Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الجهاد/ باب قسمة الغنائم والغلول فيها
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا)).
وَيُؤَيِّدُ الإِحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّهَا مَأْمُورَةً
وَإِنِّي مَأْمُورٌّ، فَاحْبِسْهَا عَلَيَّ حَتَّى تَقْضِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَحَبَسَهَا الله عَلَيْهِ)).
(اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: ((اللَّهُمَّ إِحْبِسْهَا عَلَّ شَيْئًا)) وهو مَنْصُوبُ
نَصْبَ الْمَصْدَرِ؛ أي: قَدْرَ مَا تَنْقَضِي حَاجَتُنَا مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ.
قَالَ عِيَاضُ: أُخْتُلِفَ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ هُنَا، فَقِيلَ: رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ:
وُقِفَتْ، وَقِيلَ: بُطِّئَتْ حَرَكَتُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلُ، وَالثَّالِثُ أَرْجَعُ عِنْدَ إِبْنٍ بَظَّالٍ وَغَيْرِهِ.
وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ هَارُونَ بْنِ يُوسُفَ الرَّمَادِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَابِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ،
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهَارُ فِي غَايَةِ الظُّولِ (فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي
يَعْلَى: ((فَوَاقَعَ الْقَوْمَ فَظَفِرَ».
(فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ؛ يَعْنِي: النَّارَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ:
((فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ)) زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ((وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا
غَنِيمَةً بَعَثَ الله عَلَيْهَا النَّارَ فَتَأْكُلُهَا)) (فَلَمْ تَطْعَمْهَا) أي: لَمْ تَذُقْ لَهَا طَعْمًا، وهو
بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ (فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلولاً) هو السَّرِقَةُ مِنِ الْغَنِيمَةِ (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ
قَبِيلَةٍ رَجُلُّ فَلَزِقَتْ) فِيهِ حَذْفُّ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ؛ أي: فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ.
(فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي يَعْلَى: ((فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ أو رَجُلَیْنِ) وَفِي
رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ((رَجُلَانِ)) بِالْجُزْمِ.
قَالَ إِبْنُ الْمُنِيرِ: جَعَلَ الله عَلَامَةَ الْغُولِ إِلْزَاقَ يَدِ الْغَالِّ، وَفِيهِ تَنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا يَدُّ
عَلَيْهَا حَقُّ يُظْلَبُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ، أو أَنَّهَا يَدْ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَيُحْبَسَ صَاحِبُهَا
حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى الْإِمَامِ، وهو مِنْ جِئْسِ شَهَادَةِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(فِيكُمْ الْغُلولُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ((فَقَالَا: أَجَلْ غَلَلْنَا)) (فَجَاؤُوا
بِرَأْسِ مِثْلٍ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِن الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللّه لََّا

١٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْغَنَائِمَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: ((فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ اللّه أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً
رُجِمْنَاهَا وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا)).
(رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) فِي رِوَايَةٍ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: (لَمَّا رَأَى مِنْ
ضَعْفِنَا)) وَفِيهِ إِشْعَارَ بِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَجْزِ بَيْنَ يَدَي الله تَعَالَى يَسْتَوْجِبُ ثُبُوتَ الْفَضْلِ، وَفِيهِ
إِخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلِّ الْغَنِيمَةِ، وَكَانَ اِبْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيًِّا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَأَحَلَّ الله لَهُم الْغَنِيمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي
الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثٍ إِبْنِ عَبَّاسِ، وَإِنَّ أول غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِّيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا
عَبْدُ الله بْنُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وَيُمْكِنُ الْجُمْحُ بِمَا ذَكَرَ إِبْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ لَه
أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْهَلَعِ وَمَحَبَّةٍ
الْبَقَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ إِمْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أو دَخَلَ بِهَا، وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ،
فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا، وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ السَّبِيلَ إِلَى شَغْلِ قَلْبِهِ عَمَّا هو عَلَيْهِ مِن
الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وهو كُمَا قَالَ لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَى
إِلْحَاقِهِ بِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَظُلْ بِمَا قَبْلَهُ، وَبَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَا
وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِن الزِّيَادَةِ: ((أوله حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ».
وَفِيهِ: إِنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ إِلَّ لِجَازِمٍ فَارِعُ الْبَالِ لَهَاء ◌ِأَنَّ مَنْ لَهُ تَعَلُّقُ رُبَّمَا
ضَعُفَتْ عَزِيمَتُهُ وَقَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِي الطَّاعَةِ، وَالْقَلْبُ إِذَا تَفَرَّقَ ضَعُفَ فِعْلُ الْجَوَارِجِ، وَإِذَا اِجْتَمَعَ
قوي.
وَفِيهِ: إِنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا يَغْزُونَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ أَعْدَائِهِمْ وَأَسْلَابَهُمْ، لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُونَ
فِيهَا بَلْ يَجْمَعُونَهَا، وَعَلَامَةُ قَبُولِ غَزْوِهِمْ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ النَّارُ مِن السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا، وَعَلَامَةُ عَدَمِ
قَبُولِهِ أَلَا تَنْزِلَ، وَمِنْ أَسْبَابٍ عَدَمِ الْقَبُولِ أَنْ يَقَعَ فِيهِمْ الْغُلولُ، وَقَدْ مَنَّ اللّه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَرَحِمَهَا
لِشَرَفِ نَبِيِّهَا عِنْدَهُ فَأَحَلَّ لَهُم الْغَنِيمَةَ، وَسَتَرَ عَلَيْهِمْ الْغُلولَ، فَطَوَى عَنْهُمْ فَضِيحَةَ أَمْرِ عَدَمِ الْقَبُولِ،
فَللهِ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ تَتْرَى وَدَخَلَ فِي عُمُومٍ أَكْلِ النَّارِ الْغَنِيمَةُ وَالسَّبيُّ.

١٤٣
كتاب الجهاد/ باب قسمة الغنائم والغلول فيها
وَفِيهِ بُعْدُّ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ إِهْلَاكُ الذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنِ النِّسَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ
يُسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ، وَيَلْزَمْ إِسْتِثْنَاؤُهُمْ مِنْ تَخْرِيمِ الْغَنَائِمِ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ
عَبِيدٌ وَإِمَاءُ فَلو لَمْ يَجُزْ لَهُم السَّبِيُّ لَمَا كَانَ لَهُمْ أَرِقَّاءُ، وَيَشْكُلُ عَلَى الْحَصْرِ أَنَّهُ كَانَ السَّارِقُ
يَسْتَرِقُ كَمَا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، وَلَمْ أَرَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ.
وَفِيهِ: مُعَاقَبَةُ الْجَمَاعَةِ بِفِعْلِ سُفَهَائِهَا.
وَفِيهِ: إِنَّ أَحْكَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْبَاطِنِ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ،
وَقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ كَمَا فِي حَدِيثِ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ... )).
وَاسْتَدَلَّ بِهِ إِبْنُ بَطَّالٍ عَلَى جَوَازِ إِحْرَاقِ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي تِلْكَ
الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ نُسِخَ بِحِلِّ الْغَنَائِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ
اِسْتَنْبَطَ مِنْ إِحْرَاقِ الْغَنِيمَةِ بِأَكْلِ النَّارِ جَوَازَ إِحْرَاقِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ السَّبِيلُ إِلَى
أَخْذِهَا غَنِيمَةً، وهو ظَاهِرً؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَمْ يَرِدِ التَّصْرِيحُ بِنَسْخِهِ، فهو مُخْتَمَلُ عَلَى أَنَّ شَرْعَ
مَنْ قَبْلَنَا شَرْعُ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخُهُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِتَالَ آخِرِ النَّهَارِ أَفْضَلُ مِنْ أوله، وَفِيهِ نَظَرَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي هَذِهِ
الْقِصَّةِ إِنَّمَا وَقَعَ إِنَّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ، نَعَمْ فِي قِصَّةِ التَّعْمَانِ بْنِ مُقْرِنٍ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي قِتَالِ
الْفُرْسِ التَّصْرِيحُ بِاسْتِحْبَابِ الْقِتَالِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَتَهُبُّ الرِّيَاحُ، فَالإِسْتِدْلَالُ بِهِ يُغْنِي
عَنْ هَذَا. [الفتح (٣٨٢/٩)].
٤٠٣٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: حدَّثْنِي عُمَرُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبِرَ أَقْبَلَ نَفَرُّ مِنْ
صَحَابَةِ النّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالُوا: (فُلَانُّ شَهِيدٌ وَفُلَانْ شَهِيد)) حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا:(فُلَانُّ شَهِيدٌ))
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (كَلَّا إِنِّ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَو عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌َالآن: ((يَا
ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادٍ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ)) ثَلاثًا. قَالَ فَخَرَجْتُ
فَنَادَيْتُ: (أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ)) ثَلاثً. رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
(١) أخرجه مسلم (١١٤)، وأحمد (٢٠٣)، والدارمي (٢٤٨٩)، وابن حبان (٤٨٤٩)، والبزار (١٩٨)، وأبو
عوانة (١٣٧).

