنَظِيرِهِ فِي مُرْسَلِهِ ، كَمَا سَيأْتِي بيانُه في
المُرْسَلِ .
أَمَّا إِذَا قَالَ التَّابِعِيُّ: (( كُنَّا نفعلُ كَذَا، أَوْ نحوَهُ )) فَلَيسَ بمرفوعٍ قَطْعاً، ولا بموقوف
إِن لَمْ يُضِفْهُ إلى زمنِ الصَّحَابَةِ ، بَلْ مَقْطُوْعٌ ، فإنْ أضافَهُ احتملَ الوقْفَ (٦) وَعَدمَهُ .
( وَذُو احْتِمالِ ) للإرسالِ ، والوقفِ (نحوُ أُمِرْنَا) بِكَذا، كأُمِرَ فُلاَنٌ بِكَذا، إذَا
أتى ( مِنْهُ) أي: مِنَ التَّابِعِيِّ، (لِلغَزائِيْ) في " المُسْتَصْفَى " وَلَمْ يُصرِّحْ بِترجيحٍ واحدٍ
مِنْهُمَا، وَلَكِنْ يُؤْخِذُ مِن كلامٍ ذَكرَهُ عَقِبَ ذَلِكَ ، ترجيحُ أَنَّه مرسلٌ مَرْفُوْعٌ (٧).
وَجِزَ ابنُ الصََّّاغِ في " العُدَّة " بأَنّهُ مُرسلٌ، وَحَكِى فِي حُجَّةٍ مَا يأْتِي بِهِ سَعيدُ بنُ
المسيِّبِ مِن ذَلِكَ وجهينِ (٨) .
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢٤٩/١.
(٢) في (ص) و (ق ): ((قبلها)).
(٣) في (ق): ((صنيع)).
(٤) انظر : فائدة ذكرها البقاعي في النكت الوفية : ١٠٧ / أ - ب .
(٥) انظر : البحر المحيط ٣٧٨/٤.
(٦) في ( ق): ((الوقوف)).
(٧) قال الإمام العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢٤٩/١ - ٢٥٠: ((وإذا قال التابعيّ: أمرنا بكذا ، ونحوه ،
فهل يكون موقوفاً ، أو مرفوعاً مرسلاً؟ فيه احتمالان لأبي حامد الغزالي في المستصفى ولم يرجح واحداً
من الاحتمالين . وجزم ابن الصباغ في " العدة " بأنه مرسل))، قلنا : انظر : المستصفى ١٣١/١.
(٨) انظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٥٠/١، والبحر المحيط ٣٧٩/٤.
١٩٠

وَقَولُهُ: (نحوُ أُمِرْنَا) مبتدأٌ، خبرُهُ ( ذُو اخْتِمَالِ)، و (لِلغَزاليْ) متعلقٌ باحتمالِ، ولامُهُ
للاختصاصِ، أَوْ بمعنى (عِنْدَ)، كَمَا في قولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْثِيْ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِيْ﴾(١)أي: عِنْدَهَا.
يُقَالُ رَأياً حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٦. وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبِ بَحَيْثُ لا
فَالَحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أَثْبَتَا
١١٧. مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ (مَنْ أَتَى)
مُحَمَّدٌ وَعَنْهُ أَهْلُ البَصْرَةِ (٢)
١١٨. وَمَا رَوَاهُ عَنْ أبي هُرَيْرَةِ
رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ (٣)
١١٩. كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ ، فَالخَطِيْبُ
(و) سادسُها(٤): (مَا أَتَّى عَنْ صَاحِبٍ) أي: صَحَابِيِّ مَوْقُوْفاً عَلَيْهِ ، (بحيثُ لا يُقال
رأياً) أي: من قِبَلِ الرأي؛ بأنْ لا يكونَ للاجتهادِ فِيهِ مَحالٌ أي: ظاهر(٥)، (حُكْمُهُ: الرفْعُ)،
وإن احْتُمَلَ أخذُ الصَّحَابِيِّ لَهُ عَنْ (٦) أَهْلِ الكتابِ، تَحْسيناً لِلظنِّ بِهِ (٧) (عَلَى مَا قَالَ)
الإِمامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ ( فِي الْمَحْصُوْلِ)(٨)، وغيرُهُ، كأبي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ ، والحاكِم(٩).
( نَحْوُ) قولِ ابنِ مَسْعُودٍ : (( (مَنْ أَتَى) سَاحِراً، أَوْ عَرَّفاً، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ
عَلَى مُحَمَّدٍ ﴿ِ)) (١٠). (فَالحَاكِمُ: الرَّفْعَ لِهَذَا) الحديثِ (أَثْبَا) (١١).
(١) الفجر : ٢٤ .
(٢) في نسخة ( ب) من متن الألفية: ((الكوفة )) ، وقد صححت على حاشية الصفحة.
