Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٧٩
كتاب البيوع/ باب الغضب والعَارِيَّة
٢٩٦٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ
الأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ وَ أَنْ يَخْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعٍ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ](١).
(١) أخرجه أحمد (١٧٦٠٧) والطبراني (٩٢) وعبد بن حميد (٤٠٧) وابن حبان (٥١٦٤).

(باب الشّفعة)
قَالَ أَهْلِ اللُّغَة: الشُّفْعَة مِنْ شَفَعْتِ الشَّيْءٍ إِذَا ضَمَمْته وَثَنَيْتِه، وَمِنْهُ شَفَعَ الْأَذَان،
وَسُمِّيَتْ شُفْعَة لِضَمِّ نَصِيبٍ إِلَى نَصِيب، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوت الشُّفْعَة لِلشَّرِيكِ
فِي الْعَقَارِ مَا لَمْ يُقَسَّم.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْحِكْمَةِ فِي ثُبُوت الشُّفْعَة إِزَالَة الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِبك، وَخُصَّتْ
بِالْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرِ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَة فِي الْحَيَوَانِ وَالثّيّاب
وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُول.
قَالَ الْقَاضِي: وَشَذَّ بَعْض النَّاسِ فَأَثْبَتَ الشُّفْعَةِ فِي الْعُرُوضِ، وَهِيَ رِوَايَةٍ عَنْ
عَطَاءِ، وَتَثْبُت فِي كُلّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الثَّوْبِ، وَكَذَا حَكَاهَا عَنْهُ إِبْنِ الْمُنْذِرِ، وَعَنْ أَحْمَد
رِوَايَةٍ: أَنَّهَا تَثْبُت فِي الْحَيَوَانِ وَالْبِنَاءِ الْمُنْفَرِدِ.
وَأَمَّا الْمَقْسُومِ فَهَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ؟ فِيهِ خِلَاف. مَذْهَب الشَّافِعِيّ
وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لَا تَثْبُت بِالْجِوَارِ، وَحَكَاهُ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْ عُمَرِ بْنِ
الْخَطَّاب، وَعُثْمَان بْنِ عَقَّان، وَسَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب، وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَار، وَعُمَر بْن
عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيّ، وَيَحْتَى الْأَنْصَارِيّ، وَأَبِي الزَّنَادِ، وَرَبِيعَة، وَمَالِكِ، وَالْأَوْزَاعِيّ،
وَالْمُغِيرَةِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبِي ثَوْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ: تَثْبُتُ
بِالْجِوَارِ. وَالله أَعْلَم.
(الفصل الأول)
٢٩٦١ . [عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ◌َّ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ
الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الظُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٢٩٦٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ
(١) أخرجه البخاري (٢٣٦٣) وأحمد (١٥٠٤١) وابن ماجه (٢٤٩٩).
٢٨٠

٢٨١
كتاب البيوع / باب الشُّفعة
أَوْ حَائِطِ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ
وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١).
قال النووي: اسْتَدَلَّ أَصْحَابْنَا وَغَيْرِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الشُّفْعَة لَا تَقْبُت إِلَّا
فِي عَقَار مُخْتَمِل لِلْقِسْمَةِ، بِخِلَافِ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالرَّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا
مَنْ يَقُول بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَحْتَمِل الْقِسْمَةِ.
[وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)). رَوَاهُ
٢٩٦٣
الْبُخَارِيُّ](٤).
(الْجَار أَحَقَ بِسَقَبِهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف بَعْدهَا مُوَحَّدَة، وَالسَّقَب بِالسِّينِ
الْمُهْمَلَةِ وَبِالصَّادِ أَيْضًا، وَيَجُوزِ فَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانَهَا: الْقُرْبِ وَالْمُلَاصَقَةِ، وَوَقَعَ فِي
حَدِيث جَابِرِ عِنْدِ التِّرْمِذِيّ: ((الْجَار أَحَقٌ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرِ بِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ
طَرِيقهِمَا وَاحِدًا».
قَالَ إِبْنِ بَطَال: اِسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابِهِ عَلَى إِثْبَات الشُّفْعَة لِلْجَارِ، وَأَوَّلُه
غَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الشَّرِيك بِنَاء عَلَى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ شَرِيك سَعْد فِي الْبَيْتَيْنِ،
وَلِذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلهُمْ: ((إِنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَة مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَة
الشَّرِيك جَارًا)) فَمَرْدُود، فَإِنَّ كُلّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا قِيلَ لَهُ جَارُ، وَقَدْ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُل:
جَارَة لِمَا بَيْنِهمَا مِن الْمُخَالَطَةِ. إِنْتَهَى.
وَتَعَقَّبَهُ إِبْنِ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ يَمْلِكِ بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَة دَار
سَعْد لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِل سَعْد، وَذَكَرَ عُمَر بْنِ شَبَّة أَنَّ سَعْدًا كَانَ إِنَّخَذَّ دَارَيْنِ
بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنِهِمَا عَشَرَةٍ أَذْرُعِ، وَكَانَتِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِد مِنْهُمَا لِأَبِي
رَافِعِ، فَاشْتَرَاهَا سَعْدٍ مِنْهُ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيث الْبَابِ، فَاقْتَضَى كَلَامِه أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا
(١) أخرجه مسلم (١٦٠٨) والنسائي (٤٧٠١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٥٨) وأحمد (٢٤٦٠٠) وأبو داود (٣٥١٨) والنسائي (٤٧١٩) وابن ماجه
(٢٥٩٠).