(باب الجزية)
(الفصل الأول)
٤٠٣٥ - [عَنْ تَجَالَة قَالَ: كُنْتُ كَائِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي تَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَكُنْ
عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ
أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١)، وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ: ((إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى
جَيْشِ)) فِي بَابِ ((الكِتَابِ إِلَى الگُفَّارِ)].
(َجَالَة) هو بِفَتْحِ الْمُوَحَّدة والجيم الخفيفة: تاپعي شهیر کبیر تَمِيمِي بَصْرِيّ، وهو
إِبْن عَبَدَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة، وَيُقَالِ فِيهِ: ((عَبْد)) بِالسُّكُونِ بِلَا هَاء.
(كُنْت كَائِبًا لِجَزْءِ) بِفَتْحِ الْحِيم وَسُكُون الزَّاي بَعْدهَا هَمْزَة هَكَذَا يَقُولُهُ
الْمُحَدِّثُونَ، وَضَبَطَهُ أَهْلِ النَّسَبِ بِكَسْرِ الزَّاي بَعْدِهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَةٍ ثُمَّ هَمْزَة، وَمَنْ
قَالَّهُ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ فَقَدْ صَحَّفَ، وهو إِبْن مُعَاوِيَة بْنُ حِصْنِ بْن عُبَادَةَ التَّمِيمِيّ
السَّعْدِيّ، عَمّ الْأَحْنَف بْن قَيْس، وهو مَعْدُود فِي الصَّحَابَةِ، وَكَانَ عَامِل عُمَر عَلَى
الأهواز.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيّ: ((إِنَّهُ كَانَ عَلَى تَنَادُرَ)) قُلْت: هِيَ مِنْ قُرَى الأَهواز.
وَذَكَرَ الْبَلَاذِرِيُّ أَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَة، وَوَلِيَ لِزِيَادِ بَعْض عَمَله.
(قَبْل مَوْتِه بِسَنَةٍ) كَانَ ذَلِكَ سَنَة إِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ عُمَر قُتِلَ سَنَة ثَلَاث
(فَرَّقُوا بَيْنِ كُلّ ذِي ◌َخْرَمُ مِن الْمَجُوس) زَادَ مُسَدَّد وَأبو يَعْلَى فِي رِوَايَتِهِمَا: «أُقْتُلُوا كُلّ
سَاحِرِ، قَالَ: فَقَتَلْنَا فِي يَوْمِ ثَلَاث سَوَاحِر، وَفَرَّقْنَا بَيْنِ الْمَحَارِمِ مِنْهُمْ، وَصَنَعَ طَعَامًا
فَدَعَاهُمْ وَعَرَضَ السَّيْفِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَة)).
(١) أخرجه البخاري (٣١٥٦).
١٤٤

١٤٥
كتاب الجهاد / باب الجزية
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ عُمَر بِالنَّفْرِقَةِ بَيْنِ الْمَحَارِمِ مِن الْمَجُوسِ مَنْعِهِمْ مِنْ إِظْهَار
ذَلِكَ وَإِفْشَاء عُقُودِهِمْ بِهِ، وهو كَمَا شَرَطَ عَلَى النَّصَارَى أَلَا يُظْهِرُوا صَلِيبَهُمْ.
قُلْت: قَدْ رَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ وَجْه آخَرِ عَنْ تَجَالَةَ مَا يُبَيِّن سَبَب ذَلِكَ،
وَلَفْظِهِ: ((إِنْ فَرَّقُوا بَيْن الْمَجُوسِ وَبَيْنِ مَحَارِمِهِمْ كَيْمَا نُلْحِقْهُمْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ)) فَهَذَا يَدُلّ
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْد عُمَر شَرْط فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَأَمَّ الْأَمْرِ بِقَتْلِ السَّاحِر فهو مِنْ
مَسَائِل الْخِلَافِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُورِ الْمَذْكُورَةِ مِن الزِّيَادَةِ: ((وَاقْتُلُوا كُلّ
ساچِر وَگاهِن».
(وَلَمْ يَكُنْ عُمَرٍ أَخَذَ الْجِزْيَةِ مِن الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ) قُلْت: إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ كِتَابِ عُمَر فهو
مُتَّصِل، وَتَكُون فِيهِ رِوَايَة عُمَر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، وَبِذَلِكَ وَقَعَ التَّصْرِيحِ فِي
رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَلَفْظِه: ((فَجَاءَنَا كِتَابِ عُمَر: أُنْظُرْ حَجُوس مَنْ قَبْلك فَخُذْ مِنْهُم الْجِزْيَة،
فَإِنَّ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي ... )) فَذَكَرَهُ، لَكِنَّ أَصْحَابِ الْأَظْرَافِ ذَكَرُوا هَذَا
الْحَدِيثِ فِي تَرْجَمَة تَجَالَة بْن عَبَدَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف، وَلَيْسَ نجِيِّدٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ قُشَيْرِ بْنِ عَمْرُو عَنْ تَجَلَةٍ عَنِ إِبْنِ عَبَّاس قَالَ:
((جَاءَ رَجُل مِنْ تَجُوس ◌َهَجَرَ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْت لَهُ: مَا قَضَى الله وَرَسُولُه
فِيكُمْ؟ قَالَ: شَرّ، الْإِسْلَامِ أَو الْقَتْلِ، قَالَ: وَقَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْف: قَبِلَ مِنْهُم
الْجِزْيَة، قَالَ اِبْن عَبَّاس: فَأَخَذَ النَّاسِ بِقَوْلِ عَبْد الرَّحْمَنِ وَتَرَكُوا مَا سَمِعْت)) وَعَلَى هَذَا
فَبَجَالَةُ يَرْوِيِه عَن إِبْن عَبَّاس سَمَاعًا، وَعَنْ عُمَر كِتَابَةِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْف.
وَرَوَى أبو عُبَيْدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ حُذَيْفَة: ((لولًا أَنِّي رَأَيْت أَصْحَابِي أَخَذُوا
الْجِزْيَة مِن الْمَجُوسِ مَا أَخَذْتَهَا)).
وَفِي ((الْمُوَظَّأ)) عَنْ جَعْفَر بْن ◌ُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ: ((إنَّ عُمَر قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَصْنَع
بِالْمَجُوسِ؟ فَقَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتِ رَسُول اللّهِ وَ ◌ّهِ يَقُول: سُنُّوا بِهِمْ

