Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٣٩
كتاب النكاح/ باب المحرمات
عَلَيْهَا وَيَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسِ رَضَعَاتِ ثُمَّ يَدْخُل عَلَيْهَا)) وَإِسْنَاده صَحِيحٍ وَهُوَ
صَرِيحِ، فَأَيّ ظَنٌّ غَالِب وَرَاءِ هَذَا؟ وَالله ◌َوَ أَعْلَم.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازِ دُخُول مَن اِعْتَرَفَتِ الْمَرْأَةُ بِالرَّضَاعَةِ مَعَهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ
يَصِير أَخَّا لَهَا، وَقَبُول قَوْلِهَا فِيمَن إِعْتَرَفَتْ بِهِ، وَأَنَّ الزَّوْجِ يَسْأَلَ زَوْجَته عَنْ سَبَب
إِدْخَالِ الرِّجَالِ بَيْته، وَالإِحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَفِي قِصَّة سَالِمِ جَوَازِ الْإِرْشَادِ إِلَى
الْحِيَل.
وَقَالَ إِبْنِ الرِّفْعَةِ: يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَازِ تَعَاطِي مَا يُحَصِّل الْحِلّ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَإِنْ كَانَ
لَيْسَ حَلالاً في الحال. [((الفتح)) (٣٦٤/١٤)].
٣١٦٩ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْخَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَّبِي إِهَابٍ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ
فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا
أَخْبَرْتِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلٍ أَبِي إِهَابٍ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ
إِلَى النَّبِيّ ◌َهَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ،
وَذَكَحَتْ زَوْجًّا غَيْرَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
٣١٧٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى
أَوْطَاسِ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَهُ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
[النساء: ٢٤] أَىْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
الفصل الثاني
٣١٧١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوِ
الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَالْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أَخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى
(١) أخرجه البخاري (٨٨).
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٨١) وأبو داود (٢١٥٧) والنسائي (٣٣٤٦) والبيهقي في «سننه» (١٤٣٢٩).

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِمُّ،
وَالنَّسَائِيُّ وَرِوَايَتُهُ إِلَى قَولِهِ: بِنْتِ أُخْتِهَا].
(لَا تُنْكَح) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى عَمَّتْهَا) سَوَاء كَانَتْ سُفْلَى كَأُخْتِ الْأَبِ أَوْ
عُلْيَا كَأُخْتِ الْجَدّ مَثَلاً (عَلَى خَالَتْهَا) سُفْلَى كَانَتْ أَوْ عُلْيَا (وَلَا تُنْكَحِ الْكُبْرَى) أي:
سِنَّا غَالِيًّا أَوْ رُتْبَةٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمّ، وَالْمُرَادِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ (عَلَى الصُّغْرَى) أي: بِنْت الْأَخِ
أَوْ بِنْتِ الْأُخْتِ، وَسُمِّيَتْ صُغْرَى؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنْت، وَهَذِهِ الْجُمْلَةِ كَالْبَيَانِ لِلْعِلَّةِ
وَالتَّأْكِيد لِلْحُكْمِ (وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى) كَرَّرَ النَّفْي مِن الْجَانِبَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِقَوْلِهِ:
(لَا تُنْكَحِ الْمَرْأَةَ عَلَى عَمَّتْهَا .... إِلَخْ)) وَلِدَفْعِ تَوَهُم جَوَاز تَزَوُّجِ الْعَمَّة عَلَى بِنْت أَخِيهَا،
وَالْخَالَة عَلَى بِنْت أُخْتَهَا؛ لِفَضِيلَةِ الْعَمَّة وَالْخَالَةِ كَمَا يَجُوزِ تَزَوُّجِ الْخَرَّةِ عَلَى الْأَمَة.
قَالَ الْخَطَّابِيّ فِي (الْمَعَالِم): يُشْبِهِ أَنْ يَكُونِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَالله أَعْلَمْ: مَا يُخَاف
مِنْ وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنهنَّ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَكَة فِي الْحَظّ مِن الزَّوْجِ تُوقِعِ الْمُنَافَسَة بَيْنهنَّ،
فَيَكُون مِنْهَا قَطِيعَة الرَّحِمِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَخْرُمُ الْجُمْعِ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ فِي
الْوَظْء، وَهَوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقِيَاسِه أَلَا يُجْمَعِ بَيْنِ الْأَمَة وَبَيْنِ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتْهَا فِي
الْوَظْء. اِنْتَهَى.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيّ: حَسَن صَحِيح. [(عون المعبود)) (٤٥٤/٤)].
٣١٧٢ . [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ [نِيَارٍ)(٢) وَمَعَهُ لِوَاءً،
فَقُلْتُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبِيهِ أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِهِ (٣).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
{وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيّ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ
(١) أخرجه أحمد (٩٧٤٨) والترمذي (١١٥٣) وأبو داود (٢٠٦٧) والنسائي (٣٣٠٩) والدارمي (٢٢٣٣).
(٢) في بعض نُسخ المشكاة المطبوعة: دينار.
(٣) أخرجه الترمذي (١٤١٤) ولم أقف عليه عند أبي داود بهذا اللفظ.

