Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
كتاب الأطعمة
يَكُون ذَلِكَ خَاصَّا بِزَمَانِهِ نَّةِ، وَهَذَا يُبْعِدُهُ وَصْف عَائِشَة لِذَلِكَ بَعْده
وَقَالَ بَعْض شُرَّاحِ ((الْمَشَارِقِ)) أَمَّا تَخْصِيص تَمْرِ الْمَدِينَة بِذَلِكَ فَوَاضِحٍ مِنْ أَلْفَاظ
الْمَثْنِ، وَأَمَّا تَخْصِيص زَمَانِه بِذَلِكَ فَبَعِيد، وَأَمَّا خُصُوصِيَّة السَّبْعِ فَالظَّاهِرِ أَنَّهُ لِسِرٍّ فِيهَا،
وَإِلَّا فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون ذَلِكَ وِثْرًا.
وَقَالَ الْمَازِرِيّ: هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَل مَعْنَاهُ فِي طَرِيقِ عِلْمِ الّبّ، وَلو صَحَّ أَنْ يَخْرُج
لِمَنْفَعَةِ الثَّمْرِ فِي السُّمّ وَجْهُ مِنْ جِهَةِ الطَّبّ لَمْ يُقْدَر عَلَى إِظْهَارِ وَجْه الإِقْتِصَارِ عَلَى هَذَا
الْعَدَد الَّذِي هو السَّبْعِ، وَلَا عَلَى الإِقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي هو الْعَجْوَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ
كَانَ لِأَهْلِ زَمَانِهِ وََّ خَاصَّة أو لأَكْثَرِهِمْ، إِذْ لَمْ يَثْبُتِ اِسْتِمْرَار وُقُوعِ الشِّفَاء فِي زَمَاننَا
غَالِبًا، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَصْف غَالِب الْحَالِ.
وَقَالَ عِيَاض: تَخْصِيصه ذَلِكَ بِعَجْوَةِ الْعَالِيَةِ وَبِمَا بَيْنِ لَابَتَي الْمَدِينَة يَرْفَع هَذَا
الْإِشْكَالِ وَيَكُون خُصُوصًا لَهَا، كَمَا وُجِدَ الشِّفَاء لِيَعْضِ الْأَدْوَاءِ فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَكُون
فِي بَعْض تِلْكَ الْبِلَادِ دُون ذَلِكَ الْجِئْس فِي غَيْرِهِ، لِتَأْثِيرٍ يَكُون فِي ذَلِكَ مِن الْأَرْض أو
الهواء.
قَالَ: وَأَمَّا تَخْصِيص هَذَا الْعَدَد فَلِجَمْعِهِ بَيْنِ الْإِفْرَادِ وَالْإِشْفَاعِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى
نِصْف الْعَشَرَةِ، وَفِيهِ أَشْفَاعِ ثَلَاثَة وَأَوْتَارِ أَرْبَعَة، وَهِيَ مِنْ نَمَط غَسْل الْإِنَاءِ مِنْ ؤُلوغ
الْكَلْب سَبْعًا، وَقَوْله تَعَالَى: ﴿سَبْعِ سَنَابِل﴾ وَكَمَا أَنَّ السَّبْعِينَ مُبَالَغَةٍ فِي كَثْرَة الْعَشَرَات،
وَالسَّبْعِمِائَةِ مُبَالَغَةٍ فِي كَثْرَة الْمِئِينَ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي الْحَدِيثِ تَخْصِيص عَجْوَة الْمَدِينَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا خُصُوص كَوْن
ذَلِكَ سَبْعًا فَلَا يُعْقَلِ مَعْنَاهُ كَمَا فِي أَعْدَاد الصَّلوات وَنُصُب الزَّكَوَات.
قَالَ: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيّ وَعِيَاض بِكَلَامِ بَاطِل فَلَا يُغْتَرّ بِهِ. إِنْتَهَى.
وَلَمْ يَظْهَر ◌ِي مِنْ كَلَّامهمًا مَا يَقْتَضِي الْحُكْم عَلَيْهِ بِالْبُظْلَانِ، بَلْ كَلَامِ الْمَازِرِيّ
يُشِير إِلَى نَحَلّ مَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ، وَفِي كَلَام عِيَاض إِشَارَة إِلَى الْمُنَاسَبَةِ فَقَظْ،
وَالْمُنَاسَبَاتِ لَا يُقْصَدِ فِيهَا التَّحْقِيقِ الْبَالِغِ بَلْ يُكْتَفَى مِنْهَا بِطُرُقِ الْإِشَارَةِ.
٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ الْقُرْطُِيّ: ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ خُصُوصِيَّةٍ عَجْوَة الْمَدِينَة بِدَفْعِ السُّمّ وَإِبْطَال
السِّحْرِ، وَالْمُطْلَقِ مِنْهَا مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد، وهو مِنْ بَابِ الْخْوَاصّ الَّتِي لَا تُدْرَكَ بِقِيَاسِ
ظنِّي.
وَمِنْ أَيِّمَّتْنَا مَنْ تَكَلَّفَ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ السَّمُومِ إِنَّمَا تَقْتُل لِإِفْرَاطِ بُرُودَتهَا، فَإِذَا
دَاوَمَ عَلَى التَّصَبُّحِ بِالْعَجْوَةِ تَحَكَّمَتْ فِيهِ الْحَرَارَة وَأَعَانَتْهَا الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فَقَاوَمَ ذَلِكَ
بُرُودَة السُّمّ مَا لَمْ يُسْتَحْكَم.
قَالَ: وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ رَفْع خُصُوصِيَّة عَجْوَة الْمَدِينَةِ بَلْ خُصُوصِيَّة الْعَجْوَة بَلْ
خُصُوصِيَّة الثَّمْرِ، فَإِنَّ مِن الْأَدْوِيَةِ الْحَارَّة مَا هو أولى بِذَلِكَ مِنِ الثَّمْرِ، وَالْأولى أَنَّ ذَلِكَ
خَاصّ بِعَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ هَلْ هو خَاصّ بِزَمَانِ نُطْقِه أو فِي كُلّ زَمَان؟ هَذَا مُحْتَمَل،
وَيَرْفَع هَذَا الإِحْتِمَالِ التَّجْرِبَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ، فَمَنْ جَرَّبَ ذَلِكَ فَصَحَّ مَعَهُ عُرْفٍ أَنَّهُ مُسْتَمِرّ،
وَإِلَّا فهو مَخْصُوص بِذَلِكَ الزَّمَان.