٢٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
لِأَبِي رَافِعِ قَبْل أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارهِ لَا شَرِيكًا.
وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ: يَلْزَمِ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظ عَلَى حَقِيقَته، وَمَجَازِهِ
أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَار؛ لِأَنَّ الْجَارِ حَقِيقَةٍ فِي الْمُجَاوِرِ مَجَازِ فِي الشَّرِيك، وَأَجِيبَ بِأَنَّ
مَحَلّ ذَلِكَ عِنْدِ الشَّجَرُّد، وَقَدْ قَامَتِ الْقَرِينَةِ هُنَا عَلَى الْمَجَازِ، فَاعْتُبِرَ لِلْجَمْعِ بَيْن حَدِيثَيْ
جَابِرٍ وَأَبِ رَافِعِ، فَحَدِيث جَابِرِ صَرِيح في اِخْتِصَاص الشُّفْعَة بِالشَّرِيكِ، وَحَدِيث أَبِي
رَافِعْ مَصْرُوفِ الظَّاهِرِ إِنَّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجَارِ أَحَقٌّ مِنْ كُلّ أَحَد حَتَّى مِن
الشريك.
وَالَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ قَدَّمُوا الشَّرِيك مُظْلَقًا ثُمَّ الْمُشَارِكِ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ
الْجَارِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ، فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّن تَأْوِيل قَوْله: (أَحَقّ)) بِالْحَمْلِ عَلَى الْفَضْل
أَوِ التَّعَهُّد وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ أَيْضًا بِأَنَّ الشُّفْعَةِ ثَبَتَتْ عَلَى
خِلَاف الْأَصْلِ لِمَعْنَى مَعْدُومٍ فِي الْجَارِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيك رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكه،
فَتَأَذَّى بِهِ فَدَعَتِ الْحَاجَة إِلَى مُقَاسَمَته، فَيَدْخُل عَلَيْهِ الضَّرَرِ بِنَقْصِ قِيمَة مِلْكِه، وَهَذَا
لَا يُوجَدِ فِي الْمَقْسُومِ، وَالله أَعْلَم. [((فتح الباري)) (٧ /٩٢)].
٢٩٦٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((لَا يَمْنَعُ جَارَّ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ
خَشَبَةً فِي جِدَارِه)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(لَا يَمْنَعُ جَارْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةٍ فِي جِدَارِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالتَّنْوِينِ عَلَى إِفْرَاد
الْخَشَبَةِ، وَلِغَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْجُمْعِ، وَهُوَ الَّذِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ، قَالَ إِبْن عَبْد الْبَر: رُوِيَ
اللَّفْظَانِ فِي ((الْمُوَطَّ)) وَالْمَعْنَى وَاحِد؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاحِدِ الْجِئْسِ. اِنْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى قَدْ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَمْر
الْخُشَبَةِ الْوَاحِدَة أَخَفّ فِي مُسَامَحَة الْجَارِ بِخِلَاف الْخُشَب الْكَثِير، وَرَوَى الطَّحَاوِيّ عَنْ
جَمَاعَةٍ مِن الْمَشَابِخِ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِالْإِفْرَادِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَبْد الْغَنِيّ بْنِ سَعِيد، فَقَالَ:
(١) أخرجه البخاري (٢٣٣١) ومسلم (١٦٠٩) ومالك (١٤٣٠) وأحمد (٧١٥٤) وابن أبي شيبة
(٢٣٠٣٥) والشافعي (٢٢٤/١).

٢٨٣
كتاب البيوع/ باب الشُّفعة
النَّاسُ كُلّهِمْ يَقُولُونَهُ بِالْجَمْعِ إِلَّ الطَّحَاوِيّ، وَمَا ذَكَرْتُهُ مِن ◌ِخْتِلَافِ الرُّوَاة فِي الصَّحِيحِ
يَرُدُّ عَلَى عَبْد الْغَنِيّ بْنِ سَعِيد إِلَّا إِنْ أَرَادَ خَاصَّا مِن الَّاسِ كَلَّذِينِ رَوَى عَنْهُم
الطَّحَاوِيّ فَلَهُ إِنَّجَاه. [((فتح الباري)) (٧ /٣٨٤)].
٢٩٦٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: (إِذَا اخْتَلَقْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ](١).
فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: (سَبْعِ أَذْرُع) وَهُمَا صَحِيحَانِ، وَالذِّرَاعِ يُذَكَّر وَيُؤَنَّث، وَالتَّأْنِيث
أَفْصَحِ، وَأَمَّا قَدْرِ الطَّرِيقِ فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُلِ بَعْض أَرْضِه الْمَمْلُوكِ طَرِيقًا مُسَبَّلَة لِلْمَارِّينَ
فَقَدْرِهَا إِلَى خِيرَته، وَالْأَفْضَلِ تَوْسِيعهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةِ مُرَادَة الْحَدِيث، وَإِنْ كَانَ
الطَّرِيقِ بَيْن أَرْض لِقَوْمٍ وَأَرَادُوا إِحْيَاءَهَا، فَإِن ◌ِنَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَذَاكَ، وَإِن إِخْتَلَفُوا فِي
قَدْره جُعِلَ سَبْعِ أَذْرُعِ، وَهَذَا مُرَاد الْحَدِيث، أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرِيقًا مَسْلُونًا وَهُوَ أَكْثَر مِنْ
سَبْعَةٍ أَذْرُع، فَلَا يَجُوزِ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، لَكِنْ لَهُ عِمَارَةِ مَا
حَوَالَيْهِ مِن الْمَوَاتِ، وَيَمْلِكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، بِحَيْثُ لَا يَضُرّ الْمَارِّينَ.
قَالَ أَصْحَابِنَا: وَمَتَى وَجَدْنَا جَادَّةٍ مُسْتَظْرَقَةٍ، وَمَسْلَكًا مَشْرُوعًا نَافِذًا، حَكَمَنَا
بِاسْتِحْقَاقِ الإِسْتِظْرَاقِ فِيهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَلَا يُعْتَبَرِ مُبْتَدَأُ مَصِيره شَارِعًا.
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرهِ: وَلَا يَحْتَاجِ مَا يَجْعَلهُ شَارِعًا إِلَى نَفْظ فِي مَصِيره شَارِعًا
وَمُسَبَّلاً. هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا فِي الْأَفْنِيَةِ إِذَا أَرَادَ أَهْلِهَا الْبُنْيَانِ، فَيُجْعَلِ طَرِيقهِمْ عَرْضه
سَبْعَةٍ أَذْرُعْ لِدُخُولِ الْأَحْمَالِ وَالْأَثْقَالِ وَمَخْرَجِهَا وَتَلَاقِيهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا كُلّه عِنْدِ الإِخْتِلَافِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث، فَإِذَا اِتَّفَقَ أَهْل
الْأَرْض عَلَى قِسْمَتِهَا، وَإِخْرَاج طَرِيقٍ مِنْهَا كَيْف ◌َشَاءُوا فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِمْ؛
لِأَنَّهَا مِلْكهمْ، وَالله أَعْلَم بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعِ وَالْمَآب. [(شرح النووي على مسلم))
(٤٩٤/٥)].
(١) أخرجه مسلم (١٦١٣) وأحمد (٩٥٣٣) وأبو داود (٣٦٣٣) والترمذي (١٣٥٦) وقال: حسن
صحيح. وابن ماجه (٢٣٣٨).

٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
(الفصل الثاني)
٢٩٦٦ - [عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَاعَ
مِنْكُمْ دَارًا أَوْ عَقَارًا قَمِنْ أَلَّا يُبَارَكَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِثْلِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ
وَالدَّارِمِيُّ](١).
٢٩٦٧ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ، يُنْتَظَرُ لَهَا
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه
وَالدَّارِمِيُّ](٢).
٢٩٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ
شَيْءٍ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
٢٩٦٩ - [قَالَ: وَقَدْ رُوِي عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ مُرْسَلاً، وَهَذَا أَصَحُّ].
٢٩٧٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ حُبْشِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً
صَوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرْ؛ يَعْنِي: «مَنْ قَطَعَ
سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرٍ حَقٌّ، يَكُونُ لَهُ فِيهَا
صَوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ].
(حُبْشِيٌّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة بَعْدِهَا مُعْجَمَة، ثُمَّ يَاء ثَقِيلَة. كَذَا فِي
((التَّقْرِیب)).
(١) أخرجه أحمد (١٨٧٦١) وابن ماجه (٢٤٩٠) والدارمي (٢٦٢٥) والطبراني (٥٥٢٦) والبيهقي
(١٠٩٥٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٤٢٩٢) وأبو داود (٣٥١٨) والترمذي (١٣٦٩) وقال: غريب. وابن ماجه (٢٤٩٤)
والدارمي (٢٦٢٧) وعبد الرزاق (١٤٣٩٦) والطيالسي (١٦٧٧) والبيهقي (١١٣٦٢) وابن أبي شيبة
(٢٢٧٢١) والطبراني في «الأوسط» (٥٤٦٠).
(٣) أخرجه الترمذي (١٣٧١) والبيهقي (١١٣٧٨) والطبراني (١١٢٤٤) والدارقطني (٢٢٢/٤) والديلمي
(٣٦٢٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٢٣٩) والبيهقي (١١٥٣٨) والضياء (٢١٥) وابن قانع (٦٥/٢).

٢٨٥
كتاب البيوع / باب الشُّفعة
(مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً) أي: شَجَرَةِ نَبْقٍ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَائِيّ:((مِنْ سِدْرِ الْحَرَمِ)) وَهِيَ
مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ دَافِعَةٌ لِلْإِشْكَالِ، كَذَا فِي (شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِير): ((سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ .. إِلَخْ)) وَمَا
أَجَابَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَلَا بُدّ لَهُ مِن التَأْوِيلِ الصَّحِيحِ.
وَقَالَ فِي ((النَّهَايَة)): قِيلَ: أَرَادَ بِهِ سِدْرَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا حَرَمُ.
وَقِيلَ: سِدْرِ الْمَدِينَةِ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ؛ لِيَكُونَ أُنْسًا وَظِلاً لِمَنْ يُهَاجِرُ إِلَيْهَا.
وَقِيلَ: أَرَادَ السِّدْرَ الَّذِي يَكُونِ فِي الْفَلَاة يَسْتَظِلّ بِهِ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ وَالْحَيَوَانُ أَوْ
فِي مِلْكِ إِنْسَان، فَيَتَحَامَل عَلَيْهِ ظَالِمُ فَيَقْطَعُهُ بِغَيْرِ حَقٌّ، وَمَعَ هَذَا فَالْحَدِيثُ مُضْطَرِبُ
الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ أَكْثَر مَا يُرْوَى عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ هُوَ يَقْطَعُ السِّدْرَ وَيَتَّخِذ مِنْهُ
أَبْوَابًا.
قَالَ هِشَامٍ: وَهَذِهِ أَبْوَابِ مِنْ سِدْرِ قَطَعَهُ أَبِي وَأَهْلِ الْعِلْم ◌ُجْمِعُونَ عَلَى إِبَاحَة
قَطْعِهِ عَُّه. اِنْتَهَى.
وَفِي ((مِرْقَاة الصُّعُودِ)): قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((سُنَنه): قَالَ أَبُو ثَوْر: سَأَلْت أَبَّا عَبْد الله
الشَّافِعِيَّ عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ، فَقَالَ: لَا بَأْس ◌ِهِ، قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ أَنَّهُ قَالَ: «إِغْسِلُوهُ
بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)). قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَيَكُون مَحْمُولاً عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعَهُ مِنْ أَرْضِهِ، وَهُوَ أَحَدِ رُوَاة النَّهْي، وَيُشْبِهُ أَنْ
يَكُونِ النَّفْيُ خَاصَّا كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي كِتَاب أَبِي سُلَيْمَانِ الْخَطَّابِيّ أَنَّ الْمُؤَنِيَّ سُئِلَ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: وَجْهُهُ أَنْ يَكُون
وَّ سُئِلَ عَمَّنْ هَجَمَ عَلَى قَطْع سِدْرٍ لِقَوْمٍ أَوْ لِيَتِيمِ، أَوْ لِمَنْ حَرَّمَ الله أَنْ يُقْطَعِ عَلَيْهِ،
فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ بِقَطْعِهِ، فَاسْتَحَقَّ مَا قَالَهُ، فَتَكُونِ الْمَسْأَلَةُ سَبَقَتِ السَّامِعَ فَسَمِعَ الْجَوَابَ
وَلَمْ يَسْمَعِ السُّؤَالَ، وَجَعَلَ نَظِيرَهُ حَدِيث أُسَامَةِ أَنَّ رَسُولِ الله ◌ِه قَالَ: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي
النَّسِيئَةِ) وَقَدْ قَالَ: (لَا تَبِيعُنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)).
وَاحْتَجَّ الْمُزَنِيُّ بِمَا اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيِّ مِنْ إِجَازَتِهِ ﴿ أَنْ يُغْسَلَ الْمَيِّتِ بِالسِّدْرِ،
وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يَجُز الاِنْتِفَاعُ بِهِ.

٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قَالَ: وَالْوَرَقِ مِنِ السِّدْرِ كَالْغُصْنِ، وَقَدْ سَوَّى رَسُول اللّهِ وَّهِ فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ مِنْ
شَجَر الْحَرَم بَيْن وَرَقِهِ وَغَيْرِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعِ عَنْ وَرَقِ السِّدْرِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ
السِّدْرِ. اِنْتَفَى.
(صَوَّبَ الله): أي: نَكَسَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى رَأْسِهِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ، وَهَذَا دُعَاءُ أَوْ خَبَرُّ. قَالَ
الْمُنْذِرِيُّ: وَالْحَدِيث أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ فِيهِ عَبْد الله الْخُثْعَمِيُّ: ((عَنْ رَجُل مِنْ
ثَقِیفٍ)).
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الرَّجُلِ لَعَلَّهُ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن دِینَار
عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ السِّدْرَ
يَصُبُّ الله عَلَى رُؤُوسِهِمِ النَّارَ صَبَّ)) وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَار عَنْ
عَمْرو بْن أَوْسِ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَةٍ مَوْصُولاً، وَقَالَ: الْمُرْسَل هُوَ الْمَحْفُوظِ. قَالَ
الْمُنْذِرِيُّ: وَهَذَا مُرْسَلُ. [((عون)) (٢٧٧/١١)].
الفصل الثالث
٢٩٧١ - [عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴾ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الأَرْضِ فَلَا شُفْعَةً
فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِثْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ (١). رَوَاهُ مَالِكٌ].
(١) أخرجه مالك (١٣٩٨) والبيهقي (١١٣٥٦).

باب المساقاة والمزارعة
المساقاة هي: أن يعامل إنسانًا على شجرة ليتعهدها بالسقي والتربية، على أن ما
رزق الله تعالى من الثمر يكون بينهما بجزء معين، وكذا المزارعة في الأراضي.
الفصل الأول
٢٩٧٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ
خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللهِ وَ شَطْرُ ثَمَرِهَا(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
[وَفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَّهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا
وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا](٢).
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيّ
وَأَحْمَد، وَجَمِيعِ فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ: لَا يَجُوز، وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ خَيْبَرِ فُتِحَتْ عَنْوَة، وَكَانَ
أَهْلِهَا عَبِيدًا لِرَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَمَا أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ، وَمَا تَرَّكَهُ فَهُوَ لَهُ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَبِقَوْلِهِ وَِّ: (أَقِّكُمْ مَا أَقَرَّكُم الله))
وَهَذَا حَدِيث صَرِيحٍ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَبِيدًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدِ إِخْتَلَفُوا فِي خَيْبَرِ هَلْ فُتِحَتْ عَنْوَةٍ، أَوْ صُلْحًا، أَوْ بِجَلَاءٍ أَهْلِهَا
عَنْهَا بِغَيْرِ قِتَال، أَوْ بَعْضِهَا صُلْحًا وَبَعْضِهَا عَنْوَة وَبَعْضِهَا جَلَا عَنْهُ أَهْلِهِ، أَوْ بَعْضِهَا
صُلْحًا وَبَعْضِهَا عَنْوَة؟ قَالَ: وَهَذَا أَصَحّ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ رِوَايَة مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ، وَبِهِ قَالَ
إِبْن عُيَيْنَةَ. قَالَ: وَفِي كُلّ قَوْل أَثَر مَرْوِيّ.
(١) أخرجه مسلم (٤٠٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٩).
- ٢٨٧ -

٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولِ اللهِ وَِّ لَّمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرِ أَرَادَ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْهَا،
وَكَانَتِ الْأَرْضِ حِين ظَهَرَ عَلَيْهَا الله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَدُلّ لِمَنْ قَالَ: ((عَنْوَة) إِذْ
حَقّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعَنْوَةِ، وَظَاهِرِ قَوْل مَنْ قَالَ: ((صُلْحًا)) أَنَّهُمْ صُولِجُوا عَلَى كَوْن
الْأَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالله أَعْلَم.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزِ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةِ مِن الْأَشْجَارِ، فَقَالَ دَاوُدَ: يَجُوز عَلَى النَّخْلِ
خَاصَّة، وَقَالَ الشَّافِعِيّ: عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ خَاصَّةٍ، وَقَالَ مَالِك: تَّجُوز عَلَى جَمِيع
الْأَشْجَارِ، وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ. فَأَمَّا دَاوُدَ فَرَآهَا رُخْصَةٍ فَلَمْ يَتَعَذَّ فِيهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيّ فَوَافَقَ دَاوُدَ فِي كَوْنِهَا رُخْصَةٍ، لَكِنْ قَالَ: حُكْم الْعِنَبِ حُكْم النَّخْل في
مُعْظَمَ الْأَبْوَابِ، وَأَمَّا مَالِك فَقَالَ: سَبَب الْجُوَازِ الْحَاجَة وَالْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا يَشْمَلِ الْجَمِيع
فَيُقَاسَ عَلَيْهِ، وَالله أَعْلَم.
(وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) فِي بَيَانِ الْجُزْءِ الْمُسَاقِي عَلَيْهِ مِنْ نِصْفِ أَوْ رُبُع أَوْ
غَيْرِهِمَا مِن الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ، فَلَا يَجُوز عَلَى مَجْهُول كَقَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْض الثَّمَّر.
وَاتَّفَقَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى جَوَازِهَا بِمَا ◌ِنَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِیل أَوْ كَثِير.
وفي رِوَايَة: ((مِنْ ثَمَر أَوْ زَرْع)) يَحْتَجَ بِهِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ، وَهُم الْأَكْثَرُونَ فِي جَوَاز
الْمُزَارَعَة تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُزَارَعَة عِنْدهمْ لَا تَجُوز مُنْفَرِدَة، فَتَجُوزِ تَبَعًا
لِلْمُسَاقَاةِ، فَيُسَاقِيه عَلَى النَّخْلِ، وَيُزَارِعِهُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا جَرَى فِي خَيْبَر.
وَقَالَ مَالِك: لَا تَجُوزِ الْمُزَارَعَة لَا مُنْفَرِدَةٍ وَلَا تَبَعًا إِلَّا مَا كَانَ مِن الْأَرْضِ بَيْن
الشَّجَر.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَزُفَرِ: الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ فَاسِدَتَانِ سَوَاءِ جَمَعَهُمَا أَوْ فَرَّقَهُمَا، وَلَوْ
عُقِدَتَا فَسَخَتَا.
وَقَالَ اِبْنِ أَّبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّد، وَسَائِرِ الْكُوفِيِّينَ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ،
وَأَحْمَد، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ شُرَيْحٍ وَآخَرُونَ: تَّجُوزِ الْمُسَاقَاة وَالْمُزَارَعَة مُجْتَمِعَتَيْنِ، وَتَجُوز
كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرِ الْمُخْتَارِ لِحَدِيثِ خَيْبَر، وَلَا يُقْبَل دَعْوَى