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)) وَهَذَا مُنْقَطِعْ مَعَ ثِقَةِ رِجَاله.
وَرَوَاهُ إِبْنِ الْمُنْذِرِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي ((الْغَرَائِب)) مِنْ طَرِيقٍ أَبِي عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ مَالِك
فَزَادَ فِيهِ: ((عَنْ جَدّه)) وهو مُنْقَطِعٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ جَدّه عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لَمْ يَلْحَق
عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ وَلَا عُمَرِ، فَإِنْ كَانَ الضَّمِير فِي قَوْله: ((عَنْ جَدّه)) يَعُود عَلَى
مُحَمَّد بْن عَليّ فَيَكُون مُتَّصِلاً؛ لِأَنَّ جَدّه الْحُسَيْنِ بْن عَلِيّ سَمِعَ مِنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّاب
وَمِنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث مُسْلِمٍ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَبِيّ
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِرِ حَدِيث بِلَفْظِ: ((سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةٍ أَهْلِ الْكِتَابِ)) قَالَ أَبو
عُمَر: هَذَا مِنِ الْكَلَامِ الْعَامّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادِ سُنَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذ
الجِزْيَة فَقَطْ.
قُلْت: وَقَعَ فِي آخِرِ رِوَايَة أَبِي عَلِّ الْحَنَفِيّ: ((قَالَ مَالِكِ فِي الْجِزْيَة: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ:
(سُنَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ)) عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلِ كِتَابِ، لَكِنْ رَوَى الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّزَّاق
وَغَيْرِهِمَا بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَليّ: «كَانَ الْمَجُوسِ أَهْلِ كِتَاب يَقْرَؤُونَهُ وَعِلْم يَدْرُسُونَهُ،
فَشَرِبَ أَمِيرهم الْخُمْرِ فَوَقَعَ عَلَى أُخْته، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا أَهْلِ الطَّمَعِ فَأَعْطَاهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ
آدَم كَانَ يُنْكِحِ أولاده بَنَاته، فَأَطَاعُوهُ وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ، فَأَسْرَى عَلَى كِتَابِهِمْ وَعَلَى مَا فِي
قُلوبِهِمْ مِنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدهمْ مِنْهُ شَيْءٍ)).
وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْبُرُوجِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ اِبْنِ أَبْزَى: ((لَمَّا
هَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلِ فَارِسِ قَالَ عُمَر: اِجْتَمِعُوا، فَقَالَ: إِنَّ الْمَجُوسِ لَيْسُوا أَهْلِ كِتَاب
فَنَضَعْ عَلَيْهِمْ، وَلَا مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَانِ فَنُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٍّ: بَلْ هُمْ أَهْلِ
كِتَاب)) فَذَكَرَ نحوه، لَكِنْ قَالَ: ((وَقَعَ عَلَى إِبْنَته)) وَقَالَ فِي آخِرِهِ: (فَوَضَعَ الْأُخْدُودِ لِمَنْ
خَالَفَهُ)) فَهَذَا حُجَّةٍ لِمَنْ قَالَ: كَانَ لَهُمْ كِتَاب.
وَأَمَّا قَوْل اِبْنِ بَظَال: لو كَانَ لَهُمْ كِتَابِ وَرُفِعَ لَرُفِعَ حُكْمِهِ، وَلَّمَّا إِسْتَثْنَى حِلّ
ذَبَائِهِمْ وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَالْجَوَابِ: إِنَّ الإِسْتِثْنَاءِ وَقَعَ تَبَعًا لِلْأَثَرِ الوارِدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي
ذَلِكَ شُبْهَة تَقْتَضِي حَقْنِ الدَّم، بِخِلَافِ النَّكَاحِ فَإِنَّهُ مِمَّا يُحْتَاط لَهُ.

١٤٧
كتاب الجهاد/ باب الجزية
وَقَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر: لَيْسَ تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِهِمْ مُتَّفَقًّا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْأَكْثَرِ مِنْ
أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيث: قَبُول خَبَرِ الواحِد، وَأَنَّ الصَّحَابِيّ الْجَلِيلِ قَدْ يَغِيب عَنْهُ عِلْم مَا
إِطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرِهِ مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَأَحْكَامِه، وَأَنَّهُ لَا نَقْص عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهِ: التَّمَسُّك بِالْمَفهومِ؛ لِأَنَّ عُمَر فَهِمَ مِنْ قَوْله: ((أَهْلِ الْكِتَابِ)) إِخْتِصَاصهمْ
بِذَلِكَ حَتَّى حَدَّثَهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِإِلْحَاقِ الْمَجُوسِ بِهِمْ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. [الفتح
(٤٢٥/٩)].
(الفصل الثاني)
٤٠٣٦ - [عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ الله لَمَّ وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ
حَالِمِ - يَعْنِيٍ: مُخْتَلِمِ - دِينَارًا أو عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِي: ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ. رَوَاهُ أبو
(١)
داود] (١).
٤٠٣٧ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضِ
وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جِزْيَةٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود](٢).
٤٠٣٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: بَعَثَ رسول الله وَلَ خالد بن الوليد إِلَى أَكَيْدِرٍ دُومَةَ
فَأُخِذَ فَأَتَوْا بِهِ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٤٠٣٩. [وَعَنْ حَرْبٍ بْنِ عُبَيْدِ الله عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ
قَالَ: ((إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ عُشُورٌ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو
داود] (٤).
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٤٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٧٦) والترمذي (٦٣٣) وأبو داود (٣٠٥٣) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٢/٩)
والضياء (٥١٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٣٩).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٩٣٦)، وأبو داود (٣٠٤٨)، والبيهقي (١٨٤٨٦).

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيد عُشُورِ التِّجَارَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ دُون عُشُورِ الصَّدَقَاتِ، وَالَّذِي
يَلْزَمِ الْتَهُودِ وَالنَّصَارَى مِن الْعُشُورِ هو مَا صُولِجُوا عَلَيْهِ وَقْتِ الْعَقْد، وَإِنْ لَمْ يُصَالِحُوا
عَلَيْهِ فَلَا عُشُورٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٍ أَكْثَر مِن الْجِزْيَةِ، فَأَمَّا عُشُورِ غَلَّات أَرْضهمْ
فَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا، وَهَذَا كُلّه عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ.
وَقَالَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: إِنْ أَخَذُوا مِنَّ الْعُشُورِ فِي بِلَادِهِمْ إِذَا اِخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ
إِلَيْهِمْ فِي التَّجَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا. إِنْتَهَى.
وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ: ((خَرَاج)) مَكَان ((الْعُشُور)) أي: قَالَ: إِنَّمَا
الْخَرَاجِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَرَاج.
قَالَ إِبْنِ الْقَيِّم: وَقَالَ عَبْد الْحَقِّ: فِي إِسْنَاده اِخْتِلَاف، وَلَا أَعْلَمَهُ مِنْ طَرِيقِ يُحْتَجّ
بِهِ.
-٤٠٤ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ فَلَا هُمْ
يُضَيِّفُونَا وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله
وَّ: (إِنْ أبوا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
(الفصل الثالث)
٤٠٤١ - [عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ
أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الورِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًّا، مَعَ ذَلِكَ أَزْزَاقُ المُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةٍ
أَيَّامٍ . رَوَاهُ مَالِكٌ](٢).
(١) أخرجه الترمذي (١٥٨٩).
(٢) أخرجه مالك (٦١٧)، والبيهقي (١٨٤٦٦).