(٣) انظر : النكت الوفية : ١١٢ / أ - ب.
(٤) في (ص) و ( ق): ((وسادسهما)).
(٥) في (ع) و (ق) و (م): ((ظاهراً))، والمثبت من (ص) .
(٦) في (م): ((من)).
(٧) في ( ق): ((بهم)). وانظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٥٠/١.
(٨) المحصول ٢٢١/٢ (علواني ٢/ق١ ص٦٤٣) وارجع بلا بد إلى النكت الوفية: ١٠٧/ب.
(٩) انظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٥١/١ .
(١٠) أخرجه موقوفاً: أبو يعلى الموصلي (٥٤٠٨)، والبزار في مسنده " كشف الأستار " ٤٤٣/٢، والطبراني
في الكبير (١٠٠٠٥)، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٢٢. وقال المنذري عن رواية البزار وأبي يعلى: ((إسناد
جيد))، وقال عن رواية الطبراني في المعجم الكبير: ((رواته ثقات)). الترغيب والترهيب ٤ / ٣٦ . وقال
الهيثمى: ((رجال الكبير والبزار ثقات)). وقال عن رواية البزار: ((رجاله رجال الصحيح خلا هبيرة بن يريم،
وهو ثقة)). مجمع الزوائد١١٨/٥. وانظر: المطالب العالية ١٠٤/٣ رقم (٢٥٢٤) و(٢٥٢٥) الطبعة المسندة .
(١١) معرفة علوم الحديث : ٢٢ .
١٩١

وكقولِ أبِي هُرَيْرَةَ: ((وَمَنْ (١) لَمْ يُحِبِ الدّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ))(٢) .
( وَ) سابعُها (٣) : (مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ) - بكسر آخره للوزْنِ - (ِمُحَمَّدٌ)
أي : ابنُ سِيرِينَ ، ( و) رَوَاهُ (عَنْهُ) أي: عَنْ ابنِ سِيرِينَ ، (أَهْلُ الْبَصْرَةِ ) - بِفَتْحِ
الباءِ أشهرُ من ضَمِّها وَكَسْرِها (٤) - و (كرَّرَ ) أي: ابنُ سِيرِينَ (قَالَ بَعْدُ) أي: بَعْدَ
أبِي هُرَيْرَةَ أي : قَالَ بَعْدَهُ : قَالَ : قَالَ .
مِثْلُه : مَا رَوَاهُ الخطيبُ في " كفائِتِهِ " (٥) عَنْ مُوسى بنِ هارونَ الْحَمَّالِ، عَنْ
شَيْخِهِ، عَنْ حَمّادِ بنِ زيدٍ ، عَنْ أيوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ سيرينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة،
قَالَ: قَالَ: ((الملاَئِكَةُ تَصَلِّيْ عَلَى أحَدِكُمْ مَا دَامَ فِيْ مُصَلاّهُ))(٦).
(١) في (ع ): ((من )) بلا واو .
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٧٣)، والحميدي (١١٧١)، وأحمد ٢٤٠/٢، والدارمي (٢٠٧٢)،
والبخاري ٣٢/٧ (٥١٧٧)، ومسلم ١٥٣/٤ (١٤٣٢) (١٠٧) (١٠٨)، وأبو داود (٣٧٤٢)، وأبو
يعلى (٦٢٥٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٠١٦)، والبيهقي ٢٦١/٧، والبغوي (٢٣١٥).
من طريق الزهري عن عبد الرحمان الأعرج ، عن أبي هريرة .
وأخرجه عبد الرزاق (١٩٦٦٢)، وأحمد ٢٦٧/٢، ومسلم ١٥٣/٤ (١٤٣٢) (١٠٩)، وابن حبان
(٥٣١٢)، والبيهقي ٢٦١/٧ من طريق سعيد بن المسيب ، والأعرج ، عن أبي هريرة .
وأخرجه أحمد ٤٠٥/٢ و٤٩٤، وأبو يعلى (٥٨٩١)، وابن حبان (٥٣١٣) من طريق سعيد بن
المسيب وحده عن أبي هريرة بنحوه .
وأخرجه الحميدي (١١٧٠)، ومسلم ١٥٤/٤ (١٤٣٢)(١١٠) من طريق ثابت الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة بنحوه.
(٣) في (ق) و (ع): ((وسابعهما)).
(٤) انظر: معجم البلدان ٤٣٠/١، والتاج ٢٠٢/١٠.
(٥) في (م): ((كفاية)).
(٦) الكفاية : ( ٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ)
وأخرجه مسلم ١٢٩/٢ عقب (٦٤٩) من طريق أيوب ، عن محمّد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، ولفظه:
(( إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه ، تقول : اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، ما لم يحدث ،
وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه )) .