٢٨٩
كتاب البيوع/ باب المساقاة والمزارعة
كَوْن الْمُزَارَعَةِ فِي خَيْبَرِ إِنَّمَا جَازَتْ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، بَلْ جَازَتْ مُسْتَقِلَّةٍ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى
الْمُجَوِّزِ لِلْمُسَاقَاةِ مَوْجُودٍ فِي الْمُزَارَعَةِ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ، فَإِنَّهُ جَائِزِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوّ
كَالْمُزَارَعَةِ فِي كُلّ شَيْءٍ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُسْتَمِرُونَ عَلَى
الْعَمَلِ بِالْمُزَارَعَةِ.
وَقَدْ صَنَّفَ إِبْنِ خُزَيْمَةَ كِتَابًا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، وَاسْتَقْصَى فِيهِ وَأَجَادَ، وَأَجَابَ
عَنِ الْأَحَادِيث بِالنَّهْيِ، وَالله أَعْلَم. [النووي (٣٩٢/٥)].
٢٩٧٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا تُخَابِرُ وَلا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ
الشَِّيَّ ◌َّهَ ذَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
٢٩٧٤ - [وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ
كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َهَ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ، أَوْ شَيْءٍ يَسْتَئْنِيهِ
صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ◌َّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ
وَالَّنَانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسْ، وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ
بِالْخَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
٢٩٧٥ - [وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، وَكَانَ أَحَدُنَا
يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِى وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ،
فَنَهَاهُمُ التَّبِيُّ ◌َ (٣). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ].
قال ابن بطال: اتفق العلماء على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة.
قال ابن المنذر: وهذا إجماع الصحابة، وذهب ربيعة إلى أنه لا يجوز أن يكرى
بشيء غير الذهب والفضة.
(١) أخرجه مسلم (٤٠١٧) وأحمد (٢١٢٠) والنسائي (٣٩٣٣) وابن ماجه (٢٥٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٤٦) ومسلم (٤٠٣٣) وأحمد (١٧٧٤١) والنسائي (٣٩١٤) والبيهقي في (سننه))
(١٢٠٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٣٢) ومسلم (٤٠٣٥).

٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وقال طاوس: لا تكرى بالذهب ولا بالفضة، وتكرى بالثلث والربع.
وقال الحسن البصري: لا يجوز أن تكرى الأرض بشيء لا بذهب وفضة ولا
بغيرهما.
والحجة لقول الحسن ما روي عن رافع بن خديج ((أن الرسول نهى عن كري
الأرض مطلقًا)) وقال: إذا استأجرها وحرث فيها لعله أن يحترق زرعه، فيردها وقد
زادت بحرثه لها، فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر، وهذا ليس بشيء؟
لأن سائر البيوع لا تخلو من شيء من الغرر، والسلامة فيها أكثر، ولو روعي في البيوع
ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع لأحد، لأجل خشية ما يحدث من عند الله تعالى.
وقد ثبت عن رافع أن كراء الأرض بالذهب والفضة جائز، وذلك مضاف إلى
رسول الله، وهو خاص يقضي على العام الذي جاء فيه النهي عن كراء الأرض بغير
استثناء ذهب ولا فضة، والزائد من الأخبار أولى أن يؤخذ به؛ لئلا تتعارض الأخبار
ويسقط شيء منها. [٤/١٢].
٢٩٧٦ - [وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُسِ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ
النَّبِيَّ نَّهُ نَهَى عَنْهُ. قَالَ - أي: عَمْرُو: إِنِّ أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي
- يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسِ - أَنَّ النَّبِيِّ نَّه لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
قال ابن بطال: اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل، فكرهها مالك،
والثورى، والشافعى، وأبو ثور حتى يسمي أجلاً معلومًا.
قال ابن المنذر وقال أبو ثور: إذا لم يسم سنين معلومةً فهو على سنة
واحدة، وحكي عن بعض الناس أنه قال: أجيز ذلك استحسانًا، وأدع القياس.
[(٤٨٨/١١)].
٢٩٧٧ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُّ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ
(١) أخرجه البخاري (٢٢٠٥) ومسلم (١٥٥٠).

٢٩١
كتاب البيوع/ باب المساقاة والمزارعة
لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبِى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
٢٩٧٨ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةً، وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
﴿ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
الفصل الثاني
٢٩٧٩ - [عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرٍ
إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ) قَالَ
الْعُلَمَاءِ: مَحْمُولِ عَلَى مَا إِذَا نَظَرٍ فِي بَيْتِ الرَّجُل فَرَمَاهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأُ عَيْنِه، وَهَلْ يَجُوزِ رَمْيه
قَبْل إِنْذَاره؟ فِيهِ وَجْهَانٍ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهِمَا جَوَازه لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث، وَالله أَعْلَم.
[(شرح النووي على مسلم)» (٧/ ٢٨٨)].
الفصل الثالث
٢٩٨٠ - [عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ
إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٍّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ
وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُّ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآَلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أَشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ
عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ
كَذَا(٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَامَلَ عُمَرِ النَّاسِ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَر بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرِ، وَإِنْ جَاؤُوا
(١) أخرجه البخاري (٢٦٣٢) ومسلم (٣٩٩٩) وأحمد (١٥١٩٣) وابن ماجه (٢٥٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٩٦) والطبراني في ((الأوسط)) (٨٩٢١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٤١٩) وأبو داود (٣٤٠٥).
(٤) أخرجه البخاري (٨) باب المزارعة بالشطر ونحوه.

٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا) وَصَلَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ عَنْ أَبِي خَالِدِ الْأَحْمَرِ عَنْ يَحَْى بْنِ سَعِيد («أَنَّ
عُمَرِ أَجْلَى أَهْلِ نَجْرَانِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَاشْتَرَى بَيَاض أَرْضهمْ وَكُرُومِهِمْ، فَعَامَلَ عُمَر
النَّاس إِنْ هُمْ جَاؤُوا بِالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَلَهُم الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرِ القُّلُث، وَإِنْ جَاءَ
عُمَر بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِه فَلَهُ الشَّطْرِ، وَعَامَلَهُمْ فِي النَّخْلِ عَلَى أَنَّ لَهُم الْخُمْس وَلَهُ الْبَاقِي،
وَعَامَلَهُمْ فِي الْكَرْمِ عَلَى أَنَّ لَهُم الثُّلُث وَلَهُ الثُّلُثَانِ، وَهَذَا مُرْسَل.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلِ بْن أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُمَر بْنِ عَبْد الْعَزِيز
قَالَ: ((لَمَّا إِسْتُخْلِفَ عُمَر أَجْلَى أَهْلِ نَجْرَان وَأَهْلِ فَدَك وَتَيْمَاء وَأَهْلِ خَيْبَرِ، وَاشْتَرَى
عَقَارِهِمْ وَأَمْوَالهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةٍ فَأَعْطَى الْبَيَاضِ - يَعْنِي: بَيَاض الْأَرْض -
عَلَى إِنْ كَانَ الْبَذْرِ وَالْبَقَر وَالْحَدِيدِ مِنْ عُمَرِ، فَلَهُم الثُّلُث وَلِعُمَرِ القُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ
فَلَهُم الشَّطْر وَلَهُ الشَّطْرِ، وَأَعْطَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ عَلَى أَنَّ لِعُمَرِ القُلَُّيْنِ وَلَّهُم الثُّلُث،
وَهَذَا مُرْسَل أَيْضًا فَيَتَقَوَّى أَحَدهمَا بِالْآخَرِ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهُ بِلَفْظِ: إِنَّ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ بَعَثَ يَعْلَى بْنِ
مُنْيَةٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيهِمِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، فَذَكَرَ مِثْله سَوَاء.
وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَبْهَمَ الْمِقْدَارِ بِقَوْلِهِ: ((فَلَهُمْ كَذَا)) لِهَذَا الإِخْتِلَاف؛ لِأَنَّ غَرَضه
مِنْهُ أَنَّ عُمَرِ أَجَازَ الْمُعَامَلَةِ بِالْجُزْءِ، وَقَد اِسْتَشْكَلَ هَذَا الصَّنِيعِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَاز
بَيْعَتَبْنِ فِي بَيْعَة؛ لِأَنَّ ظَاهِره وُقُوعِ الْعَقْد عَلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْبِين، وَيَحْتَمِل
أَنْ يُرَاد بِذَلِكَ التَّنْوِيعِ وَالتَّخْبِيرِ قَبْلِ الْعَقْد، ثُمَّ يَقَعِ الْعَقْد عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ
يَرَى ذَلِكَ جَعَالَةٍ فَلَا يَضُرّهُ.
نَعَمْ فِي إِيرَاد الْمُصَنِّفِ هَذَا الْأَثَرِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى أَنَّ
الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهِ الْآخَرِ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفًا
الْمَعْنَى، فَالْمُزَارَعَةِ الْعَمَلِ فِي الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُج مِنْهَا وَالْبَذْرِ مِن الْمَالِكِ، وَالْمُخَابَرَةِ
مِثْلَهَا لَكِنِ الْبَذْرِ مِن الْعَامِلِ، وَقَدْ أَجَازَهُمَا أَحْمَدٍ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنِ الشَّافِعِيَّة ◌ِبْنِ خُزَيْمَةَ
وَابْنِ الْمُنْذِر وَالْخُطَائِيُّ.

٢٩٣
كتاب البيوع/ باب المساقاة والمزارعة
وَقَالَ إِبْنِ سُرَيْجِ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَسَكَتَ عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَعَكَسَهُ الْجُورِيُّ مِن
الشَّافِعِيَّة، وَهُوَ الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَد.
وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا يَجُوز وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحَمَلُوا الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاقَاة.
[(فتح الباري)) (١٨٠/٧)].

باب الإجارة
الفصل الأول
٢٩٨١ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: زَعَمَ ثَابِتُ بْنَ الضَّحَاكِ أَنَّ رَسُولَ الله
نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
٢٩٨٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ
وَاسْتَعَطَ (٩) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
قال الحافظ: وَكَأَنَّ إِبْن عَبَّاس أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ كَسْب
الحَجَّامِ حَرَامِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ بَعْد ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّهُ حَلَال،
وَاحْتَجُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْرِ عَنْهُ
عَلَى النَّنْزِيهِ، وَمِنْهُمْ مَن ◌ِذَّعَى النَّسْخِ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أَبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ
الطَّحَاوِيُّ، وَالنَّسْخِ لَا يَثْبُتِ بِالإِحْتِمَالِ، وَذَهَبَ أَحْمَد وَجَمَاعَةِ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنِ الْحُرّ
وَالْعَبْدِ، فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الإِحْتِرَاف بِالْحِجَامَةِ، وَيَحْرُم عَلَيْهِ الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِه مِنْهَا،
وَيَجُوزِ لَهُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابٌ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُظْلَقًا، وَعُمْدَتهمْ حَدِيث
مُخَيِّصَةَ أَنَّهُ (سَأَلَ النَّبِيّ ◌َّهُ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَذَكَر لَهُ الْحَاجَةِ فَقَالَ: إِعْلِفْهُ
نَوَاضِحِك)) أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَحْمَدٍ وَأَصْحَابِ السُّنَن وَرِجَاله ثِقَات.
وَذَكَرَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ أَنَّ أَجْر الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِن الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِب لِلْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَة لَهُ عِنْدِ الإِحْتِيَاجِ لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذْ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَمَعَ
إِبْنِ الْعَرَبِيّ بَيْن قَوْله ◌َّهَ: ((كَسْب الْحَجَّامِ خَبِيث)) وَبَيْن إِعْطَائِهِ الْحَجَّامِ أَجْرَتِه بِأَنَّ مَحَلّ
(١) أخرجه مسلم (٤٠٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٩١) ومسلم (٤١٢٤) وأحمد (٢٣٧٨).
- ٢٩٤ -