٤٤١
كتاب النكاح/ باب المحرمات
مَالَهُ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة قَالَ: ((عَمِّي)) بَدَل (خَالِي))](١).
٣١٧٣ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّ مَا
فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
٣١٧٤ - [وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجِ الأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا
يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: غُرَّةً عَبْدٌ أَوْ أَمَةُ (٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمُّ].
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: غُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةُ) قَالَ
في ((النّهَايَة)): الْمَذَمَّة بِالْفَتْحِ مَفْعَلَة مِن الذَّمّ، وَبِالْكَسْرِ مِن الذِّمَّة وَالذِّمَامِ، وَقِيلَ: هِيَ
بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: الْحَقِّ وَالْخُرْمَة الَّتِي يُذَمّ مُضَيِّعهَا، وَالْمُرَاد بِمَذَمَّةِ الرَّضَاعِ: الْحَقِ اللَّازِم
بِسَبَبِ الرَّضَاعِ، فَكَأَنَّهُ سَأَلَ مَا يُسْقِطِ عَنِّ حَقّ الْمُرْضِعَةِ حَتَّى أَكُون قَدْ أَدَّيْته كَامِلاً،
وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَهَبُوا لِلْمُرْضِعَةِ عِنْدِ فِصَالِ الصَّبِيّ شَيْئًا سِوَى أَجْرَتِهَا. [السيوطي
على النسائي (٣٦/٥)].
٣١٧٥ - [وَعَنْ أَبِيِ الظُّفَيْلِ الْغَنَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهَ إِذْ أَقْبَلَتِ
امْرَأَةٌ، فَبَسَطَ النَّبِيُّ ◌َ رِدَاءَهُ حَتَّى فَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ قِيلَ: هَذِهِ أَرْضَعَتِ
النَّبِيَّ ◌َ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ].
٣١٧٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾ أَنَّ غَيْلَانِ بْنُ سَلَمَةَ النَّقَفِي أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي
الجَاهليَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ(٥). رَوَاهُ أَحْمَدُ
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٥٩) وأحمد (١٩٠٦١) والنسائي (٣٣٤٥) وابن ماجه (٢٧٠٦) والداري
(٢٢٩٤).
(٢) أخرجه الترمذي (١١٥٢) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (٤٢٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي (١١٨٦) وأبو داود (٢٠٦٦) وأحمد (١٦١٤٦) والنسائي (٣٣٤٢) والدارمي
(٢٣٠٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٥١٤٦) والترمذي (١١٨٦).
(٥) أخرجه أحمد (٥١٤٤) والترمذي (١١٥٦) وابن ماجه (٢٠٢٩).

٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَالِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
٣١٧٧ - [وَعَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَّةً قَالَ: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ
وَ فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عِنْدِي: عَاقِرٍ مُنْذُ
سِتِينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا (١). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)].
٣١٧٨ - [وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله،
إِّي أَسْلَمْتُ وَتَخْتِي أُخْتَانٍ، قَالَ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ(٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنُ
مَاجَه].
(عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوز) بِفَتْحِ فَائِهِ غَيْرِ مُنْصَرِف؛ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّة (عَنْ
أَبِهِ) هُوَ فَيْرُوزِ، وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسِ مِنْ فُرْس صَنْعَاءِ، وَكَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَى النَِّيّ
وَهُوَ قَاتِلِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيّ الْكَذَّابِ الَّذِي إِدَّعَى الثُّبُوَّة بِالْيَمَنِ، قُتِلَ فِي آخِرِ أَيَّامٍ
رَسُول اللّه وَّهِ وَوَصَلَهُ خَبَرَه فِي مَرَضِه الَّذِي مَاتَ فِيهِ (اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ) ذَهَبَ
الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَدٍ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ رَجُلٍ وَتَحْتِه أُخْتَانٍ، وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَار
إِحْدَاهُمَا سَوَاء كَانَتِ الْمُخْتَارَةِ تَزَوَّجَهَا أَوَّلاً أَوْ آخِرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللّهِ: إِنْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا لَا يَجُوزِ لَهُ أَنْ يَخْتَارِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا،
وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا مُتَعَاقِبَتَيْنٍ لَهُ أَنْ يَخْتَارِ الْأُولَى مِنْهُمَا دُونِ الْأَخِيرَةِ. كَذَا فِي (الْمِرْقَاة)).
قُلْت: وَالظَّاهِرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ لِتَرْكِهِ ﴾ لِلاِسْتِفْصَالِ.
قَالَ الْخَطَّابِيّ: فِيهِ حُجَّة لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ إِخْتِيَارِهِ إِحْدَاهَا لَا يَكُون فَسْخًا
لِنْكَاجِ الْأُخْرَى حَتَّى يُطَلِّقھَا.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَسَن،
وَفِي لَفْظ إِبْنِ مَاجَه: ((طَلِّقْ)) كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَالَ إِبْنِ الْقَيِّم: هَذَا الْحَدِيث يَرْوِيِهِ أَبُو وَهْب الْجَيْشَانِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوز
(١) أخرجه البيهقي في («سننه» (١٤٤٣٨) والبغوي (٥٤/٥).
(٢) أخرجه الترمذي (١١٥٨) وأبو داود (٢٢٤٥) وابن ماجه (٢٠٢٧) والدار قطني (٣٧٣٩).