١٩٢

وَقَدْ رَواهُ كذلك النَّسائيُّ مِن رِوايةِ ابنِ (١) عُلَيَّةَ، عَنْ أيوبَ (٢) ، وَمِن روايةٍ
النَّضْرِ بنِ شُمَّيْلٍ ، عَنْ ابْنِ عَونٍ ، كِلاهُما عَنْ ابنِ سِيرِينَ (٣) .
( فالخطيبُ رَوى) عَنْ مُوسى (بِهِ ) أي: فِيْمَا يَرْوِي كَذلك (الرَّفْعَ) فإنَّهُ قَالَ:
إِذَا قَالَ حَمَّادُ بنُ زيدٍ، والبَصْرِيونَ: ((قَالَ: قَالَ )) ، فَهُوَ مَرْفُوْعٌ (٤).
قَالَ الخطيبُ: قُلتُ لْبَرْقَانِيّ: أَحْسِبُ أنَّ مُوسى عَنَى بهذا القولِ أحاديثَ ابنِ
سيرينَ خَاصَّةً ، فَقَال: كَذَا يَجِبُ (٥) .
قَالَ الخطيبُ: ويُحقّقُهُ قولُ مُحَمَّدٍ بن سيرينَ: كُلُّ مَا حدَّثْتُ (٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ،
فَهُوَ مَرْفُوٌْ (٧) .
وَمِن ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سُليمانَ بنِ حَرْبٍ، عَنْ جَمَّاد، عَنْ
أيوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ: ((أَسْلَمُ، وغِفَارُ، وشيءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ
... الخ))، الحديثَ (٨).
(وَذَا) أي: تَخْصيصُ الحُكمِ بالرَّفْعِ فِيمَا يَأْتِي، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ مِن رِوَايَةٍ أَهْلٍ
البَصرة، بتكرير: ((قَالَ)، كَمَا صنعَهُ موسى بنُ هارونَ ، (عَجِيْبُ)؛ لأنَّ ابْنَ سِيرِينَ صَرَّحَ
بالتَّعميمِ في كُلِّ مَا يَرويِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهِ كَمَا مَرَّ آنفاً. وَهَذَا آخِرُ زِيادةِ النَّاظِمِ هُنا.
(١) كلمة ((ابن )): سقطت من ( ق ).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من السّنن الكبرى وهو في تحفة الأشراف ٣٣٠/١٠ حديث (١٤٤١١). وهو في
كتاب الملائكة من السّنن الكبرى ، وهذا الكتاب ليس من المطبوع ، ويضاف إليه كذلك كتاب الرقاق ،
والشروط ، والمواعظ
(٣) ليس في المطبوع من الكبرى وهو في التحفة ٣٤٣/١٠ حديث ( ١٤٤٧٦).
(٤) الكفاية : ( ٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ ) .
(٥) المصدر السابق .
(٦) في (ص) و (ع): (( حدثت به)) .
(٧) الكفاية : ( ٥٨٩ ت، ٤١٨ هـ ) .
(٨) أخرجه البخاري ٢٢٢/٤ - ٢٢٣ عقب (٣٥١٦)، ومسلم ١٧٩/٧ عقيب (٢٥٢١)، عن زهير بن
حرب ويعقوب الدورقي ، كلاهما عن إسماعيل بن علية ، وأخرجه أحمد ٢٣٠/٢ عن اسماعيل بن علية .
وأخرجه أيضاً ٤٢٠/٢ و٤٢٢ عن عبد الرزاق - (١٩٨٧٧) - عن معمر عن أيوب، مصرحاً فيه
بالرفع. وكذلك أخرجه أبو يعلى (٦٠٥٤) والبغوي (٣٨٥٥) من طريق محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة.
١٩٣

الْمُرْسَلُ (١)
مُرْسَلٌ او قَيِّدْهُ بالكَبِيْرِ
مَرْفُوعُ تَابعٍ عَلى المَشْهُوْرِ
١٢٠.
وَالأَوَّلُ الأَكْثَرُ في استِعْمَالِ
١٢١. أوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ
ويُحمَعُ عَلَى: مَرَاسِيلَ ، ومَراسِلَ ، مأخوذٌ مِنَ الإرسالِ، وَهُوَ : الإطلاقُ (٢).
كقوله تَعَالَى: ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ﴾ (٣).
فكأنَّ الْمُرْسِلَ أطلقَ الإسنادَ (٤) ، وَلَمْ يَقِيِّدْهُ بجميعِ الرُّواةِ (٥) .
( مَرْفُوْعُ تابعٍ ) أي: مَا رفعَهُ تابعيٍّ إلى النَّيِّ ﴿ِ صَريحاً، أَوْ كنايةً، (عَلَى
المشْهُوْرِ) عِنْدَ أئمةِ الحَدِيث (٦) ( مُرْسَلٌ ) .