(باب الصلح)
(الفصل الأول)
٤٠٤٢ - [عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ نَّهِ عَامَ
الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَتَّى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ،
وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، خَلَّتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَّتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَا خَلَّتِ
الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ)) ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَا يَسْأَلُوِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)) ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ،
فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ
يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ
ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ تَجْعَلوه فِيهِ، فَوَالله مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ
كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ
وَسَاقَ الحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((اكْتُبْ: هَذَا مَا
قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدْ رَسُولُ الله)) فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَالله لو كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا
صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ُِّ
(وَاللّه إِنَّ لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله)) فَقَالَ سُهَيْلَّ: وَعَلَى أَلَّا
يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلْ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ
رَسُولُ اللهِوَل﴿ لَأَصْحَابِهِ: (قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا)) ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ... ﴾ [الممتحنة:١٠]
فَنَهَاهُم اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُوهنَّ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُوا الصَّدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ
أبو بَصِير - رَجُلُّ مِنْ قُرَيْشٍ - وهو مُسْلِمْ، فَأَرْسَلوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنٍ، فَدَفَعَهُ إِلَى
الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أبو بَصِيرٍ
- ١٤٩ -

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِّ لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ،
فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَنَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ:
(َقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) فَقَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِّ لَمَقْتُولُ. فَجَاءَ أبو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَ﴿: ((وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لو كَانَ لَهُ أَحَدَّ)) فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ،
فَخَرَجَ حَقَى أَنَى سِيفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَانْفَلَتَ أبو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأِي بَصِيٍ،
فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشِ رَجُلُ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ
عِصَابَةٌ، فَوَالله مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشِ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّ اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ
وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َه تُنَاشِدُهُ اللّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِم، فَمَنْ
أَتَاهُ فهو آمِنْ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيْهِمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١). [الفتح (٢٣٨/٨)].
(عَنِ الْمِسْوَرِ بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان) أي: إِبْنِ الْحُكَم (قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌ََّ) هَذِهِ
الرِّوَايَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَرْوَان مُرْسَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا صُحْبَةٍ لَهُ، وَأَمَّا الْمِسْوَرِ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
أَيْضًا مُرْسَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّة، وَقَدْ سَمِعَ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَان مِنْ جَمَاعَة مِن الصَّحَابَةِ
شَهِدُوا هَذِهِ الْقِصَّةِ كَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِّ وَالْمُغِيرَة وَأَمّ سَلَمَة وَسَهْل بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرهمْ،
وَوَقَعَ فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٍ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَر.
وَقَدْ رَوَى أبو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَلَمْ يَذْكُر الْمِسْوَرِ وَلَا مَرْوَان
لَكِنْ أَرْسَلَهَا، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي ((مَغَازِي عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبَيْر)) أَخْرَجَهَا إِبْنِ عَائِدْ فِي ((الْمَغَازِي))
لَهُ بِطُولِهَا، وَأَخْرَجَهَا الْحَاكِم فِي ((الْإِكْلِيل)) مِنْ طَرِيقٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَة أَيْضًا
مُقَطَّعَة.
(عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ) الْحُدَيْبِيَةِ: هِيَ بِثْرِ سُمِّيَ الْمَكَان
بِهَا، وَقِيلَ: شَجَرَة حَدْبَاءِ صُغّرَتْ، وَسُمِّيَ الْمَكَانِ بِهَا.
قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ: الْحَدَيْبِيَةِ: قَرْبَة قَرِيبَة مِنْ مَكَّةٌ أَكْثَرِهَا فِي الْحَرَم.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ◌ِبْنِ إِسْحَاقٍ فِي ((الْمَغَازِي)) عَنِ الزُّهْرِيِّ: ((خَرَجَ عَام الْحُدَيْبِيَة يُرِيد
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).

١٥١
كتاب الجهاد/ باب الصلح
زِيَارَة الْبَيْت لَا يُرِيد قِتَالاً».
وَوَقَعَ عِنْدِ إِبْنِ سَعْد: ((إِنَّهُ بَّهِ خَرَجَ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ لِهِلَالِ ذِي الْقِعْدَة)» زَادَ سُفْيَان
عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي ((الْمَغَازِي) وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَحْمَد عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق: (فِي
بِضْع عَشْرَة مِائَةٍ، فَلَمَّا أَنَّى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْي وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَبَعَثَ
عَيْنَا لَهُ مِنْ خُزَاعَةِ)).
وَرَوَى عَبْد الْعَزِيزِ الْإِمَامِيّ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ:
((خَرَجَ ﴿ فِي أَلْف وَثَمَانِمِائَةٍ، وَبَعَثَ عَيْنَا لَهُ مِنْ خُزَاعَةِ يُدْعَى: نَاجِيَة يَأْتِيه ◌ِخْبَرِ
قُرَيْش)) كَذَا سَمَّاهُ نَاجِيَةٍ، وَالْمَعْرُوفِ أَنَّ نَاجِيَة ◌ِسْمِ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ الْهَدْي كَمَا صَرَّحَ
بِهِ إِبْن إِسْحَاق وَغَيْرهِ، وَأَمَّا الَّذِي بَعَثَهُ عَيْنَا لِخِبَرٍ قُرَيْشِ فَاسْمِهِ: بُسْرِ بْنِ سُفْيَان كَذَا
سَمَّاهُ إِبْنِ إِسْحَاق، وهو بِضَمِّ الْمُوَخَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة عَلَى الصَّحِيح.
(فَلَمَّا أَّى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَلََّ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ) قال البدر
العيني [٢٢٨/١٥]: حيث إنه أحرم بعد تقليده هديه وإشعاره.
(وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا) فِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاقٍ: «فَقَالَ
وَلَ: مَنْ يُخْرِجَنَا عَلَى طَرِيق غَيْرِ طَرِيقهم الَّتِي هُمْ بِهَا؟ قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْد الله بْن أَبِي
بَكْرِ بْن حَزْمٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: أَنَا يَا رَسُول الله، فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا
فَأُخْرِجُوا مِنْهَا بَعْد أَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وَأَفْضَوْا إِلَى أَرْضِ سَهْلَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ: اِسْتَغْفِرُوا الله،
فَفَعَلوا. فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لِلْحِظَّةِ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَامْتَنَعُوا)).
قَالَ إِبْن إِسْحَاق عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثه: فَقَالَ: أُسْلُكُوا ذَاتِ الْيَمِينِ بَيْنِ ظَهْرَي
الْحَمْض فِي طَرِيق تُخْرِجِهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمِرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَة)). انتهى.
وَثَنِيَّةِ الْمِرَارِ بِكَسْرِ الْمِيمَ وَتَخْفِيف الرَّاء؛ هِيَ طَرِيق فِي الْجَبَلِ تُشْرِفِ عَلَى
الحدَيْبِيَة.
وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ الشَّارِحِ أَنَّهَا الَّنِيَّةِ الَّتِي أَسْفَل مَكَّة، وهو وَهْم، وَسُمَِّ إِبْن سَعْد
الَّذِي سَلَكَ بِهِمْ حَمْزَة بْن عَمْرو الْأَسْلَمِي.