٢٩٥
كتاب البيوع/ باب الإجارة
الْجَوَازِ مَا إِذَا كَانَتِ الْأَجْرَة عَلَى عَمَل مَعْلُومٍ، وَيُحْمَلِ الزَّجْرِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَل
مَجْهُول.
وَفِي الْحَدِيثِ: إِبَاحَة الْحِجَامَةِ، وَيَلْتَحِقِ بِهِ مَا يُتَدَاوَى مِنْ إِخْرَاج الدَّمِ وَغَيْرِهِ،
وَسَيَأْتِي مَزِيدٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّبّ.
وَفِيهِ: الْأَجْرَة عَلَى الْمُعَالَجَةِ بِالطَّبِّ، وَالشَّفَاعَةِ إِلَى أَصْحَاب الْحُقُوقِ أَنْ يُخَفِّقُوا
مِنْهَا، وَجَوَاز مُخَارَجَة السَّيِّد لِعَبْدِهِ كَأَنْ يَقُول لَهُ: أَذِنْت لَك أَنْ تَكْتَسِب عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي
كُلّ يَوْمِ كَذَا وَمَا زَادَ فَهُوَ لَك.
وَفِيهِ: اِسْتِعْمَالِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّده الْخَاصّ إِذَا كَانَ قَدْ تَضَمَّنَ تَمْكِينه مِن
الْعَمَلِ إِذْنه الْعَامّ.
٢٩٨٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَهِ قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّ رَعَى الْغَنَمَ.
فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِبَطَ لأَهْلِ مَكَّةَ(١). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(عَلَى قَرَارِيطٌ لِأَهْلِ مَكَّة) فِي رِوَايَة ◌ِبْنِ مَاجَه عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيد عَنْ عَمْرو بْن
يَخْتَى: ((كُنْت أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّة بِالْقَرَارِيطِ)) وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنِ الْمَنِيعِّ عَنْ
◌ُحَمَّد بْنِ حَسَّان عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، قَالَ سُوَيْد أَحَدِ رُوَاته: يَعْنِي: كُلّ شَاةٌ بِقِيرَاطٍ؛
يَعْنِي: الْقِيرَاط الَّذِي هُوَ جُزْءٍ مِن الدِّينَارِ أَو الدِّرْهَم.
قَالَ إِبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيّ: ((قَرَارِيط)) اِسْم مَوْضِعٍ بِمَكَّة، وَلَمْ يَرِدِ الْقَرَارِيط مِن الْفِضَّة،
وَصَوَّبَهُ إِبْنِ الْجَوْزِيّ تَبَعًا لِاِبْنِ نَاصِرٍ وَخَظَّأْ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيرهِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّل؛ لِأَنَّ
أَهْلِ مَكَّة لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَال لَهُ: قَرَارِبط.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث نَصْرِ بْنِ حَزْنِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الزَّاي
بَعْدِهَا نُون قَالَ: اِفْتَخَرَ أَهْلِ الْإِبِلِ وَأَهْلِ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَسُول الله ◌َِّ: (بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ
(١) أخرجه البخاري (٢١٤٣) وابن ماجه (٢١٤٩).

٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
رَاعِي غَنَمِ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَم، وَبُعِثْت وَأَنَا أَرْعَى غَنَمِ أَهْلِي بِيَادٍ) فَزَعَمَ
بَعْضِهِمْ أَنَّ فِيهِ رَدَّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيد؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ، فَيَتَعَيَّن
أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَانِ فَعَبَّرَ تَارَة بِـ(جِيَادٍ)) وَتَارَة بِـ((فَرَارِيط)) وَلَيْسَ الرَّ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا مَانِعٍ مِن
الْجَمْعِ بَيْنِ أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَة وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ، أَو الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ((أَهْلِ)) أَهْلِ مَكَّة،
فَيَتَّحِدِ الْخْبَرَانِ، وَيَكُونِ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَةِ وَفِي الْآخِرِ بَيَّنَ الْمَكَان، فَلَا يُنَافِي
ذَلِكَ، وَالله أَعْلَم.
وَقَالَ بَعْضِهِمْ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبِ تَعْرِفِ الْقِيرَاط الَّذِي هُوَ مِنِ النَّقْدِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ
فِي الصَّحِيحِ: ((يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يَذْكُر فِيهَا الْقِيرَاط)) وَلَيْسَ الإِسْتِدْلَالِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْي
الْمَعْرِفَة بِوَاضِحٍ.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْحِكْمَةِ فِي إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَغْي الْغَنَم قَبْل الثُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُل لَهُم
الثَّمَرُّن بِرَعْبِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِن الْقِيَامِ بِأَمْرٍ أُمَّتَهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتَهَا مَا يُحَصِّل لَهُم
الحِلْمِ وَالشَّفَقَة؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَغْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْد تَفَرُّقُهَا فِي الْمَرْعَى، وَنَقْلِهَا مِنْ
مَسْرَح إِلَى مَسْرَح، وَدَفْع عَدُوّهَا مِنْ سَبُعْ وَغَيْرِهِ كَالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا إِخْتِلَاف طِبَاعهَا
وَشِدَّةٍ تَفَرُّقُهَا مَعَ ضَعْفِهَا، وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى الْمُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرِ عَلَى الْأُمَّة،
وَعَرَفُوا إِخْتِلَاف ◌ِبَاعِهَا وَتَفَاوُت عُقُولِهَا، فَجَبَرُوا كَسْرِهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا
التَّعَاهُد لَهَا، فَيَكُون تَحَمُّلهمْ لِمَشَفَّةِ ذَلِكَ أَسْهَل، مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَامِ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّل
وَهْلَة لِمَا يَحْصُل لَهُمْ مِن الَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَغْيِ الْغَنَم.
وَخُصَّتِ الْغَنَم بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهَا أَضْعَف مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَا أَكْثَر مِنْ تَفَرُّق
الْإِبِل وَالْبَقَرِ لإِمْكَانِ ضَبْطِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونِهَا فِي الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَة، وَمَعَ أَكْثَرِيَّة
تَفَرُّقهَا فَهِيَ أَسْرَعِ اِنْقِيَادًا مِنْ غَيْرهَا.
وَفِي ذِكْرِ النَّبِيّ ◌َهِ لِذَلِكَ بَعْد أَنْ عُلِمَ كَوْنِهِ أَكْرَمِ الْخُلْقِ عَلَى الله مَا كَانَ عَلَيْهِ
مِنْ عَظِيمِ التَّوَاضُع ◌ِرَبِّهِ، وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِه مِن الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَات الله
وَسَلَامِه عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. [(الفتح)) (٩٩/٧)].