قَالَ: وَأَمَّا خُصُوصِيَّة هَذَا الْعَدَد، فَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة مِن الطِّبّ كَحَدِيثٍ:
((صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَب)) وَقَوْله لِلْمَفْتُودِ الَّذِي وَجَّهَهُ لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةٍ أَنْ يَلُدُهُ بِسَبْعِ
تَمَرَات، وَجَاءَ تَعْوِيذه سَبْع مَرَّات، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الطِّبّ فَكَثِيرٍ، فَمَا جَاءً مِنْ هَذَا الْعَدَدِ فِي مَعْرِض التَّدَاوِي فَذَلِكَ
لِخَاصِّيَّةٍ لَا يَعْلَمْهَا إِلَّ الله أو مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا جَاءَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَعْرِض
التَّدَاوِي، فَإِنَّ الْعَرَبِ تَضَع هَذَا الْعَدَد مَوْضِعِ الْكَثْرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُرِدْ عَدَدًا بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ إِبْنِ الْقَيِّم: عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَنْفَعِ تَمْرِ الْحِجَازِ، وهو صِنْف كَرِيم مُلَزَّز
مَتِين الْجِسْم وَالْقُوَّة، وهو مِنْ أَلْيَنِ الثَّمْر وَأَلَذِّه.
قَالَ: وَالثَّمْرِ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَكْثَرِ الثَّمَارِ تَغْذِيَة لِمَا فِيهِ مِن الْجَوْهَر الْحَارّ الرَّظْب،
وَأَكْله عَلَى الرِّيقِ يَقْتُل الدِّدَان لِمَا فِيهِ مِن الْقُوَّةِ التِّرْيَاقِيَّة، فَإِذَا أَدِيمَ أَكْله عَلَى الرِّيق
جَفَّفَ مَادَّة الدُّود وَأَضْعَفَهُ أو قَتَلَهُ. اِنْتَهَى.
وَفِي كَلَامِه إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادِ نَوْعِ خَاصّ مِن السُّمّ، وهو مَا يَنْشَأْ عَنِ الدِّيدَان
٢٤٣
كتاب الأطعمة
الَّتِي فِي الْبَطْنِ لَا كُلّ السَّمُومِ، لَكِنْ سِيَاقِ الْخْبَرِ يَقْتَضِي التَّعْمِيم؛ لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاق
النَّفْي، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فِي السُّمّ فَمَاذَا يَصْنَع فِي السِّحْرِ. [الفتح (٣١٦/١٦)].
٤١٩١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَّ اللّه عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ فِي عَجْوَةٍ
الْعَالِيَةِ شِفَاءً، أو إِنَّهَا تِرْيَاقُ أُوْل الْبُكْرَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
(إِنَّ فِي عَجْوَة الْعَالِيَةِ شِفَاء أو إِنَّهَا تِرْيَاق أول الْبُكْرَةِ) وَالتِّرْيَاقِ بِكَسْرِ الثَّاء
وَضَمّهَا لُغَتَانٍ، وَيُقَال: (دُرْيَاقِ)) و(طُرْيَاقِ)) أَيْضًا كُلّ فَصِیح.
(أُوْل الْبُكْرَةِ) بِنَصْبِ (أول)) عَلَى الظَّرْف، وهو بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((مَنْ
تَصَبَّحَ)).
وَالْعَالِيَةِ: مَا كَانَ مِن الْحَوَائِطِ وَالْقُرَى وَالْعِمَارَاتِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي
تَجْد، أو السَّافِلَةِ مِن الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِمَّا يَلِ تِهَامَة.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَدْنَى الْعَالِيَةِ ثَلَاثَة أَمْيَال، وَأَبْعَدهَا ثَمَانِيَة مِن الْمَدِينَةِ. وَالْعَجْوَة
نَوْعٍ جَيِّد مِن الشّمْر.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَضِيلَة تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا، وَفَضِيلَة التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَات
مِنْهُ، وَتَخْصِيص عَجْوَة الْمَدِينَةِ دُون غَيْرِهَا، وَعَدَد السَّبْعِ مِن الْأُمُورِ الَّتِي عَلِمَهَا
الشَّارِعِ، وَلَا نَعْلَمْ تَحْنُ حِكْمَتْهَا فَيَجِبِ الْإِيمَانِ بِهَا، وَاعْتِقَادٍ فَضْلِهَا وَالْحِكْمَةِ فِيهَا،
وَهَذَا كَأَعْدَادِ الصَّلوات، وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، فَهَذَا هو الصَّوَابِ فِي هَذَا الْحَدِيث.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامِ أبو عَبْدِ اللهِ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض فِيهِ فَكَلَامِ بَاطِل، فَلَا
تَلْتَفِت إِلَيْهِ، وَلَا تُعَرِّج عَلَيْهِ، وَقَصَدْت بِهَذَا التَّنْبِيه التَّحْذِيرِ مِن الإِغْتِرَار بِهِ، والله
أعلم.
٤١٩٢ - {وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هو التَّمْرُ
وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْنَى بِاللُّحَيْمِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(١) أخرجه مسلم (٢٠٤٨)، وأحمد (٢٥٩٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٥٨)، ومسلم (٧٦٣٩)، وأحمد (٢٤٩٦٤).
٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤١٩٣ - [وَعَنْهُا قَالَتْ: ((مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرُ)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٤١٩٤ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: ((تُؤُنِّيَّ رَسُولُ اللهِ وَّهَ وَقَد شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ)). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](٤).
٤١٩٥ - [وَعَن التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ
رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ وَ﴿ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأَ بِهِ بَطْنَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
٤١٩٦ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أُنِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ
بِفَضْلِهِ إِلَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِقَصَعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لأَنَّ فِيهَا ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ أَحَرَامٌ
هو؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنِّ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ)). قَالَ: فَإِّ أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) (٤).
قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِإِبَاحَةِ الثُّوم، وهو مُجْمَع عَلَيْهِ، لَكِنْ يُكْرَه لِمَنْ أَرَادَ
حُضُورِ الْمَسْجِد، أو حُضُورِ جَمْعٍ فِي غَيْرِ الْمَسْجِد أو مُخَاطَبَةِ الْكِبَارِ، وَيَلْحَقِ بِالقُومِ كُلّ
مَا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَةٍ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفَاةٍ فِي كِتَاب الصَّلاة.
(كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا أَتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَّ) قَالَ الْعُلَمَاءِ فِي
هَذَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ أَنْ يُفْضِلِ مِمَّا يَأْكُلِ وَيَشْرَبِ فَضْلَةً؛ لِيُوَاسِيَ بِهَا مَنْ
بَعْدِهِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكَ بِفَضْلَتِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ قِلَّة، وَلَهُمْ إِلَيْهِ
حَاجَةٍ، وَيَتَأَكَّدِ هَذَا فِي حَقِّ الضَّيْف، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ عَادَة أَهْلِ الطَّعَامِ أَنْ يُخْرِجُوا كُلّ
مَا عِنْدِهِمْ وَتَنْتَظِرِ عِيَالهم الْفَضْلَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٍ مِنِ النَّاسِ، وَنَقَلوا أَنَّ السَّلَف
كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِفْضَالِ هَذِهِ الْفَضْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلِ ذَلِكَ كُلّه. [١١٨/٧].
