Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤١٩
كتاب النكاح/ باب إعلان النكاح والخِطْبَة والشرط
مَنْسُوخ، هَكَذَا سَاقَهُ الْبَيْهَِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقِ لِلتَّفْسِيرِ
الْمَنْقُولِ فِي الْحَدِيث، وَاخْتَلَفَ نَصّ الشَّافِعِيّ فِيمَا إِذَا سَمَّى مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا فَنَصَّ فِي
((الْإِمْلَاء)) عَلَى الْبُطْلَانِ، وَظَاهِرِ نَصّه فِي ((الْمُخْتَصَرِ)) الصِّحَّة، وَعَلَى ذَلِكَ اِقْتَصَرَ فِي النَّقْل
عَنِ الشَّافِعِيّ مَنْ يَنْقُل الْخِلَافِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِب.
وَقَالَ الْقَقَّالِ: الْعِلَّةِ فِي الْبُظْلَانِ التَّعْلِيقِ وَالتَّوْقِيف، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لَا يَنْعَقِد لَك
نِطاح بِنْتِي حَتَّى بَنْعَقِد لِي نِطاح پنتك.
وَقَالَ الْخَطَّائِيُّ: كَانَ إِبْنِ أَبِي هُرَيْرَة يُشَبِّه بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ إِمْرَأَةٍ، وَيَسْتَثْنِي عُضْوًّا مِنْ
أَعْضَائِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَافٍ فِي فَسَاده، وَتَقْرِير ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّج وَلِيَّتِه، وَيَسْتَثْنِي بُضْعهَا
حَيْثُ يَجْعَلُهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى.
وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي ((الْوَسِيط)): صُورَتِه الْكَامِلَةِ أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُك اِبْنَتِي عَلَى أَنْ
تُزَوِّجِنِي إِبْنَتك، عَلَى أَنْ يَكُون بُضْعِ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، وَمَهْمَا إِنْعَقَدَ
نِكَاح ◌ِبْنَتِي إِنْعَقَدَ نِكَاح ◌ِبْنَتك.
قَالَ شَيْخِنَا فِي (شَرْحِ التِّرْمِذِيّ): يَنْبَغِي أَنْ يُزَاد: وَلَا يَكُون مَعَ الْبُضْعِ شَيْء آخر
لِيَكُونَ مُتَّفَقًّا عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْمَذْهَب.
وَنَقَلَ الْخَرَقِيّ أَنَّ أَحْمَد نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةِ الْبُظْلَانِ تَرْكُ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَرَجَّحَ إِبْن
تَيْمِيَةَ فِي ((الْمُحَرَّر) أَنَّ الْعِلَّةِ التَّشْرِيك فِي الْبُضْعِ.
وَقَالَ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد هُوَ ظَاهِرِ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي
الْحَدِيث؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: ((وَلَا صَدَاق بَيْنهِمَا)) فَإِنَّهُ يُشْعِرِ بِأَنَّ جِهَة الْفَسَادِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ
يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ ذَلِكَ ذُكِرَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الْفَسَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَفِيهِ شُعُور
بِأَنَّ عَدَمِ الصَّدَاق لَهُ مَدْخَل فِي النَّفْي، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث أَبِي رَيْحَانَة الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: أَجْمَعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ نِكَاحِ الشِّغَارِ لَا يَجُوز، وَلَكِن
إِخْتَلَفُوا فِي صِحَّته؛ فَالْجُمْهُورِ عَلَى الْبُطْلَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكِ يُفْسَخِ قَبْل الدُّخُولِ لَا
بَعْده، وَحَكَاهُ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى صِحَّتِه وَوُجُوب مَهْرِ الْمِثْل،

٤٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولِ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ، وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَدِ وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْرِ، وَهُوَ
قَوْل عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ؛ لِإِخْتِلَافِ الْجِهَةِ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيّ: إِنَّ النِّسَاء ◌ُحَرَّمَاتِ إِلَّ
مَا أَحَلَّ الله أَوْ مِلْكِ يَمِين، فَإِذَا وَرَدَ النَّهْي عَنْ نِكَاح تَأْكَّدَ التَّحْرِیم.
قَالَ النَّوَوِيّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرِ الْبَنَاتِ مِن الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَغَيْرِهِنَّ
كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ، وَالله أَعْلَم.
٣١٤٧ - [وَعَنْ عَلىِّ ﴿ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ََّ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ
أَكْلِ لُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
قال ابن بطال: اتفق فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر على تحريم نكاح
المتعة، وشدَّ زفر عن الفقهاء، فقال: إن تزوجها عشرة أيام أو نحوها أو شهرًا، فالنكاح
ثابت والشرط باطل، ولا خلاف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، وأن الفرقة
تقع فيه عند انقضاء الأجل من غير طلاق، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من
الأمة، وقد نزعت عائشة، والقاسم بن محمد في أن تحريمها ونسخها في القرآن؛ وذلك
أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وليست المتعة نكاحًا
ولا ملك یمین.
وقد روي عن علي، وابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾
[النساء: ٢٤] قالا: ينسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة.
وقال نافع: سُئل ابن عمر عن المتعة، فقال: حرام، فقيل له: إن ابن عباس يفتي
بها، قال: فهلا يزمزم إذا حرك فاه ولا يتكلم، يزمزم بها في زمن عمر.
وقال ابن عمر، وابن الزبير: المتعة هي السفاح.
وقال نافع، عن ابن عمر: قال عمر: متعتان كانتا على عهد النبي ولّ أنا أنهي
عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج.
(١) أخرجه مالك (١١٣٦) والبخاري (٤٢١٦) ومسلم (٣٤٩٧) والترمذي (١١٤٧) وابن ماجه
(٢٠٣٧) والنسائي (٣٣٧٩).

٤٢١
كتاب النكاح/ باب إعلان النكاح والخِطْبَة والشرط
قال الطحاوي: فهذا عمر نهى عن المتعة بحضرة أصحاب النبيّ وَلّ فلم ينكر
ذلك عليه منكر، وفى ذلك دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه؛ وذلك دليل على
نسخها، ثم هذا ابن عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرن ارتفع المعنى
الذي من أجله أبيحت. فإن قيل: أليس قد رويتم عن على أن النبي ◌َّ حرمها يوم
خيبر، فما معنى رواية الربيع بن سبرة أنه حرمها في حجة الوداع؟ قيل: كانت عادة
النبي ◌ُّ﴾ تكرير مثل هذا في مغازيه، وفى المواضع الجامعة، فذكرها في حجة الوداع؛
لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد
يدعى تحليلها، ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرًا. [٢٢١/١٢].
٣١٤٨ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي
الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الفصل الثاني
٣١٤٩ [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ◌َِّ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ
وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: ((التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ،
السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ،
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) وَالتَّشَهّدُ فِي الْحَاجَةِ:((إِنَّ الْحَمْدَ
لله نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا، فَمَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ،
وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه))
وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
وَالأَّرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا
(١) أخرجه مسلم (٣٤٨٤).

