Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦١٩ كتاب القصاص/ باب ما يضمن من الجنايات يخلق عليه المرء وييسر له. وذهب طائفة إلى أن الحديث إنما خرج على سبب؛ وذلك أن النبي وََّ مرَّ برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطخًا ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال ◌َ: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) فزجره النبي ◌َّ عن ذلك؛ لأنه قد سبَّ الأنبياء - عليهم السلام - والمؤمنين، وخص آدم بالذكر؛ لأنه هو الذي ابتدئت خلقه وجهه على الحد الذي تخلق عليها سائر ولده، فالهاء على هذا الوجه كناية عن المضروب في وجهه. [ابن بطال (٢/١٧)]. (الفصل الثاني) ٣٥٢٦ - [عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ كَشَفَ سِتْرًّا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَقَدْ أَنَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، لَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلَّ فَفَقَأُ عَيْنَيْهِ مَا غَيَّرْتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَّ رَجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرٍ مُغْلَقٍ فَنَظَرَ فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](١). ٣٥٢٧ . [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُتَعَاَى السَّيْفُ مَسْلُولاً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود] (٤). ٣٥٢٨ - [وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلْ نَهَى أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ. رَوَاهُ أبو داود] (٣). (نَهَى) بصيغة المجهول (أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ) بفتح فسكون: ما يقد من الجلد؛ أي: نهي أن يقطع ويشق قطعة الجلد (بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ) لئلا تعقره الحديدة، وهو يشبه نهيه عن تعاطي السيف مسلولاً؛ فالنهي إرشادي. (١) أخرجه الترمذي (٢٧٠٧). (٢) أخرجه أبو داود (٢٥٩٠)، والترمذي (٢٣١٦)، وأحمد (١٤٥٧١). (٣) أخرجه أبو داود (٢٥٩١). ٦٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ٣٥٢٩ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهو شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهو شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهو شَهِيدُ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فهو شَهِيدٌ)). رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَأَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](١). ٣٥٣٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ قَالَ: لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبوابٍ بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي أو قَالَ عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](٩). وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((الرَّجُلُ جَبَّار)) ذُكِرَ فِي ((بَابِ الغَضَبِ)) هَذَا البَابُ خَالٍ مِن الفَصْلِ الثَّالِثِ. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٦٥)، وأحمد (١٦٥٢)، وعبد بن حميد (١٠٦)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٠٩٥)، وأبو يعلى (٩٤٩)، والبيهقي (٥٨٥٨)، والضياء (١٠٩٢) وقال: إسناده حسن. (٢) أخرجه أحمد (٥٦٨٩)، والترمذي (٣١٢٣). (باب القسامة) (الفصل الأول) ٣٥٣١ - [عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلٍ بِن أَبِي حَتْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ) قَالَ تَحْتَّى لِيَلِيَّ الْكَلاَمَ الأَكْبَرُ. فَتَكَلَّمُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: اسْتَحِقُوا قَتِيلَكُمْ - أو قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْرَّ لَمْ نَرَهُ. قَالَ: ((فَتُبْرِثُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانٍ خَمْسِينَ مِنْهُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمُ كُفَّارٌ. فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ قِبَلِهِ. وِفِي رِوايَةٍ: (تَخْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ أُو صَاحِبَكُمْ)) فَوَدَاهُ رَسُولُ الله ﴿ مِنْ عِنْدِهِ بِمِائَةِ نَاقَةٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ](١). قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ ثَرَ؟! قَالَ: ((فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ)) فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ النبي ◌َِّ مِنْ عِنْدِهِ. قال المهلب: لا بأس بالموادعة والمصالحة للمشركين بالمال إذا كان ذلك بمعنى الاستئلاف للكفار، لا إذا كانت الجزية؛ لأنها ذلة وصغار، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد:٣٥] وإنما أودَّه النبي ◌َّ من عنده استئلافًا اليهود وطمعًا منه في دخولهم الإسلام، وليستكف بذلك شرهم عن نفسه، وعن المسلمين مع إشكال القضية بإبائة أولياء القتيل من اليمين، وإبائتهم أيضًا من قبول أيمان اليهود، فكان الحكم أن يكون مطلولاً، ولكن أراد وي* أن يوادع اليهود بالغرم عنهم؛ لأن الدليل كان متوجهًا إلى اليهود في القتل لعبد الله، وأراد أن يذهب ما (١) أخرجه البخاري (٦١٤٢)، ومسلم (٤٤٣٥)، وأبو داود (٤٥٢٢)، والنسائي (٤٧٣٣). ٦٢١ ٠ ٦٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن بنفوس أوليائه من العداوة لليهود بأن غرم لهم الدية؛ إذ كان في العرب جاريًا أن من أخذ دية قتیله فقد انتصف. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ مِنَ الفَصْلِ الثَّانِي (الفصل الثالث) ٣٥٣٢ - [عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ مَقْتُولاً ◌ِخَيْبَرَ، فَانْطَلَقَ أُوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لَكُمْ شَاهِدَانٍ يَشْهَدَانِ عَلَى قَاتِلٍ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِتُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. قَالَ: (فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ)) فَأُبوا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﴿ مِنْ عِنْدِهِ- رَوَاهُ أبو داود](١). (أَصْبَحَ رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ مَقْتُولاً بِخَيْبَرَ، فَانْطَلَقَ أُولِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َاء) أي: ولده وأبنا عمه إلى النبي (فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ) أي: للنبي ◌َِّ (فَقَالَ: لَكُمْ شَاهِدَانٍ) أي: عدلان (يَشْهَدَانٍ عَلَى قَاتِلٍ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ) بفتح المثلثة؛ أي: هناك، وهو موضع القتل (أَحَدٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ) قال الطيبي: تعريف المبتدأ والخبر، وإتيان ((إنما)) المفيد للحصر مع من يعرفهم حق المعرفة إيذان بأن المراد به الوصف الذي اشتهر، وتعورف منهم من المكر والخديعة والنفاق، وهم أدهى وأنكر من أن يباشروا قتل المسلمين بما يؤاخذون به (وَقَدْ يَخْتَرِتُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا) أي: من النفاق ومخادعة الله ورسوله وقتل الأنبياء بغير حق وتحريف الكلم عن مواضعه. (قَالَ) أي: النبي (فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ) بكسر اللام، وهو وما قبله أمران (فَأبوا) أي: أولياء المقتول عن استخلاف اليهود (فَوَدَاهُ رَسُولُ الله ◌َهُ مِنْ عِنْدِهِ رَوَاهُ أبو داود) أقول: ظاهر هذا الحديث صريح في مأخذ مذهبنا. قال علماؤنا: القسامة في ميت به جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج دم من (١) أخرجه أبو داود (٤٥٢٦)، والطبراني (٤٢٨٧)، والبيهقي (٢١٠٣٠). ٦٢٣ كتاب القصاص/ باب القسامة إذنه أو عينه، قيد الميت بذلك؛ لأن الخالي منه لا قسامة فيه عندنا ولا دية، وهو قول أحمد وفي رواية حماد والثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: ليس الأثر بشرط بل الشرط اللوث، وهو ما يوقع في القلب صدق المدعي من أثر دم على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدل، أو جماعة غير عدول إن أهل المحلة قتلوه؛ لأنه ولو لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أم لا؛ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كعصر الخصيتين وضرب الفؤاد، فأشبه من به أثر، ولنا إن القسامة في الدية لتعظيم الدم وصيانته عن الهدر، وذلك في القتل دون الموت حتف الأنف والقتل يعرف بالأثر، ولا يلزم من عدم ذكره في الحديث عدم ذکره مطلقًا. ثم شرط أنه وجد في محلة لا يعلم قاتله، فحينئذٍ حلف خمسون رجلاً حرًّا مكافئًا منهم يختارهم الولي: بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً، وهذا حكاية قول الجمع؛ لأن الواحد منهم إذا حلف يقول: ما قتلت ولا علمت قاتله ولا يحلف الولي، ثم قضى على أهلها الدية، وهذا قول عمر والشعبي والنخعي والثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: يبدأ بالمدعين في الإيمان، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يمينًا، فإن حلفوا برئوا، وهو مذهب يحي بن سعيد وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد؛ لقوله ول# لأولياء عبد الله بن سهل: ((ابتداء وتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم)) وقوله هير فيما رواه البيهقي: ((أفتبريكم يهود بخمسين رجلاً)). ولنا: ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس أن النبي قال: ((اليمين على المدعى عليه)) وما روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع قال: وجد قتيل باليمن بين وادعة وأرحب، فكتب عامل عمر بن الخطاب إليه، فكتب إليه عمران قس ما بين الحيين، فإلى أيهما كان أقرب فخذهم به قال: فقاسوه فوجوده أقرب إلى وادعة فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: ٦٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن يا أمير المؤمنين، أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم فاحلف خمسين رجلاً بالله ما قتلت ولا علمت قاتلاً له، وبه أخذ علماؤنا أن في قتيل وجد على دابة بين قريتين تجب القسامة والدية على أقربهما. ولما روى أبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم، والبيهقي في «سننه» عن أبي سعيد الخدري ((أن قتيلاً وجد بين حيين، فأمر النبي عليه أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الحیین بشبر)). قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله وَ لهو فألقى ديته عليهم، ثم القسامة والدية على أهل الخطة، ولو بقي منهم واحد وهم الذين خط لهم الإمام، وقسم الأراضي بخطه حين فتحها دون السكان؛ أي: وليست القسامة على السكان والمشترين، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: الكل مشتركون، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى وأهل السجن بمنزلة السكان، فيتفرع عليه خلافهم، والله تعالى أعلم. [المرقاة (١٠٩/١١)]. (باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد) (الفصل الأول) ٣٥٣٣ - [عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُنِيَ عَلِيُّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُم، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسِ فَقَالَ: لَوَكُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لِنَهْي رَسُولِ اللهِ وَّةِ: ((لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله)) وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِنَّهِ:((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١). ٣٥٣٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّ اللّهُ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢). ٣٥٣٥ - [وَعَنْ عَلِىّ ◌َ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ: (سَيَخْرُجُ قَوْمُّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حُدَّاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرٍ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٣٥٣٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: «تَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَينِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أُولَاهُمْ بِالْحَقٌّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤). ٣٥٣٧ - [وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥). (١) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وأحمد (١٨٩٩)، وأبو داود (٤٣٥٣)، والترمذي (١٥٣٠). (٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٤)، وأحمد (٨٠٥٤)، والترمذي (١٥٧١) وقال: حسن صحيح. (٣) أخرجه البخاري (٣٤١٥)، ومسلم (١٠٦٦)، والطيالسي (١٦٨)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والبيهقي (١٦٥٥٨)، وأبو يعلى (٢٦١)، وابن حبان (٦٧٣٩)، وأحمد (٦١٦). (٤) أخرجه مسلم (٢٥٠٨)، وأحمد (١١٧٢٦). (٥) أخرجه البخاري (٦٧٨٥)، ومسلم (٤٤٧٧). - ٦٢٥ - ٦٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي) بِصِيغَةِ النَّغْي، وهو الْمَعْرُوفُ (كُفَّارًا) تَقَدَّمَ بَيَان الْمُرَاد بِهِ فِي أوائِل كِتَاب الدِّيَات، وَجُمْلَة الْأَقْوَالِ فِيهِ ثَمَانِيَة، ثُمَّ وَقَفْت عَلَى تَاسِع وهو أَنَّ الْمُرَاد سَتْرِ الْحَقِّ وَالْكُفْرِ لُغَة السَّتْرِ؛ لِأَنَّ حَقّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصُرُهُ وَيُعِينُهُ، فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَأَنَّهُ غَظَى عَلَى حَقّهِ الثَّابِتِ لَهُ عَلَيْهِ، وَعَاشِر وهو أَنَّ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مَن اِعْتَادَ الْهُجُومِ عَلَى كِبَارِ الْمَعَاصِي جَرَّهُ شُؤْمِ ذَلِكَ إِلَى أَشَدّ مِنْهَا، فَيُخْشَى أَلَا يُخْتَم لَهُ بِخَاتِمَةِ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ لُبْس السِّلَاحِ يَقُول: كَفَرَ فَوْقَ دِرْعه إِذَا لَبِسَ فَوْقَهَا ثَوْبًا، وَقَالَ الدَّاؤُدِيُّ: مَعْنَاهُ: لَا تَفْعَلُوا بِالْمُؤْمِنِينَ مَا تَفْعَلُونَ بِالْكُفَّارِ، وَلَا تَفْعَلُوا بِهِمْ مَا لَا يَحِلّ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهُ حَرَامًا. قُلْت: وهو دَاخِلِ فِي الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَة. وَاسْتَشْكَلَ بَعْض الشُّرَّاحِ غَالِب هَذِهِ الْأَجْوِبَة بِأَنَّ رَاوِي الْخَبَرِ، وهو أبو بكرة فَهِمَ خِلَاف ذَلِكَ، وَالْجَوَابِ أَنَّ فَهْمِه ذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَفِ مِنْ تَوَقُّفه عَنِ الْقِتَالِ وَاحْتِجَاجِهِ بِهَذَا الْحَدِيث، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ تَوَقُّفه بِطَرِيقِ الإِحْتِيَاطِ لِمَا يَحْتَمِلهُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَا يَلْزَمْ أَنْ يَكُون يَعْتَقِد حَقِيقَة كُفْر مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعِ مِن الصَّلَاة خَلْفهِمْ، وَلَا إِمْتِثَال أوامِرِهِمْ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدْ فِيهِمْ حَقِيقَته، وَالله الْمُسْتَعَانِ. (يَضْرِبِ بَعْضِكُمْ رِقَابَ بَعْض) بِجَزْمٍ يَضْرِب عَلَى أَنَّهُ جَوَابِ النَّهْي، وَبِرَفْعِهِ عَلَى الإِسْتِثْنَاف، أو يُجْعَل حَالاً، فَعَلَى الْأُولِ يَقْوَى الْحَمْلِ عَلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيّ، وَيَحْتَاج إِلَى التَّأويل بِالْمُسْتَحِلِّ مَثَلاً، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَكُون مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا وَجَوَابِه مَا تَقَدَّمَ. [الفتح (٨١/٢٠)]. ٣٥٣٨ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: «إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ وَحَمَلَ أَحَدُهُما عَلَى أَخِيهِ السِّلاحِ فَهُمَا فِي جُرُفٍ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحَبَهُ دَخَلَاها جَمِيعًا)). وَفِي رِوايَةٍ عَنْهُ قَالَ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) قُلْتُ: هَذَا ٦٢٧ كتاب القصاص/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)](١). ٣٥٣٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ نَفَرُّ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوًا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أبوالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَخُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُنِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. وِفِي رِوايَةٍ:(فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ)). وفِي رِوايَةٍ: «أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأَحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْخَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُو)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٩). (الفصل الثاني) ٣٥٤٠ - [عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَحْثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ)). رَوَاهُ أبو داود](٣). ٣٥٤١ - [ورَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسِ](٤). ٣٥٤٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللهِوَه فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِتَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانٍ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَقَالَ: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا) وَرَّأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: ((مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟)) قُلْنَا: تَحْنُ. قَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّ رَبُّ النَّارِ)). رَوَاهُ أبو داود](٥). ٣٥٤٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ رَسُولِ اللهِ قَالَ: (١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأحمد (٢٠٤٤٠)، والنسائي (٤١٣٨)، وابن ماجه (٤٠٩٩)، وابن أبي شيبة (٣٧٣٨٥)، وابن ماجه (٣٩٦٥). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٠٢، ٣٠١٨)، ومسلم (٤٤٤٧)، وأحمد (١٣٣٨٦)، والنسائي (٣٠٤)، والبيهقي في دلائلف النبوة (١٤٢٨). (٣) أخرجه أبو داود (٢٦٦٩)، وعبد الرزاق (١٥٨١٩)، والطبراني (١٤٩٤٤). (٤) أخرجه النسائي (٤٠٦٤). (٥) أخرجه أبو داود (٢٦٧٧). ٦٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافُ وَفُرْقَةُ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرُؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيفَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ الله وَلَيْسُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أُولَى بِاللهِ مِنْهُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: ((التَّحْلِيقُ)). رَوَاهُ أبو داود](١). (لَا يُجَاوِزِ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ: (لَا يَجُوز)»، وَالْخَنَاجِر)» بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ثُمَّ الْحِيم ◌َمْع: حَنْجَرَة بِوَزْنِ قَسْوَرَة وَهِيَ الْخُلْقُومِ وَالْبُلْعُومِ، وَكُلّه يُظْلَق عَلَى مَجْرَى النَّفَس وهو طَرَف الْمَرِيء مِمَّ ◌َلِي الْفَمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة زَيْد بْنِ وَهْبِ عَنْ عَلِيّ(لَا تُجَاوِزِ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ)) فَكَأَنَّهُ أَظْلَقَ الْإِيمَان عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَهُ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ (لَا يُجَاوِزِ إِيمَانِهِمْ حَلَاقِيمِهِمْ) وَالْمُرَاد أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنُّطْقِ لَا بِالْقَلْبِ. وَفِي رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن أَبِي رَافِع عَنْ عَليّ عِنْد مُسْلِم ((يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يُجَاوِزِ هَذَا مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلَى حَلْقه)» وَهَذِهِ الْمُجَاوَزَة غَيْرِ الْمُجَاوَزَة الْآتِيَةِ فِي حَدِيث أَبِي سعید. (يَمْرُقُونَ مِنِ الدِّينِ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي إِسْحَاق عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَة عِنْدِ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرِيّ: ((يَمْرُقُونَ مِن الْإِسْلَامِ)) وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب، وَفِي رِوَایة زَيْد بْن وَهْبِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة فِي الظَبَرِيّ وَعِنْدِ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة طَارِقِ بْن زِيَاد عَنْ عَليّ: ((يَمْرُقُونَ مِن الْحَقِّ)» وَفِيهِ تَعَقَّبَ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الدِّينِ هُنَا بِالطَّاعَةِ. (مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمِيم وَتَشْدِيد الثَّحْتَانِيَّةِ؛ أي: الشَّيْء الَّذِي يُرْقَى بِهِ، وَيُطْلَق عَلَى الطَّرِيدَة مِن الْوَحْش إِذَا رَمَاهَا الرَّامِي. [فتح (١٩) ٣٨٥)]. (١) أخرجه أبو داود (٤٧٦٧)، وأحمد (١٣٦٨٤)، والحاكم (٢٦٥٠)، والبيهقي (١٦٤٨٠)، والضياء (٢٣٩٢). ٦٢٩ كتاب القصاص/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٤٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ◌ِلَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنَّا بَعْدَ إِحْصَانٍ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، وَرَجُلُّ خَرَجَ مُحَارِبًا للهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أو يُصْلَبُ أَو يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ، أَو يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا)). رَوَاهُ أبو داود](١). ٣٥٤٥ - [وَعَن ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَنَامَ رَجُلُّ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: (لَا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا)). رَوَاهُ أبو داود](٢). ٣٥٤٦ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَى الإِسْلَامَ ظَهْرَهُ». رَوَاهُ أبو داود](٣). ٣٥٤٧ - [وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ سَرِيَّةً إِلَى خَتْعَمِ فَاعْتَصَمَ نَاسَّ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ نَّهِ فَأَمَرّ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: (أَنَا بَرِيءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ؟ قَالَ: ((لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا)». رَوَاهُ أبو داود] (٤). (إِلَى خَْعَمٌ) قَبِيلَة (فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ) أي: بِنِصْفِ الدِّيَةِ. قَالَ فِي (فَتْحِ الْوَدُود)): لِأَنَّهُمْ أَعَانُوا عَلَى أَنْفُسهِمْ بِمُقَامِهِمْ بَيْنِ الْكَفَرَةِ؛ فَكَانُوا كَمَنْ هَلَكَ بِفِعْلٍ نَفْسِه وَفِعْل غَيْرِهِ فَسَقَطَ حِصَّة جِنَايَته (بَيْن أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) أي: بَيْنِهِمْ وَلَفْظِ أَظْهُر مُفْحَم (لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا) كَذَا كُتِبَ فِي بَعْض النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا: ((لَا تَرَاءَی)). (١) أخرجه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٤٠٤٨)، والبيهقي (١٧٠٨٩). (٢) أخرجه أحمد (٢٣١١٤)، وأبو داود (٥٠٠٤)، والبيهقي (٢٠٩٦٦)، وهناد (١٣٤٥). (٣) أخرجه أبو داود (٣٠٨٤). (٤) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والطبراني (٢٢٦٤)، والبيهقي (١٦٢٤٨). ٦٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن قَالَ فِي ((النَّهَايَة)): أي: يَلْزَمِ الْمُسْلِمِ، وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَتَبَاعَد مَنْزِله عَنْ مَنْزِل الْمُشْرِكِ، وَلَا يَنْزِل بِالْمَوْضِعِ الَّذِي إِنْ أُوقِدَتْ فِيهِ نَارِه تَلُوحِ، وَتَظْهَر لِلْمُشْرِكِ إِذَا أوقَدَهَا فِي مَنْزِلِه، وَلَكِنَّهُ يَنْزِلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وهو حَتّ عَلَى الْهِجْرَة. وَالتَّرَائِي تَفَاعُل مِن الرُّؤْيَةِ، يُقَال: تَرَاءَى الْقَوْمِ إِذَا رَأَى بَعْضهمْ بَعْضًا، وَتَرَاءَى الشَّيْء: ظَهَرَ حَتَّى رَأَيْتِه، وَإِسْنَادِ التَّرَائِي إِلَى النَّارِ عَجَازِ مِنْ قَوْلهُمْ: «دَارِي تَنْظُرِ مِنْ دَار فُلَان)) أي: تُقَابِلَهَا، يَقُول: نَارَاهُمَا تَخْتَلِفَانِ هَذِهِ تَدْعُو إِلَى اللهِ، وَهَذِهِ تَدْعُو إِلَى الشَّيْطَانِ فَكَيْف يَتَّفِقَانِ؟! وَالْأَصْلِ فِي تَرَاءَى: تَتَرَاءَى، فَحَذَفَ إِحْدَى الثَّائَيْنِ تَخْفِيفًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَة وُجُوه: قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَسْتَوِي حُكْمِهِمَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللّه فَرَّقَ بَيْنِ دَارَي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَلَا يَجُوزِ لمُسْلِمٍ أَنْ يُسَاكِنِ الْكُفَّارِ فِي بِلَادهمْ حَتَّى إِذَا أوقَدُوا نَارًا كَانَ مِنْهُمْ بِحَيْثُ يَرَاهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَتَّسِمِ الْمُسْلِم بِسِمَةِ الْمُشْرِكِ، وَلَا يَتَشَبَّه بِهِ فِي هَدْيِه وَشَكْله. كَذَا فِي ((مِرْقَاة الصُّعُود)). [عون المعبود (٧٣/٦)]. ٣٥٤٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: «الإِيمَانُ قَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنُ)). رَوَاهُ أُبو داود](١). ٣٥٤٩ - [وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ)). رَوَاهُ أَبو داود](٢). ٣٥٥٠ [وَعَنْ عَلَىّ ﴾: أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلُّ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ◌َ دَمَهَا. رَوَاهُ أَبو داود] (٣). (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٤٣٥) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٠٣/١)، وأبو داود (٢٧٦٩)، والحاكم (٨٠٣٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. (٢) أخرجه أبو داود (٤٣٦٠)، والطبراني (٢٣٤٤)، والنسائي (٤٠٥٢)، وأبو عوانة (٧٣)، والبيهقي (١٦٦٥٣). (٣) أخرجه أبو داود (٤٣٦٢)، والبيهقي (١٣١٥٤)، والضياء (٥٤٧). ٦٣١ كتاب القصاص/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٥١ - [وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةُ بِالسَّيْفِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١). (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ) قال في ((مجمع البحار)): يروى بالتاء وبالهاء، وعدل عن القتل إلى هذا كي لا يتجاوز منه إلى أمر آخر، واستدل به من قال: إن حد الساحر القتل، لكن الحديث ضعيف. [الأحوذي (٢٣/٥)]. (الفصل الثالث) ٣٥٥٢ - [عَنْ أَسَامَةَ بْنِ شَرِيٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ﴾: ((أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ](٢). ٣٥٥٣ [وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابٍ النَِّيّ ◌َِّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ بِأُذُنِي وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنِي أُنِيَ رَسُولُ الله ◌َّهِ بِمَالٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا، فَقَامَ رَجُلُّ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ. رَجُلُّ أَسْوَدُ مَظْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانٍ أَبْيَضَانٍ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: (وَالله لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلاً هُو أَعْدَلُ مِنِّ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمُ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِن الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الَّمِيَّةِ، سِيمَاهُم التَّحْلِيقُ، لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيفَةِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ](٣). - (١) أخرجه الترمذي (١٤٦٠) وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، ويروى عن الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوف. والدارقطني (١١٤/٣)، والحاكم (٨٠٧٣) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٦٢٧٧). (٢) أخرجه النسائي (٤٠٣٥). (٣) أخرجه النسائي (٤١١٤)، وأحمد (٢٠٣١٤). ٦٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا) هَذَا تَصْرِيحُ بِوُجُوبٍ قِتَال الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاة، وهو إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجِ وَأَشْبَاهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْبَغْيِ مَتَّى خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ، وَخَالَفُوا رَأْي الْجَمَاعَةِ وَشَقُّوا الْعَصَا وَجَبَ قِتَالهُمْ بَعْدٍ إِنْذَارِهمْ، وَالإِعْتِذَارِ إِلَيْهِمْ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله﴾ [الحجرات: ٩] لَكِنْ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَا يُقْتَلِ أَسِيرهُمْ، وَلَا تُبَاحِ أَمْوَالهِمْ، وَمَا لَمْ يَخْرُجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَيَنْتَصِبُوا لِلْحَرْبِ لَا يُقَاتَلُونَ، بَلْ يُوعَظُونَ وَيُسْتَتَابُونَ مِنْ بِدْعَتِهِمْ وَبَاطِلِهِمْ، وَهَذَا كُلّه مَا لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَة مِمَّا يَكْفُرُونَ بِهِ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ. وَأَمَّا الْبُغَاةِ الَّذِينَ لَا يَكْفُرُونَ فَيَرِثُونَ وَيُورَثُونَ، وَدَمهِمْ فِي حَالِ الْقِتَال هَدَر، وَكَذَا أَمْوَالهم الَّتِي تُتْلَف فِي الْقِتَالِ، وَالْأَصَحّ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ أَيْضًا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْل الْعَدْلِ فِي حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْس وَمَالٍ ضَمِنُوهُ، وَلَا يَحِلّ الإِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ دَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي حَالِ الْخَرْب عِنْدَنَا وَعِنْد الْجُمْهُورِ، وَجَوَّزَهُ أبو حنيفة، وَالله أَعْلَم. [النووي (٢٧/٤)]. ٣٥٥٤ - [وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ: رَأَى أبو أمامة رُؤُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدٍ دِمَشْقَ، فَقَالَ أبو أمامة: «كِلَابُ النَّارِ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَ مَنْ قَتَلُّوُ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ.﴾ [آل عمران: ١٠٦] قِيلَ لأَبِي أُمَامَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِه؟ قَالَ: لَو لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ ](١). (كِلَابُ النَّارِ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أصحاب هذا الرؤوس كلاب النار (شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ) خبر آخر للمبتدأ المحذوف، ((خير قتلى)) مبتدأ (قَتَلُوهُ) خبره، والضمير المرفوع في ((قتلوه)) راجع إلى أصحاب الرؤوس، والمنصوب إلى ((من)) (ثُمَّ قَرَأَ) أي: أبو أمامة ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ .. ﴾. (١) أخرجه الترمذي (٣٢٧٠)، وأحمد (٢٢٨٦٥)، وابن ماجه (١٨١). (كتاب الحدود ) (الفصل الأول) ٣٥٥٥ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللّه. وَقَالَ الآخَرُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَاتْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ. قَالَ: ((تَكَلَّمْ) قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُوِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةِ لِي، ثُمَّ إِنَّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابٍ الله، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدُّ عَلَيْكَ. وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)) فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ـير (أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ) بِتَشْدِيدِ الثُّون لِلتَّأْكِيدِ (بِكِتَابِ الله) في رِوَايَة عَمْرو بْنِ شُعَيْب: ((بِالْحَقِ)) (وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامِ) قَالَ النَّوَوِيّ: هُو ◌َحْمُول عَلَى أَنَّهُ بَّهِ عَلِمَ أَنَّ الإِبْنِ كَانَ بِكْرًا وَأَنَّهُ اِعْتَرَفَ بِالزِّنَا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَضْمَرَ إِعْتِرَافِهِ، وَالتَّقْدِير: ((وَعَلَى إِبْنك إِن ◌ِعْتَرَفَ)) وَالْأُولِ أَلْيَقُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي مَقَامِ الْحُكْم، فَلَو كَانَ فِي مَقَام الْإِفْتَاء لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَال؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرِ إِنْ كَانَ زَلَى وهو بِكْرُّ، وَقَرِينَة إِعْتِرَافه حُضُوره مَعَ أَبِيهِ وَسُكُوتِه عَمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الْعِلْم بِكَوْنِهِ بِكْرًا فَوَقَعَ صَرِيحًا مِنْ كَلَّامٍ أَبِيهِ فِي رِوَايَةٍ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَلَفْظُه: «كَانَ إِبْنِي أَجِيرًا لِمْرَأَةٍ هَذَا وَابْنِي لَمْ يُحْصَنْ)). (١) أخرجه البخاري (٧٢٦٠)، ومسلم (٤٥٣١)، والطيالسي (١٣٣٣)، وأحمد (١٧٠٧٩)، ومسلم (١٦٩٧)، والنسائي (٥٤١١)، والترمذي (١٤٣٣)، وابن ماجه (٢٥٤٩). ٦٣٣ ٦٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّر (إِلَى امْرَأَةٍ هَذَا) زَادَ مُحَمَّد بْنِ يُوسُف: فَاسْأَلْهَا. قَالَ إِبْنِ السَّكَنِ فِي ((كِتَابِ الصَّحَابَة)): لَا أَدْرِي مَنْ هُو وَلَا وَجَدْت لَهُ رِوَايَة وَلَا ذِكْرًا إِلَّ فِي هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: هُو إِبْنِ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيّ، وَقِيلَ: إِبْن مَرْئَد، وَقِيلَ: اِبْن أُبِي مَرْقَد، وَزَيَّقُوا الْأَخِيرِ بِأَنَّ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي مَرْثَد صَحَابِيّ مَشْهُور، وهو غَنَوِيّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّون، لَا أَسْلَمِيّ وهو بِفَتْحَتَيْنِ لَا النَّصْغِيرِ، وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَيْضًا أَنَّهُ أَنَس بْنِ مَالِك وَصُفِّرَ كَمَا صُغِّرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدِ مُسْلِم؛ لِأَنَّهُ أَنْصَارِيّ لَا أَسْلَمِيّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْبٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْب: ((وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْس - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - فَاغْدُ)». وَفِي رِوَايَة مَالِك وَيُونُس وَصَالِحِ إِبْنِ كَيْسَانَ: ((وَأَمَرَ أُنَيْسَا الْأَسْلَمِيّ أَنْ يَأْتِيَ إِمْرَأَةُ الْآخَر)). وَفِي رِوَايَة مَعْمَر ((ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَال لَهُ: أُنَيْس: قُمْ يَا أُنَيْسِ فَسَل إِمْرَأَةَ هَذَا». وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادِ بِالْغُدُو الذَّهَابِ وَالتَّوَجُّه كَمَا يُظْلَقِ الرَّوَاحِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادِ حَقِيقَة الْغُدُو وهو التَّأْخِيرِ إِلَى أول النَّهَارِ، كَمَا لَا يُرَاد بِالرَّوَاحِ التَّوَجُّه نِصْف النَّهَارِ، وَقَدْ حَكَى عِيَاض أَنَّ بَعْضهم اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخُّر إِقَامَة الْحَدّ عِنْد ضِيقِ الْوَقْت، وَاسْتَضْعَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ النَّهَار. (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) فِي رِوَايَة يُونُس: ((وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيّ أَنْ يَرْجُمَ اِمْرَأَةَ الْآخَرِ إِذ إِعْتَرَفَتْ)). وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الرُّجُوعُ إِلَى كِتَاب اللّه نَصَّا أو اِسْتِنْبَاطًا، وَجَوَاز الْقَسَم عَلَى الْأَمْر لِتَأْكِيدِهِ، وَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اِسْتِحْلَاف، وَحُسْنِ خُلُق النَّبِيّ ◌َّهُ، وَحِلْمِه عَلَى مَنْ يُخَاطِبِهُ بِمَا الْأُولِى خِلَافُهُ، وَأَنَّ مَنْ تَأَسَّى بِهِ مِن الْحُكَّامِ فِي ٦٣٥ كتاب الحدود ذَلِكَ يُحْمَدِ كَمَنْ لَا يَنْزَعِجِ لِقَوْلِ الْخَصْمِ مَثَلاً: أُحْكُمْ بَيْنَا بِالْحَقِّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّمَا تَوَارَدَا عَلَى سُؤَالِ الْحُكْم بِكِتَابِ اللّه مَعَ أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا يَحْكُم إِلَّا بِحُكْمِ الله لِيَحْكُم بَيْنِهِمَا بِالْحُقِّ الصِّرْفِ لَا بِالْمُصَالَحَةِ وَلَا الْأَخْذ بِالْأَرْفَقِ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَلِ ذَلِكَ بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ. وَفِيهِ: إِنَّ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي مُخَاطَبَةِ الْكَبِيرِ يَقْتَضِي التَّقْدِيمِ فِي الْخُصُومَةِ، وَلَو كَانَ الْمَذْكُورِ مَسْبُوقًا، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَن لِمَنْ شَاءَ مِن الْخَصْمَيْنِ فِي الدَّعْوَى إِذَا جَاءَا مَعًا وَأَمْكَنَ أَنْ كُلاَّ مِنْهُمَا يَدَّعِي، وَاسْتِحْبَابِ اِسْتِئْذَان الْمُدَّعِ وَالْمُسْتَفْتِي الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ فِي الْكَلَامِ، وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ إِذَا ظَنَّ أَنَّ لَهُ عُذْرًا. وَفِيهِ: إِنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إِقَامَته عَلَيْهِ وَلَو لَمْ يَعْتَرِفِ مُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ قَذَفَ غَيْرِهِ لَا يُقَامِ عَلَيْهِ الْحَدّ إِلَّا إِنْ طَلَبَهُ الْمَقْذُوف، خِلافًا لِاِبْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ قَالَ: يَجِب وَلَوَ لَمْ يَظْلُبِ الْمَقْذُوف. قُلْت: وَفِي الإِسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَر؛ لِأَنَّ مَحَلّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَ الْمَقْذُوفِ حَاضِرًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا كَهَذَا فَالظَّاهِرِ أَنَّ التَّأْخِيرِ لإِسْتِكْشَافِ الْحَالِ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقّ الْمَقْذُوف فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: إِنَّ سَبَبَ بَعْث النَّبِيّ ◌َّ أَنَيْسًا لِلْمَرْأَةِ لِيُعْلِمَهَا بِالْقَذْفِ الْمَذْكُورِ لِتُطَالِبِ بِحَدِّ قَاذِفِهَا إِنْ أَنْكَرَتْ. قَالَ: هَكَذَا أَوَّلِه الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَلَا بُدّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرهِ أَنَّهُ بُعِثَ يَظْلُب ◌ِقَامَة حَدّ الزِّنَا، وهو غَيْرِ مُرَاد؛ لِأَنَّ حَدّ الزِّنَا لَا يُحْتَاط لَهُ بِالتَّجَسُّسِ وَالتَّنْقِيب عَنْهُ، بَلْ يُسْتَحَبّ تَلْقِين الْمُقِرّ بِهِ لِيَرْجِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّة مَاعِز، وَكَأَنَّ لِقَوْلِهِ: «فَإِن اِعْتَرَفَتْ)) مُقَابِلاً؛ أي: وَإِنْ أَنْكَرَتْ فَأَعْلِمْهَا أَنَّ لَهَا طَلَبَ حَدِّ الْقَذْفِ فَحُذِفَ لِوُجُودٍ الإِحْتِمَالِ، فَلَو أَنْكَرَتْ وَطَلَبَتْ لَأُجِيبَتْ. وَقَدْ أَخْرَجَ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب عَنِ إِبْن عَبَّاس: ((أَنَّ رَجُلاً أَقَرَّ بِأَنَّهُ زَلَى بِمْرَأَةِ، فَجَلَّدَهُ النَّبِيّ ◌َ مِائَةِ، ثُمَّ سَأَلَ الْمَرْأَةَ فَقَالَتْ: كَذَبَ، فَجَلَّدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ، وَقَدْ سَكَتَ عَلَيْهِ أبو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم وَاسْتَنْكَرَهُ النَّسَائِيّ. ٦٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَفِيهِ: إِنَّ الْمُخَدَّرَةِ الَّتِي لَا تَعْتَادِ الْبُرُوزِ لَا تُكَلَّف الْحُضُورَ لِمَجْلِسِ الْحُكْم، بَلْ يَجُوزِ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يَحْكُمْ لَهَا وَعَلَيْهَا، وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيُّ لِذَلِكَ. وَفِيهِ: إِنَّ السَّائِلِ يَذْكُر كُلَّ مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّة لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَفْهَمِ الْمُفْتِي، أو الْحَاكِم مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَدِلّ بِهِ عَلَى خُصُوص الْحُكْم فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِقَوْلِ السَّائِلِ: إِنَّ إِبْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، وهو إِنَّمَا جَاءَ يَسْأَل عَنْ حُكْم الزِّنَا، وَالسِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيم لِإِبْنِهِ مَعْذِرَةً مَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعِهْرِ، وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَى الْمَرْأَةَ مَثَلاً وَلَا إِسْتَكْرَهَهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ لِطُولِ الْمُلَازَمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَزِيدِ التَّأْنِيسِ وَالْإِذْلَال، فَيُسْتَفَاد مِنْهُ الْحَثّ عَلَى إِبْعَادِ الْأَجْنَبِيّ مِن الْأَجْنَبِيَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرَةِ قَدْ تُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ، وَبَتَسَوَّر بِهَا الشَّيْطَانُ إِلَى الْإِفْسَاد. وَفِيهِ: جَوَاز اِسْتِفْتَاء الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَالرَّدّ عَلَى مَنْ مَنَعَ التَّابِعِيَّ أَنْ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الصَّحَابِّ مَثَلاً. وَفِيهِ: جَوَازِ الإِكْتِفَاءِ فِي الْحُكُم بِالْأَمْرِ النَّاشِئِ عَنِ الظَّنّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِين، لَكِنْ إِذَا اِخْتَلَفُوا عَلَى الْمُسْتَفْتِي يَرْجِعِ إِلَى مَا يُفِيد الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الشَّرِيف مَنْ يُفْتِي بِالظَّنِّ الَّذِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ أَصْلِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ ذَلِكَ مِن الْمُنَافِقِينَ أُو مَنْ قَرُّبَ عَهْدُهُ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ: إِنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يُقْتُونَ فِي عَهْدِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَفِي بَده، وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّد بْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بَابًا لِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ بِأَسَانِيدِ فِيهَا الْوَاقِدِيّ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَانِ وَعَلِيًّا وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْفٍ وَأَبِي بْن گَعْب وَمَعَاذ بْن جَبَل وَزَيْد بْن ثَابِت. وَفِيهِ: إِنَّ الْحُكْمِ الْمَبْنِيّ عَلَى الظّنّ يُنْقَض بِمَا يُفِيد الْقَطْع. وَفِيهِ: إِنَّ الْحَدّ لَا يَقْبَلِ الْفِدَاء، وهو ◌ُجْمَع عَلَيْهِ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْحِرَابَة وَشُرْب الْمُسْكِر. وَاخْتُلِفَ فِي الْقَذْفِ وَالصَّحِيحِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي الْفِدَاءِ فِي الْبَدَن كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالْأَظْرَافِ، وَأَنَّ الصُّلْحِ الْمَبْنِيّ عَلَى غَيْرِ الشَّرْعِ يُرَدّ، وَيُعَادِ الْمَالُ ٦٣٧ كتاب الحدود الْمَأْخُوذِ فِیهِ. قَالَ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّن ضَعْف عُذْرِ مَن ◌ِعْتَذَرَ مِن الْفُقَهَاءِ عَنْ بَعْض الْعُقُودِ الْفَاسِدَة بِأَنَّ الْمُتَعَاوِضَيْنِ تَرَاضَيَا، وَأَذِنَ كُلّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي التَّصَرُّف، وَالْحَقِ أَنَّ الْإِذْنِ فِي النَّصَرُّف مُقَيَّد بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَة. وَفِيهِ: جَوَازِ الاِسْتِنَابَةِ فِي إِقَامَة الْحَدّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْإِعْذَارِ وَالإِكْتِفَاءِ فِيهِ بِوَاحِدٍ، وَأَجَابَ عِيَاض بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ ثَبَتَ عِنْدِ النَِّيّ ◌َّهُ بِشَهَادَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي تُقْبَل شَهَادَته مِن الثَّلَاثَة وَالِدِ الْعَسِيف فَقَظْ، وَأَمَّا الْعَسِيف وَالزَّوْجِ فَلَا، وَغَفَلَ بَعْض مَنْ تَبِعَ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا بُدّ مِنْ هَذَا الْحُمْلِ وَإِلَّا لَزِمَ الِكْتِفَاءِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَلَا قَائِل بِهِ. وَيُمْكِنِ الاِنْفِصَالِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ أُنَيْسًا بُعِثَ حَاكِمًا، فَاسْتَوْقَى شُرُوطِ الْحُكَمْ ثُمَّ إِسْتَأْذَنَ فِي رَجْمِهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي رَجْمَهَا، وَكَيْف يُتَصَوَّرِ مِن الصُّورَة الْمَذْكُورَةِ إِقَامَة الشَّهَادَة عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّم دَعْوَى عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى وَكِيلِهَا مَعَ حُضُورِهَا فِي الْبَلَدِ غَيْرِ مُتَوَارِيَّة، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا شَهَادَة حِسْبَة، وَيُجَاب بِأَنَّهُ لَمْ يَقَع هُنَاكَ صِيغَة الشَّهَادَة الْمَشْرُوطَةِ فِي ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْحُكْم بِإِقْرَارِ الْجَانِي مِنْ غَيْرِ ضَبْطِ بِشَهَادَةٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا وَاقِعَة عَيْنٍ، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون أُنَيْس أَشْهَدَ قَبْل رَجْمهَا. قَالَ عِيَاض: اِحْتَجَّ قَوْم بِجَوَازِ حُكْم الْحَاكِم فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخُصْمِ عِنْده، وهو أَحَدِ قَوْلَي الشَّافِعِيّ وَبِهِ قَالَ أبو ثَوْرِ، وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُور، وَالخِلاف فِي غَيْرِ الْحُدُودِ أَقْوَى، قَالَ: وَقِصَّة أُنَيْس يَظْرُقِهَا إِحْتِمَال مَعْنَى الْإِعْذَارِ كَمَا مَضَى، وَأَنَّ قَوْله: ((فَارْجُمْهَا)) أي: بَعْد إِعْلَامِي، أو أَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، فَإِذَا اِعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةٍ مَنْ يَثْبُتِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ تَحْكُمُ، وَقَدْ دَلَّ قَوْله: ((فَأَمَرَ بِهَا رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَرُجِمَتْ)) أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِلـ هُو الَّذِي حَكَمَ فِيهَا بَعْد أَنْ أَعْلَمَهُ أُنَيْسِ بِاغْتِرَافِهَا، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ أُنَيْسًا لَمَّا إِعْتَرَفَتْ أَعْلَمَ النَِّيّ ◌َِّهِ مُبَالَغَة فِي الإِسْتِثْبَاتِ، مَعَ كَوْنِه كَانَ عَلَّقَ لَهُ رَجْمَهَا عَلَى ٦٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن اعترافھَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ حُضُورِ الْإِمَامِ الرَّجْمَ لَيْسَ شَرْطَا، وَفِيهِ نَظَرَ لِحْتِمَالِ أَنَّ أُنَيْسَا كَانَ حَاكِمًا وَقَدْ حَضَرَ بَلْ بَاشَرَ الرَّجْمَ لِظَاهِرٍ قَوْله: «فَرَجَمَهَا)). وَفِيهِ: تَرْكِ الْجُمْعِ بَيْنِ الْجَلْد وَالتَّغْرِيب، وَسَيَأْتِي فِي («بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ». وَفِيهِ: الإِكْتِفَاء بِالإِعْتِرَافِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَة؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَكَرَّرَ إِعْتِرَافِهَا، وَالإِكْتِفَاءِ بِالرَّجْمِ مِنْ غَيْرِ جَلْد؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ فِي قِصَّتَهَا أَيْضًا، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّ الْفِعْلِ لَا عُمُومِ لَهُ فَالتَّرْكِ أُولَی. وَفِيهِ: جَوَاز اِسْتِثْجَارِ الْحُرّ، وَجَوَاز إِجَارَة الْأَب وَلَده الصَّغِيرِ لِمَنْ يَسْتَخْدِمُهُ إِذَا إِحْتَاجَ لِذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة دَعْوَى الْأَب لِمَحْجُورِهِ، وَلَو كَانَ بَالِغًا لِكَوْنِ الْوَلَد كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يَتَكَلَّمَ إِلَّ أبوهُ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون وَكِيله أو لِأَنَّ التَّدَاعِي لَمْ يَقَعْ إِلَّا بِسَبَبِ الْمَالِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْفِدَاءِ، فَكَأَنَّ وَالِدِ الْعَسِيف ◌ِدَّعَى عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةُ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إِمَّا لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا لِمْرَأَتِهِ بِسَبَبٍ ذَلِكَ حِين أَعْلَمَهُ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِأَنَّ ذَلِكَ الصُّلْحِ فَاسِدٍ لِيَسْتَعِيدَهُ مِنْهُ سَوَاء كَانَ مِنْ مَاله أو مِنْ مَال وَلَّده، فَأَمَرَهُ النَّبِيّ ◌ََّ بِرَدِّ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ مِن الْحَدّ فَبِاعْتِرَافِ الْعَسِيفِ ثُمَّ الْمَرْأَة. وَفِيهِ: إِنَّ حَالِ الزَّانِيَيْنِ إِذَا اِخْتَلَفَا أُقِيمَ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ حَدّه؛ لِأَنَّ الْعَسِيف جُلِدَ وَالْمَرْأَةَ رُجِمَتْ، فَكَذَا لَو كَانَ أَحَدهمَا حُرًّا وَالْآخَرِ رَقِيقًا، وَكَذَا لَو زَنَى بَالِغْ بِصَبِيَّةٍ أو عَاقِل بِمَجْنُونَةٍ حُدَّ الْبَالِغِ وَالْعَاقِلِ دُونِهمَا، وَكَذَا عَكْسه. وَفِيهِ: إِنَّ مَنْ قَذَفَ وَلَدِه لَا يُحَدّ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلِ قَالَ: إِنَّ إِبْنِي زَلَى وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْف. [الفتح (٢٥٤/١٩)]. ٣٥٥٦ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَلَى وَلَمْ يُحْصَنْ