وَفَيَّدَهُ شَيْخُنا (٧): بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَِّّلَه؛ لِيَخْرُجَ مِن لَقِيَهُ كافراً فسمِعَ مِنْهُ ،
ثُمَّ أسلمَ بَعْدَ مَوتِهِ ﴿ّ، وحدَّثَ بما سَمِعَ مِنْهُ، كالتَّنُوحِيِّ رسولِ هِرَقْلَ - وَرُويَ: قَيْصَرَ
(١) انظر في المرسل :
معرفة علوم الحديث : ٢٥، والكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هــ)، والتمهيد ١٩/١، وجامع الأصول
١١٥/١، ومعرفة أنواع علم الحديث : ١٤٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١٦٧/١ - ١٧٩، والمجموع
شرح المهذب ٦٠/١، والتقريب: ٥٤-٥٧، والاقتراح: ١٩٢، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥،
والموقظة: ٣٨، وجامع التحصيل: ٢٣ وما بعدها، واختصار علوم الحديث: ٤٧، والبحر المحيط ٤٠٣/٤، ونكت
الزّركشيّ ٤٣٩/١ - ٥١٧، والشذا الفياح ١٤٧/١ - ١٥٦، والمقنع ١٢٩/١، وشرح التبصرة
والتذكرة ٢٥٦/١، ونزهة النظر: ١٠٩، ونكت ابن حجر ٥٠٤/٢ - ٥٧١، والمختصر: ١٢٨، وفتح
المغيث ١٢٨/١، وألفية السيوطي: ٢٥ - ٢٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٥٩، وتوضيح
الأفكار ٢٨٣/١، وظفر الأماني: ٣٤٣، وقواعد التحديث: ١٣٣، وتوجيه النظر ٣٩٩/١ - ٤٠٠.
(٢) جامع التحصيل : ١٤، والنكت لابن حجر ٥٤٢/٢ .
(٣) مريم : ٨٣.
(٤) النكت لابن حجر ٥٤٢/٢ .
(٥) في (ص) و (ق): ((بجميع رواته)).
(٦) في (م): ((المحدّثين)).
(٧) انظر: النكت ٥٤٤/٢ .
١٩٤

فَإِنَّهُ مَعَ كونِهِ تابعيّاً ، محكومٌ لِما سمعَهُ بالاِّصالِ، لا بالإرسالِ (١).
وخرجَ بالتابعيِّ ، مرسلُ الصَّحَابِيِّ، وَسَيَأْتِي آخِرَ البابِ ، وَلاَ فَرْقَ فِي التَّابِعِيِّ بَيْنَ
الكبيرِ والصَّغِيرِ .
( أوْ) بالدَّرجِ (قَيِّدْهُ) أي: أَوْ الْمُرْسَلُ مَرْفُوْعُ تابعيِّ مقَّدٌ (بِالكبيرِ)، فَمَرْفُوعٌ
الصَّغِيرِ لا يُسَمَّى مُرْسَلاً، بَلْ مُنْقَطِعاً (٢) .
وظاهرٌ أنَّ ذِكرَ الكبيرِ هُنا ، وفَيَمَا يأتِي جَرَى عَلَى الغَالبِ، والمرادُ مَن كانَ جُلٌ
روايته عَنِ الصَّحابةِ ، وفِي كَلامِهِم مَا يُشيرُ إِليهِ .
( أَوْ سَقْطُ رَاوِ مِنْهُ) أي: أَوْ المرسلُ: مَا سَقَطَ مِن سَندِهِ راوٍ واحدٌ (٣)، أَوْ أكثرُ،
سواءٌ أكانَ (٤) مِن أوْلِهِ، أَمْ آخِرِهِ، أَمْ بِينَهُما؛ فَيَشْمَلُ المنقطعَ، وَالمعضَلَ (٥) ، والمعلِّقَ.
وَهذا مَا حَكَاهُ ابنُ الصَّلاَحِ (٦) عَنِ الفُقهاءِ والأُصولِينَ (٧)، والخَطِيْبِ (٨).
وكذا قَالَ النَّوَوِيُّ : المرسلُ عِنْدَ الفُقهاءِ ، والأصولِيِّينَ ، والخطيبِ ، وجماعةٍ مِنَ
الْمُحدِّثِينَ: مَا انقطعَ إِسْنَادُهُ عَلَى أيِّ وجهٍ كَانَ، وَخَالفَنا أكثرُ المحدِّثينَ، فَقَالوا: هُوَ
روايةُ التَّابِعِيِّ، عَنِ الَّيِّ ◌َ(٩) .
(١) انظر: تدريب الراوي ١٩٦/١.
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢٥٨/١: ((هكذا حكاه ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث؛
لأنّ أكثر رواياتهم عَنْ التابعين، وَلَمْ يلقوا من الصّحابة إلا الواحد والاثنين)). التمهيد ٢١/١. وَقَالَ
الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى ابن الصّلاح ٥٤٣/٢: ((وَلَمْ أر تقييده بالكبير صريحاً عَنْ أحد، لَكِنْ نقله ابن
عَبْد البر عَنْ قوم)). قَالَ ابن الملقن في المقنع ١٢٩/١:((والمشهور التسوية بَيْن التابعين أجمعين في ذَلِكَ)).