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ
وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ، وَفِي ((جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ)) فَسَّرَ الآيَاتِ الثَّلاثِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزَادَ
ابْنُ مَاجَة بَعْدَ قَولِهِ: إِنَّ الْحَمْدَ لله (نَحْمَدُ))، وَبَعْدَ قَولِهِ: مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا ((وَمِنْ
سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا))، وَالذَّارِيُّ بَعْدَ قَولِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾: ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ، وَرَوَى فِي (شَرْحِ
السُّنَّةِ) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَة الْحَاجَةِ مِنَ النّكَاجِ وَغَيرِهِ](١).
٣١٥٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدُّ،
فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ].
٣١٥١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بـ((الْحَمْدُ
الله)) فَهِوَ أَقْطَعُ (٣). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
الحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة أو غيرها، وهو على
خمسة أقسام: قوليّ، وفعليّ، وحاليّ، ولغويّ، وعرفيّ.
فالأول: حمد اللسان، وثناء وعلى الحق بما أثنى به على نفسه مخيرًا بذلك على
لسان أنبيائه.
والثاني: هو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء مرضاة الله تعالى.
والثالث: هو الذي تلون عن اتصاف الروح والقلب بالأوصاف الإلهية.
والرابع: هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، والتبجيل باللسان وحده.
والخامس: فعل يبنى عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا أعم من أن يكون
(١) أخرجه أحمد (٣٧٢٠) وأبو داود (٢١١٨) والترمذي (١١٠٥) وقال: حسن، والنسائي (١٤٠٤) وابن
ماجه (١٨٩٢) والحاكم (٢٧٤٤) والبيهقي (٥٥٩٣) والطيالسي (٣٣٨) والدارمي (٢٢٠٢) وأبو
يعلى (٥٢٥٧) والطبراني في «الكبير)) (١٠٠٨٠) وفي ((الأوسط)) (٢٤١٤).
(٢) أخرجه البخاري في (التاريخ)) (٢٢٩/٧) وأبو داود (٤٨٤١) وأحمد (٨٠٠٥) والترمذي (١١٠٦)
وقال: حسن صحيح غريب، وابن حبان (٢٧٩٦) والبيهقي (٥٥٦٠).
(٣) أخرجه ابن حبان (١) وابن ماجه (١٨٩٤) والبيهقي (٥٥٥٩) والدارقطني (٢٢٩/١).

٤٢٣
كتاب النكاح/ باب إعلان النكاح والخِطْبَة والشرط
فعل اللسان، أو الأركان، وهو أعم من الشكر؛ لأنه الثناء بجميل الصفات الذاتية،
والشكر: هو الثناء بالأنعام؛ ولذا يقال: حمدت فلانًا على علمه، ولا يقال: شكرته على
شجاعته، فكل شكر حمد، ولا عكس، ويؤيده قوله وله: ((الحمد لله رأس الشكر، ما
شكر الله عبد لم يحمد)(١) والشكر اللغوي هو: الوصف الجميل على جهة التعظيم،
والتبجيل على النعمة من اللسان، والجنان، والأركان، والعرفي هو: صرف العبد جميع ما
أنعم الله عليه إلى ما خلق لأجله، فمورد الحمد اللغوي خاص إذ هو باللسان، ومتعلقه
عام؛ إذ هو في مقابلة نعمة، والحمد العرفي بالعكس، ففي فعل اللسان في مقابلة النعمة
حمد لغوي، وعرفي، وشكر لغوي، وفي فعله لا في مقابلة حمد لغوي، وفي فعل الجنان،
والأركان في مقابلة النعمة حمد عرفي، وشكر لغوي، وهو متوقف على خمسة أمور محمود
به ومحمود علیه، وحامد ومحمود وصيغة.
قال في ((المصباح)): حمدته على صفاته الجميلة وأفعاله الاختيارية التي ليست
خلقه، كما يقال: حمدته على شجاعته وإحسانه حمدًا أثنيت عليه، ومن هنا كان الحمد
غير الشكر؛ لأنه يستعمل الصفة في الشخص، وفيه معنى التعجب، ويكون فيه معنى
التعظيم للممدوح، وخضوع للمادح؛ كقول المبتلى الحمد لله؛ إذ ليس هنا شيء من
نعم الدنيا، ويكون في مقابلة إحسان يصل إلى الحامد، وأما الشكر فلا يكون إلا في
مقابلة ضيع، فلا يقال شكرته على شجاعته. [الضياء الشمسي شرح ورد السَّحر
للبكري ٦٥/١] بتحقیقنا.
٣١٥٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: أَعْلِنُوا هَذَا التَّكَاحَ،
وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبُ].
(أَعْلِنُوا هَذَا التّكَاحَ) أشيعوا عقده وأذيعوه ندبًا ولا تكتموه، وليس المراد هنا
(١) ذكره المناوي في فيض القدير (٧٥/٦).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٨٩).

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الوطء، بدليل تعقيبه بقوله: (وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ) مبالغة في إظهاره واشتهاره، فإنه
أعظم محافل أهل الخير والفضل (وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّقُوفِ) جمع: دف بالضم، ويفتح ما
يضرب به لحادث سرور.
فإن قلت: المسجد يصان عن ضرب الدفوف فيه فكيف أمر به؟
قلت: ليس المراد أنه يضرب به فيه بل خارجه، والمأمور بجعله فيه مجرد العقد
فحسب، وقد أفاد الخبر حل ضرب الدف في العرس، ومثله کل حادث سرور ومذهب
الشافعية أن الضرب به مباح مطلقًا ولو بجلاجل، وقد وقع الضرب به بحضرة شارع
الملة ومبين الحل من الحرمة وأقره.
قال ابن حجر: واستدل بقوله: ((واضربوا)) على أن ذلك لا يختص بالنساء لكنه
ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلحق بهن الرجال لعموم
النهي. [(«الفيض)) (١٤/٢)].
٣١٥٣ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبِ الْجُمَعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: فَصْلُ مَا بَيْنَ
الحَلالِ وَالْحَرَامِ: الصَّوْتُ وَالدُّفَّ فِي النّكَاحِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَه].
قال المهلب: السنة إعلان النكاح بالدف والغناء المباح؛ ليكون ذلك فرقًا بينه
وبین السّفاح الذي يستسر به.
وفيه: إقبال العالم والإمام إلى العرس، وإن كان فيه لعب ولهو ما لم يخرج اللهو
عن المباحات فيه.
وفيه: جواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، وإنما المكروه من ذلك مدحه بما
ليس فيه. [ابن بطال (٢٦٠/١٣)].
٣١٥٤ - [وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ: كَانَتْ عنْدِي جَارِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجْتُهَا، فَقَالَ
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٨٩) والترمذي (١٠٨٨) والنسائي (٣٣٦٩) وابن ماجه (١٨٩٦) والطبراني
(٥٤٢) والحاكم (٢٧٥٠) والبيهقي (١٤٤٧١).