(١) أخرجه مسلم (٧٦٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٤٢)، ومسلم (٧٦٤٦)، وأحمد (٢٦٣٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (٥٦٧٠)، والترمذي (٢٥٤٦).
(٤) أخرجه مسلم (٥٤٧٧)، وأحمد (٢١٤٨٢)، والترمذي (١٩٢٠).
٢٤٥
كتاب الأطعمة
٤١٩٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ ثُومًا أو بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أو
قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - أو لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ). وَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَنِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ
بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَّهَا رِيحًا فَقَالَ: ((قَرَّبُوهَا)) إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: ((كُلْ فَإِنِّ أَنَاجِي مَنْ لَا
تُنَاجِي)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤١٩٨ - [وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((كِيلوا طَعَامَكُمْ
يُبَارَكْ لَكُمْ فِيِه)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ونَدبُ النبي أمته إليه يدل على
البرکة فیه.
قال المهلب: ويحتمل المعنى - والله أعلم - أنهم كانوا يأكلون بلا كيل، فيزيدون
في الأكل، فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها، فقال لهم وَالر: ((كيلوا)» أي:
أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في مُدِّ
أهل المدينة بدعوته قل﴾.
فإن قيل: فما معنى قول عائشة: ((كان عندي شطر شعير، نأكل منه حتى طال
عليَّ فكلته ففني)) وهذا معارض لحديث المقدام؟
قال المهلب: ليس بينهما تعارض بحمد الله، ومعناه: إنها كانت تخرج قوتها بغير
كيل، وهي متقوتة باليسير، فبورك لها فيه مع بركة النبي الباقية عليها وفي بيتها، فلما
كالته علمت المدة التي يبلغ إليها، ففني عند انقضائها، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى.
[ابن بطال (٢٦٢/١١)].
(١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٥٦٤)، وأحمد (١٥٣٣٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، وابن خزيمة
(١٦٦٤)، والبيهقي (٤٨٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٢١)، وأحمد (١٧٢١٦)، وابن حبان (٤٩١٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٦٤٣)،
وفي «مسند الشاميين)) (٤٣٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٦٩٨)، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (٢١٧/٥)، والبيهقي (١٠٩٤٤).
٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤١٩٩ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: ((الْحَمْدُ لله حَمْدًا
كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُؤَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنَى عَنْهُ رَبَّنَا)). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](١).
٤٢٠٠ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ
الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَو يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
وَسَنَذْكُرِ حَدِينَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ:((مَا شَبِعَ آلْ مُحَمَّدٍ) و((خَرَجَ النَّبِيُّ مِنَ الدُّنْيَا))
فِي بَابٍ فَضْلِ الفُقَراءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(الفصل الثاني)
٤٢٠١ - [عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ فَقُرِّبَ طَعَامُ، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ
أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أول مَا أَكَلْنَا، وَلا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ هَذَا؟
قَالَ: ((إِنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ الله عَلَيْهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ، وَلَمْ يُسَمِّ اللّهِ فَأَكَلَ مَعَهُ
الشَّيْطَانُ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))](٣).
٤٢٠٢ [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ
يَذْكُرَ اللهَ عَلَى طَعَامِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أوله وَآخِرَهُ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود] (٤).
٤٢٠٣ [وعَنْ أُمَيَّةَ بن مَخْشِيٍّ، قَالَ: كان رَجُلُ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ
طَعَامِهِ إِلا لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلى فِيْهِ، قَالَ: بِسْمِ الله أوله وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النبي ◌َِّ ثُمَّ
قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَه، فَلَمَّا ذُكِرَ اسْمَ اللهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ)). رَوَاهُ أبو
(٥)
داود] (٥).
(١) أخرجه البخاري (٥٤٥٨)، وأحمد (٢٢٨٢٥).
(٢) أخرجه مسلم (٧١٠٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٣٨)، والبغوي (٦٩٦/١).
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٣٣٥)، وأبو داود (٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٨) وقال: حسن صحيح. والحاكم
(٧٠٨٧) وقال: صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١١٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٧٧٠).
٢٤٧
كتاب الأطعمة
٤٢٠٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيَّهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ
قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَظْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَابْنُ
مَاجە](١).
٤٢٠٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ
الصَّابِ)). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ(٢).
٤٢٠٦ - [وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّة عَنْ أَبِيهِ(٣).
٤٢٠٧ - [وَعَنْ أَبِي أَيُونٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَكَلَ أُو شَرِبَ قَالَ: (الْخَمْدُ
الله الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
٤٢٠٨ - [وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ بَرَكَة الطَّعَامِ الوضوءِ بَعْدَهُ،
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْنَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الوضُوءُ قَبْلَهُ والوضوء
بَعْدَهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود](٥).
(بَرَكَةُ الطَّعَامِ الوضُوءُ قَبْلَهُ والضَّوْءُ بَعْدَهُ) قِيلَ: الْحِكْمَةِ فِي الوضُوءِ قَبْل الطَّعَام
أَنَّ الْأَكْلِ بَعْد غَسْلِ الْتَدَيْنِ يَكُونِ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ، وَلِأَنَّ الْيَدِ لَا تَّخْلُو عَنْ تَلوث فِي تَعَاطِي
الْأَعْمَالِ فَغَسْلهَا أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَة وَالنَّزَاهَة.
وَالْمُرَادِ مِن الوضُوءِ بَعْد الطَّعَامِ غَسْل الْيَدَيْنِ وَالْفَم مِن الدُّسومَاتِ، قَالَ لَّ:
((مَنْ بَاتَ وَفِي يَده غَمَر وَلَمْ يَغْسِلُهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٍ فَلَا يَلومَنَّ إِلَّا نَفْسه)) أَخْرَجَهُ إِبْنِ
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٥٢)، والترمذي (٣٧٩١)، وابن ماجه (٣٤٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٠٣٦)، والترمذي (٢٦٧٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٧٦٥)، والدارمي (٢٠٢٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٥٣)، وابن حبان (٥٣١٠)، والطبراني (٣٩٧٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)»
(٣٤٠٢).
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٧٨٣)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٦)، والطيالسي (٦٥٥)، والطبراني
(٦٠٩٦)، والحاكم (٦٥٤٦)، والبيهقي (١٤٣٨١)، والبزار (٢٥١٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥٨٠٤)، والديلمي (٧٢٣٧).
٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مَاجَهُ وَأَبو دَاوُدَ وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْط مُسْلِمٍ.