٤٤٣
كتاب النكاح/ باب المحرمات
عَنْ أَبِيهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث نَظَرَ. وَوَجْهُ قَوْله: أَنَّ أَبًا وَهْب وَالضَّحَّاك
مَجْهُولُ حَالُهُمَا، وَفِيهِ يَحْنَى اِبْنِ أَيُّوب، ضَعِيف.
وَقَوْله: ((طَلِّقْ أَيَّتَهمَا شِئْت)) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَة لَمْ يَكُن إِخْتِيَارًا لَّهَا
كَمَا قَالَ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ، قَالُوا: لِأَنَّ الظَّلَاق إِنَّمَا يَكُون لِلْزَّوْجَةِ لَا
لِلْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا كَانَ دَلِيلاً عَلَى اِسْتِبْقَاءِ نِكَاحِهَا، وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا، فَإِنَّ طَلَاقه
لَهَا إِنَّمَا هَوَ رَغْبَة عَنْهَا وَقَطْعِ لِيِكَاحِهَا، فَكَيْفِ يَكُون اِخْتِيَارًا لَهَا؟ وَهُوَ لَوْ قَالَ:
(طَلَّقْتِ هَذِهِ وَأَمْسَكْتِ هَذِهِ) أَوْ ((إِخْتَرْتِ هَذِهِ)) جَعَلْتُمُ الَّتِي إِخْتَارَ إِمْسَاكِهَا مُفَارَقَة،
وَالَّتِي إِخْتَارَ طَلَاقِهَا مُخْتَارَة؟! وَهَذَا مَعْلُومٍ أَنَّهُ ضِدّ مَقْصُوده.
وَأَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ لَفْظِ الظَّلَاقِ فِي مُفَارَقَتِهَا النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ لَهُ:
((فَارِقْ سَائِرِهِنَّ)) وَالْمُفَارَقَة أَيْضًا مِنْ سَرَائِحِ الظَّلَاقِ عِنْدِكُمْ، فَإِذَا قَالَ: ((فَارَقْت ◌َهَذِهِ))
كَانَ اِخْتِيَارًا لَهَا، وَهَذَا أَحَد الْوَجْهَيْنِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَكُون مُفَارِقًا لَهَا إِذَا قَالَ: فَسَخْت
نِكَاحِ هَؤُلَاءِ أَوْ اِخْتَرْتِ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِ، وَصَاحِب الشَّرْعِ قَدْ أَمَرَهُ بِالْفِرَاقِ، وَإِذَا أَنَّى
بِاللَّفْظِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ فِرَاقًا لَا إِخْتِيَارًا.
وَأَمَّا قَوْلهُمْ: ((إِنَّ الظَّلَاق لَا يَكُون فِي زَوْجَة)) قُلْنَا: هَذَا يُنْتَقَض بِالْفَسْخِ، وَإِنَّكُمْ
قَدْ قُلْتُمْ: (لَوْ فَسَخَ نِكَاحِ إِحْدَاهُنَّ)) كَانَ إِخْتِيَارًا لِلْبَاقِيَاتِ، وَمَعْلُومٍ أَنَّ الْفَسْخِ لَا
يَكُون إِلَّ فِي زَوْجَة، فَمَا هَوَ جَوَابِكُمْ فِي الْفَسْخِ؟ هُوَ الْجَوَاب في الظَّلَاق.
وَأَيْضًا، فَالظَّلَاقِ جُعِلَ عِبَارَة عَنِ الْفَسْخِ، وَإِخْرَاجًا لِلْمُطَلَّقَةِ، وَاسْتِبْقَاء لِلْأُخْرَى،
فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَرْسَلْتِ هَذِهِ وَسَيِّبْتَهَا وَنَحْوِهِ، وَأَمْسَكْت هَذِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ النَّكَاحِ لَمْ تَزُلْ أَحْكَامِه كُلّهَا بِالْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا قُلْتُمْ: إِنَّ عِدَّة
الْمُفَارَقَاتِ مِنْ حِينِ الإِخْتِيَارِ، لَا مِنْ حِين الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَّلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُنَّ
إِنَّمَا بِنَّ مِنْهُ بِالإِخْتِيَارِ لَا بِالْإِسْلَامِ، فَالطَّلَاقِ أَثَرُّ فِي قَطْعِ أَحْكَامِ النَّكَاحِ وَإِزَالَتْهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْعِبْرَةِ بِالْقَصْدِ وَالنَّيَّة، وَهُوَ لَمْ يُرِدْ قَطّ بِقَوْلِهِ: ((طَلَّقْتِ هَذِهِ)
إِخْتِيَارِهَا، بَلْ هَذَا قَلْب لِلْحَقَائِقِ.

٤٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَأَيْضًا، فَإِنَّ لَفْظِ الظَّلَاقِ لَمْ يُوضَع لِلإِخْتِيَارِ لُغَة وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَلَا
هو إِصْطِلَاعُ خَاصّ لَهُ يُرِيدُهُ بِكَلَامِهِ فَحَمْلَه عَلَى الإِخْتِيَارِ مُمْتَنِعٍ. [((فتح الودود))
(١٢٣/٥)].
٣١٧٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةً فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ
وَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ قَدْ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِ، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ الله ◌َِّ مِنْ
زَوْجِهَا الآخَرِ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ(١). وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدَّهَا
عَلَيْهِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ].
٣١٨٠ - [وَرُويَ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ رَدَّهِنَّ النَّبيُّ ◌َلّ بِالنكاح
الأَوّلِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، عنْدَ اجْتِمَاعِ الإِسْلامَيْنِ بَعْد اخْتِلافِ الدِّينِ وَالدَّارِ، مِنْهُنَّ بِنْتُ
الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا
صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الإِسْلَامِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِلَيْهِ ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِدَاءِ
رَسُولِ اللهِوَّ﴿ أَمَانًا لِصَفْوَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ جَعَلَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ ﴾ قَسْيِيرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ حَتَّى
أَسْلَمَ، فَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ امرَاٌ عِكْرِمَةً بْنِ أَبِي
جَهْلٍ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةٍ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنَ الإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمِ
حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ، فَدَعَتْهُ إِلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَتَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ (٣).
رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلاً].
الفصل الثالث
٣١٨١ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: حَرُّمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعُ، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعُ، ثُمَّ قَرَّأَ:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاتُكُمْ .... ﴾ [النساء: ٢٣](٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٤١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٤٠) والترمذي (١١٧٥) وأحمد (٢٠٩٠).
(٣) أخرجه مالك (١١٣٩ - ١١٤١).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٠٥).