وانظر: فتح المغيث ١٣٠/١.
(٣) في (ق ) : (( ما سقط راو من سنده واحد)).
(٤) في (ص ) و ( ق): ((كان)) .
(٥) ((المعضل)): سقطت من (ع).
(٦) معرفة أنواع علم الحديث : ١٤٩ .
(٧) انظر: المستصفى ١٦٩/١، وإحكام الأحكام ١١٢/٢، وكشف الأسرار ٧٢٢/٣.
(٨) الكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ).
(٩) المجموع ٦٠/١ .
١٩٥

فالمرسلُ (ذو أقوالٍ) ثلاثةٍ، الثّاني: أضيقُها، والثالثُ: أوسعُها ، (والأوَّلُ الأكثرُ في
استعمالٍ ) أهلِ الحَدِيثِ . وَمَا رَوَاهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ يُسمُّونَهُ مُعضَلاً .
قَالَ النّاظِمُ (١) : وَسَيَجِئُ فِي التَّدليسِ، عَنِ ابنِ القَطَّانِ (٢)، أنَّ الإِرْسَالَ: روايْتُه
عَمّن لَمْ يسمَعْ مِنْهُ . فَعليهِ: مَنْ روى عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسمِعْ مِنْهُ ، بَلْ بِينَهُ وبِينَهُ فِيهِ
واسِطةٌ ، لَيْسَ بإرسالٍ ، بَلْ تدليسٌ ، وَعَلَيْهِ فيكونُ هَذَا قولاً رابعاً . انتهى .
والأوجهُ أنْ يجِعَلَ مقَّداً للثالثِ ، بِأَنْ يُقالَ: مَا سَقطَ مِنْهُ راوٍ (٣) فأكثرُ وخلا عَنِ
التدليسِ .
نَعَمْ ، قِيلَ المرسلُ هُوَ المنقطعُ، وَهُوَ: مَا سقطَ مِنْهُ راوٍ واحدٌ ، فَعَليهِ ، يَكُونُ هَذَا
قولاً رابعاً (٤) .
وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَائُوْا
١٢٢. وَاحْتَجَّ (مَالِكٌ) كَذا (التّعْمَانُ)
لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ فِي الإسْنَاد
١٢٣. وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ الثُّقَادِ؛
وَ(مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أَصَّلَةْ
١٢٤. وَصَاحِبُ "التَّمهيدِ" عَنْهُمْ نَقَلَهْ
(واحتجّ) الإمامُ (مَالِكٌ)-هُوَ ابنُ أنسٍ - في المشهورِ عَنْهُ، و (كَذَا) أَبُو حنيفةً
(النعمانُ) ابنُ ثابتٍ ، (وتابِعُوهُما ) من الفقهاءِ، والأصوليينَ ، والمحدّثِينَ (٥) (بِهِ) أي:
بالمرسلِ ، واحتجَّ بِهِ أَيْضاً: أَحْمَدُ في أشهرِ الرِّوايتينِ (٦) عَنْهُ، ( ودانوا ) بِهِ أي: جَعَلُوهُ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٠/١. قال البقاعي: ١١٦/أ: ((ليس كذلك، بل التحقيق: أنه مقيّد للقول الثّالث؛
كأنه لما قالوا مَا سقط من إسناده راوٍ فأكثر، قَالَ: بشرط أن لا يَكُون تدليساً ، فيحمل ذَلِكَ الإطلاق
عَلَى كلامه. وإنما القَوْل الرابع الذي لابدّ مِنْهُ: قَوْل من يسوي بَيْن الْمُرْسَل والمنقطع ... إلى آخر الكلام)).
(٢) انظر: بيان الوهم والإيهام ١٠٥/٥ عقب (٢٣٥٧).
(٣) في ( ق) : (( راوٍ واحد)).
(٤) في (م): ((فعليه هذا يكون رابعاً))، وقد سقطت هذه الجملة (ق)، وفي (ص): (( فعليه يكون هَذَا
رابعاً))، والمثبت من (ع ).
(٥) انظر: الكفاية (٥٤٧ ت، ٣٨٤ هـ )، والتمهيد ٣/١-٦.
(٦) وإليه ذهب جمهور المعتزلة وهو اختيار الآمدي، وفصّل عيسى بن أبان -من أئمة الحنفية- فقبل مراسيل
القرون الثلاثة الخيرة ومرسل من هو من أئمة النقل مطلقاً ، وهذا ما صححه النسفى ، وبالغ قوم فعدّوا=
١٩٦

ديناً يدينونَ بِهِ (١) في الأَحْكامِ ، وغَيرِهَا .