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ فَقَالَ: (مَنْ رَجُل يَأْخُذ بِنَا عَنْ يَمِينِ الْمَحَجَّة نحو
سَيْف الْبَحْرِ لَعَلَّنَا نَظْوِي مُسَلَّحَة الْقَوْمِ، وَذَلِكَ مِن اللَّيْلِ، فَنَزَلَ رَجُل عَنْ دَابَّته)) فَذَكَرَ
الْقِصَّة.
(بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون اللَّام: كَلِمَة
تُقَال لِلنَّاقَةِ إِذَا تَرَگت السَّيْر.
وَقَالَ الْخَطَائِيُّ: إِنْ قُلْت: ((حَلْ)) وَاحِدَة فَالسُّكُونِ، وَإِنْ أَعَدْتَهَا نَوَّنْت فِي الْأولى
وَسَكَّنْت فِي الثَّانِيَةِ، وَحَكَى غَيْرِهِ السُّكُون فِيهِمَا وَالتَّنْوِين كَنَظِيرِهِ فِي: ((بَخْ بَخْ)) يُقَال:
حَلْحَلْتِ فُلَانًا إِذَا أَزْعَجْتَه عَنْ مَوْضِعه.
(خَلاَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَّتِ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَا خَلَأَّتِ الْقَصْوَاءُ) الْخُلَاءِ
بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمَدّ لِلْإِبِلِ كَالْحِرَانِ لِلْخَيْلِ.
وَقَالَ إِبْنِ قُتَيْبَةِ: لَا يَكُونِ الْخُلَاءِ إِلَّا لِلنُّوقِ خَاصَّة.
وَقَالَ إِبْنِ فَارِسِ: لَا يُقَال لِلْجَمَلِ: ((خَلََّ) لَكِنْ أَلَحَّ.
وَالْقَصْوَاءِ بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٍ وَمَدّ: اِسْمِ نَاقَة رَسُول الله وَِّ، وَقِيلَ: كَانَ
طَرَف أُذُنَهَا مَقْطُوعًا، وَالْقَصْو قَطْعِ طَرَفِ الْأُذُن، يُقَال: بَعِير أَقْصَى وَنَاقَةٍ قُصْوَى، وَكَانَ
الْقِيَاسِ أَنْ يَكُون بِالْقَصْرِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْض نُسَخْ أَبِي ذَرّ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهَا
كَانَتْ لَا تُسْبَق فَقِيلَ لَهَا: الْقَصْوَاءِ؛ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مِنِ السَّبْقِ أَقْصَاهُ.
(وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) أي: بِعَادَةٍ، قَالَ إِبْنِ بَظَّالِ وَغَيْره: فِي هَذَا الْفَصْلِ جَوَاز
الإِسْتِتَار عَنْ طَلَائِعِ الْمُشْرِكِينَ وَمُفَاجَأَتهمْ بِالْجَيْشِ طَلَبًا لِغِرَّتِهِمْ، وَجَوَاز السَّفَر وَحْده
لِلْحَاجَةِ، وَجَوَازِ الشَّنْكِيبِ عَنِ الطَّرِيقِ السَّهْلَة إِلَى الوعِرَة لِلْمَصْلَحَةِ، وَجَوَازِ الْحُكْم
عَلَى الشَّيْءٍ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَظْرَأْ عَلَيْهِ غَيْرِهِ، فَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْص
هَفْوَة لَا يُعْهَد مِنْهُ مِثْلَهَا لَا يُنْسَبِ إِلَيْهَا، وَيُرَدّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا، وَمَعْذِرَة مَنْ نَسَبَهُ
إِلَيْهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِف صُورَة حَاله؛ لِأَنَّ خَلَاءِ الْقَصْوَاءِ لولَا خَارِقِ الْعَادَةِ لَكَانَ مَا ظَنَّهُ
الصَّحَابَةِ صَحِيحًا، وَلَمْ يُعَاتِبُهُم النَّبِيّ ◌ََّ عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ فِي ظَنّهِمْ.

١٥٣
كتاب الجهاد/ باب الصلح
قَالَ: وَفِيهِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ إِذْنِه الصَّرِيحِ إِذَا كَانَ
سَبَقَ مِنْهُ مَا يَدُلّ عَلَى الرَّضَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالوا: ((حَلْ حَلْ)) فَزَجَرُوهَا بِغَيْرِ إِذْنِ، وَلَمْ
يُعَاتِبُمْ عَلَيْهِ.
(وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) زَادَ إِسْحَاقٍ فِي رِوَايَتِه: ((عَنْ مَكَّة)) أي:
حَبَسَهَا الله رَّ عَنْ دُخُولِ مََّةٍ كَمَا حَبِسَ الْفِيلِ عَنْ دُخُولِهَا، وَمُنَاسَبَة ذِكْرِ قِصَّة
الفِيْلِ أَنَّ الصَّحَابَة لو دَخَلوا مَكَّة عَلَى تِلْكَ الصُّورَة وَصَدَّهُمْ قُرَيْش عَنْ ذَلِكَ لوقَعَ
بَيْنِهِمْ قِتَال قَدْ يُفْضِي إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَنَهْب الْأَمْوَالِ، كَمَا لو قُدِّرَ دُخُولِ الْفِيل
وَأَصْحَابِهِ مَكَّةٍ، لَكِنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللّه تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ
خَلْقِ مِنْهُمْ، وَيُسْتَخْرَجِ مِنْ أَصْلَابِهمْ نَاس يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ، وَكَانَ بِمَكَّةٍ فِي الْحَدَيْبِيَة
جَمْع كَثِير مُؤْمِنُونَ مِن الْمُسْتَضْعَفِينَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالولْدَان، فَلو طَرَقَ الصَّحَابَة
مَكَّةٍ لَمَا أَمِنَ أَنْ يُصَابِ نَاس مِنْهُمْ بِغَيْرِ عَمْد، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿وَلولا
رِجَالْ مُؤْمِنُونَ ... ﴾ [الفتح: ٢٥].
وَوَقَعَ لَلْمُهَلَّبِ اِسْتِبْعَادِ جَوَازِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهِيَ ((حَابِسِ الْفِيل)) عَلَى الله تَعَالَى،
فَقَالَ: الْمُرَادِ حَبَسَهَا أَمْرِ اللّه رََّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَجُوز إِظْلَاق ذَلِكَ فِي حَقّ اللّه فَيُقَال:
((حَبَسَهَا الله حَابِس الْفِيل) وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَمْنَع تَسْمِيَتِه ◌َ﴾َ حَابِسِ الْفِيل
وَنحوه، كَذَا أَجَابَ اِبْنِ الْمُنِير، وهو مَبْنِيَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْأَسْمَاء تَوْقِيفِيَّةِ.
وَقَدْ تَوَسَّطَ الْغَزَالِيّ وَطَائِفَة فَقَالُوا: مَحَلّ الْمَنْعِ مَا لَمْ يَرِدِ نَصّ بِمَا يُشْتَقْ مِنْهُ، شَرْط
أَلَا يَكُون ذَلِكَ الإِسْمِ الْمُشْتَقّ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ، فَيَجُوز تَسْمِيَته الواقِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمته﴾ [غافر: ٩] وَلَا يَجُوز تَسْمِيَتِه الْبِنَاءِ، وَإِنْ وَرَدَ قَوْله
تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧].
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: جَوَازِ التَّشْبِيهِ مِن الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَإِن اِخْتَلَفَتِ الْجِهَةِ الْخَاصَّة؛
لِأَنَّ أَصْحَابِ الْفِيلِ كَانُوا عَلَى بَاطِلِ مَحْض وَأَصْحَابِ هَذِهِ النَّاقَة كَانُوا عَلَى حَقّ ◌َخْض،
لَكِنْ جَاءَ التَّشْبِيه مِنْ جِهَة إِرَادَة الله مَنْع الْخَرَم مُطْلَقًا، أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَوَاضِح،