٤٤٥
كتاب النكاح/ باب المحرمات
(حَرُمَ مِن النَّسَبِ سَبْعٍ، وَمِن الصِّهْرِ سَبْعِ) فِي رِوَايَة إِبْنِ مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَن
الْإِسْمَاعِيلِيّ: ((حَرُمَ عَلَيْكُمْ)) وَفِي لَفْظ: ((حَرُمَتْ عَلَيْكُمْ)).
(ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاتُكُمْ .... ﴾) فِي رِوَايَة يَزِيد بْنِ هَارُون عَنْ سُفْيَان
عِنْد الْإِسْمَاعِيلِ: ((قَرَأْ الْآَيَتَيْنِ)).
وَوَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ مَوْلَى اِبْنِ عَبَّاس عَنِ اِبْنِ عَبَّاس فِي آخِر
الْحَدِيث: (ثُمَّ قَرَأَ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاتِكُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَبَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَات
الْأُخْتِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هَذَا النَّسَبِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَمَّهَاتِكُمُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَأَنْ
تَجْمَعُوا بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنِ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]
فَقَالَ: هَذَا الصِّهْرِ)). اِنْتَهَى، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ كَانَتِ الْجُمْلَةِ خَمْس عَشْرَة إِمْرَأَةَ.
وَفِي تَسْمِيَة مَا هو بِالرَّضَاعِ صِهْرًا تَجُوُّز، وَكَذَلِكَ إِمْرَأَةَ الْغَيْرِ، وَجَمِيعهنَّ عَلَى التَأْبِيد
إلَّا الْجَمْعِ بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ وَامْرَأَةَ الْغَيْرِ، وَيَلْتَحِقِ بِمَنْ ذُكِرَ مَوْطُوءَة الْجَدّ وَإِنْ عَلَا، وَأُمَ الْأُمّ
وَلَوْ عَلَتْ، وَكَذَا أُمَّ الْأَب، وَبِنْتِ الاِبْنِ وَلَوْ سَفَلَتْ، وَكَذَا بِنْت الْبِنْت، وَبِنْت بِنْتِ الْأُخْت
وَلَوْ سَفَلَتْ، وَكَذَا بِنْت بِنْتِ الْأَخِ، وَبِئْت اِبْنِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَعَمَّة الْأَب وَلَوْ عَلَتْ،
وَكَذَا عَمَّة الْأُمَّ، وَخَالَة الْأُمّ وَلَوْ عَلَتْ، وَكَذَا خَالَة الْأَب، وَجَدَّة الزَّوْجَة وَلَوْ عَلَتْ، وَبِنْت
الَّبِيبَة وَلَوْ سَفَلَتْ، وَكَذَا بِنْتِ الرَّبِيبِ، وَزَوْجَة ◌ِبْنِ الإِبْنِ وَابْنِ الْبِئْت، وَالْجُمْعِ بَيْنِ الْمَرْأَةُ
وَعَمَّتَهَا أَوْ خَالَتْهَا. [((الفتح)) (٣٥١/١٤)].
٣١٨٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسولَ اللهِ﴾ قَالَ: أَيُّمَا
رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِجِ ابْنَتَهَا،
وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا دَخَلَ بِهَا أَوْلَمْ يَدْخُلْ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ لَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، إِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهُمَا يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ].
(١) أخرجه الترمذي (١١٤٣) والبيهقي في ((سننه)) (١٤٢٨٥).

باب المباشرة
الفصل الأول
٣١٨٣ - [عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَتِ الَّهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَفَى الرَّجلُ امْرَأْتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي
قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾
[البقرة:٢٢٣](١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(﴿فَأْتُوا حَرْنَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾﴾ أي: مَوْضِعِ الزَّرْعِ مِن الْمَرْأَةُ، وَهُوَ قُبُلَهَا الَّذِي
يُزْرَعِ فِيهِ الْمَنِيّ؛ لِابْتِغَاءِ الْوَلَه، فَفِيهِ إِبَاحَة وَظْئِهَا فِي قُبُلهَا، إِنْ شَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَإِنْ
شَاءَ مِنْ وَرَائِهَا، وَإِنْ شَاءَ مَكْبُوبَةٍ، وَأَمَّ الدُّبُر فَلَيْسَ هُوَ بِحَرْثٍ وَلَا مَوْضِعِ زَرْعٍ، وَ﴿أَنّى
شِئْتُمْ﴾ أي: كَيْف شِئْتُمْ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدّ بِهِمْ عَلَى تَخْرِيمِ وَظْءِ الْمَرْأَةَ فِي دُبُرُهَا حَائِضًا كَانَتْ أَوْ
طَاهِرًا، لِأَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة كَحَدِيثِ: ((مَلْعُون مَنْ أَنَى إِمْرَأَةٍ فِي دُبُرُهَا)).
قَالَ أَصْحَابِنَا: لَا يَحِلّ الْوَظْءِ فِي الدُّبُرِ فِي شَيْءٍ مِن الْآدَمِيِّينَ، وَلَا غَيْرِهِمْ مِن
الْحَيَوَانِ فِي حَال مِن الْأَحْوَال، وَالله أَعْلَم.
٣١٨٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ (٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمُ: فَبَلَغَ
ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ فَلَمْ يَنْهَنَا].
(كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِّ: «كَانَ يُعْزَل)» بِضَمِّ أَوَّله
وَفَتْحَ الزَّاي عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَكَأَنَّ إِبْن عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ فَمَرَّة: ذَكَرَ فِيهَا
(١) أخرجه البخاري (٤٥٢٨) ومسلم (٣٦٠٩) وأبو داود (٢١٦٥) والترمذي (٣٢٤٥) وابن ماجه
(٢٠٠٠) والدارمي (١١٧٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٠٩) ومسلم (٣٦٣٤) والترمذي (١١٦٧) وأحمد (١٤٦٩٠) وابن ماجه
(٢٠٠٢).
- ٤٤٦ -

٤٤٧
كتاب النكاح / باب المباشرة
الْأَخْبَارِ وَالسَّمَاعِ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمَرَّة: ذَكَرَهُ بِالْعَنْعَنَةِ
فَذَ گرهَا.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيٌّ مِنْ طُرُق عَنْ سُفْيَانِ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ، قَالَ:
((حَدَّثَنَا عَمْرو بْنِ دِينَار)).
وَزَادَ إِبْنِ أَبِي عُمَرٍ فِي رِوَايَتِه عَنْ سُفْيَانِ: ((عَلَى عَهْدِ رَسُول اللّهِ وَ).
وَزَادَ إِبْرَاهِيمِ بْن مُوسَى فِي رِوَايَتِه عَنْ سُفْيَانِ أَنَّهُ قَالَ حِينِ رَوَى هَذَا الْحَدِيث:
((أي: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَنَزَلَ فِيهِ)).
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٍ هَذِهِ الزِّيَادَة عَنْ إِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَانِ، فَسَاقَهُ بِلَفْظِ:
(كُنَّا نَعْزِل وَالْقُرْآنِ يَنْزِل)) قَالَ سُفْيَان: لَوْ كَانَ شَيْئًا يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآن، فَهَذَا
ظَاهِرِ فِي أَنَّ سُفْيَانِ قَالَهُ إِسْتِنْبَاطًا.
وَأَوْهَمَ كَلَامِ صَاحِب ((الْعُمْدَة) وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ هَذِهِ الزَّيَادَة مِنْ نَفْس الْحَدِيث
فَأَدْرَجَهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرِ كَذَلِكَ فَإِّ تَتَبَّعْته مِن الْمَسَانِيدِ، فَوَجَدْت أَكْثَرِ رُوَاته عَنْ
سُفْيَانِ لَا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الزِّيَادَة.
وَشَرَحَهُ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي ((الْعُمْدَة)) فَقَالَ: اِسْتِدْلَال جَابِرِ بِالتَّقْرِيرِ
مِن الله غَرِيب، وَيُمْكِن أَنْ يَكُون اِسْتَدَلَّ بِتَقْرِيرِ الرَّسُول لَكِنَّهُ مَشْرُوط بِعِلْمِهِ
بِذَلِكَ. إِنْتَفَى.
وَيَكْفِي فِي عِلْمِه بِهِ قَوْل الصَّحَابِيّ إِنَّهُ فَعَلَهُ فِي عَهْده، وَالْمَسْأَلَةِ مَشْهُورَة فِي
الْأُصُولِ وَفِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَهِيَ أَنَّ الصَّحَابِيّ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى زَمَنِ النَّبِيّ ◌َِّ كَانَ لَهُ
حُكْمُ الرَّفْع ◌ِنْد الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ إِطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُ لِتَوَقُّرِ
دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا لَمْ يُضِفْهُ فَلَهُ حُكْم الرَّفْعِ عِنْدِ قَوْم، وَهَذَا
مِن الْأَوَّل، فَإِنَّ جَابِرًا صَرَّحَ بِوُقُوعِهِ فِي عَهْده ◌ِّ.
وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّة طُرُق تُصَرِّح بِطَّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرِ لِي أَنَّ الَّذِي
اِسْتَنْبَطَ ذَلِكَ سَوَاء كَانَ هُوَ جَابِرًا أَوْ سُفْيَانِ أَرَادَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ مَا يَقْرَأ، أَعَمّ مِن