٤٢٥
كتاب النكاح / باب إعلان النكاح والخِطْبَة والشرط
رَسُولُ اللهِ وََّ: يَا عَائِشَة، أَلَا تُغنِّينَ؟ إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يُحِبُّونَ الغِنَاءَ(١). رَوَاهُ
ابْنِ حِبَّان فِي ((صَحِيحِهِ))].
٣١٥٥ . [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَنْكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِنَ الأَنْصَارِ،
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَلَ فَقَالَ: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ تُغَنِّي؟
قَالَتْ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِنَّ الأَنْصَارَ قَوْمُ فِيهِمْ غَزَلَّ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٤).
(أَنْكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِنَ الأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفِ عَلَى إِسْمَهَا صَرِيحًا، وَقَدْ
تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةُ كَانَتْ يَتِيمَةٍ فِي حِجْرِ عَائِشَةٍ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ فِي ((الْأَوْسَط)) مِنْ طَرِيق
شَرِيك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَة، وَوَقَعَ عِنْد ◌ِبْن مَاجَه مِنْ حَدِيث اِبْن
عَبَّاس ((أَنْكَحَتْ عَائِشَة قَرَابَةِ لَهَا)).
وَلأَّبِيِ الشَّيْخِ مِنْ حَدِيث جَابِرِ: ((إِنَّ عَائِشَة زَوَّجَتْ بِنْت أَخِيهَا أَوْ ذَاتٍ قَرَابَة
مِنْهَا)).
وَفِي (أَمَالِي الْمَحَامِلِّ" مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ جَابِر: «نَكَحَ بَعْض أَهْلِ الْأَنْصَارِ بَعْض
أَهْلِ عَائِشَةِ، فَأَهْدَتْهَا إِلَى قُبَاء)».
وَكُنْتِ ذَكَرْت فِي الْمُقَدِّمَة تَبَعًا لِبْنِ الْأَثِيرِ فِي (أُسْدِ الْغَابَةِ)) فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ اِسْم
هَذِهِ الْيَقِيمَةِ الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عَائِشَة: الْفَارِعَة بِنْت أَسْعَد بْنِ زُرَارَة، وَأَنَّ اِسْم
زَوْجِهَا: نُبَيْط بْن جَابِرِ الْأَنْصَارِيّ.
وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْفَارِعَةِ: إِنَّ أَبَاهَا أَسْعَد بْنِ زُرَارَة أَوْضَى بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَيُّ
فَزَوَّجَهَا رَسُول اللّهِ وَلَهِ نُبَيْطِ بْن جَابِرِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَة بْنِ عِمْرَان الْمَوْصِلِيّ
حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَرْتِهِ أَوَّلاً مِنْ طَرِيقِ بَهِيَّة عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ الْيَتِيمَةِ هِيَ
(١) أخرجه ابن حبان (٥٩٧١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٩٠٠).

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْفَارِعَةِ الْمَذْكُورَةِ)) كَذَا قَالَ، وَهُوَ مُحْتَمِل، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهَا بِهَا مَا وَقَعَ مِن
الزِّيَادَةِ أَنَّهَا كَانَتْ قَرَابَة عَائِشَة فَيَجُوزِ التَّعَدُّد، وَلَا يَبْعُد تَفْسِيرِ الْمُبْهَمَة فِي حَدِيث
الْبَابِ بِالْفَارِعَةِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَقِْيد بِكَوْنِهَا قَرَابَة عَائِشَة.
(قَوْمٍ فِيهِمْ غَزَل) وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ عِنْدِ الْمَحَامِلِّ: ((أَدْرِكِيهَا يَا زَيْنَبِ)) إِخْرَأَةُ
كَانَتْ تُغَنِّي بِالْمَدِينَةِ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَسْمِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي
حَدِيث عَائِشَةِ الْمَاضِي فِي الْعِيدَيْنِ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: ((دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ
تُغَنِّيَانِ)) وَكُنْتِ ذَكَرْت هُنَاكَ أَنَّ إِسْمِ إِحْدَاهُمَا: حَمَامَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ إِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي
((كِتَاب الْعِيدَيْنِ)) لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَن، وَأَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى إِسْمِ الْأُخْرَى، وَقَدْ جَوَّرْت الْآنِ أَنْ
تَكُون هِيَ زَيْنَب هَذِهِ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْد عَنْ قَرَظَة بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُود
الْأَنْصَارِيَّيْنِ قَالَ:(أَنَّهُ رَخَّصَ لَنَا فِي اللهو عِنْدِ الْعُرْس.)) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم.
وَلِلطَّبَرَانِيٌّ مِنْ حَدِيث السَّائِبِ بْنِ يَزِيد عَنِ النَّبِيّ وَِّ: ((وَقِيلَ لَهُ: أَتُرَخِّصُ فِي
هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ نِكَاح لَا سِفَاحِ، أَشِيدُوا النَّكَاحِ)).
وَفِي حَدِيث عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ عِنْد أَحْمَد وَصَحَّحَهُ إِبْنِ حِبَّن وَالْحَاكِم:
(أَعْلِنُوا النّكَاحِ)).
زَادَ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه مِنْ حَدِيث عَائِشَة ((وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ)) وَسَنَده
ضَعِیف.
وَلِأَحْمَدِ وَالتّزْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْنِ حَاطِب: ((فَصْلِ مَا بَيْن الْخَلَال
وَالْخَرَامِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ)) وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((وَاضْرِبُوا)) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصّ بِالنِّسَاءِ لَكِنَّهُ
ضَعِيف، وَالْأَحَادِيثِ الْقَوِيَّةِ فِيهَا الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، فَلَا يَلْتَحِقِ بِهِنَّ الرِّجَال لِعُمُومٍ
النَّهْي عَنِ الَّشَبُّه بِهِنَّ.
٣١٥٦ - [وَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّلِ

٤٢٧
كتاب النكاح/ باب إعلان النكاح والخِطْبَة والشرط
مِنْهُمَا، وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا(١): رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ].
الفصل الثالث
٣١٥٧ - [عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله ◌ِوَ لَيْسَ مَعَنَا نِسَاءُ،
فَقُلْنَا: أَلا تَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ، فَكَانَ أَحدُنَا يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ
بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلِ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحُرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ
لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧](٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
٣١٥٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، كَانَ الرَّجُلُ
يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةً، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرَأَةَ بِقَدْرٍ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ
مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيَّهُ، حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾
[المؤمنون: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَكُلُّ فَرْجِ سِوَاهُمَا فَهُوَ حَرَامٌ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
٣١٥٩ - [وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قُرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ
الْأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ، وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ، فَقُلْتُ: أي: صَاحِبِيْ رَسُولِ الله ◌َّهِ وَأَهْلِ بَدْرٍ،
يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ؟! فَقَالَا: اجْلِسْ إِنْ شِئْتَ فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ، قَدْ
رُخّصَ لَنَا فِي اللهوِ عِنْدَ الْعُرْسِ(٤). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
(١) أخرجه أحمد (٢٠٠٩٧) وأبو داود (٢٠٨٨) والترمذي (١١١٠) وقال: حسن، والنسائي (٤٦٨٢) وابن
ماجه (٢١٩٠) والدارمي (٢١٩٣) والطبراني (٦٨٣٩) والحاكم (٢٧٢٠) والبيهقي (١٣٥٨٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٣٩) ومسلم (١٤٠٤).
(٣) أخرجه الترمذي (١١٤٨).
(٤) أخرجه النسائي (٣٣٨٣).

باب المحرمات
الفصل الأول
٣١٦٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا
بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا (١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ].
(لَا يَجْمَعِ وَلَا يَنْكِحِ) كُلّه فِي الرِّوَايَاتِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهُوَ
يَتَضَمَّنِ النَّهْي. قَالَهُ الْقُرْطُبيّ.
(عَلَى عَمَّتْهَا) ظَاهِرِهِ تَخْصِيص الْمَنْعِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيُؤْخَذ
مِنْهُ مَنْع تَزْوِيجهمَا مَعًا، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِعَقْدٍ بَطَلَا أَوْ مُرَتَّبًا بَطَلَ الثَّانِي.
وقال الحافظ: عِنْد إِبْن أَّبِي دَاوُدَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعِ بَيْنِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبَيْن
الْعَمَّتَيْنِ وَالْخَالَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَته عِنْدِ إِبْنِ حِبَّان: نَهَى أَنْ تُزَوَّجِ الْمَرْأَةَ عَلَى الْعَمَّة وَالْخَالَةِ،
وَقَالَ: إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ.
قَالَ الشَّافِعِيّ: تَحْرِيمِ الْجُمْعِ بَيْن مَنْ ذُكِرَ هُوَ قَوْل مَنْ لَقِيته مِن الْمُفْتِينَ لَا
إِخْتِلَاف بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد تَّخْرِيجِه: الْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْد عَامَّةٍ أَهْلِ الْعِلْم لَا نَعْلَمْ بَيْنهم
إِخْتِلَافَا أَنَّهُ لَا يَحِلٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعِ بَيْنِ الْمَرْأَةَ وَعَمَّتَهَا أَوْ خَالَتْهَا، وَلَا أَنْ تُنْكَحِ الْمَرْأَةِ
عَلَى عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتْهَا.
وَقَالَ إِبْنِ الْمُنْذِرِ: لَسْت أَعْلَمْ فِي مَنْعِ ذَلِكَ إِخْتِلَافًا الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجُوَازِ فِرْقَة
مِن الْخَوَارِجِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْم بِالسُّنَّةِ، وَاتَّفَقَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْل بِهِ لَمْ يَضُرّهُ خِلَاف
مَنْ خَالَفَهُ، وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعِ إِبْنِ عَبْد الْبَرّ وَابْنِ حَزْمِ وَالْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ، لَكِن
إِسْتَثْنَى إِبْنِ حَزْمِ عُثْمَانِ الْبَقَّ، وَهُوَ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ
(١) أخرجه مالك (١١٠٨) والبخاري (٤٨٢٠) ومسلم (١٤٠٨) والنسائي (٣٢٨٨).
٤٢٨

٤٢٩
كتاب النكاح/ باب المحرمات
الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاة.
وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيّ طَائِفَةٍ مِن الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ، وَاسْتَثْنَى الْقُرْطُبِيّ الْخَوَارِجِ وَلَفْظه:
إِخْتَارَ الْخَوَارِجِ الْجُمْعَ بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنِ الْمَرْأَة وَعَمَّتَهَا وَخَالَتَهَا، وَلَا يُعْتَدّ بِخِلَافِهِمْ؛
لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِن الدِّين. انتهى.
وَفِي نَفْلِهِ عَنْهُمْ جَوَازِ الْجُمْعِ بَيْن الْأُخْتَيْنِ غَلَط بَيِّنَّ، فَإِنَّ عُمْدَتهم التَّمَسُّك بِأَدِلَّةِ
الْقُرْآنِ لَا يُخَالِفُونَهَا أَلْبَتَّة، وَإِنَّمَا يَرُدُّونَ الْأَحَادِيثِ لِإِعْتِقَادِهِمْ عَدَمِ الثّقَة بِنَقَلَتِهَا،
وَتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَنَقَلَ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد تَحْرِيمِ الْجُمْعِ بَيْن
الْمَرْأَة وَعَمَّتَهَا عَنْ تُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمُخَالِف. [٣٥٤/١٤].
وقال الشيخ النووي: (لَا يُجْمَعِ بَيْنِ الْمَرََّةَ وَعَمَّتْهَا وَلَا بَيْنِ الْمَرَأَةَ وَخَالَتْهَا) وَفِي
رِوَايَة: ((لَا تُنْكَح الْعَمَّة عَلَى بِنْتِ الْأَخْ وَلَا إِبْنَةِ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ)) هَذَا دَلِيل لِمَذَاهِب
الْعُلَمَاءِ كَافَّةٍ أَنَّهُ يَحْرُمِ الْجُمْعِ بَيْنِ الْمَرْأَةُ وَعَمَّتَهَا وَبَيْنِهَا وَبَيْن خَالَتَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَمَّة
وَخَالَةٍ حَقِيقَةٍ، وَهِيَ أُخْتِ الْأَبِ وَأُخْتِ الْأُمّ، أَوْ مَجَازِيَّة، وَهِيَ أُخْت أَبِي الْأَب وَأَبِي الْجُدّ
وَإِنْ عَلَا، أَوْ أُخْتِ أُمّ الْأُمّ، وَأُمّ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَتِي الْأُمّ وَالْأَب، وَإِنْ عَلَتْ فَكُلّهنَّ بِإِجْمَاعِ
الْعُلَمَاءِ يَخْرُمُ الْجُمْعِ بَيْنهمَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٍ مِن الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ: يَجُوز، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ
مَا وَرَاءِ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَخَصُّوا بِهَا الْآيَةِ،
وَالصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ جَوَازِ تَخْصِيص عُمُومِ الْقُرْآن بِخَبَرِ الْوَاحِد؛
لِأَنَّهُ وَِّ مُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالى.
وَأَمَّا الْجُمْعِ بَيْنِهِمَا فِي الْوَظْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالنَّكَاحِ فَهُوَ حَرَامِ عِنْدِ الْعُلَمَاءِ كَافَّة،
وَعِنْد الشِّيعَة مُبَاح.
قَالُوا: وَيُبَاحِ أَيْضًا الْجُمْعِ بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِين.
قَالُوا: وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنِ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣].
قَالَ: وَقَالَ الْعُلَمَاءِ كَافَّة: هُوَ حَرَامِ كَالنّكَاحِ لِعُمُومٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْن

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْأُخْتَيْنِ﴾ وَقَوْلهُمْ: إِنَّهُ مُخْتَصّ بِالنَّكَاحِ لَا يُقْبَل، بَلْ جَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَة مُحَرَّمَات
بِالنَّكَاجِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ جَمِيعًا، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتِ مِن النِّسَاءِ
إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مِلْك الْيَمِين ◌َحِلّ وَظُؤُهَا بِمِلْكِ
الْيَمِينِ لَا نِكَاحِهَا، فَإِنَّ عَقْدَ النَّكَاحِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزِ لِسَيِّدِهَا، وَالله أَعْلَم.
وَأَمَّا بَائِي الْأَقَارِبِ كَالْجُمْعِ بين بِئْتِي الْعَمّ أَوْ بِئْتِي الْخَالَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَجَائِزِ عِنْدنَا
وَعِنْدِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةٍ إِلَّ مَا حَكَّهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ حَرَّمَهُ.
دَلِيلِ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءِ ذَلِكُمْ﴾، وَالله أَعْلَم.
وَأَمَّا الْجَمْعِ بَيْن زَوْجَة الرَّجُلِ وَبِنْته مِنْ غَيْرِهَا فَجَائِزِ عِنْدنَا، وَعِنْد مَالِك وَأَبِي
حَنِيفَة وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجُوز.
دَلِيلِ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءِ ذَلِكُمْ﴾.
وَقَوْلُهُ وَِّ: (لَا يُجْمَعِ بَيْنِ الْمَرَّةِ وَعَمَّتْهَا وَلَا بَيْنِ الْمَرَّةُ وَخَالَتْهَا) ظَاهِرٍ فِي أَنَّهُ لَا
فَرْق بَيْن أَنْ يَنْكِحِ الْبِنْتَيْنِ مَعًّا، أَوْ تُقَدَّم هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، فَالْجُمْعِ بَيْنهمَا حَرَامِ كَيْف كَانَ،
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: ((لَا تُنْكَح الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى
الصُّغْرَى)) لَكِنْ إِنْ عَقَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَنِكَاحهمَا بَاطِلِ، وَإِنْ عَقَدَ عَلَى
إِحْدَاهُمَا ثُمَّ الْأُخْرَى فَنِكَاحِ الْأُولَى صَحِيحِ، وَنِڪَاحِ الثَّانِيَة بَاطِل، وَالله أَعْلَم.
٣١٦١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَخْرُمُ مِنَ
الْوِلَادَةُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(الرَّضَاعَةِ) هُوَ بِفَتْجِ الرَّاء وَكَسْرِهَا، وَالرَّضَاعَة بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْرِهَا، وَقَدْ رَضِعَ
الصَّبِيّ أُمّه بِكَسْرِ الضَّادِ يُرْضَعِهَا بِفَتْحِهَا رِضَاعًا.
قَالَ الْجُوْهَرِيّ: وَيَقُول أَهْلِ تَجْد: رَضَعَ يَرْضِع بِفَتْحِ الضَّاد فِي الْمَاضِي، وَگَسْرهَا فِي
الْمُضَارِعِ رَضْعًا يَضْرِبِ ضَرْبًا، وَأَرْضَعَتْهُ أُمّه وَامْرَأَة مُرْضِع؛ أي: لَهَا وَلَد تُرْضِعُهُ، فَإِنَّ
(١) أخرجه مالك (١٢٩٠) والبخاري (٢٦٤٦) ومسلم (٣٦٤٢) وأحمد (٢٥١٠٣) وأبو داود (٢٠٥٧)
والنسائي (٣٣١٦).