٢٩٧
كتاب البيوع/ باب الإجارة
٢٩٨٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلاثَةُ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ: رَجُلُ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلُّ بَاعَ حُرَّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا
فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
٢٩٨٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ نَفَرًّا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ
- أَوْ سَلِيمَ - فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلُّ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيَكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ
رَجُلاً لَدِيفًا - أَوْ سَلِيمًا - فَانْطَلَقَ رَجُلُّ مِنْهُمْ، فَقَرَّأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ، فَجَاءَ
بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللّه أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا
الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: إِنَّ أَحَقَّ
مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ(٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رَوَايَةٍ: أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا
◌ِي مَعَكُمْ سَهْمًا)(٣).
(أَصَبْتُمْ) يَجْتَمِلِ أَنْ يَكُون صَوَّبَ فِعْلهمْ فِي الرُّقْيَةِ، وَيَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ فِي تَوَقُّفِهمْ
عَنِ النَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى إِسْتَأْذَنُوهُ، وَيَحْتَمِل أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ.
(وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) أي: اِجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةِ فِي
تَأْنِيسهمْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّة الْحِمَارِ الْوَحْشِيّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الفصل الثاني
٢٩٨٦ - [عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ،
فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِنَّ أَنْبِثْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيٍْ،
فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةِ؟ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَجَاؤُوا
بِمَعْتُوهِ فِي الْقُيُودِ، فَقَرَّأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ
(١) أخرجه البخاري (٢١١٤) وأحمد (٨٦٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢١٥٦) ومسلم (٢٢٠١) وأحمد (١١٠٨٥) وأبو داود (٣٩٠٠) والترمذي (٢٠٦٣)
والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٦٨) وابن ماجه (٢١٥٦).

٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أَتْفُلُ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَعْطَوْنِي جُعْلاً، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ الله
﴿ِ، فَقَالَ: كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
داود].
(عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ) عَمُّ خَارِجَةَ هُوَ عَلَاقَة بْنِ صُحَارٍ - بِضَمِّ
الصَّاد وَتَخْفِيف الْحَاءِ الْمُهْمَلَة - التَّمِيمِيّ السَّلِيطِي، لَهُ صُحْبَةٍ وَرِوَايَة عَنْ رَسُول الله
وَّه، وَقِيلَ: إِسْمِه الْعَلَاءِ، وَقِيلَ: عَبْد الله، وَقِيلَ: عِلَاثَة، وَيُقَال: سَخَّار - أي: بِالسِّينِ
الْمُهْمَلَةِ - بِالنَّخْفِيفِ، وَالْأَوَّل أَكْثَر.
(كُلّ) أَمْرِ مِن الْأَكْلِ (فَلَعَمْرِي) بِفَتْحِ الْعَيْنِ؛ أي: لَحَيَاتِي، وَاللََّم فِيهِ لَامَ
الإِبْتِدَاءِ، وَفِي قَوْله: (لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَة بَاطِل) جَوَابِ الْقَسَم؛ أي: وَاللََّم فِيهِ لَامَ الإِبْتِدَاء؛
أي: مِنِ النَّاس مَنْ يَأْكُل بِرُقْيَةِ بَاطِلِ، كَذِكْرِ الْكَوَاكِب وَالإِسْتِعَانَة بِهَا وَبِالْجِنِّ (لَقَدْ
أَكَلْت بِرُقْيَةٍ حَقٌ) أي: بِذِكْرِ الله تَعَالَى وَكَلَامِه، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعُمْرِهِ لَّمَّا أَقْسَمَ الله تَعَالَى
بِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿لَعَمْرِكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] قَالَ الطَّيبِيُّ: لَعَلَّهُ
كَانَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْإِقْسَامِ، وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكِ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
يَعْمَهُونَ﴾ قِيلَ: أَقْسَمَ الله تَعَالَى بِحَيَاتِهِ وَمَا أَقْسَم بِحَيَاةٍ أَحَد قَطْ كَرَامَة لَهُ.
وَ((مَنْ)) فِي (لَمَنْ أَكَلَ)) شَرْطِيَّة، وَاللََّم مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ، وَالثَّانِيَة جَوَابِ لِلْقَسَمِ، سَادّ
مَسَدّ الْجَزَاء؛ أي: لَعَمْرِي لَإِنْ كَانَ نَاس يَأْكُلُونَ بِرُقْيَةِ بَاطِل لَّأَنْتَ أَكَلْت بِرُقْيَةٍ حَقٌ،
وَإِنَّمَا أَنَى بِالْمَاضِي فِي قَوْله: (أَكَلْت)) بَعْدِ قَوْله: ((كُلّ)) دَلَالَة عَلَى اِسْتِحْقَاقِهِ، وَأَنَّهُ حَقّ
ثَابِتٍ وَأُجْرَتِهِ صَحِيحَةٍ، كَذَا فِي ((الْمِرْقَاة)) لِلْقَارِيّ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
٢٩٨٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ
قَبْلَ أَنْ تَجِفَّ عَرَقُهُ(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(١) أخرجه أحمد (٢١٨٨٤) وأبو داود (٣٤٢٠) والطبراني (٥٠٩) والحاكم (٢٠٥٥) والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٢٣٦٥) والطحاوي (١٢٦/٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٤٣) والقضاعي (٧٤٤) وأبو يعلى (٦٦٨٢).