٤٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْمُتَعَبَّد بِتِلَاوَتِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُوحَى إِلَى النَّبِيّ ◌َِّ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: فَعَلْنَاهُ فِي زَمَن التَّشْرِيع
وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ نُقَرّ عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرِ قَوْل إِبْنِ عُمَر: «كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَّام
وَالإِنْبِسَاطِ إِلَى نِسَائِنَا هِيْبَةٍ أَنْ يَنْزِلِ فِينَا شَيْءٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ ◌َ، فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ ◌َّ
تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِل عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّه فَبَلَغَ ذَلِكَ نَِّيّ الله ◌َه فَلَمْ يَنْهَنَا)).
وَمِنْ وَجْه آخَرِ عَنْ أَّبِيِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: ((أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولِ اللهِ وَي﴿ فَقَالَ: إِنَّ
لِي جَارِيَةٍ، وَأَنَا أَطُوف عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَه أَنْ تَخْمِلِ، فَقَالَ: إِعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْت، فَإِنَّهُ
سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا، فَلَبِثَ الرَّجُلِ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَة قَدْ حَبِلَتْ، قَالَ: قَدْ
أَخْبَرْتُك)) وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عِنْده مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ لَهُ آخَر إِلَى
جَابِرِ، وَفِي آخِرِهِ: ((فَقَالَ: أَنَا عَبْد الله وَرَسُولِه)) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْنِ مَاجَهَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَة
بِسَنَدٍ آخَر عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ بِمَعْنَاهُ، فَفِي هَذِهِ الطُّرُقِ مَا أَغْنَى عَنِ الإِسْتِنْبَاطِ، فَإِنَّ فِي
إِحْدَاهَا التَّصْرِيحِ بِطَلَاعِهِ وَيهِ، وَفِي الْأُخْرَى إِذْنِه فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ السِّيَاقِ يُشْعِر بِأَنَّهُ
خِلَاف الْأَوْلَى. [((الفتح)) (٧/١٥)].
٣١٨٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ
خَادِمِثْنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَكْرَهُ أَنْ تَحْيِلَ، فَقَالَ: اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا
مَا قُدِّرَ لَهَا، فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ
سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
٣١٨٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي
الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًّا مِنْ سَبْي الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ،
وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللّهِ وَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ
فَسْأَلَهُ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمٍ
(١) أخرجه مسلم (١٤٣٩) وأحمد (١٤٣٨٥) وأبو داود (٢١٧٣).

٤٤٩
كتاب النكاح/ باب المباشرة
الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
٣١٨٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ: مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ
يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٍ (٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
٣١٨٨ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: إِنِّي
أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى
وَلَدِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا مَا ضَارِ فَارِسَ وَالرُّومَ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(أُشْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْرِ الْفَاء؛ أي: أَخَاف.
(مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِس وَلَا الرُّومِ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ؛ أي: مَا ضَرّهمْ، يُقَال: أَضَارَهُ
يُضِيرُهُ ضَيْرًا، وَضَرَّهُ يَضُرّهُ ضُرَّا وَضَرًّا، وَالله أَعْلَم.
٣١٨٩ - [وَعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ فِي أُنَاسِ وَهُوَ
يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هِمْ يُغِيلُونَ
أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا. ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ذَلِكَ
الْوَدُ الْخَفِيُّ، وَهِيَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨](٤). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(عَنْ جُدَامَة بِنْت وَهْب) ذَكَرَ مُسْلِمٍ إِخْتِلَاف الرُّوَاةِ فِيهَا، هلْ هِيَ بِالدَّالِ
الْمُهْمَلَةِ أَمْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؟ قَالَ: وَالصَّحِيحِ أَنَّهَا بِالدَّالِ؛ يَعْنِ: الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا قَالَ
◌ُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الصَّحِيحِ أَنَّهَا بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْجِيمِ مَضْمُومَة بِلَا خِلاف.
(جُدَامَة بِنْت وَهْبِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((جُدَامَة بِنْت وَهْب أُخْت عُكَاشَة)»
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا أُخْتِ عُكَاشَة عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ: إِنَّهَا جُدَامَة بِنْت
(١) أخرجه مالك (١٢٦٠) والبخاري (٤١٣٨) ومسلم (٣٦١٩) وأبو داود (٢١٧٤) وأحمد (١١٩٦٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٣٨) وأحمد (١١٩٠٢) وأبو عوانة (٤٣٤٩) والطيالسي (٢١٧٥) وأبو يعلى
(١١٥٣).
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٤٠).
(٤) أخرجه مسلم (٣٦٣٨) وأحمد (٢٨٢٠٩) والبيهقي في ((سننه» (١٤٧١٩).