(وَرَدّهُ) أي: الاحتجاجَ بِهِ (جماهِرُ)، بحذف الياءِ تخفيفاً، جمعُ جُمْهُورِ أي: مُعْظَمُ
(الثّقَّادِ) مِنَ الْمُحدِّثِينَ؛ كالشافعيّ(٢)، وَحَكَمُوا بَضعفِهِ (لِلجَهْلِ بِالسَّقِطِ فِي الإِسْنَادِ)(٣).
فإِنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَابعيّاً، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّابِعِيُّ ضَعِيْفً(٤) وَبِتَقْدِيرٍ
كَوْنِهِ ثِقَةً ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُوِى عَنْ تابعيِّ أَيْضاً، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَعِيْفاً، وَهكذا
إلى الصَّحَابِيِّ ، وإنِ اتَّفْقَ أنَّ الذي أرْسَلَهُ كَانَ لا يَرْوِي إلّ عَنْ ثِقَةٍ ؛ إِذْ التَّوثيقُ فِي الُبْهَمِ
غَيْرُ كافٍ ، كَمَا سيأتي .
( وَصَاحِبُ الْتَمْهِيدِ ) وَهُوَ ابنُ عبدِ البَرِّ (عَنْهُمْ) أي: عَنِ الْمُحدِّثِينَ (نَقَلَةْ) أي :
ضَعْفَ الْمُرْسَلِ (٥) .
( وَمُسْلِمٌ صَدْرَ الكتابِ ) الذي صَنَّفَهُ فِي الصَّحِيحِ، (أَصَّلَهْ ) أي: جَعَلَ رَدْ
الاحتجاجٍ بِهِ أصْلاً، حَيْثُ قَالَ عَلَى وَجْهِ الإِيرادِ عَلَى لِسانِ خَصْمِهِ الذي رَدْ هُوَ عَلَيْهِ
اشتراط ثُبوتِ اللّقاءِ: (والمرسلُ في أصْلٍ قَوْلِنا، وقولِ أَهْلِ العِلْمِ بالأخبارِ، لَيْسَ بُحُجَّةٍ))(٦)،
=المرسل أقوى من المسند ؛ لأن من أرسل فَقَدْ تكفل، ومن أسند فَقَدْ أحال، واحتجوا : بحسن الظن
بالمرسل وأنه لا يرسل إلا عَنْ ثِقَة، فإنه إن كَانَ عدلاً لَمْ يجز لَهُ إسقاط الواسطة وَهُوَ يعلم أنه غَيْر عدلٍ ؛
لأن هذا قادح في عدالة المرسل .
انظر: التبصرة في أصول الفقه: ٣٢٦، والمحصول ٢٢٤/٢، وشرح تنقيح الفصول: ٣٧٩، وإحكام الأحكام
١١٢/٢، والمجموع ٦٠/١، وكشف الأسرار للنسفي ٤٢/٢، والإبهاج ١١٢/٢، والبحر المحيط
٤٠٩/٤. وانظر: رد الخطيب البغدادي على أصحاب القول الثاني في الكفاية: (٥٥١ ت، ٣٨٧ هـ ).
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٦١/١.
(٢) انظر : الرسالة : ٤٦٤ .
(٣) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٣/١: «هو تعليلٌ لردّ المرسل، وذلك أنه تقدم أنّ
من شرط الحديث الصّحيح ثقة رجاله . والمرسل سقط منه رجل لا نعلم حاله فعدم معرفة عدالة بعض
رواته ، وإن اتفق أن الذي أرسله كان لا يروي إلا عن ثقة ، فالتوثيق في الرجل المبهم غير كاف)).
(٤) نزهة النظر: ١١٠ .
(٥) التمهيد ٥/١ - ٦. ونقل الزّركشيّ ٤٩٨/١ عن ابن خلفون أنه قال في المنتقى: ((ولا اختلاف أعلمه
بينهم أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متجوز يرسل عن غير الثقات )) .
(٦) الجامع الصحيح ٢٤/١. وقد اعترض بعضهم على ابن الصّلاح بأن مسلماً حكى هذا القول على لسان
خصمه ، وليس هو قولاً له ؟ =
١٩٧

وأَقْرَّهُ حِيْنَ رَدَّ كَلامَهُ (١).
وَمَا اخْتُجَّ بِهِ للقولِ الأَوْلِ مِن أَّهُوَ﴿ أَثْنِى عَلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ(٢)، وَشَهِدَ لَهُ بالخيرِيَّةِ
ثُمَّ لِلْقَرْنَيْنِ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ، ومِنْ أنَّ تَعالِيقَ الْبُخَارِيِّ المجزومةَ (٣)، مَحْكُومٌ بَصِحْتِهَا .