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَأَمَّا مِنْ أَهْلِ الْحَقِ فَلِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْره.
وَفِيهِ: ضَرْبِ الْمَثَلِ وَاعْتِبَارِ مَنْ بَقِيَ بِمَنْ مَضَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى تَعْظِيم حُرُمَات الله فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَم،
وَالْجُنُوحِ إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْكَفّ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضِهِمْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِمَنْ قَالَ مِن الصُّوفِيَّةِ: عَلَامَةِ الْإِذْنِ التَّيْسِير
وَعَگسه، وَفِیهِ نَظَر.
(ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ تَأْكِيد الْقَوْلِ بِالْيَمِينِ، فَيَكُون أَدْعَى إِلَى
الْقَبُولِ، وَقَدْ حُفِظَ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ الْحَلِفِ فِي أَكْثَر مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا. قَالَهُ إِبْنِ الْقَيِّم فِي
((الْهَدْي)) (لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ؛ أي: خَصْلَة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا
حُرُمَاتِ الله) أي: مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَم.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ إِبْن إِسْحَاقٍ: ((يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةِ الرَّحِم)) وَهِيَ مِنْ جُمْلَة
حُرُمَات الله.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ بِالْحُرُمَاتِ: حُرْمَةِ الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ وَالْإِحْرَامِ. قُلْت: وَفِي الثَّالِث نَظَر؛
لِأَنَّهُمْ لو عَظِّمُوا الْإِحْرَامِ مَا صَدُّوهُ.
(إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي: أَجَبْتِهِمْ إِلَيْهَا.
قَالَ السُّهَيْلِيّ: لَمْ يَقَعِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُق الْحَدِيث أَنَّهُ قَالَ: ((إِنْ شَاءَ الله)) مَعَ أَنَّهُ
مَأْمُورِ بِهَا فِي كُلّ حَالَةٍ، وَالْجُوَابِ: إِنَّهُ كَانَ أَمْرًا وَاجِبًا حَتْمًا، فَلَا يَحْتَاجِ فِيهِ إِلَى الإِسْتِثْنَاءِ،
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِنْ شَاءَ اللّه آمِنِينَ﴾
فَقَالَ: ﴿إِنْ شَاءَ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٧] مَعَ تَحَقُّق وُقُوعِ ذَلِكَ تَعْلِيمًا وَإِرْشَادًا، فَالْأَولِى أَنْ يُحْمَل
عَلَى أَنَّ الإِسْتِثْنَاءِ سَقَطَ مِنِ الرَّاوِي أو كَانَت الْقِصَّة قَبْلِ نُزُول الْأَمْرِ بِذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضِهُ
كَوْن الْكَهْف مَكِّيَّة؛ إِذْ لَا مَانِعِ أَنْ يَتَأَخَّر نُزُول بَعْض السُّورَة.
(ثُمَّ زَجَرَهَا) أي: النَّاقَة (فَوَثَبَتْ) أي: قَامَتْ (فَعَدَلَ عَنْهُمْ) فِي رِوَايَة إِبْنِ سَعْد:
((فَوَلَّى رَاجِعًا».

١٥٥
كتاب الجهاد/ باب الصلح
وَفِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاقٍ: ((فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنْزِلوا، قَالوا: يَا رَسُول الله مَا بِالوادِي مِنْ
مَاء نَنْزِل عَلَيْهِ)).
(حَقَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحَدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّئَةِ وَالْمِيم؛ أي: حُفَيْرَة فِيهَا مَاء
مَثْمُود؛ أي: قَلِيل (قَلِيلِ الْمَاءِ) تَأْكِيد لِدَفْعِ تَوَهُّم أَنْ يُرَادِ لُغَة مَنْ يَقُول: إِنَّ الشَّمَدِ الْمَاءِ
الْكَثِيرِ، وَقِيلَ: الَّمَدِ مَا يَظْهَر مِن الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَيَذْهَب فِي الصَّيْف.
(يَتَبَرَّضُهُ النَّاسِ تَبَرُّضًا) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّشْدِيدِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: الْأَخْذ قَلِيلاً
قَلِيلاً، وَالْبَرْض بِالْفَتْحِ وَالسُّكُون: الْيَسِيرِ مِن الْعَطَاءِ.
وَقَالَ صَاحِب الْعَيْنِ: هو جَمْع الْمَاء بِالْكَفَّيْنِ.
وَذَكَّرَ أبو الْأَسْوَدِ فِي رِوَايَتِه عَنْ عُرْوَة: ((وَسَبَقَتْ قُرَيْش إِلَى الْمَاءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ،
وَنَزَلَ النَّبِيّ ◌َهِ الْحُدَيْبِيَة فِي حَرّ شَدِيدٍ وَلَيْسَ بِهَا إِلَّ بِثْرٍ وَاحِدَة.)) فَذَكَرَ الْقِصَّة.
(فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ) بِضَمِّ أوله وَسُكُون اللَّامِ مِن الْإِلْبَاث.
وَقَالَ إِبْنِ التِّين: بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ؛ أي: لَمْ يَتْرُكُوهُ يَلْبَث؛ أي:
يُقِیم.
(وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ الْعَطَشُ) بِضَمِّ أوله عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ (فَانْتَزَعَ
سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) أي: أَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ جَعْبَته (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلوه فِيهِ، فَوَالله مَا
زَالَ) فِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْلِ الْعِلْم عَنْ رِجَالِ مِنْ أَسْلَمَ: ((إنَّ نَاجِيَة بْن
جُنْدُبِ الَّذِي سَاقَ الْبُدْنِ هو الَّذِي نَزَلَ بِالسَّهْمِ)) وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن
الْأَكْوَعِ، وَفِي رِوَايَة: نَاجِيَة بْنِ الْأَعْجَم.
قَالَ إِبْن إِسْحَاقٍ: وَزَعَمَ بَعْض أَهْلِ الْعِلْم أَنَّهُ الْبَرَاءِ بْن عَازِب.
وَرَوَى الواقِدِيّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْن عُبَادَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: ((أَنَا الَّذِي نَزَلْت
پالسَّھْمِ».
وَيُمْكِنِ الْجُمْعِ بِأَنَّهُمْ تَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْحُفْرِ وَغَيْرِهِ، وَيُمْكِنِ الْجُمْعِ أَيْضًا بِأَنْ
يَكُونِ الْأَمْرَانِ مَعًا وَقَعَا.

١٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَدْ رَوَى الواقِدِيّ مِنْ طَرِيق أوسِ بْنِ خَوْلِيّ: ((إِنَّهُ وَِّ تَوَضَّأَ فِي الدَّلو ثُمَّ أَفْرَغَهُ
فِيهَا، وَانْتَزَعَ السَّهْمِ فَوَضَعَهُ فِيهَا)) وَهَكَذَا ذَكَرَ أبو الْأَسْوَدِ فِي رِوَايَتِه عَنْ عُرْوَة: ((إنَّهُ
وَسُـ
تَمَضْمَضَ فِي دَلو وَصَبَّهُ فِي الْبِثْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِه فَأَلْقَاهُ فِيهَا وَدَعَا فَفَارَتْ)).
(يَجِيشُ لَهُمْ) بِفَتْحِ أوله وَكَسْر الْجِيم وَآخِرِهِ مُعْجَمَة؛ أي: يَفُور (پِالرِّيِّ) بِكَسْرِ
الرَّاءِ وَيَجُوزِ فَتْحِهَا (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أي: رَجَعُوا رُوَاء بَعْد وِرْدِهمْ، زَادَ إِبْنِ سَعْد:
((حَتَّى إِغْتَرَفُوا بِآنِيَتِهِمْ جُلوسًا عَلَى شَفِيرِ الْبِثْر)) وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَة
(فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُرَاعِيُّ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّصْغِير؛ أَي: إِبْنِ وَرْقَاء
بِالْقَافِ وَالْمَدّ صَحَابِيّ مشهور (فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةً) سَمَّى الواقِدِيّ مِنْهُمْ عَمْرِو بْنِ سَالِم
وَخِرَاشِ بْنِ أُمَيَّةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ: ((مِنْهُمْ خَارِجَة بْن كُرْز وَيَزِيد بْن
أُمَيَّة)).
(ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو)
فِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق ((فَدَعَتْ قُرَيْش سُهَيْلِ بْن عَمْرو، فَقَالوا: إِذْهَبْ إِلَى هَذَا الرَّجُل
فَصَالِحِه، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: قَدْ أَرَادَتْ قُرَيْش الصُّلْحِ حِين بَعَثَتْ هَذَا)).
قَوْله: (فَقَالَ النَِّيُّ وَّهِ: اكْتُبْ) الكَاتب: هو عَلِيّ، بَيِّنَهُ إِسْحَاقِ بْنِ رَاهويْهِ فِي
((مُسْنَده) مِنْ هَذَا الوَجْه عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا مَضَى فِي الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْن
عَازِب، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ عُمَر بْنِ شَبَّةٍ مِنْ حَدِيث سَلَمَةِ بْنِ الْأَكْوَعِ فِيمَا يَتَعَلَّقِ بِهَذَا
الْفَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَأَخْرَجَ عُمَر بْنِ شَبَّة مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سُهَيْل بْن عَمْرُو عَنْ أَبِيهِ: ((الْكِتَاب
عِنْدنَا، كَاتِبِه مُحَمَّد بْنِ مَسْلَمَةٍ)». اِنْتَهَى.
وَيُجْمَعِ بِأَنَّ أَصْلِ كِتَاب الصُّلْحِ بِخٌَّ عَلِيّ كَمَا هو فِي الصَّحِيحِ، وَنَسَخَ مِثْله
مُحَمَّد بْنِ مَسْلَمَة لِسُهَيْلِ بْن عَمْرو، وَمِن الْأوهامِ مَا ذَكَرَهُ عُمَر بْنِ شَبَّة بَعْد أَنْ حَكَى
أَنَّ إِسْم كَاتِب الْكِتَابِ بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَقُرَيْش عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مِنْ طُرُق.
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ إِسْم الْكَاتِب مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةٍ ثُمَّ قَالَ: ((حَدَّثَنَا

١٥٧
كتاب الجهاد/ باب الصلح
إِبْنِ عَائِشَة يَزِيد بْن عُبَيْد الله بْن مُحَمَّد التَّيْمِيُّ قَالَ: كَانَ إِسْمِ هِشَامِ بْن عِكْرِمَة بَغِيضًا،
وهو الَّذِي كَتَبَ الصَّحِيفَة فَشُلَّتْ يَده، فَسَمَّاهُ رَسُول الله وَهِ هِشَامًا)).
قُلْت: وهو غَلَطْ فَاحِش، فَإِنَّ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَهَا هِشَامِ بْن عِكْرِمَةِ هِيَ الَّتِي
إِنَّفَقَتْ عَلَيْهَا قُرَيْش لَمَّ حَصَرُوا بَنِي هَاشِم في الشّعْب، وَذَلِكَ بِمَكَّةٌ قَبْل الْهِجْرَة،
وَالْقِصَّة مشهورة فِي السِّيرَة التَّبَوِيَّة، فَتَوَهَّمَ عُمَر مِنْ شَبَّة أَنَّ الْمُرَاد بِالصَّحِيفَةِ هُنَا
كِتَابِ الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنهما نحو عَشْرِ سِنِينَ، وَإِنَّمَا
كَتَبْتِ ذَلِكَ هُنَا خَشْيَةٍ أَنْ يَغْتَرٌ بِذَلِكَ مَنْ لَا مَعْرِفَةٍ لَهُ فَيَعْتَقِدُهُ إِخْتِلافًا فِي إِسْم کَاِب
الْقِصَّة بِالْخُدَیْبِيَةِ، وَبِالله التّوْفِیق.
(هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ) بِوَزْنِ فَاعَلَ مِنْ قَضَيْتِ الشَّيْء؛ أي: فَصَلْتِ الْحُكْم فِيهِ،
وَفِيهِ جَوَازِ كِتَابَةٍ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُعَاقَدَاتِ، وَالرَّ عَلَى مَنْ مَنَعَهُ مُعْتَلاً بِخَشْيَةٍ أَنْ يَظُنّ
فِيهَا أَنَّهَا نَافِيَة، نَبَّهَ عَلَيْهِ الخطّابِيُّ.
(فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَلَّا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلُّ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا) فِي
رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق: ((عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَنَى مُحَمَّدًا مِنْ قُرَيْش بِغَيْرِ إِذْن وَلِّه رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ
جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ يَتَّبِعِ مُحَمَّدًا لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ) وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَعُمّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِي أول
الشُّرُوط مِنْ رِوَايَة عُقَيْل عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: ((وَلَا يَأْتِيك مِنَّا أَحَد)) وهو إِشَارَةٍ إِلَى تَرْك
الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا تَقَدَّمَ بَيْنِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي وَقَعَ
بَیْنھمْ.
وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاقٍ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَنَّهُ لَا إِسْلَال وَلَا إِغْلَال)) أي: لَا سَرِقَة وَلَّا
خِيَانَةٌ، فَالْإِسْلَالِ مِنِ السَّلَّةِ وَهِيَ السَّرِقَةِ، وَالْإِغْلَالِ الْخِيَانَةِ، تَقُول: ((أَغَلَّ الرَّجُل)) أي:
خَانَ، أَمَّا فِي الْغَنِيمَةِ فَيُقَال: ((غَلَّ)) بِغَيْرِ أَلِفِ، وَالْمُرَاد أَنْ يَأْمَن بَعْضهمْ مِنْ بَعْضٍ فِي
نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالهُمْ سِرًّا وَجَهْرًّا.
وَقِيلَ: الْإِسْلَالِ مِنْ سَلّ السُّيُوف، وَالْإِغْلَالِ مِنْ لُبْسِ الدُّرُوعِ، وَوَهَّاهُ أُبو عُبَيْد.
قَالَ إِبْن إِسْحَاقٍ فِي حَدِيثه: ((وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلِ فِي عَقْد مُحَمَّد وَعَهْده

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلِ فِي عَقْدِ قُرَيْش وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَة،
فَقَالوا: نَحْنُ فِي عَقْد مُحَمَّدٍ وَعَهْده، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْش
وَعَهْدهمْ، وَأَنَّك تَرْجِع عَنَّا عَامك هَذَا فَلَا تَدْخُل مَكَّةٍ عَلَيْنَا، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامِ قَابِل
خَرَجْنَا عَنْكِ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِكِ، فَأَقَمْت بِهَا ثَلَاثًا مَعَك سِلَاحِ الرَّاكِب: السُّيُوف في
الْقِرَب، وَلَا تَدْخُلُهَا بِغَيْرِهِ).
وقَالَ أَيْضًا: ((فَبَيْنَمَا رَسُول الله ◌َّه يَكْتُب الْكِتَاب هو وَسُهَيْلِ بْن عُمَر وَإِذْ جَاءَ
أبو جَنْدَل بْنِ سُهَيْل ... )) فَذَكَرَ الْقِصَّة.
(فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ) زَادَ إِبْنِ إِسْحَاقِ فِي رِوَايَتِه: «فَلَمَّا فَرَغَ الْكِتَاب
أَشْهَدَ عَلَى الصُّلْحِ رِجَالاً مِن الْمُسْلِمِينَ وَرِجَالاً مِن الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْهُمْ أبو بكر وَعُمَر
وَعَلِيّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ وَسَعْد بْن أَبِي وَقَاصِ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةٍ وَعَبْد الله بْن
سُهَيْل بْن عَمْرو وَمِكْرَز بْنِ حَفْص وهو مُشْرِك)).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَيهِ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا) فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَدِ
عَنْ عُرْوَةٍ: ((فَلَمَّا فَرَغُوا مِن الْقَضِيَّةِ أَمَرَ رَسُولِ اللهِ وَّه بِالْهَدْىٍ فَسَاقَهُ الْمُسْلِمُونَ
- يَعْنِي: إِلَى جِهَة الْحَرَم - حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش، فَحَبَسُوهُ فَأَمَرَ رَسُول الله
◌َل﴿ بِالنَّحْرِ».
قِيلَ: كَأَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لِلنَّدْبِ، أو لَرَجَاءِ نُزُول
الوحْي بِإِبْطَالِ الصُّلْحِ الْمَذْكُور، أو تَخْصِيصه بِالْإِذْنِ بِدُخُولِهِمْ مَكَّة ذَلِكَ الْعَامِ لِإِتْمَامِ
نُسُكِهِمْ، وَسَوَّعَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ زَمَان وُقُوع النَّسْخِ.
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونُوا أَلْهَتْهُمْ صُورَة الْحَالِ فَاسْتَغْرَقُوا فِي الْفِكْر لِمَا لَحِقَهُمْ مِن الذُّلّ
عِنْد أَنْفُسهمْ مِنْ ظُهور قُوَّتهمَا وَاقْتِدَارِهِمْ فِي إِعْتِقَادهمْ عَلَى بُلوغْ غَرَضِهِمْ وَقَضَاء
نُسُكِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة، أو أَخَّرُوا الإِمْتِقَال لِإِعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْأُمْرِ الْمُطْلَقِ لَا يَقْتَضِي
الْفَوْر.
وَيَخْتَمِل ◌َجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِمَجْمُوعِهِمْ مِنْ كَلَامٍ أُمّ سَلَمَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّة لِمَنْ

١٥٩
كتاب الجهاد/ باب الصلح
أَثْبَتَ أَنَّ الْأَمْرِ لِلْفَوْرِ، وَلَا لِمَنْ نَفَاهُ، وَلَا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرِ لِلوُجُوبِ لَا لِلنَّدْبِ، لِمَا
يُظْرَقِ الْقِصَّةِ مِن الإِحْتِمَال.
فِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق: ((فَقَالَ لَهَا: أَلَا تَرَيْنَ إِلَى النَّاس؟ إِّي آمُرُهُمْ بِالْأَمْرِ فَلَا
يَفْعَلونَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْمَلِيحِ: ((فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَةٍ فَقَالَ: هَلَكَ
الْمُسْلِمُونَ، أَمَرْتَهِمْ أَنْ يَخْلِقُوا وَيَنْحَرُوا فَلَمْ يَفْعَلوا، قَالَ فَجَلَّى الله عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِأُمِّ
سَلَمَة)).
(فَقَالَ أبو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ رَجُل مِنْ قُرَيْش
هو (عُتْبَةٍ)) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْمُثَنَّةِ، وَقِيلَ فِيهِ: ((عُبَيْد)) بِمُوَخَّدَةٍ مُصَغَّر، وهو وَهْم،
إِبْن أَسِيد بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى الصَّحِيحِ اِبْنِ جَارِيَة بِالْحِيمِ الثَّقَفِيّ حَلِيف بَنِي زُهْرَة، سَمَّاهُ
وَفَسَبَهُ إِبْن إِسْحَاقٍ فِي رِوَايَتِه، وفِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق ((لِلْعَامِرِيِّ)) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ سَعْد:
((څُنَیْس بْن جَابِر)).
(أَرِفِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالرَّاء؛ أي:
خَدَتْ حَوَاسّه، وَهِيَ كِنَايَةٍ عَنِ الْمَوْت؛ لِأَنَّ الْمَيِّت تَسْكُن حَرَكَته، وَأَصْلِ الْبَرَد
السُّكُون، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَفِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق: ((فَعَلَاهُ حَتَّى قَتَلَهُ)).
(وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ) فِي رِوَايَة ◌ِبْن إِسْحَاقٍ: ((وَخَرَجَ الْمَوْلَى يَشْتَدّ» أي:
هَرَبًا.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) أي: خَوْفًا، وَفِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق: ((فَزَعًا).
(فَقَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي) بِضَمِّ الْقَافِ، فِي رِوَايَة ◌ِبْنِ إِسْحَاقٍ: ((قَتَلَ صَاحِبِكُمْ
صَاحِبِ)) (وَإِنَّ لَمَقْتُولٌ) أي: إِنْ لَمْ تَرُدُّوهُ عَنِّيّ، وَعِنْد الواقِدِيّ: ((وَقَدْ أَفْلَتَ مِنْهُ وَلَمْ
أكَدْ
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ: ((فَرَدَّهُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَيْهِمَا فَأَوْثَقَاهُ، حَتَّى
إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَامَا فَتَنَاوَلَ السَّيْفِ بِفِيهِ فَأَمَرَّهُ عَلَى الْإِسَارِ فَقَطَعَهُ وَضَرَبَ

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
أَحَدهمَا بِالسَّيْفِ وَطَلَبَ الْآخَرَ فَهَرَبَ)) وَالْأَولِ أَصَحّ.
وَفِي رِوَايَة الأوزاعي عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدِ إِبْن عَائِدْ فِي الْمَغَازِي: «وَجَمَزَ الْآخَرِ وَاتَّبَعَهُ
أبو بَصِير حَتَّى دُفِعَ إِلَى رَسُول اللهِنَّهِ فِي أَصْحَابِه، وهو عَاضّ عَلَى أَسْفَلِ ثَوْبِهِ، وَقَدْ بَدَا
طَرَف ذَكَرهِ، وَالْحْصَى يَطِير مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ مِنْ شِدَّةِ عَدْوهِ، وَأبو بَصِير يَتْبَعَهُ)).
(فَجَاءَ أبو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ وَيْلُ أُمِّهِ) بِضَمِّ اللَّام وَوَصْلِ الْهَمْزَة وَكَسْر
الْمِيمِ الْمُشَدَّدَة، وَهِيَ كَلِمَة ذَمّ تَقُولِهَا الْعَرَبِ فِي الْمَدْحِ، وَلَا يَقْصِدُونَ مَعْنَى مَا فِيهَا مِن
الذَّ؛ لِأَنَّ الويْلِ الْهَلَاك، فهو كَقَوْلِهِمْ: ((لِأُمِّهِ الويْل)).
قَالَ بَدِيعِ الزَّمَان فِي رِسَالَة لَهُ: وَالْعَرَبِ تُظْلِقِ (تَرِبَتْ يَمِينه)) فِي الْأَمْرِ إِذَا أَهَمَّ،
وَيَقُولونَ: ((وَيْلُ أُمِّهِ)) وَلَا يَقْصِدُونَ الذَّمّ، وَالويْل يُظْلَق عَلَى الْعَذَابِ وَالْحَرْبِ وَالزَّجْر.
وَقَالَ الْفَرَّاءِ: أَصْلِ قَوْلهُمْ: ((وَيْلُ فُلَان)) وَيْ لِفُلَانٍ؛ أي: فَكَثُّرَ الإِسْتِعْمَال، فَأَحْقُوا
بِهَا اللََّم، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْهَا وَأَعْرَبُوهَا، وَتَبِعَهُ إِبْنِ مَالِك إِلَّا أَنَّهُ قَالَ تَبَعًا لِلْخَلِيلِ: إِنَّ
(وَيْ)) كَلِمَة تَعَجُّب، وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَاللَّم بَعْدهَا مَكْسُورَةٍ، وَيَجُوز ضَمّهَا
إِتْبَاعًا لِلْهَمْزَةِ وَحُذِفَتِ الْهَمْزَة تَخْفِيفًا، وَالله أَعْلَم.
(مِسْعَرَ حَرْبٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالنَّصْبِ
عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأَصْله مِنْ مِسْعَر حَرْب؛ أي: يُسْعِرِهَا. قَالَ الْخَطَابِيُّ: كَأَنَّهُ يَصِفُهُ بِالْإِقْدَامِ
فِي الْحَرْب وَالتَّسْعِيرِ لِنَارِهَا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: ((مُحَشّر)) بِجَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَشِين مُعْجَمَة، وهو بِمَعْنَى
مِسْعَر، وهو الْعُودِ الَّذِي يُحَرَّك پِهِ النَّار.
(لو كَانَ لَهُ أَحَدُ) أي: يَنْصُرُهُ وَيُعَاضِدُهُ وَيُنَاصِرَهُ، وَفِي رِوَايَة الأوزاعي: «لو كَانَ لَهُ
رِجَال)) فَلُقِّنَهَا أبو بَصِير فَانْطَلَقَ، وَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَيْهِ بِالْفِرَارِ؛ لِتَلَّا يَرُدّهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ،
وَرَمَزَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِن الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِهِ.
قَالَ مُمْهورِ الْعُلَمَاءِ مِن الشَّافِعِيَّة وَغَيْرِهِمْ: يَجُوز التَّعْرِيضِ بِذَلِكَ لَا التَّصْرِيحِ كَمَا
فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَالله أَعْلَم.