٤٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَهْب بْن مُحَصِّن. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ أُخْتِ رَجُلٍ آخَرِ يُقَال لَهُ: عُكَاشَةِ بْنِ وَهْب، لَيْسَ
بِعُكَاشَة بْن مُحَصِّن الْمَشْهُور.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هِيَ جُدَامَةٍ بِنْتِ جَنْدَلَ هَاجَرَتْ. قَالَ: وَالْمُحَدِّثُونَ قَالُوا فِيهَا:
جُدَامَة بِنْت وَهْبِ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالْمُخْتَارِ أَنَّهَا جُدَامَة بِنْت وَهْب الْأَسَدِيَّة
أُخْتِ عُكَشَةِ بْن مُحَصِّنِ الْمَشْهُورِ الْأَسَدِيِّ، وَتَكُون ◌ُخْتهِ مِنْ أُمّه.
وَفِي ((عُكَاشَة)) لُغَتَانِ سَبَقَتَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: تَشْدِيد الْكَافِ وَتَخْفِيفِهَا،
وَالتَّشْدِيد أَفْصَح وَأَشْهَر.
(لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَة حَتَّی ذَكَرْت أَنَّ الرُّومِ وَفَارِس یَصْنَعُونَ ذَلِكَ،
فَلَا يَضُرّ أَوْلَادِهِمْ) قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (الْغِيلَة)) هُنَا بِكَسْرِ الْغَيْنِ، وَيُقَال لَهَا: ((الْغَيْل)) بِفَتْج
الْغَيْنِ مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ، وَ((الْغِيَال)) بِكَسْرِ الْغَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ،
وَقَالَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: ((الْغَيْلَة)) بِفَتْحِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهِيَ الإِسْمِ مِن
الْغِیل.
وَقِيلَ: إِنْ أُرِيدَ بِهَا وَظْءَ الْمُرْضِعِ جَازَ الْغِيلَةِ وَالْغَيْلَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَادِ بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ الْغَيْلِ، فَقَالَ مَالِك فِي
((الْمُوَظَ)) وَالْأَصْمَعِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنْ يُجَامِعِ إِمْرَأَتِه وَهِيَ مُرْضِعِ، يُقَال مِنْهُ: أَغَالَ
الرَّجُلِ وَأَغْيَلَ: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ إِبْنِ السِِّّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِعِ الْمَرْأَةَ وَهِيَ حَامِل، يُقَالِ مِنْهُ: غَالَتْ وَأَغْيَلَت.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: سَبَبِ هَمّهِوَّهِ بِالنَّهْي عَنْهَا أَنَّهُ يَخَاف مِنْهُ ضَرَرِ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ. قَالُوا:
وَالْأَطِّبَّاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنِ دَاءِ، وَالْعَرَبِ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيه.
وَفِي الْحَدِيث: جَوَازِ الْغِيلَة فَإِنَّهُ نَّه لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ سَبَب تَرْكِ النَّهْي.
وَفِيهِ: جَوَازِ الإِجْتِهَادِ لِرَسُولِ الله ◌َِّ. وَلَهُ قَالَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْأُصُولِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزِ لِتَمَّنِهِ مِن الْوَحْي، وَالصَّوَابِ الْأَوَّل. [النووي (١٦٨/٥)].
٣١٩٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ أَعْظَمَ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللّه يَوْمَ

٤٥١
كتاب النكاح / باب المباشرة
الْقِيَامَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ مِنْ أَشَرّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ - الرَّجُلَ يُقْضِي
إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
الفصل الثاني
٣١٩١ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أُوْحِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَلَى شِئْتُمْ.﴾ [البقرة:٢٢٣] قَالَ: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْخَيْضَةَ(٢). رَوَاهُ
التّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
٣١٩٢ - [وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ◌َّ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْبِى مِنَ الْحَقِّ،
لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ (٣) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ].
٣١٩٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مَلْعُونَّ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي
دُبُرِهَا (٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
٣١٩٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا لا
يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ (٥). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))].
٣١٩٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَنَى
رَجُلاً، أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ (٦). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
٣١٩٦ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: لَا تَقْتُلُوا
(١) أخرجه مسلم (١٤٣٧) وأبو داود (٤٨٧٠) وأحمد (١١٦٧٣) والبيهقي (١٣٨٧٥) وأبو عوانة
(٤٢٩٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٣) والترمذي (٢٩٨٠) والطبراني (١٢٣١٧) وأبو يعلى (٢٧٣٦) ولم أقف عليه
عند ابن ماجه بهذا اللفظ.
(٣) أخرجه الترمذي (١١٩٧) وأحمد (٢١٩٠٧) والنسائي في ((الكبرى)) (٨٩٨٢) وابن ماجه (١٩٢٤)
وابن حبان (٤٢٠٠) والدارمي (٢٢١٣) والطبراني (٣٧١٦) والبيهقي (١٣٨٩٤).
(٤) أخرجه أحمد (٩٧٣١) وأبو داود (٢١٦٢) وأبو عوانة (٤٢٩٢).
(٥) أخرجه أحمد (٧٦٧٠) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٧٦) والبغوي (٥٩/٥).
(٦) أخرجه الترمذي (١١٩٨) وقال: حسن غريب.

٤٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أَوْلَادَكُمْ ◌ِرًّا، فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
الفصل الثالث
٣١٩٧ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ أَنَّ
يُعْزَلَ عَنِ الْخُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا (٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(١) أخرجه أحمد (٢٧٦٢٦) وأبو داود (٣٨٨١) وابن ماجه (٢٠١٢) والطبراني (٤٦٣) والبيهقي
(١٥٤٦١) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٣٥٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٠٣).

باب
الفصل الأول
٣١٩٨ - [عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ لَّهَا فِي بَرِيرَةَ: خُذِيهَا
فَأَعْتِقِيهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرَّا لَمْ
يُخَيِّرْهَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
٣١٩٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ،
كَأَنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِخِيَتِهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهُ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةً
مُغِيثًا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: لَوْ رَاجَعْتِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُِّي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَشْفَعُ،
قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ(٢) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
الفصل الثاني
٣٢٠٠ - [عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ مَمْلُوَكَيْنِ لَهَا زَوْجُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ
فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ].
٣٢٠١ - [وَعَنْهَا أَنَّ بَرِيرَةَ عُتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ وَقَالَ
لَهَا: إِنْ قَرِبَكِ فَلاَ خِيَارَ لَكِ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(فَلاَ خِيَارِ لَك) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ خِيَارِ مَنْ عَتَقَتْ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَنَّهُ يَبْظُل إِذَا
مَكَّنَتِ الزَّوْجِ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَةٍ وَأَحْمَدٍ، وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ،
وَلَّهُ قَوْل آخَرِ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي رِوَايَة عَنْهُ: ((أَنَّهُ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ))، وَقِيلَ بِقِيَامِهَا مِنْ
(١) أخرجه البخاري (٢٥٦٣) ومسلم (٣٨٥٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٧٩) وأبوداود (٢٢٣١) والنسائي (٥٤١٧) وابن ماجه (٢٠٧٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٣٩) والنسائي (٤٩٣٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٢٣٦) والبيهقي (١٤٠٦١).
- ٤٥٣ -

٤٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
مَجْلِس الْحَاكِم، وَقِيلَ مِنْ عَجْلِسِهَا، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَوْلِ الْأَوَّل هُوَ
الظَّاهِرِ؛ لِظْلَاقِ التَّخْبِيرِ لَهَا إِلَى غَايَةِ هِيَ تَمْکِینه مِنْ نَفْسهَا.
وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ بِلَفْظِ: ((إِذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةِ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ
مَا لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَشَأْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَ لَهَا فَلَا خِيَارِ لَهَا وَلَا تَسْتَطِيعِ فِرَاقه)). وَفِي رِوَايَة
لِلدَّارَ قُطْنِيّ: ((إِنْ وَطِئَك فَلَا خِيَارِلَك)) كَذَا فِي ((النَّيْلِ)).
وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثالث

باب الصَّداق
(الصداق) ككتاب وسحاب: المهر، والكسر فيه أفصح وأكثر، والفتح أخف
وأشهر، وسمي به؛ لأنه يظهر به صدق ميل الرجل إلى المرأة.
الفصل الأول
جَاءَتْهُ امْرَأَةُ فَقَالَتْ: يَا
٣٢٠٢ - [عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ
رَسُولَ اللهِ، إِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلاً، فَقَامَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟
قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّ إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ: فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ تَجِدْ
شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِيهِ: هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ
كَذَا، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ(١). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا
فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(إِّ قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك) أي: أَمْرِ نَفْسِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْحَقِيقَةِ غَيْرِ
مُرَاده؛ لِأَنَّ رَقَبَةِ الْحُرّ لَا تُمْلَك، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: أَتَزَوَّجِك بِغَيْرِ صَدَاق (فَقَامَتْ قِيَامًا
طَوِيلاً) وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ: ((فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولِ اللهِ وَالْ فَصَعَّدَ النَّظَرِ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ
طَأْطَأَ رَأْسِه)).
(هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟) مِنْ بَابِ الْإِفْعَال؛ أي: تَجْعَل صَدَاقِهَا ذَلِكَ
الشَّيْءِ، وَ((مِنْ)) زَائِدَة فِي الْمُبْتَدَأْ، وَالْخَبَرِ مُتَعَلِّق الظَّرْفِ، وَجُمْلَة: ((تُصْدِقَهَا)) فِي مَوْضِع
الرَّفْعِ صِفَة لِ (شَيْءٍ)) وَيَجُوز فِيهِ الْجُزْمِ عَلَى جَوَابِ الإِسْتِفْهَامِ (مَا عِنْدِي إِلَّ إِزَارِي هَذَا)
عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاء وَلَا إِزَارٍ غَيْرِ مَا عَلَيْهِ (فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد)
(١) أخرجه مالك (١٠٩٦) والشافعي (٢٣١/١) والبخاري (٤٨٤٢) ومسلم (١٤٢٥) وأبو داود (٢١١١)
وأحمد (٢٢٩٠١) والنسائي (٣٣٥٩) والبيهقي (١٤١٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥٥٤).
٤٥٥

٤٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
(لَوْ)) تَقْلِيلِيَّة. قَالَ عِيَاضٍ: وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ خِلاف ذَلِكَ، وَقَوْله: ((خَاتِمًا)) بِكَسْرِ التَّاء
وَفَتْحهَا.
قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيهِ: إِنَّهُ يَجُوزِ أَنْ يَكُونِ الصَّدَاق قَلِيلاً وَكَثِيرًا مِمَّا يُتَمَوَّل إِذَا
تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ؛ لِأَنَّ خَاتِمِ الْحَدِيدِ فِي نِهَايَةٍ مِن الْقِلَّةِ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَهُوَ
مَذْهَب جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنِ السَّلَف وَالْخَلَف.
وَفِيهِ: جَوَاز اتخاذ خَاتِم الحديد.
وَفِيهِ: خِلَاف لِلسَّلَفِ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانٍ: أَصَحّهِمَا لَا يُكْرَه؛ لِأَنَّ
الْحَدِيثِ فِي النَّهْي عَنْهُ ضَعِيف. اِنْتَهَى مُخْتَصَرًا.
(انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ) فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْقُرْآن
صَدَاقًا؛ لِأَنَّ الْبَاءِ يَقْتَضِي الْمُقَابَلَةِ فِي الْعُقُودِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَهْرًا لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِ
إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: (هَلْ مَعَك مِن الْقُرْآنِ شَيْء؟» مَعْنَّى. [عون (٤٩٩/٤)].
٣٢٠٣ - [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ ◌ََّ؟ قَالَتْ:
كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَقِّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّقُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ:
نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ، وَنَشُّ بِالرَّفْعِ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَفِي
جَمِيعِ الأُصُولِ).
(أُوْفِيَّةً) فَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْمُرَادِ: أُوقِيَّةِ الْحِجَازِ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ
دِرْهَمَا (النَّشّ) فَبِنُونٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة مُشَدَّدَة، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا بِهَذَا
الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ كَوْنِ الصَّدَاق خَمْسِمِائَةِ دِرْهَم، وَالْمُرَادِ فِي حَقّ مَنْ يَحْتَمِل
ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَصَدَاق ◌ُمّ حَبِيبَةٍ زَوْجِ النَّبِيّ وَِّ كَانَ أَرْبَعَةِ آلاف دِرْهَم وَأَرْبَعِمِائَةٍ
دِينَارِ، فَالْجْوَابِ أَنَّ هَذَا الْقَدْرِ تَبَرَّعَ بِهِ النَّجَاشِيّ مِنْ مَاله إِكْرَامًا لِلنَّبِيِّ ◌ََّ لَا أَنَّ النَّبِيّ
(١) أخرجه مسلم (٣٥٥٥) وأحمد (٢٥٣٦٣) وابن ماجه (١٩٦٠).