وَمَعْنَى: ((بَرَكَة الطَّعَامِ مِن الوُضُوءِ قَبْله)) النُّمُوِ وَالزِّيَادَة فِيهِ نَفْسِه، وَبَعْده التُّمُو
وَالزِّيَادَةِ فِي فَوَائِدهَا وَآثَارِهَا بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِسُكُونِ النَّفْسِ وَقَرَارِهَا وَسَبَبًّا لِلطَّاعَاتِ
وَتَقْوِيَة لِلْعِبَادَاتِ، وَجَعَلَهُ نَفْسِ الْبَرَكَة وَإِلَّا فَالْمُرَادِ أَنَّهَا تَنْشَأْ عَنْهُ. هَذَا تَأْخِيص كَلَام
الْقَارِي.
٤٢٠٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامُ، فَقَالوا:
أَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو
داود وَالنَّسَائِيُّ](١).
٤٢١٠ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ](٩).
٤٢١١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ أَنَى بِقَصْعَةٍ مِنْ تَرِيدٍ فَقَالَ: «كُلُوا مِنْ
جَوَانِهَا وَلا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه
وَالدَّارِمِيُّ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وِفِي رِوايَةٍ أَبِي دَاوُدْ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ
أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ
تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا)](٣).
٤٢١٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمٍو قَالَ: «مَا رُفِي رَسُولُ اللهِ وَلِ يَأْكُلُّ مُتَّكِئًا فَظّ
وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانٍ)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
(مَا رُفِيَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (رَسُولُ اللهِ وَلَِّ) بِالرَّفْعِ (يَأْكُلِ مُتَّكِئًا) قَالَ
الْحَافِظ: اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي حُكْم الْأَكْلِ مُتَّكِّنَا، فَزَعَمَ اِبْنِ الْقَاصّ أَنَّ ذَلِكَ مِن
(١) أخرجه أحمد (٢٥٤٩)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، والنسائي (١٣٢).
(٢) لم أقف عليه عند ابن ماجه هكذا، ونحوه (٣٦١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٨٠٥)، وأبو داود (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٣٤٠٢)، وابن حبان (٥٢٤٥) والدارمي
(٢٠٩٨).
(٤) أخرجه أحمد (٦٧٠٦)، وأبو داود (٣٧٧٢)، وابن ماجه (٢٥١).
٢٤٩
كتاب الأطعمة
الْخُصَائِصِ الثَّبَوِيَّة، وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَِيُّ، فَقَالَ: قَدْ يُكْرَه لِغَيْرِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْل
الْمُتَعَظّمِينَ، وَأَصْلِهِ مَأْخُوذ مِنْ مُلوك الْعَجَم.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِالْمَرْءِ مَانِعٍ لَا يَتَمَكَّن مَعَهُ الْأَكْلِ إِلَّا مُتَّكِئًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ
كَرَاهَةٍ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَكَلوا كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ ذَلِكَ عَنْهُمْ
عَلَى الضَّرُورَةِ، وَفِي الْحَمْلِ نَظَرُ. اِنْتَهَى.
(وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانٍ) أي: لَا يَطَأ الْأَرْضِ خَلْفِه رَجُلَانِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ وَّ لَا
يَمْشِي قُدَّامِ الْقَوْمِ، بَلْ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْجُمْعِ أو فِي آخِرِهِمْ تَوَاضُعًا.
قَالَ الطَّيبِيُّ: الثَّثْنِيَة فِي ((أَخْبَرَبِ)) كُمْ تُسَاعِد هَذَا التَّأويل، وَلَعَلَّهُ كِنَايَةٍ عَنْ
تَوَاضُعه، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْشِي مَشْي الْجَبَابِرَةِ مَعَ الْأَتْبَاعِ وَالْخَدَم، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ
لَا يُنَافِي قَوْل غَيْرِهِ، وَفَائِدَة التَّثْنِيَة أَنَّهُ قَدْ يَكُون وَاحِد مِن الْخُدَّامِ وَرَاءَه كَأَنَسِ وَغَيْرِه
لِمَكَّانِ الْحَاجَة بِهِ، وهو لَا يُنَافِي التَّوَاضُع. كَذَا فِي ((الْمِرْقَاة).
وَقَالَ فِي (فَتْحِ الودود): الرَّجُلَانِ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّ الْجِيمِ هَذَا هو الْمَشْهورِ، وَيَحْتَمِل
كَسْر الرَّاءِ وَسُكُون الْحِيم؛ أي: الْقَدَمَانِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَمْشِي خَلْفه أَحَد ذُو رِجْلَيْنِ.
إِنْتَهَى.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَهُ وَشُعَيْبِ هَذَا هو وَالِدِ عَمْرو بْنِ شُعَيْب، وَوَقَعَ
هَا هُنَا، وَفِي كِتَابِ اِبْن مَاجَه شُعَيْب بْن عَبْد الله بْن عَمْرو عَنْ أَبِيهِ، وهو شُعَيْب بْن
مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن عَمْرو قَالَ: كَانَ ثَابِتِ الْبُنَائِيّ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدّه حِين حَدَّثَ عَنْهُ،
وَذَلِكَ شَائِعٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِأَبِيهِ مُحَمَّدًا، فَيَكُون الْحَدِيث مُرْسَلاً، وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا صُحْبَةً
لَهُ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ جَدّه عَبْد الله فَيَكُون مُسْنَدًا، وَشُعَيْب قَدْ سَمِعَ مِنْ عَبْد الله بْن
عَمْرو، وَالله ◌َتْ أَعْلَمُ. [عون (٢٧٩/٨)].
٤٢١٣ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْخَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: (أُقِيَ رَسُولُ اللهِ وَهُ بِخُبْزِ
وَلَخْمٍ، وهو فِي الْمَسْجِدِ فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قام فَصَلَّ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَلَمْ نُزِدْ عَلَى أَنْ
٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مُسّحْنَا أَيْدِيَنَا بِالْخَصْبَاءِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](١).
٤٢١٤ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُنِيَ رَسُولُ اللهِ لَيهِ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ،
وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه](٢).
(فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعِ وَكَانَتْ تُعْجِبِهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ الله تَعَالَى: مَحَبَّته
وَلَّه لِلذِّرَاعِ لِنُصْجِهَا وَسُرْعَة اِسْتِمْرَائِهَا مَعَ زِيَادَة لََّّتَهَا وَحَلَاوَةِ مَذَاقَهَا، وَبُعْدِهَا عَنْ
مَوَاضِعِ الْأَذَى. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَة - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: مَا كَانَت
الذِّرَاعِ أَحَبّ اللَّحْمِ إِلَى رَسُول الله ◌َّةِ، وَلَكِنْ كَانَ لَا يَجِدِ اللَّحْمِ إِلَّا غِبَّ فَكَانَ يَعْجَل
إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْجَلهَا نُصْجًا.
قَوْله: (فَنَهَسَ مِنْهَا) هو بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: أَكْثَرِ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ
بِالْمُهْمَلَةِ، وَوَقَعَ لِاِبْنِ مَاهَانَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحِ بِمَعْنَى أَخَذَ بِأَظْرَافِ أَسْنَانه.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ أبو الْعَبَّاس: النَّهْس: بِالْمُهْمَلَةِ بِأَظْرَافِ الْأَسْنَانِ وَبِالْمُعْجَمَةِ
الْأَضْرَاس. [النووي (٣٤٠/١)].