رُدّ : بأنّ الحَدِيثَ محمولٌ عَلَى الغالبِ ، وإلاّ فَقَدْ وُجِدَ فِي القَرْنَيْنِ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ
بالصّاتِ المذْمُومِةِ. وَتَعاليقُ الْبُخَارِيِّ قَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهَا (٤) ، مِن شَرْطِهِ فِي الرِّجالِ،
وتَقِْيدِهِ بِالصَّحةِ ، بخِلافِ التَّابِعِينَ .
◌ُمُسْتَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
١٢٥. لَكِنْ إِذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ
تَقْبَلْهُ ، قُلْتُ : الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
١٢٦. مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأُوَّلِ
وَمَنْ رَوَى عَنِ الثّقَاتِ أَبَدًا
١٢٧. و(الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيّدَا
وَافَقَهُمْ إِلاَّ بِنَقْصِ لَفْظِ (٥)
١٢٨. وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الْحِفْظِ
-قال الزّركشيّ ٤٩٧/١: ( إنه وإن حكاه عن لسان خصمه لكن لَّا لم يعترض عليه بشيء فكأنه ارتضاه ؛
فلهذا ساغ لابن الصّلاح عزوه إليه ، ويؤيده قول الترمذي: ((الحديث إذا كان مرسلاً فإنه لا يصح عند
أكثر أهل الحديث)) ) .
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٢/١-٢٦٣.
(٢) في ( ق): ((عصر الصّحابة والتابعين)).
(٣) في (ق): ((مجزومة)).
(٤) جملة ما في صحيح البخاريّ من التعاليق واحد وأربعون وثلاث مئة وألف حديث ، وغالبها مكرر مخرّج
في الکتاب أصوله أو متونه ، وليس في الكتاب من المتون التي لم تخرج ولو من طريق أخرى إلا مئة وستون .
حديثاً . وقد جمع الحافظ ابن حجر هذه التعاليق ووصلها في كتاب مستقل سماه " تغليق التعليق " ، وهو
مطبوع متداول .
(٥) قال البقاعي : ١١٧ / ب: ((حكي عن شيخنا البرهان الحلي أنه قال: بقي على شيخنا - يعني:
العراقي - في كلام الشافعي الذي ساقه في جواز العمل بالمرسل شرطان آخران وقد نظمتها فقلت :
أو کان قول واحد من صحب
خير الأنام عجم وعرب
أو كان فتوى جل أهل العلم
وشيخنا أهمله في النظم
"أي: أهمل المذكور وهو الشرطان المذكوران)) .
١٩٨

( لكِنْ إِذَا صَحَّ لَنَا ) أي: أيُّها المُحدِّثُونَ خُصوصاً: الشافعيَّةُ تَبَعاً لإمامِهِم
(مَخْرَجُهُ) أي: أنّصالُ المرسلِ (بمسئَدٍ) يَجِيءُ مِن وَجْهٍ آخرَ، صَحِيْحٍ، أَوْ حَسَنٍ، أَوْ ضَعِيْفٍ
يَعْتَضِدُ بِهِ ، ( أَوْ مُرْسَلٍ) آخرَ ( يُخْرِجُهُ) أي: يُرْسِلُهُ (مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالٍ) أي:
شيوخٍ رَاوِي الْمُرْسَلِ (الأَوَّلِ)، حَتَّى يظنَّ عَدُمُ اتحادِهِما، (َقْبَلْهُ) بحزْمِهِ جَواباً لِــ (إِذَا))
عَلَى مَذْهَبِ الكُوفِينَ، والأخفشِ (١)، وَعَلى مَذْهَبِ غيرِهِم للوزن، كقولِ شاعرٍ (٢):
وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ(٤) فَتَحَمَّل(٥)(٦)
وإِذا (٣) تُصِبْكَ مُصِيبٌ فاصْبِرْ لَهَا
وكذا نَقْبُهُ إِذَا اعْتَضَدَ بموافقةٍ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، أَوْ بِفَتْوى عَوامٌ أَهْلِ
العِلْمِ (٧) ، وقوَّة هذِهِ الأربعةِ مُترتّبةٌ بترتيبها المذكورِ .
( قَلْتُ: الشَّيْخُ ) ابنُ الصَّلَاحِ (لَمْ يُفَصِّلِ ) فِي الْمُرْسَلِ المعتضدِ بَيْن كبارِ النَّابعينَ،
وصغارِهم (٨)، وَكَأَنَّه بَنَاهُ عَلَى المشْهورِ فِي تَعْرِيفِهِ ، كَمَا مَرَّ .
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٤/١ .
(٢) في (ص) و (ق): ((الشاعر)). وفي ( ع ): (( الشاعرة)) .
(٣) في (م): (( وإذ))، وما أثبتناه من بقية النسخ، وهو الموافق لرواية البيت.
(٤) الخصاصة: هي الفقر ، وكذا الخصاص . البقاعي : ١١٧/ أ .
(٥) من (ق) و (م)، وفي (ص) و (ع): (( فتحمل))، وكلاهما صحيح ؛ لأن البيت ورد بالروايتين
، وقوله : ((فتحمل)) أي: فأظهر الجميل ولا تشك حالك إلى غير الذي خلقك. البقاعي : ١١٧ / أ.
(٦) هذا البيت عزاه محقق مغني اللبيب : ١٢٨ لعبد القيس بن خفاف ، وقيل لحارثة بن بدر ، وهو من البحر
الكامل ؛ ولكن صدره : استغن ما أغناك ربك بالغنى
وفي ( ع ) حاشية نصها : (( وقوله: وإذا تصبك ... الخ عجز بيت صدره: استغن ما أغناك ربك بالغنى،
فعلى أنه قصد الاستشهاد بكل من الشطرين من غير قصد أنهما بيت واحد ، وإن أوهمته عبارته )) .
(٧) في (ع ) : (( البلد)).
(٨) معرفة أنواع علم الحديث : ١٥٢ . وقد اعترض بعضهم أن المرسل - وهو ضعيف - كيف يتقوى
بمرسل آخر ، وهو ضعيف أيضاً، وقد أجاب الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ٥٦٦/٢ على
هذا الاعتراض فقال: ((إن المجموع حجة لا مجرد المرسل وحده، ولا النظم وحده، فإن حالة الاجتماع
تثير ظناً غالباً وهذا شأن لكل ضعيفين اجتمعا )).
١٩٩

( وَ) الإِمامُ ( الشَّافعيُّ) -الذي أخذَ ابنُ الصَّلَاحِ من كَلامِهِ ذَلِكَ- (بِالكِبَلِ)
مِنْهُمْ، (قَّدَا ) المُعْتَضِدَ . ( وَمَنْ) أي: وقَّدَهُ أَيْضاً بَمَنْ (رَوَى) مِنْهُمْ (عَنِ الثَقاتِ
أَبَدا )، بحيثُ إذَا سَّى مَنْ روى عَنْهُ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُوْلاً، ولا مَرْغُوْباً عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (١) .
وَلَ يَكْفِي قَولُهُ: ((لَمْ آخُذْ إِلّ عَنِ الثّقاتٍ))، كَمَا تقدَّمتِ الإِشَارَةُ إِليهِ. وَلاَ فَرْقَ
فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُرْسَلٍ سَعيدٍ بنِ المسيِّبِ ، ومُرْسَلٍ غَيْرِهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "مَحْمُوْعِهِ"(٢): وَمَا اشتهرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنا من أنَّ مُرْسَلَ سعيدٍ
حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَيْسَ كَذلِكَ، بَلْ مُرْسَلُهُ كَمُرْسَلٍ غَيْرِهِ ، والشَّافِعِيُّ إِنَّما احْتَجَّ بمراسِيلِهِ
التي اعْتَضدَتْ بِغَيْرِها، كَمَا قَالَهُ البَيْهَقِيُّ (٣) والخطيبُ البغداديُ (٤) وغيرُهُما. ثُمَّ قَالَ:
وأَمّا قَوْلُ القَفَّالِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ((مُرْسَلُ سَعِيدٍ عِنْدَنا حُجَّةٌ) فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ (٥)
(١) الرسالة : ٤٦٣، وانظر شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٧/١.
(٢) المجموع ٦١/١ .
(٣) عزا الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢٦٥/١ قول البيهقيّ هذا في المدخل. ولم نجده فيه،
ولعله مما سقط منه ،
(٤) الكفاية : ( ٥٧٢ ت ، ٤٠٥ هـ ) .
(٥) قال الإمام النوويّ: ((اشتهر عند فقهاء أصحابنا أنّ مرسل سعيد بن المسيّب حجّة عند الشافعيّ، حتىّ
أنّ كثيراً منهم لا يعرفون غير ذلك، وليس الأمر على ذلك ، وإنّما قال الشافعي - رحمه الله - في مختصر
المزني : وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسنٌ ، فذكر صاحب المهذب وغيره من أصحابنا في أصول الفقه
في معنى كلامه وجهين لأصحابه .
منهم من قال : مراسيله حجة لأنّها فتشت فوجدت مسانيد .
ومنهم من قال: ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما نذكره ، وإنّما رجّح الشافعي به والترجيح
بالمرسل صحيح . وحكى الخطيب أبو بكر هذين الوجهين لأصحاب الشافعي ، ثم قال : الصحيح من
القولين عندنا الثاني ؛ لأنّ في مراسيل سعيد مَا لَمْ يوجد مسنداً بحال من وجهٍ يصحّ ، وقد جعل الشّافعيّ
المراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد .
وروى البيهقي في مناقبه بإسناده عن الشافعي كلاماً طويلاً، حاصله : أنّه يقبل مرسل التابعي إذا أسنده
حافظ غيره أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول أو كان يوافق قول بعض الصحابة ، أو أفتى عوام أهل
العلم بمعناه .=
٢٠٠