٤٣١
كتاب النكاح/ باب المحرمات
وَصْفَتْهَا بِإِرْضَاعِهِ، قُلْت: مُرْضِعَة بِالْهَاءِ، وَالله أَعْلَم.
(إِنَّ الرَّضَاعَة ◌ُحَرِّم مَا تُحُرِّمُهُ الْوِلَادَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ: ((يَحْرُمٌ مِن الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِن
الْوِلَادَة)» وَفِي حَدِيث قِصَّة حَقْصَة وَحَدِيث قِصَّة عَائِشَة الْإِذْنِ لِدُخُولِ الْعَمّ مِن الرَّضَاعَة
عَلَيْهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((فَلْيَلِجْ عَلَيْك عَمّك))، قُلْت: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةَ وَلَمْ
يُرْضِعِنِي الرَّجُل، قَالَ: ((إِنَّهُ عَمّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك)).
هَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَّفِقَةٍ عَلَى ثُبُوت حُرْمَةِ الرَّضَاعِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّة عَلَى ثُبُوتَهَا بَيْن
الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَة، وَأَنَّهُ يَصِير إِبْنهَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِصَاحِهَا أَبَدًّا، وَيَحِلّ لَهُ النَّظَرِ إِلَيْهَا
وَالْخُلْوَة بِهَا وَالْمُسَافَرَةِ، وَلَا يَتَرَتَّبِ عَلَيْهِ أَحْكَامِ الْأُمُومَةِ مِنْ كُلّ وَجْهِ، فَلَا يَتَوَارَثَانِ، وَلَا
يَجِب عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَة الْآخَرِ، وَلَا يَعْتِقِ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَلَا تُرَدّ شَهَادَته لَهَا، وَلَا
يَعْقِل عَنْهَا، وَلَا يَسْقُطِ عَنْهَا الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِ، فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ،
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى إِنْتِشَارِ الْحُرْمَةِ بَيْنِ الْمُرْضِعَة وَأَوْلَاد الرَّضِيعِ وَبَيْنِ الرَّضِيعِ وَأَوْلَاد
الْمُرْضِعَةِ، وَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَوَلَدِهَا مِنِ النَّسَبِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث.
وَأَمَّا الرَّجُلِ الْمَنْسُوبِ ذَلِكَ اللَّبَنِ إِلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ زَوْجِ الْمَرْأَة أَوْ وَطِئَهَا بِمِلْكٍ أَوْ
شُبْهَةٍ، فَمَذْهَبَنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاءِ كَافَّة ثُبُوت حُرْمَة الرَّضَاعِ بَيْنِه وَبَيْن الرَّضِيعِ، وَبَصِیر
وَلَدًا لَهُ، وَأَوْلَادِ الرَّجُلِ أُخُوَّةُ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتِهِ، وَتَكُون أُخُوَّة الرَّجُلِ أَعْمَامِ الرَّضِيع
وَأَخَوَاتِهِ عَمَّاته، وَتَكُون أَوْلَادِ الرَّضِيعِ أَوْلَادِ الرَّجُل، وَلَمْ يُخَالِفِ فِي هَذَا إِلَّا أَهْل
الظَّاهِرِ وَابْنِ عُلَيَّةٍ، فَقَالُوا: لَا تَثْبُتِ حُرْمَة الرَّضَاعِ بَيْنِ الرَّجُل وَالرَّضِيعِ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيّ
عَنِ إِبْنِ عُمَر وَعَائِشَة، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّهَاتِكُمُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَاتِكُمْ مِن الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣].
وَلَمْ يَذْكُر الْبِنْتِ وَالْعَمَّة كَمَا ذَكَرَهمَا فِي النَّسَبِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورِ بِهَذِهِ
الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي عَمّ عَائِشَة وَعَمّ حَفْصَة، وَقَوْله ◌َّهِ مَعَ إِذْنه فِيهِ: ((أَنَّهُ
يَخْرُم مِن الرَّضَاعَة مَا يَخْرُمٌ مِن الْوِلَادَة)) وَأَجَابُوا عَمَّا إِحْتَجُوا بِهِ مِن الْآيَة أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا
نَصّ بِبَاحَةِ الْبِنْت وَالْعَمَّةِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ ذِكْرِ الشَّيْء لَا يَدُلّ عَلَى سُقُوط الْحُكْم عَمَّا

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
سِوَاهُ لَوْ لَمْ يُعَارِضِهُ دَلِيلٍ آخَرِ، كَيْف وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة وَالله أَعْلَم.
[((الفتح)) (١٧١/٥)].
٣١٦٢ [وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَّ، فَأَبَيْثُ أَنْ آذَنَ لَهُ
حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ،
قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرَأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَّ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
٣١٦٣ - [وَعَنْ عَلِيّ ◌َ﴾ قَالَ: يَا رَسُول الله، هَلْ لَك فِي بِنتِ عَمِّكَ حَمْزَة؟ فَإِنَّهَا
أَجْمَلُ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ حَمْزَةٍ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وإِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ
الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ؟!(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
٣١٦٤ [وَعَنْ أَمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: إِنَّ نَبِيَّ اللّهِوَ قَالَ: لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ
الرَّضْعَتَانِ](٣).
٣١٦٥ - [وَفِي رِوَايَةٍ عَائِشَةً قَالَ رَِّ: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ](٤).
٣١٦٦ . [وَ فِي أَخْرَى لِأُمِّ الْفَضْلِ قَالَ: لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ(٥). هَذِهِ
رِوَايَاتُ لِمُسْلِمِ].
قال النووي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَثْبُت بِهِ حُكْم الرَّضَاعِ، فَقَالَتْ
عَائِشَةِ وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابِهِ: لَا يَثْبُتِ بِأَقَلّ مِنْ خَمْس رَضَعَات.
(١) أخرجه مالك (١٢٧٦) والبخاري (٥٢٣٩) ومسلم (٣٦٤٨) وأحمد (٢٦٣٦٧) والترمذي (١١٨٠)
وأبو داود (٢٠٥٩) والنسائي (٣٣٢٨) وابن ماجه (٢٠٢٥).
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٥٨) وأحمد (١١٠٨) والبيهقي في «سننه)) (١٦٠٢٨).
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٦٦) والدارقطني (٤٤٠٧).
(٤) أخرجه مسلم (٣٦٦٣) وأبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٢٤٠٧٢) والنسائي (٣٣١٠) وابن ماجه (١٩٤١).
(٥) أخرجه مسلم (١٤٥١) وأحمد (٢٦٩١٥) والنسائي (٣٣٠٨) وابن ماجه (١٩٤٠) والدارمي (٢٢٥٢)
وأبو عوانة (٤٤١٣).