٤٥٧
كتاب النكاح / باب الصّداق
وَ أَدَّاهُ أَوْ عَقَدَ بِهِ، وَالله أَعْلَم.
الفصل الثاني
٣٢٠٤ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿ه قَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ
كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ الله لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللّهِ مَا عَلِمْتُ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِن اثْنَتِيْ
عَشْرَةَ أُوْقِيَّةً(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ].
٣٢٠٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َّهِ قَالَ: مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ
سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(مِلْء كَفَّيْهِ سَوِيقًا) هُوَ دَقِيقِ الْقَمْحِ الْمَقْلُوَ، أَو الذُّرَةِ، أَو الشَّعِيرِ، أَوْ غَيْرِهَا (فَقَد
إِسْتَحَلَّ) الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ يَرْجِعِ إِلَى ((مَنْ)) وَالْمَفْعُولِ مَحْذُوف؛ أي: فَقَدْ جَعَلَهَا حَلَالاً.
قَالَ الْخَطَّابِيّ فِي ((الْمَعَالِمِ)): فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْمَهْرِ وَأَدْنَاهُ غَيْرِ مُؤَقَّت بِشَيْءٍ
مَعْلُومِ، وَإِنَّمَا هو عَلَى مَا تَرَاضَيَا بِهِ الْمُتَنَاكِحَانِ.
وَقَد ◌ِخْتَلَفَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ سُفْيَانِ الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَل
وَإِسْحَاقٍ: لَا تَوْقِيت فِي أَقَلّ الْمَهْرِ وَأَدْنَاهُ وَهُوَ مَا تَرَاضَوْا بِهِ.
وَقَالَ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَلَّتْ لَهُ.
وَقَالَ مَالِك: أَقَلّ الْمَهْر رُبْع دِینَار
وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأَي: أَقَلْه عَشَرَة دَرَاهِم، وَقَدَّرُوهُ بِمَا يُقْطَعِ فِيهِ يَدِ السَّارِقِ
عِنْدهمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِثْلَاف عُضْو. اِنْتَهَى.
قُلْت: وَقَالَ سَعِيد بْنِ جُبَيْرِ: أَقَلّهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا.
(١) أخرجه أحمد (٢٨٥) وأبو داود (٢١٠٦) والترمذي (١١١٤) والنسائي (٣٣٤٩) وابن ماجه (١٨٨٧)
وابن حبان (٤٦٢٠) والدارمي (٢٢٠٠) والطيالسي (٦٤) والحميدي (٢٣) والحاكم (٢٧٢٥) وأبو
نعيم في («الحلية)) (١٣٨/٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١١٠) والبيهقي (١٤١٤٩).

٤٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: أَرْبَعُونَ.
وَقَالَ إِبْنِ شُبْرُمَةَ: خَمْسَة دَرَاهِم.
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ، وَبِحَدِيثِ الْخَاتَمِ الَّذِي سَيَأْتِي، وَبِحَدِيثٍ
عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة: ((إِنَّ إِمْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَة تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنٍ، فَقَالَ رَسُول الله وَّ:
أُرَضِيت مِنْ نَفْسِك وَمَالك بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ)) رَوَاهُ أَحْمَد وَابْنِ مَاجَه
وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ، وَبِحَدِيثِ إِبْنِ عُمَرِ عَنِ النَّبِيّ ◌َلَ قَالَ: ((أَدُّوا الْعَلَائِقِ، قِيلَ، مَا
الْعَلَائِقِ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ، وَلَوْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك)).
وَفِي بَعْض هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَعْف لَكِنْ حَدِيثِ الْخَاتَمِ، وَحَدِيث نَوَاة الذَّهَب مِنْ
أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ، وَفِيهِمَا كِفَايَة لِإِثْبَاتِ الْمَظْلُوبِ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَقْوَالِ الْبَاقِيَةِ دَلِيل
يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَقَلّ هُوَ أَحَدهَا لَا دُونِه، وَمُجَرَّد مُوَافَقَةٍ مَهْر مِن الْمُهُورِ الْوَاقِعَة فِي عَصْر
الثُّبُوَّةِ الْوَاحِد مِنْهَا كَحَدِيثِ النَّوَاةِ مِن الذَّهَب، فَإِنَّهُ مُوَافِقٍ لِقَوْلِ إِبْنِ شُبْرُمَةَ وَلِقَوْلٍ
مَالِك عَلَى حَسَبِ الإِخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهَا، لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ الْمِقْدَارِ الَّذِي لَا يُجْزِئُ دُونه
إِلَّا مَعَ النَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئ دُون ذَلِكَ الْمِقْدَار وَلَا تَصْرِيحِ، فَالرَّاجِحِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
الْأَوَّلُونَ، فَكُلٌ مَا لَهُ قِيمَةٍ صَحَّ أَنْ يَكُون مَهْرًا قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَالله تَعَالَى أَعْلَم
بِالصَّوَابِ.
٣٢٠٦ - [وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ
لَهَا رَسُولُ الله ◌َّهِ: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ(١). رَوَاهُ
التّرمِنِيُّ].
٣٢٠٧ - [وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ
يَفْرِضْ لَهَا شَيئًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا،
لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ،
(١) أخرجه الترمذي (١١٣٧).