٤٢١٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((لا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ،
فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الأَعَاجِمِ، وَانْهَسُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأ). رَوَاهُ أبو داود وَالبَيْهَتِيُّ فِي (شُعَبِ
الإِيمَانِ)) وَقَالَا: لَيْسَ هو بِالقَوِيِّ](٣).
٤٢١٦ - [وعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: دَخَلَ عَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَمَعَهُ عَلِيٍّ وَلَنَا دَوَالٍ
مُعَلَّقَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَأْكُلُ وَعَلَىَّ مَعَهُ يَأْكُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ لِعَلِّ: (مَهْ
مَهْ يَا عَلَىُّ فَإِنَّكَ نَاقِئةً)) قَالَت: فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًّا وَشَعِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((يَا عَلَيُّ مِنْ هَذَا
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٥)، والبغوي (٧٠١/١).
(٢) أخرجه أحمد (٩٨٧٣)، والترمذي (١٩٥٣)، وابن ماجه (٣٤٣٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٧٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٨٩٨)، وفي ((السنن الكبرى)) (١٤٤٠٣)،
والديلمي (٧٣٧٧).
٢٥١
كتاب الأطعمة
فَأَصِبْ فَإِنَّهُ أُوْفَقُ لَكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهَ(١).
٤٢١٧ [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))(٢).
٤٢١٨ - [وَعَنْ نَبَيْشَة عَنِ رَسُولِ اللهِ وَّ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحِسَهَا
اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ(٣).
٤٢١٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرُ،
فَأَصَابَهُ شَيْءُ فَلا يَلومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود وَابْنُ مَاجَهِ}(٤).
٤٢٢٠ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ الثَّرِيدَ مِنَ
الْخُبْزِ وَالثَّرِيدَ مِنَ الْخَيْسِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٥).
(وَالتَّرِيدِ مِن الْحَيْس) وهو بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتِيَّة فَسِينِ مُهْمَلَة:
تَمْرِ يُخْلَط بِأَقِطِ وَسَمْن.
قَالَ فِي ((الْمِصْبَاحِ)): الثَّرِيد فَعِيلُ بِمَعْنَى مَفْعُول، يُقَال: ثَرَدْت الخُبْزِ ثَرْدًّا، مِنْ بَاب
قَتَلَ وهو أَنْ تَفْتَهُ ثُمَّ تَبُلّهُ بِمَرَقٍ. اِنْتَهَى.
وَفِي ((النّهَايَة)): الْحَيْس هو الطَّعَامِ الْمُتَّخَذ مِنِ الثَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْن أو الدَّقِيق أو
فَتِيت بَدَل أَقِط. اِنْتَهَى.
(١) أخرجه أحمد (٢٧٠٩٨)، والترمذي (٢٠٣٧)، وابن ماجه (٣٥٦٨)، والحاكم (٧٤٥٢) وقال:
صحيح الإسناد.
(٢) أخرجه أحمد (١٣٦٥٤)، والترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (١٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥٦٦٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٧٤٣)، والترمذي (١٨٠٤) وقال: غريب. وابن ماجه (٣٢٧١)، والبيهقي في
((شعب الإيمان)) (٥٨٦٠)، والدارمي (٢٠٧٩).
(٤) أخرجه أحمد (٧٧٨٠)، وأبو داود (٣٨٥٤)، والترمذي (١٩٨٠)، وابن ماجه (٣٤٢٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٧٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٦٥٢).
٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ إِبْنِ رَسْلَان: وَصِفَتِه أَنْ يُؤْخَذ الثَّمْر أو الْعَجْوَة فَيُنْزَعِ مِنْهُ النَّوَى، وَيُعْجَن
بِالسَّمْنِ أو نحوه، ثُمَّ يُدَلَّكَ بِالْيَدِ حَتَّى يَبْقَى كَالثَِّيدِ، وَرُبَّمَا جُعِلَ مَعَهُ سَوِيقِ. إِنْتَهَى.
وَالْمُرَادِ مِن الَِّيدِ مِن الْخُبْزِ هو الْمُفَتَّتِ بِمَرَقِ اللَّحْمِ، وَقَدْ يَكُون مَعَهُ اللَّحْم
وَالثَِّيدِ مِن الْحَيْسِ الْخُبْزِ الْمُفَتَّتِ فِي الثَّمْرِ وَالْعَسَل وَالْأَقِط وَنحوها.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده رَجُل تَجْهول.
٤٢٢١ - [وعَنْ أَبِي أَسَيْدِ الأنصاري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا
بِالزَّيْتِ، فَإِنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ](١).
٤٢٢٢ - [وعَنْ أَمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَّ النَِّيُّ ◌َه فَقَالَ: ((أَعِنْدَكِ شَيْءٌ(؟)) قُلْتُ:
لا، إِلَّا خُبْ يَابِسُّ وَخَلُّ، فَقَالَ: ((هَاِي، مَا أَقْفَرَ بَيْتُ مِنْ أُدُمِ فِيهِ خَلٌّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](٢).
٤٢٢٣ - [وعَنْ يُوسُفَ بن عَبْدِ الله بن سَلامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ أَخَذَ كِسْرَةً
مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، فَقَالَ: ((هَذِهِ إِدَامُّ هَذِهِ) وأَكَلَ- رَوَاهُ أبو داود](٣).
٤٢٢٤ - [وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي النَِّيُّ ◌َهِ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ
ثَدْلِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي، وَقَالَ: ((إِنَّكَ رَجُلُّ مَفْتُودُ، اثْتِ الْخَارِثَ بْنَ كَدَةً
أَخَا تَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجْلُ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ؛ فَلْيَجَأْهُنَّ
بِنَوَاهُنَّ ثُمَّ لِيَلْدَّكَ بِهِنَّ)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
٤٢٢٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطّيخَ بِالرُّطَبِ)). رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ،
وَزَادَ أبو داودٍ: وَيَقُولُ: ((يَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا)). وقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
(١) أخرجه أحمد (١٦٠٩٧)، والترمذي (١٨٥٢) وقال: غريب. وابن ماجه (٣٤٤٥)، والدارمي (٢١٠٤)،
والطبراني (٥٩٧)، والحاكم (٣٥٠٤) وقال: صحيح الإسناد، وله شاهد آخر بإسناد صحيح.
والبيهقي في «شعب الإيمان)» (٥٩٣٨).
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٤١)، والبغوي (٤٥٩/٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٦١)، والبيهقي (٢٠٥٢٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٧٥)، وابن سعد (١٤٦/٣)، والضياء (١٠٥٠).
٢٥٣
كتاب الأطعمة
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](١).
٤٢٢٦ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: «أَنِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ وَيُخْرِجُ
الُّوْسَ مِنْهُ)). رَوَاهُ أبو داود](٩).
(أُتِ) عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهول (بِتَمْرِ عَتِيق) أي: قَدِيم (فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِج السُّوس
مِنْهُ) فِيهِ كَرَاهَةٍ أَكْلِ مَا يُظَنّ فِيهِ الدُّود بِلَا تَفْتِيش. قَالَهُ فِي ((فَتْح الودود)).
وَفِيهِ: إِنَّ الطَّعَامِ لَا يَنْجُس بِوُقُوع الدُّود فِيهِ، وَلَا يَحْرُم أَكْلُهُ.
قَالَ الْقَارِي: وَرَوَى الظَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَن إِبْنِ عُمَر مَرْفُوعًا «نَهَى أَنَّ يُفَتَّش
التَّمْرِ عَمَّا فِيهِ)) فَالنَّهْي ◌َحْمُولِ عَلَى التَّمْرِ الْجَدِيد دَفْعًا لِلوسْوَسَةِ، أو فِعْلُهُ مَحْمُول عَلَى
بَيَانِ الْجُوَازِ، وَأَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِبهِ.
٤٢٢٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ فَدَعَا بِسِكِّينٍ فَسَمَّى
وَقَطَعَ)). رَوَاهُ أُبو داود](٢).
٤٢٢٨ - [وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ
فَقَالَ: ((الْخَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْخَرَامُ مَا حَرَّمَ اللّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ
فهو مِمَّا عَفَا عَنْهُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَمَوْقُوفٌ عَلَى
الأَصَحِّ](٤).
٤٢٢٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدَي خُبْزَةً بَيْضَاءَ
مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ مُلَبَّقَةٍ بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ)) فَقَامَ رَجُلُ مِنَ الْقَوْمِ فَاتَّخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ: في أي:
شَيْءٍ كَانَ هَذَا؟ قَالَ: فِي عُكَّةٍ ضَبِّ قَالَ: ((ارْفَعْهُ)). رَوَاهُ أَبو داودٍ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ أبو
(١) أخرجه الترمذي (١٩٨١)، وأبو داود (٣٨٣٨)، وابن حبان (٥٣٣٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٣٤)، والبيهقي (١٥٠٣٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٢١)، والبيهقي (٢٠١٧٦).
(٤) أخرجه الترمذي (١٧٢٦) وقال: غريب. وابن ماجه (٣٣٦٧)، والطبراني (٦١٢٤)، والحاكم
(٧١١٥)، والبيهقي (١٩٥٠٧).
٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
داود: هَذَا حَدِيثُ مُنْكَرٌ)(١).
(وَدِدْت) بِكَسْرِ الدَّال؛ أي: تَمَنَّيْت وَأَحْبَبْت (مِنْ بُرَّة سَمْرَاء) أي: حِنْطَة فِيهَا
سَوَادٍ خَفِيّ، فَهِيَ وَصْف لِبُّرَّةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَاد بِهَا أَنْ تَكُون مُقْسِرَة فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الَّذَّةِ،
وَلِتَلَّا يَحْصُلِ التَّنَاقُض بَيْنِ الْبَيْضَاءِ وَالسَّمْرَاءِ، وَاخْتَارَ بَعْض الشُّرَّاحِ أَنَّ السَّمْرَاء هِيَ
الْحِنْطَةِ فَهِيَ بَدَلُّ مِنْ بُرَّة.
قَالَ الْقَاضِي: السَّمْرَاء مِن الصِّفَاتِ الْغَالِيَة غَلَبَتْ عَلَى الْحِنْطَةِ، فَاسْتَعْمَلَهَا هُنَا
عَلَى الْأَصْل.
وَقِيلَ: هِيَ نَوْعِ مِن الْحِنْطَةِ فِيهَا سَوَادٍ خَفِيّ، وَلَعَلَّهُ أَحْمَدُ الْأَنْوَاعِ عِنْدهمْ. كَذَا فِي
«الْمِرْقَاة)».
(مُلَبَّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَن) بِتَشْدِيدِ الْمُوَخَّدَة الْمَقْتُوحَةِ، وَهِيَ مَنْصُوبَة عَلَى أَنَّهَا صِفَة
خُبْزَة، وهو الظَّاهِرِ، وَيَحْتَمِل بِجَرِّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَة بُرَّة؛ وَالْمَعْنَى: مَبْلولَة مَخْلوطَة خَلْطًا
شَدِيدًا بِسَمْنٍ وَلَبَن، وَالْمُلَبَّقَةِ اِسْمِ مَفْعُول مِن التَّلْبِيق وهو التَّلْيِين.
وَفِي («الْقَامُوس)»: لَبَّقَهُ: لَيَّنَهُ، وَثَرِيد مُلَبَّق: مُلَيَّن بِالدَّسَمِ.
(فَالَّخَذَّهُ) أي: صَنَعَ مَا ذَكَرَ (فِي أَي شَيْءٍ كَانَ هَذَا) أي: سَمْنه، وَلَعَلَّهُ نَّهِ وَجَدَ
فِيهِ رَائِجَة كَرِيهَةٍ (في عُكَّة ضَبّ) الْعُكَّة بِالضَّمِّ: آنِيَة السَّمْنِ، وَقِيلَ: وِعَاء مُسْتَدِير
لِلسَّمْنِ وَالْعَسَل، وَقِيلَ: الْعُكَّة الْقِرْبَةِ الصَّغِيرَة؛ وَالْمَعْنَى: إنَّهُ كَانَ فِي وِعَاء مَأْخُوذ مِنْ
چِلْد ضَبّ.
(إِرْفَعْهُ) قَالَ الطَّيبِيّ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَفْعِهِ لِنُفُورِ طَبْعه عَن الضَّبّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
بِأَرْضِ قَوْمِه كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث خَالِدٍ، لَا لِنَجَاسَةِ جِلْدِهِ وَإِلَّا لَأَمَرَهُ بِطَرْحِهِ، وَنَهَاهُ عَنْ
تَنَاؤُله.
(قَالَ أبو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيث مُنْكَر) الْمُنْكَرِ حَدِيث مَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ أَو كَثُرَتْ
(١) أخرجه أبو داود (٣٨١٨)، وابن ماجه (٣٣٤١)، والبيهقي (١٩٢١٣).
٢٥٥
كتاب الأطعمة
غَفْلَتُهُ أو ظَهَرَ فِسْقُهُ عَلَى مَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَة)).
قَالَ الطَّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِمَتِهِ وَلِّ، كَيْفِ وَقَدْ
أَخْرِجَ مَخْرَجَ الثَّمَّنِّي، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ أبو دَاوُدَ بِكَوْنِهِ مُنْكَرًا. ذَكَرَهُ الْقَارِي. [عون
(٣٣١/٨)].