٤٣٣
كتاب النكاح/ باب المحرمات
وَقَالَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: يَثْبُتِ بِرَضْعَةٍ وَاحِدَة، حَكَهُ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْ عَلِيّ وَابْن
مَسْعُود وَابْنِ عُمَرِ وَابْنِ عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّب وَالْحَسَن وَمَكْحُول
وَالزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَالْحُكَمْ وَحَمَّاد وَمَالِكِ وَالْأَّوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَةٍ ﴾.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرِ وَأَبُو عُبَيْد وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد: يَثْبُتِ بِثَلَاثٍ رَضَعَات وَلَا يَثْبُت
بِأَقَلّ.
فَأَمَّا الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ فَأَخَذُوا بِحَدِيثٍ عَائِشَةٍ خَمْس رَضَعَات مَعْلُومَات، وَأَخَذَّ
مَالِكِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتِكُمُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ عَدَدًا، وَأَخَذَ دَاوُدَ بِمَفْهُومٍ
حَدِيث (لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ) وَقَالَ: هُوَ مُبَيِّن لِلْقُرْآنِ.
وَاعْتَرَضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَتْ تَحْصُلِ الدَّلَالَةِ لَكُمْ
لَوْ كَانَتِ الْآيَةِ: وَاللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ أُمَّهَاتِكُمْ.
وَاعْتَرَضَ أَصْحَابِ مَالِك عَلَى الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ حَدِيث عَائِشَة هَذَا لَا يُحْتَجَ بِهِ
عِنْدِكُمْ، وَعِنْد ◌ُحَقِّقِي الْأُصُولِّينَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن لَا يَثْبُت بِخَبَرِ الْوَاحِد، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ
قُرْآنًا لَمْ يَثْبُت ◌ِبِخَبَرِ الْوَاحِد عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ؛ لِأَنَّ خَبَرِ الْوَاحِد إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَادِحٍ وُقِفَ
عَنِ الْعَمَل بِهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَجِئ إِلَّ بِآحَادٍ مَعَ أَنَّ الْعَادَة تَجِيتُهُ مُتَوَاتِرًا تُوجِب رِيبَةٍ، وَالله
ءَ
أَعْلَم.
وَاعْتَرَضَتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِيَّة بَحَدِيثِ (الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ) وَأَجَابُوا عَنْهُ
بِأَجْوِبَةٍ بَاطِلَة لَا يَنْبَغِي ذِكْرِهَا، لَكِنْ نُنَّبِّه عَلَيْهَا خَوْفًا مِن الإِغْتِرَارِ بِهَا.
مِنْهَا: إِنَّ بَعْضهم إِدَّعَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة، وَهَذَا بَاطِل لَا يَثْبُتِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
وَمِنْهَا: إنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى عَائِشَةِ، وَهَذَا خَطَأْ فَاحِشِ بَلْ قَدْ ذَكَرَهُ
مُسْلِمٍ وَغَيْرهِ مِنْ طُرُق صِحَاح مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَة عَائِشَة وَمِنْ رِوَايَةٍ أُمّ الْفَضْلِ، وَمِنْهَا:
إِنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِب، وَهَذَا غَلَط ظَاهِرِ، وَجَسَارَةٍ عَلَى رَدّ السُّنَنِ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى،
وَتَوْهِين صَحِيحِهَا لِنُصْرَةِ الْمَذَاهِب.
وَقَدْ جَاءَ فِي اِشْتِرَاط الْعَدَد أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة، وَالصَّوَابِ اِشْتِرَاطِه. قَالَ

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْقَاضِي عِيَاضٍ: وَقَدْ شَذَّ بَعْض النَّاسِ فَقَالَ: لَا يَثْبُتِ الرَّضَاعِ إِلَّ بِعَشْرِ رَضَعَات، وَهَذَا
بَاطِلِ مَرْدُودِ، وَالله أَعْلَم. [١٨٣/٥].
٣١٦٧ [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ
مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ)) ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُلِّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ
مِنَ الْقُرْآنِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(فَتُوُنَّّ رَسُولُ الله ◌ِهِ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ (يَقْرَأ)»
وَمَعْنَاهُ: إِنَّ النَّسْخِ بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرِ إِنْزَالُهُ جِدًّا حَتَى أَنْهُ وََّ تُوفِي، وَبَعْض النَّاس
يَقْرَأَ: ((خَمْس رَضَعَات)) وَيَجْعَلهَا قُرْآنًا مَثْلُوَّا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخِ لِقُرْبٍ عَهْده، فَلَمَّا
بَلَغَهُمُ النَّسْخِ بَعْد ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى.
وَالنَّسْخِ ثَلَاثَة أَنْوَاعِ:
أَحَدِهَا: مَا نُسِخَ حُكْمِه وَتِلَاوَتِه كَعَشْرٍ رَضَعَات.
وَالثَّانِي: مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتِهِ دُون حُكْمِه كَخَمْسٍ رَضَعَات: ((وَالشَّيْخِ وَالشَّيْخَة إِذَا
زَنَّيَا فَارْجُمُوهُمَا».
وَالثَّالِث: مَا نُسِخَ حُكْمِه وَبَقِيَتْ تِلَاوَتِهِ، وَهَذَا هو الْأَكْثَرِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٍ لِأَزْوَاجِهِمْ ... ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وَالله
أَعْلَم.
٣١٦٨ - [وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلُ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ
فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي، فَقَالَ: انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ(٢). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(أُنْظُرْنَ مَا إِخْوَانِكُنَّ) قال الحافظ: فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ: ((مِنْ إِخْوَانِكُنَّ)) وَهِيَ
(١) أخرجه مالك (١٢٩٢) ومسلم (٣٦٧٠) وأبو داود (٢٠٦٤) والنسائي (٣٣٢٠) والدارمي (٢٣٠٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٠٤) ومسلم (١٤٥٥) وأبو داود (٢٠٥٨) وأحمد (٢٤٦٧٦) والنسائي (٣٣١٢)
وابن ماجه (١٩٤٥).