٤٢٣٠ [وَعَنْ عَلىَّ﴾ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِوَهِ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ إِلَّا مَطْبُوخًا».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود](١).
٤٢٣١ [وَعَنْ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةَ عَنِ الْبَصَلِ فَقَالَتْ: ((إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ
أَكَلَهُ رَسُولُ اللهِ طَعَامُ فِيهِ بَصَلُّ)). رَوَاهُ أبو داود](٢).
(إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ طَعَامُ فِيهِ بَصَلُّ) أي: مَطْبُوخِ بِشَهَادَةِ
الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِب فِیهِ.
﴿ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُره؛ لِيُعْلِمَ أَنَّ النَّهْي
قَالَ إِبْنِ الْمَلِك: قِيلَ: إِنَّمَا أَكَلَ النَّبِيّ
لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ذَكَرَهُ الْقَارِي.
وَأَحَادِيثِ الْبَابِ تَدُلّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ القُومِ وَالْبَصَلِ مَطْبُوخًا كَانَ أو غَيْرِ مَطْبُوخ
لِمَنْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ، وَكَرَاهَة حُضُورِ الْمَسْجِد وَرِيحُهُ مَوْجُود؛ لِقَلَّا يُؤْذِي بِذَلِكَ مَنْ يَحْضُرُهُ
مِن الْمَلَائِكَة وَبَنِي آدَمَ، وَقَدْ أَلْقَ الْفُقَهَاء بِالُّومِ وَالْبَصَلِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِن الْبُقُول
الْكَرِيهَةِ الرَّائِحَة كَالْفُجْلِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيث في الطَّرَانِيّ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة بْنِ الوليد، وَفِيهِ مَقَال. [عون
(٣٤٣/٨)].
٤٢٣٢ - [وعَنِ ابْنَيْ بُسْرِ السُّلَمِّيَّيْنِ، قَالَا: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَلَ فَقَدَّمْنَا
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٢٨)، والترمذي (١٨٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٣٢٢)، وأبو داود (٣٨٣١).
٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
زُبْدًا وَتَمْرًا، فَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ)). رَوَاهُ أَبو داود] (١).
٤٢٣٣ - [وعن عِكْرَاشَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: أُتِينَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالوذَر
فَخَبَظْتُ بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا، وَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ لَّمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى
عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ)) ثُمَّ أَتِينَا
بِطَبَقٍ فِيهِ أَلوانُ التَّمْرِ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِوَّهِ فِي الطَبَقِ
فَقَالَ: ((يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لونٍ وَاحِدٍ)) ثُمَّ أَتِينَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ
رَسُولُ اللهِوَّه يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: «يَا عِكْرَاشُ،
هَذَا الوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٤٢٣٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الوَعْكُ أَمَرَ
بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ، وَيَسْرُو عَنْ
فُؤَادِ السَّقِيمِ كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الوسَخَ بِلْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ](٣).
٤٢٣٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجُنَّةِ وَفِيهَا
شِفَاءً مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَا ؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ](٤).
(الفصل الثالث)
٤٢٣٦ - [عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ
بِجَنْبٍ فَشْوِيَ، ثمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَخُّ لِي بِهَا مِنْهُ، فَجَاءَ بِلَالْ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَأَلْقَى
الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: ((مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ؟)) قَالَ: وَكَانَ شَارِبِهِ وَفَاء، فَقَالَ لِي: «أَقُصُّهُ عَلَى سِوَاكَ؟
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٣٩)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٩٣٩).
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٤٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٧٦٣)، والترمذي (٢١٧٣)، وابن ماجه (٣٥٧١).
(٤) أخرجه أحمد (٨٦٥٣)، والترمذي (٢٠٦٦)، وابن ماجه (٣٤٥٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١٩)،
والدارمي (٢٨٤٠).
٢٥٧
كتاب الأطعمة
أو قَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] (١).
٤٢٣٧ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى
يَبْدَأَ رَسُولُ اللّهُ بَّهِ فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا
تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَائِيُّ
كَأَنَّمَا يُدْفَعُ فَأَخَذَهَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:(إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ ◌َلَّا يُذْكَرَ
اسْمُ الله عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا
الأَعْرَابِيٌّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا» زَادَ
فِي رِوَايَةِ: (ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ الله وَأَكَلَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
(فَجَاءَتْ جَارِيَةٍ كَأَنَّهَا تَدْفَع.) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((كَأَنَّهَا تَطْرُد)) يَعْنِي: لِشِدَّةِ
سُرْعَتهَا.
فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِد؛ مِنْهَا: جَوَازِ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ إِسْتِحْلَاف، وَتَفْصِيل الْحَال
فِي إِسْتِحْبابه وَگَرَاهَته.
وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَة فِي إِبْتِدَاءِ الطَّعَامِ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، وَكَذَا تُسْتَحَبّ
حَمْد الله تَعَالَى فِي آخِرِه، وَكَذَا تُسْتَحَبّ التَّسْمِية في أول الشَّرَابِ، بَلْ فِي أول كُلّ أَمْرِ ذِي
بال.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَجْهَرِ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لِيُسْمِعِ غَيْرِهِ وَيُنَّبِّههُ عَلَيْهَا، وَلو تَرَكَ
التَّسْمِيَة في أول الطَّعَامِ عَامِدًا أو نَاسِيًّا أو جَاهِلاً أو مُكْرَهًا أو عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرِ، ثُمَّ
تَمَكَّنَ فِي أَثْنَاءِ أَكْله مِنْهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يُسَمِّي وَيَقُول: بِسْمِ الله أوله وَآخِرِه؛ لِقَوْلِهِ ◌ِّ:
((إِذَا أَكَلَ أَحَدِكُمْ فَلْيَذْكُرِ إِسْمِ اللهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُر الله في أوله فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله
أُولِه وَآخِرِه)) رَوَاهُ أُبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِمَا.
(١) أخرجه أحمد (١٨٧٠٤)، والترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (١٦٥)، وأبو داود (١٨٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠١٧)، أحمد (٢٣٢٩٧)، وأبو داود (٣٧٦٦)، والنسائي في (الكبرى)) (١٠١٠٣)،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٨٣٠).
٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَسَن صَحِيحِ، وَالتَّسْمِيَة فِي شُرْبِ الْمَاء وَاللَّبَنِ وَالْعَسَل
وَالْمَرَقِ وَالدَّوَاءِ وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ، كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي كُلّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَحْصُل
الَّسْمِيَة بِقَوْلِهِ: (بِسْمِ الله) فَإِنْ قَالَ: ((بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) كَانَ حَسَنًا، وَسَوَاء فِي
إِسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ الْجُنُبِ وَالْخَائِض وَغَيْرِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّي كُلّ وَاحِدٍ مِن الْآكِلِينَ،
فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ أَصْلِ السُّنَّة، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ ﴾.
وَيُسْتَدَلّ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا يَتَمَكَّن مِن الطَّعَامِ إِذَا لَمْ
يُذْكَرِ إِسْم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودِ يَحْصُل بِوَاحِدٍ، والله أعلم.
(إِنَّ يَدَه فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا) هَكَذَا هو فِي مُعْظَم الْأُصُولِ: ((يَدهَا)) وَفِي بَعْضِهَا:
(يَدِهِمَا)) فَهَذَا ظَاهِرِ، وَالتَّثْنِيَة تَعُود إِلَى الْجَارِيَةِ وَالْأَعْرَابِيّ؛ وَمَعْنَاهُ: إنَّ يَدِي فِي يَد
الشَّيْطَانِ مَعَ يَدِ الْجَارِيَة وَالْأَعْرَابِيّ.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةٍ: ((يَدِهَا)) بِالْإِفْرَادِ فَيَعُودِ الضَّمِيرِ عَلَى الْجَارِيَةِ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي
عِيَاض ﴾﴿ أَنَّ الوجْه التَّثْنِيَةِ، وَالظَّاهِرِ أَنَّ رِوَايَة الْإِفْرَاد أَيْضًا مُسْتَقِيمَةٍ، فَإِنَّ إِثْبَات
يَدِهَا لَا يَنْفِي يَدِ الْأَعْرَابِيّ، وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةِ بِالْإِفْرَادِ وَجَبَ قَبُولَهَا وَتأويلها عَلَى مَا
ذَگرْنَاهُ، والله أعلم.
(إِنَّ الشَّيْطَانِ يَسْتَحِلّ الطَّعَامِ أَلَّا يُذْكَر إِسْم الله تَعَالَى عَلَيْهِ) مَعْنَى: (يَسْتَحِلّ)
يَتَمَكَّن مِنْ أَكْله؛ وَمَعْنَاهُ: إنَّهُ يَتَمَكَّن مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ إِذَا شَرَعَ فِيهِ إِنْسَانِ بِغَيْرِ
ذِكْر الله تَعَالَى، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْرَعِ فِيهِ أَحَدٍ فَلَا يَتَمَكَّنِ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةٍ فَذَكَرَ
إِسْم الله بَعْضهمْ دُون بَعْض لَمْ يَتَمَكَّن مِنْهُ، ثُمَّ الصَّوَابِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ
مِنِ السَّلَف وَالْخُلَف مِن الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكُلِّمِينَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَشَبَهه مِن
الْأَحَادِيث الوارِدَة فِي أَكْلِ الشَّيْطَانِ مَحْمُولَة عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَأَنَّ الشَّيْطَانِ يَأْكُل حَقِيقَةِ؛
إِذِ الْعَقْلِ لَا يُحِيلُهُ، وَالشَّرْعَ لَمْ يُنْكِرِهُ، بَلْ أَثْبَتِه فَوَجَبَ قَبُوله وَاعْتِقَاده، والله أعلم.
قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَة وَقَدَّمَ مَجِيءُ الْأَعْرَابِيّ قَبْلِ الْجَارِيَة عَكْس الرِّوَايَة الْأُولِ،
وَالثَّالِئَةِ كَالْأُولِى، وَوَجْهُ الْجُمْعِ بَيْنِهِمَا أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ: ((قَدَّمَ مَجِيء الْأُعْرَابِيّ»
٢٥٩
كتاب الأطعمة
أَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي اللَّفْظ بِغَيْرِ حَرْفِ تَرْتِيب، فَذَكَرَهُ بِالواو فَقَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيّ وَجَاءَتْ
جَارِيَةٍ)) وَالواو لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأَولِى فَصَرِيحَة فِي التَّرْتِيبِ وَتَقْدِيم
الْجَارِيَة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ((ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيّ)) وَ((ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ، فَيَتَعَيَّن حَمْلِ الثَّانِيَة عَلَى الْأولى،
وَيَبْعُد حَمْله عَلَى وَاقِعَتَيْنِ. [النووي (٥٣/٧)].
٤٢٣٨ [وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ أُرَادَ أَنْ يَشْتَرِي غُلامًا فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيهِ
تَمْرًا، فَأْكَلَ الغُلامُ فَأَكْثَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ كَثْرَةَ الأَكْلِ شُؤْمٌ)) وَأَمَر بِرَدِّهِ. رَوَاهُ
الْبَيْهَِيُّ في (شُعَبِ الإِيمانِ))](١).
٤٢٣٩ - [وَعَنْ أَنّسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ).
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٢).
(سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ) لأن به صلاح الأطعمة وطيبها، والآدمي لا يمكنه أن
يقوم بالحلاوة، فجعل الله له الملح مزاجًا للأشياء؛ لينتظم حاله لكون غالب الإدام إنما
يصلح به وسيد الشيء هو الذي يصلحه ويقوم عليه، وأخذ منه الغزالي: إن من آداب
الأكل أن يبدأ ويختم به.
٤٢٤٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ،
فَإِنَّهُ أَرْوَحُ لِأَقْدَامِكُمْ)](٣).
٤٢٤١ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِتَرِيدٍ أَمَرَتْ بِهِ فَغُّي
حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ، وَتَقُولُ: إِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((هو أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ».
رَوَاهُمَا الدَّارَميُّ](٤).
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٦٦١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣١٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان)) (٥٩٥١)، وأبو يعلى (٣٧١٤)، والقضاعي
(١٣٢٧)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٨٥٤).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٢٠٢)، وأبو يعلى (٤١٨٨)، والحاكم (٧١٢٩) وقال: صحيح
الإسناد. والدارمي (٢١٣٣)، والديلمي (١٠٦٧).
(٤) أخرجه أحمد (٢٧٧١٧)، والدارمي (٢٠٩٩)، والبيهقي (١٥٠٢٥).
٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(فَغِطِّي حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ) لأن الحار لا بركة فيه كما جاء مصرحًا به في
عدة أخبار، والفور: الغليان، يقال: فارت القدر فورًا وفورانًا: غلت، والدخان بضم
الدال والتخفيف معروف.
٤٢٤٢ - [وَعَنْ نُبَيْشَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَسَهَا
تَقُولُ لَهُ القَصْعَةُ: أَعْتَقَكَ اللهُ مِن النَّارِ كَمَا أُعْتَقْتَنِي مِن الشَّيْطَانِ». رَوَاهُ رَزِین].
(مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَسَهَا تَقُولُ لَهُ القَصْعَةُ) ((ثم)) للتراخي في المرتبة؛ أي:
لحسها أكمل من مجرد الأكل منها، ولذا عقبه بقوله: (تقول القصعة)) بلسان الحال،
والأظهر أنه بلسان القال (أعْتَقَكَ اللهُ مِن النَّارِ كَمَا أُعْتَقْتَنِي مِنِ الشَّيْطَانِ) أي: من
أکله أو فرحه.