٤٣٥
كتاب النكاح/ باب المحرمات
أَوْجَه؛ وَالْمَعْنَى: تَأَمَّلْنِ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ رَضَاعٍ صَحِيحٍ بِشَرْطِهِ: مِنْ ◌ُقُوعه فِي
زَمَن الرَّضَاعَة وَمِقْدَار الإِرْتِضَاعِ، فَإِنَّ الْحُكْمِ الَّذِي يَنْشَأْ مِن الرَّضَاعِ إِنَّمَا يَكُون إِذَا
وَقَعَ الرَّضَاعِ الْمُشْتَرَط.
قَالَ الْمُهَلَّبِ: مَعْنَاهُ: أَنْظُرْنَ مَا سَبَبِ هَذِهِ الْأُخُوَّة، فَإِنَّ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ إِنَّمَا هي فِي
الصِّغَرِ حَتَّى تَسُدّ الرَّضَاعَةِ الْمَجَاعَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جَاعَ كَانَ طَعَامه الَّذِي يُشْبِعُهُ اللَّبَنِ مِن الرَّضَاعِ
لَا حَيْثُ يَكُون الْغِذَاء بِغَيْرِ الرَّضَاعِ.
(فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةِ مِن الْمَجَاعَةِ) فِيهِ تَعْلِيلِ الْبَاعِثِ عَلَى إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالْفِكْر؛
لِأَنَّ الرَّضَاعَةِ تُثْبِتِ النَّسَب وَتَجْعَلِ الرَّضِيع مُحَرَّمًا.
وَقَوْله: ((مِنِ الْمَجَاعَةِ)) أي: الرَّضَاعَةِ الَّتِي تَثْبُت بِهَا الْحُرْمَةِ، وَحِلّ بِهَا الْخُلْوَةِ هِيَ
حَيْثُ يَكُون الرَّضِيع طِفْلاً لِسَدِّ اللَّبَن جَوْعَته؛ لِأَنَّ مَعِدَته ضَعِيفَة يَكْفِيهَا اللَّبَن
وَيَنْبُتِ بِذَلِكَ لَخْمِه، فَيَصِيرِ كَجُزْءٍ مِن الْمُرْضِعَةِ، فَيَشْتَرِكِ فِي الْحُرْمَة مَعَ أَوْلَادِهَا، فَكَأَنَّهُ
قَالَ: لَا رَضَاعَة مُعْتَبَرَة ◌ِلَّ الْمُغْنِيَةِ عَنِ الْمَجَاعَةِ أَو الْمُطْعِمَة مِن الْمَجَاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قریش: ٤].
وَمِنْ شَوَاهِده حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود: ((لَا رَضَاع ◌ِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمِ، وَأَنْبَتَ اللَّحْم)»
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَحَدِيث أُمّ سَلَمَةٍ: ((لَا يُحَرِّم مِن الرَّضَاعِ إِلَّ مَا فَتَقَ
الْأَمْعَاءِ)) أَخْرَجَهُ التِّزْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ.
وَيُمْكِنِ أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضْعَةِ الْوَاحِدَة لَا تُحَرِّم؛ لِأَنَّهَا لَا تُغْنِي مِنْ
جُوعِ، وَإِذَا كَانَ يَحْتَاج إِلَى تَقْدِير، فَأَوْلَى مَا يُؤْخَذْ بِهِ مَا قَدَّرَتْهُ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ خَمْس
رَضَعَات، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّغْذِيَةِ بِلَبَنِ الْمُرْضِعَة يُحَرِّم سَوَاء كَانَ بِشُرْبٍ أَمْ أَكْلٍ بِأَيِّ
صِفَةٍ كَانَ، حَتَّى الْوَجُورِ وَالسَّعُوط وَالتَّرْدِ وَالطَّبْخِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ
الْمَذْكُورِ مِن الْعَدَد؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَظْرُدِ الْجُوعِ، وَهُوَ مَوْجُودٍ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، فَيُوَافِقِ الْخَبَرِ
وَالْمَعْنَى، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور.

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
لَكِن إِسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةِ الْحُقْنَة وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْث، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالُوا: إِنَّ
الرَّضَاعَةِ الْمُحَرِّمَةِ إِنَّمَا تَكُون بِالْنِقَامِ الشَّدْي وَمَصّ اللَّبَنِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ عَلَيّ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ
يَلْزَمِ عَلَى قَوْلهُمْ إِشْكَالٍ فِي الْتِقَامِ سَالِمِ ثَدْي سَهْلَةٍ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةِ مِنْهُ، فَإِنَّ عِيَاضًا أَجَابَ
عَنِ الْإِشْكَالِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسّ ثَدْيهَا.
قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ إِحْتِمَال حَسَن، لَكِنَّهُ لَا يُفِيدِ إِبْنِ حَزْم؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي
الرَّضَاعِ إِلَّ بِالْتِقَامِ القَّدْي، لَكِنْ أَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ عُفِيَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ.
وَأَمَّا إِبْنِ حَزْمٍ فَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ سَالِمٍ عَلَى جَوَازِ مَسّ الْأَجْنَبِيّ ثَدْي الْأَجْنَبِيَّةِ،
وَالْتِقَامِ تَدْيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَضِعِ مِنْهَا مُظْلَقًّا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَةِ إِنَّمَا تُعْتَبَرِ فِي
حَالِ الصَّغَرِ؛ لِأَنَّهَا الْحَالِ الَّذِي يُمْكِن طَرْدِ الْجُوعِ فِيهَا بِاللَّبَنِ بِخِلَافٍ حَالِ الْكِبَرِ،
وَضَابِط ذَلِكَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس
الْمَذْكُورِ وَحَدِيث أُمّ سَلَمَةٍ: (لَا رَضَاعٍ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءِ، وَكَانَ قَبْلِ الْفِطَام)) وَصَحَّحَهُ
التّرمِذِيّ وَابْنِ حِبّان.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي قَوْله: (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةِ مِن الْمَجَاعَةِ)) تَثْبِيت قَاعِدَة كُلِّيَّة صَرِيحَة
فِي إِعْتِبَارِ الرَّضَاعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ الرَّضِيعِ عَنِ الطَّعَامِ بِاللَّبَنِ، وَيُعْتَضَدِ بِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَقْصَى
مُدَّة الرَّضَاعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ عَادَة الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَحْتَاجِ إِلَيْهِ عَادَة فَلَا
يُعْتَبَرِ شَرْعًا؛ إِذْلَا حُكْم لِلنَّادِرِ.
وَفِي إِعْتِبَارِ إِرْضَاع الْكَبِيرِ إِنْتَهَاك حُرْمَةِ الْمَرْأَةَ بِارْتِضَاعِ الْأَجْنَبِيّ مِنْهَا؛ لِإِطَلَاعِهِ
عَلَى عَوْرَتِهَا وَلَوْ بِالْتِقَامِهِ ثَدْيِهَا. قُلْت: وَهَذَا الْأَخِيرِ عَلَى الْغَالِب وَعَلَى مَذْهَب مَنْ يَشْتَرِط
إِلْتِقَامِ الشَّدْي، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْل خَمْسَةِ أَبْوَابِ أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ لَا تُفَرِّق فِي حُكْم الرَّضَاع
بَيْنِ حَالِ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَقَد اِسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مَعَ كَوْن هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَتِهَا،
وَاحْتَجَّتْ هِيَ بِقِصَّةِ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةٍ، فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ مِنْ قَوْله: ((إِنَّمَا الرَّضَاعَةِ مِن
الْمَجَاعَةِ)) اِعْتِبَار مِقْدَار مَا يَسُدّ الْجَوْعَة مِنْ لَبَن الْمُرْضِعَة لِمَنْ يَرْتَضِعِ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَعَمّ

٤٣٧
كتاب النكاح/ باب المحرمات
مِنْ أَنْ يَكُونِ الْمُرْتَضِعِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، فَلَا يَكُون الْحَدِيث نَصَّا فِي مَنْعِ إِعْتِبَار
رَضَاع الگپیر.
وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس مَعَ تَقْدِير ثُبُوتِه لَيْسَ نَصَّا فِي ذَلِكَ، وَلَا حَدِيث أُمّ سَلَمَةٍ؛
لِجَوَازٍ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ أَنَّ الرَّضَاعِ بَعْد الْفِظَامِ مَمْنُوعٍ، ثُمَّ لَوْ وَقَعَ رُقِّبَ عَلَيْهِ حُكْم
التَّحْرِيمِ، فَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَدْفَع هَذَا الإِحْتِمَالِ، فَلِهَذَا عَمِلَتْ عَائِشَة
بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِاِبْنِ الصَّبَّاغْ وَغَيْرِهِ عَنْ دَاوُدَ، وَفِيهِ نَظَرُّ.
وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ دَاوُدَ أَنَّ رَضَاع الْكَبِيرِ يُفِيد رَفْعَ الإِحْتِجَابِ مِنْهُ، وَمَالَ
إِلَى هَذَا الْقَوْل اِبْنِ الْمَوَّازِ مِن الْمَالِكِيَّة، وَفِي نِسْبَةٍ ذَلِكَ لِدَاوُدَ نَظَرُّ، فَإِنَّ ◌ِبْنِ حَزْمٍ ذَكَرَ
عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَا نَقَلَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الظَاهِرِ وَهُمْ أَخْبَرُ بِمَذْهَبٍ
صَاحِبِهِمْ، وَإِنَّمَا الَّذِي نَصَرَ مَذْهَب عَائِشَة هَذَا، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ هُوَ إِبْنِ حَزْمٍ وَنَقَلَهُ عَنْ
عَلِيّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ ضَعَّفَهُ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ.
وَقَالَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ إِبْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ رَجُل لِعَطَاءٍ: إِنَّ إِمْرَأَةٌ سَقَتْنِي مِنْ لَبَنْهَا
بَعْدَمَا كَبِرْتُ أَفَأَنْكِحِهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ إِبْن جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: هَذَا رَأْيك؟ قَالَ: نَعَمْ،
كَانَتْ عَائِشَة تَأْمُر بِذَلِكَ بَنَات أَخِيهَا، وَهُوَ قَوْلِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد، وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: لَمْ
يَخْتَلِفِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
قُلْت: وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي (تَهْذِيبِ الْآثَارِ)) فِي مُسْنَد عَلِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَسَاقَ
بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ حَقْصَة مِثْل قَوْل عَائِشَة، وَهُوَ مِمَّا يَخُصّ بِهِ عُمُومٍ قَوْل أُمّ سَلَمَةٍ:
(أَبَى سَائِرٍ أَزْوَاجِ النَّبِيّ ◌َهِ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا)) أَخْرَجَهُ مُسْلِم
وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْن مُحَمَّد وَعُرْوَةٍ فِي
آخَرِينَ، وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى الْقُرْطُبِّ حَيْثُ خَصَّ الْجَوَازِ بَعْد عَائِشَة بِدَاوُدَ، وَذَهَبَ الْجُمْهُور
إِلَى اِعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه.
وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ سَالِم بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا: إنَّهُ حُكْمُ مَنْسُوخ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبّ
الظَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِه، وَقَرَّرَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّ قِصَّة سَالِم كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَالْأَحَادِيث

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الدَّالَّة عَلَى اِعْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى تَأْخُّرِهَا، وَهُوَ مُسْتَنَدُّ
ضَعِيف؛ إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ تَأَخَّر إِسْلَامِ الرَّاوِي، وَلَا صِغَرهِ أَلَا يَكُون مَا رَوَاهُ مُتَقَدِّمًا.
وَأَيْضًا فَفِي سِيَاق قِصَّة سَالِم مَا يُشْعِرِ بِسَبْقِ الْحُكْم بِاغْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ إِمْرَأَةً
أَبِي حُذَيْفَةٍ فِي بَعْض طُرُقِه حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيّ ◌ََّ: ((أَرْضِعِيهِ، قَالَتْ: وَكَيْف أُرْضِعَهُ
وَهُوَ رَجُل كَبِيرٍ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَجُل كَبِير)) وَفِي رِوَايَة
لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: ((إِنَّهُ ذُو لِخِيَةٍ، قَالَ: أَرْضِعِيهِ)) وَهَذَا يُشْعِرِ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفِ أَنَّ الصِّغَرِ
مُعْتَبَر فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّم.
وَمِنْهَا: دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ بِسَالِمٍ وَامْرَأَةً أَبِي حُذَيْفَةٍ، وَالْأَصْلِ فِيهِ قَوْل أُمّ سَلَمَةِ
وَأَزْوَاجِ النَّبِيّ ◌َُّ: مَا نَرَى هَذَا إِلَّ رُخْصَةٍ أَرْخَصَهَا رَسُول اللّهِ وَّه لِسَالِمِ خَاصَّة، وَقَرَّرَهُ
إِبْنِ الصَّبَّعْ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ أَصْلِ قِصَّة سَالِمِ مَا كَانَ وَقَعَ مِنِ الثَّبَنِّ الَّذِي أَدَّى إِلَى اِخْتِلَاط
سَالِمٍ بِسَهْلَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ الإِحْتِجَابِ وَمُنِعُوا مِن التَّبَنِّ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى سَهْلَة، فَوَقَعَ
التَّرْخِيصِ لَّهَا فِي ذَلِكَ لِرَفْعِ مَا حَصَلَ لَهَا مِن الْمَشَقَّة، وَهَذَا فِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِلْحَاق
مَنْ يُسَاوِي سَهْلَةٍ فِي الْمَشَقَّةِ وَالإِحْتِجَاجِ بِهَا، فَتَنْفِي الْخُصُوصِيَّةِ وَيَثْبُت مَذْهَب
الْمُخَالِفِ، لَكِنْ يُفيد الإِحْتِجَاج.
وَقَرَّرَهُ آخَرُونَ بِأَنَّ الْأَصْلِ أَنَّ الرَّضَاعِ لَا يُحَرِّم، فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ خُولِفَ
الْأَصْلِ لَهُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَقِصَّة سَالِم وَاقِعَة عَيْنِ يَظْرُقِهَا إِحْتِمَال
الْخُصُوصِيَّة، فَيَجِبِ الْوُقُوف عَن الإِحْتِجَاجِ بِهَا.
وَرَأَيْتِ بِخَطّ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ رَأَى فِي تَصْنِيف لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلِ الْأَنْدَلُسِيّ
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي أَنَّ عَائِشَة وَإِنْ صَحَّ عَنْهَا الْفُتْيَا بِذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يَقَع مِنْهَا
إِدْخَال أَحَد مِن الْأَجَانِب بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ.
قَالَ تَاج الدِّين: ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ تَرُدّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدِي فِيهِ قَوْل جَازِم لَا مِنْ
قَطْعِ وَلَا مِنْ ظَنِّ غَالِب، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غَفْلَة عَمَّا ثَبَتَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ:
((فَكَانَتْ عَائِشَة تَأْمُر بَنَات إِخْوَتِهَا وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُل