Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الصوم/ باب رؤية الهلال (وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْت رَسُولَ الله ◌َّهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمي) وصححه ابن حبان، بل قال النووي: إسناده صحيح على شرط مسلم، واستفيد من هذين الخبرين الصحيحين أن الحق ما ذهب إليه الشافعي # واتفق عليه أصحابه من ثبوت رؤية هلال رمضان بواحد احتياطًا للصوم، ومن ثم اتفقوا على أنه لا يثبت به بالنسبة لغير الصوم كحلول دين ووقوع نحو طلاق أو عتق، علق به نعم لتوابع الصوم كالتراويح، والاعتكاف المنذور في رمضان حكم الصوم، وزعم جمع من متأخري أئمتنا أن الشافعي رجع عن القول بالواحد إلى موافقة أكثر العلماء أنه لا بد من اثنين كبقية الشهود، ولیس کما زعموه، وأصحابه أدری بنصوصه من غيرهم. ومن ثم أوَّل بعض أكابرهم ما أوهم ذلك بأنه إنما رجع إلى الاثنین بالقياس، لما لم يثبت عنده في المسألة سنة كما دل عليه كلامهم في ((المختصر)) فلما صح أنه قدّ قبل شهادة الأعرابي وحده وشهادة ابن عمر وحده كان مذهبه قبول الواحد، وكيف يظن به أنه يترك الحديث للقياس مع قوله الذي شاذ به فخره وتميز به قدره؟ إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي الحائط. قال النووي: ومحل الخلاف ما لم يحكم بشهادة الواحد حاكم يراه وإلا وجب الصوم ولم ينقص الحكم إجماعًا، وألحق بعض أئمتنا العلامة الدالة على رمضان التي لا يتخلف عادة كرؤية القناديل موقودة على المنابر برؤية الواحد فيلزم الصوم بها، واستفيد من سؤاله و سل و الأعرابي عن حاله أنه لا يكفي شهادة المجهول، ومثله معلوم الفسق، بل لا بد من معرفة عدالته، ثم الأصح أنه لا بد أن يكون عدل الشهادة دون الرواية، فلا تكفي امرأة وعبد، ولا المستور وهو من لا يعرف له بفسق مع صلاح ظاهره، بل لا بد من اثنين يزكيانه عند القاضي. وقال جمع من أئمتنا: يكفي ويشترط لفظ الشهادة عند القاضي ولو من غير تقدم دعوى؛ لأنها تشبه شهادة الحسبة، لكن ظاهر قول ابن عمر: ((فأخبرته أني ٤٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس رأيته)) ينازع في اشتراط لفظ الشهادة، كما أن ظاهر سؤاله ديه للأعرابي عن الإسلام ينازع في اشتراط العدالة، وكان عذرهم أن هذا لما احتيج فيه إلى الترافع إلى الحكام المستلزم لكونه ليس رواية عمل فيه بمقتضى التَّرَافُعِ إليهم أنه لا بد من لفظ الشهادة، ومن العدالة الباطنة. وظاهر قول ابن عمر: ((إني رأيته)) أنه يكفي أشهد أني رأيت الهلال، وهو المعتمد في مذهبنا خلافًا لمن زعم أنه لا يكفي؛ لأنه يشهد على فعل نفسه، ومما يرده أن المرضعة تقول: ((أشهد أني أرضعته)) إذا لم تطلب أجرة. (الفصل الثالث) ١٩٨٠ - [عَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (عَنْ عَائِشَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيَهْ يَتَحَفَّظُ) أي: يتكلف التحفظ (مِنْ شَعْبَانَ) بعد أيامه وإحصائها؛ لئلا يقع منه صوم فيه على أنه من رمضان (مَا لَا يَتَحَقَّظُ مِنْ غَيْرِهِ) لأن أفضلية رمضان على غيره لكونه سيد الشهور، كما في الحديث اقتضت اختصاصه بمزيد الاهتمام بشأنه والتحفظ مما قبله؛ لئلا يظن في بعضه أنه من رمضان (ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَائِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومر الكلام عليه وأنه حديث صحيح. ١٩٨١ - [عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ تَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسِ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ (١) أخرجه أبو داود (٢٣٢٧). ٤٦٣ كتاب الصوم/ باب رؤية الهلال مَدَّهُ للرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ فَأَرْسَلْنَا رَجُلاً إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ يَسْأَلُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ اللّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْتَا بِبَطْنِ تَخْلَةَ) قرية مشهورة شرقي مكة تسمى الآن: بالمضيق أيضًا (تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ) من الليالي (وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسِ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ، فَقُلْنَا لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِهِ مَدَّهُ للرُّؤْيَةِ) أي: لوقتها؛ أي: جعل مدة رمضان منوطة بزمان رؤية هلاله (فَهُوَ) أي: رمضان (لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ) بإضافة ليلة إلى الجملة؛ أي: فهو حاصل وقت ليلة الرؤية، ولا عبرة بكبيرة ولا بصغيرة، بل ورد أن انتفاخ الآهلة؛ أي: كبرها من أمارات الساعة. (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ) أي: ترأيناه كما في الرواية الأولى (وَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ) وهو فوق بطن نخلة بنحو يوم؛ إذ هي على مرحلتين من مكة، وبطن نخلة على نحو مرحلة (فَأَرْسَلْنَا رَجُلاً إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ يَسْأَلُهُ) عما وقع بيننا مما ذكر في الرواية الأولى (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أُمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ) قال عياض: أُطال مدته إلى الرؤية. انتهى. وأوضح منه أن يقال معناه: إن الله جعل ابتداء مدته حاصلاً بعد رؤيته، ولا ينافي هذه ما قبلها لاحتمال أنهم تراءوه بذات عرق وتنازعوا فيه، فإن سلوا يسألونه فأجابهم بذلك، فلما وصلوا بطن نخلة رأوه فسألوه شفاهًا فأجابهم بما يطابق الجواب الأول، حاصلهما أنه لا بد في الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثي شعبان من رؤية هلاله، وأنه لا عبرة بصغر الهلال ولا بكبره، واستفيد من قوله: ((لليلة رأيتموه)) أنه لا (١) أخرجه مسلم (٢٥٨١ - ٢٥٨٢)، وابن خزيمة (١٩١٩). ٤٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس عبرة برؤية الهلال قبيل الغروب، وأنه لو رئي يوم ثلاثي شعبان أو رمضان نهارًا قبل الزوال أو بعده لم يحكم به لليلة الماضية ولا المستقبلة، فلا يفطره من رمضان ولا يمسكه من شعبان، بل إن رئي بعد الغروب حكم به للمستقبلة وإلا فلا؛ للخبر السابق: ((صوموا لرؤيته)(١) ولما صح أن عمره أرسل إلى جند له بالعراق أن هذه الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس. وصح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن ناسًا رأوا هلال الفطر نهارًا فأتم صيامه إلى الليل، وقال: لا حتى يرى من حيث يرى بالليل، وفي رواية: ((لا يصلح أن تفطروا حتى تروه ليلاً من حیث یُری»(٢). قال البيهقي: وروينا في ذلك عن عثمان وابن مسعود قال غيره، وعن علي وأنس ولا مخالف لهم، وروى مالك بلاغًا: إن الهلال رئي زمن عثمان بعشي فلم يفطر حتى أمسی. وقال جمع من السلف: إنه رئي قبل الزوال فللماضية أو بعده فللمستقبلة، ولم يقل أحد: إنه لو رئي يوم التاسع والعشرين يكون الماضية لاستحالة كون الشهر ثمانية وعشرين (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البيهقي (٢٨٤٤)، والدارقطني (٢٢٤٣). (باب في آداب الصوم) وكان ينبغي له تأخير هذا عن الكلام في مفسداته وواجباته كما فعله الفقهاء. (الفصل الأول) ١٩٨٢ - [عَنْ أَنَسِ عَ: تَسَخَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ] (١). (عَنْ أَنَسِ عَهه) قال: قال رسول الله ◌َّهِ: (تَسَخَّرُوا) أمر للندب كما أجمعوا عليه (فَإِنَّ فِي السُّحُورِ) هو بفتح السين المأكول في السحر، وبضمها الأكل حينئذٍ، وهو المراد هنا وإن قيل: أكثر الروايات بالفتح فقد قيل: الصواب الضم؛ إذ الأجر والبركة في الفعل حقيقة والمأكول مجازًا (بَرَكَةً) لأن فيه أجرًا عظيمًا بإقامة السنة وتقوية للبدن، وتنشيطًا على الصوم وتهوينًا له، فيكثر فعله، وصح حديث: ((عليكم بهذا السحور فإنه هو الغذاء المبارك)»(٢). وحديث: ((استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل)»(٣). (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وأفاد إطلاق الأمر بالسحور أنه يحصل سنة السحور بتناول أقل شيء ولو جرعة ماء، وبه صرَّح الحديث الذي صححه ابن حبان: ((تسحروا ولو بجرعة ماء))(٤) ولا يقدح فيه منازعتهم لابن حبان في تصحيحه؛ لأن غايته أنه ضعيف وهو يعمل به في الفضائل، والأولى كونه بالتمر كالفطور عليه كما يأتي، وأنه يسن السحور (١) أخرجه البخاري (١٨٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والطيالسي (٢٠٠٦)، وأحمد (١٣٢٦٨)، والترمذي (٧٠٨) وقال: حسن صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٢٤٥٦)، وابن ماجه (١٦٩٢)، والدارمي (١٦٩٦)، وابن خزيمة (١٩٣٧). (٢) أخرجه أحمد (١٧٢٣١)، والنسائي (٢١٦٤)، والطبراني (٦٤١). (٣) أخرجه ابن ماجه (١٦٩٣)، وابن عدي (٣٣٩/٣)، والحاكم (١٥٥١)، والبيهقي في الشعب الإيمان» (٤٧٤٢)، وابن خزيمة (١٩٣٩). (٤) أخرجه بنحوه ابن حبان (٣٥٤٥). - ٤٦٥ - ٤٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس لمن لا يشتهيه لشبع أو غيره، ويخالفه بعض أصحابنا في ذلك إنما يظهر لها وجه، إن قلنا: إنه لا يحصل بنحو جرعة ماء، وقد علمت مخالفة ذلك للحديث الصحيح. ١٩٨٣ [وَعَنْ عَمرو بن العَاص ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ السَّحَر. رَوَاهُ مُسْلِم](١). (وَعَنْ عمرو بِنِ العَاصِ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: فَصْلُ) بالمهملة، وصحف بالمعجمة (مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى، أكلة بفتح الهمزة وهي المرة (السَّحَر. رَوَاهُ مُسْلِم) وفيه التصريح بأن السحور من خصوصياتنا، وأن الله تعالى تفضّل على هذه الأمة من الرخص وكثرة الأجر بما لم يتفضل له على غيرها، وأنه ينبغي لنا مزيد شكره تعالى حيث وسع لنا فيما ضيق به على غيرنا، بل وعلينا أول الإسلام لما مر أنه كان يحرم تعاطي المفطر بعد النوم ولو عقب الغروب، فإن لم يوجد نوم فبعد العشاء. ١٩٨٤ - [وَعَنْ سَهْلِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٢). (وَعَنْ سَهْلٍ عَلَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) زاد أحمد: ((وأخروا السحور))(٣). وأخذ منه أصحابنا من الأول: أنه يسن للصائم فرضًا أو نفلاً عقب تحقق الغروب أن يتناول مفطرًا فورًا، وحكمة ذلك مخالفة اليهود والنصارى كما يأتي في (١) أخرجه ومسلم (١٠٩٦)، وأحمد (١٧٧٩٧)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢١٦٦)، وابن حبان (٣٤٧٧)، وعبد بن حميد (٢٩٣)، وابن خزيمة (١٩٤٠). (٢) أخرجه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٠٩٨)، ومالك (٦٣٤)، وأحمد (٢٢٨٥٦)، والدارمي (١٦٩٩)، والترمذي (٦٩٩) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (٣٥٠٢)، والشافعي (١٠٤/١)، وأبو يعلى (٧٥١١)، وعبد الرزاق (٧٥٩٢)، والطبراني (٥٧٦٨). (٣) أخرجه أحمد (٢١٣٥٠). ٤٦٧ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم الحديث الصحيح: ((لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر) (١) لأن اليهود والنصارى يؤخرون، وكثير من المبتدعة كالشيعة يتبعونهم فيؤخرون إلى ظهور النجوم، وإنما كان الناس بخير ما عجّلوا الفطر وكان الدين ظاهرًا؛ لأنهم لو أخَّروا لكانوا مخالفين للسنة، والخبر ليس إلا في إتباعها، ويسن تقديمه على الصلاة للخبر الصحيح به، وصح أن الصحابة كانوا أعجل الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا. ومن الثاني: أنه يسن تأخير السحور ما لم يقع في شك في طلوع الفجر؛ لأنه أقرب إلى حصول المقصود منه من التقوى على العبادة، والأفضل أن يفعله إذا بقي بينه وبين الفجر خمسون آية للإتباع، ويدخل وقته بنصف الليل، وقيل: سدسه الأخير. ١٩٨٥ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](٢). (وَعَنْ عُمَرَ عَ﴾ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ) أي: ظلمته (مِنْ هَاهُنَا) أي: جهة المشرق (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ) أي: ضوءه (مِنْ هَاهُنَا) أي: جهة المغرب (وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي: بكامل غروبها، واحتيج إليه؛ لئلا يتوهم أن المراد أوائل ذلك الإقبال والإدبار مع بقاء شيء منها، أو أن غروبها عن العيون يكفي، ومن ثم قال العلماء: إنما ذكر هذين لسببين أن غروبها عن العيون لا يكفي؛ لأنها قد تغيب ولا تكون غربت حقيقة، فلا بدَّ من إقبال الليل؛ أي: وقد يقبل الليل ولا تكون غربت حقيقة، فلا بدَّ من حقيقة الغروب (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره وصار (١) أخرجه أبو داود (٢٣٥٣)، والحاكم (١٥٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٣٩١٦)، وفي ((السنن الكبرى)) (٧٩٠٨)، وابن أبي شيبة (٨٩٤٤)، وأحمد (٩٨٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣١٣)، وابن حبان (٣٥٠٣). (٢) أخرجه البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١١٠٠)، وأحمد (٣٣٨)، والحميدي (٢٠)، والدارمي (١٧٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨) والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣١٠)، وأبو يعلى (٢٥٧)، وابن خزيمة (٢٠٥٨)، وابن الجارود (٣٩٣)، وأبو عوانة (٢٧٨٤)، وابن حبان (٣٥١٣)، وعبد الرزاق (٧٥٩٥)، والبزار (٢٦٠)، والبيهقي (٧٩١٢). ٤٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس مفطرًا حكمًا. قيل: ويصح أن يراد بهذا الخبر الإنشاء؛ أي: ((فليفطر)) لما مر أنه يسن تعجيل الفطر عند تحقق الغروب، وفيه رد على المواصلين بإمطال اعتدادهم أن لهم أجرًا في الإمساك ليلاً، وبيان سبب ذلك الإمطال هو أن الليل لا يقبل الصوم، ومن ثم حُرِّم كما يأتي، وحينئذٍ فكان في هذا الحديث توطئة للحديث الذي بعده بيان سبب النهي فيه (مُتَّفَق عَلَيهِ) وما ذكر أن الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب هو ما أجمعوا عليه. قال أصحابنا: ويجب إمساك جزء من الليل بعد الغروب؛ ليتحقق به إمساك النهار ويدخل فيه بطلوع الفجر الثاني، والمراد بذلك ما يظهر لنا لا ما في نفس الأمر، ويعبر كل محل بطلوع فجره وغروب شمسه، وأما ما نُقل عن جمع من الصحابة أن المراد بالفجر في الآية الأسفار فهو مما كاد الإجماع أن ينعقد على خلافه، وأغرب منه ما نُقل عن الأعمش وإسحاق: أنه يحل تعاطي المفطر إلى طلوع الشمس، قال النووي: وما أظن أن ما نقل عن هذين الإمامين يصح عنهما؛ أي: لمنابذة ما قالاه لصرائح الكتاب والسنة التي لا شبهة لها بوجه. ١٩٨٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيرة ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌َّهِ عَن الوِصَالِ فِي الصَّومِ، فَقَالَ لَّهُ رَجُلٍ: إِنَكَ تُوَاصِل يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقال (ََّ) إِنَّ أَبِيْتُ يُطِعِمُنِي رَبِي وَيَسقِينِ. مُتَّفَقَ عَلَيهِ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيرة ﴿ قَالَ: نَقَى رَسُولُ اللهِ وَّرْ عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوم) الفرض والنفل، ومنه أخذ أئمتنا حرمة الوصال، وهو ألا يتناول مفطرًا بين الصومين عمدًا بلا عذر، سواء أقصد بعدم تناول ذلك القربة أم لا على الأصح؛ لأنه إيقاع لصورة العبادة في غير محلها، ومن ثم زال بتعاطي نحو سمسمة ليلاً، ولا ينافيه أن حكمة التحريم ألا (١) أخرجه البخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١١٠٣)، ومالك (٦٦٨)، وعبد الرزاق (٧٧٥٤)، وابن أبي شيبة (٩٥٩٥)، وإسحاق بن راهويه (١٦٨)، وأحمد (٧١٦٢)، والدارمي (١٧٠٣)، وأبو يعلى (٦٠٨٨)، وابن حبان (٣٥٧٦)، والبيهقي (٨١٥٨). ٤٦٩ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم تضعف عن الطاعات أو يملها، أو يحصل له ضرر؛ لأن الحكمة لا يلزم اطرادها، ولم يرابن الزبير - رضي الله عنهما - وغيره حرمة ذلك لما يأتي عنه وَل﴾ فكانوا يواصلون، وقد واصل ابن الزبير تسعة عشر يومًا مرة ثم أفطر على سمن ليلين أعضائه وصبر ليقومها ولبن؛ لأنه ألطف غذاء. (فَقَالَ لَهُ رَجُل: إِنَكَ تُوَاصِل يَا رَسُولَ الله؟) فكيف تنهانا عنه وتفعله أنت والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] قال: إنما أمرتم بالتأسي بي فما ليس من خصائصي، وهذا مما اختصني الله بإباحته دونكم؛ لوضوح الفرق بيني وبينكم (وَأَيُّكُم مِثلي؟) في وصف من أوصاف الكمال لا سيما القوة على العبادات لا سيما الصوم، فهذا استفهام توبيخ يؤذن بمزيد البعد بينه وبينهم في ذلك (إِنَّ أَبِيْتُ يُطعمني) حال إن كانت أبيت تامة وجه إن كانت ناقصة (رَبي وَيَسِقِينِ. مُتَّفَقَ عَلَيهِ). وفي رواية: ((إني أُطعم وأُسقى)(١). وفي أخرى: ((إني أظل يطعمني ربي ويسقيني))(٥). وفي أخرى: ((إني أبيت لي مطعم يطعمني وساقي يسقيني)) (٣) وكلها صحيحة ومعناها على الأصح عند النووي وغيره: أُعْطى قوة الطاعم والشارب، وإلا لم يبقَ وصال ولقال: ما أنا مواصل، ويؤيده رواية: ((أظل))(٤) إذ لا يقال: ظل إلا في النهار فدل على أنه لم يأكل. وقيل: معناها أنه كان يؤتى بطعام وشراب من الجنة كرامة لا تشاركه بها الأمة، (١) أخرجه البخاري (١٨٦٠)، والترمذي (٧٧٨) وأحمد (١٢٧٦٣)، والدارمي (١٧٠٤)، وابن حبان (٣٥٧٤). (٢) أخرجه البخاري (٧٢٤١)، ومسلم (٢٦٢٦)، وأحمد (٤٨٥٥). (٣) أخرجه البخاري (١٨٦٢)، وأحمد (١١٠٧٠)، والدارمي (١٧٠٥)، وأبو داود (٢٣٦١)، وابن حبان (٣٥٧٧)، والبيهقي (٨١٦٢). (٤) تقدم تخريجه. ٤٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وإنما سمي مع ذلك مواصلاً وصائمًا؛ لأن طعام الجنة لا يُفطر؛ لأنه و * علل عدم فطر التأسي بقوله: ((فإنما أطعمه الله وسقاه))(١) وظل يستعمل كثيرًا لمطلق الزمن. وقيل: إن محبة الله تعالى شغلته عن الطعام والشراب وصارت له غذاء أي غذاء، وقد أعتيد أن الحب البالغ يشغل عنهما فما بالك بهذا، وعلى كلَّ فإباحة الوصال له ﴾ من خصائصه، قال إمام الحرمين: بل كان قربة في حقه. (الفصل الثاني) ١٩٨٧ - [عَنْ حَفصَة - رَضِي الله عَنهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ. رَوَاهُ التِّرمَذِي وَأَبُوُ دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي، وَقَالَ أَبُوُ دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفَصَةٍ مَعَمَر وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الأَيِْيُّ كَلَّهم عَن الزّهرِي](٢). (عَنْ حَفَصَة - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ) أي: يعزم ويصميم عليه، من أجمع الأمر وعليه إذا صمم عزمه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] أي: أحكموه بالعزيمة وصمموا على فعله بالنية (قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ. رَوَاهُ التِّرمَذِي وَأَبُوُ دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمي، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفَصَةٍ مَعَمَرٍ وَالزُّبَيدِي وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الأَيْلِيُّ كَلَهَمَ عَنِ الزُّهَرِي). ونحو هذا الحديث حديث: ((من لم يبيت الصيام قبل الفجر)»(٣). وفي رواية: ((من الليل فلا صيام له))(٤) وبيَّن النووي - رحمه الله - أن الحديث (١) أخرجه البخاري (٦٢٩٢)، ومسلم (١١٥٥)، وأحمد (٩١٢٥)، وابن ماجه (١٦٧٣)، والدارمي (١٧٢٦)، وأبو يعلى (٦٠٧١). (٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٠٠)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٦٤٣)، والبيهقي (٧٨٢٦)، والدارمي (١٦٩٨)، وابن خزيمة (١٩٣٣)، والطبراني (٣٦٧). (٣) أخرجه النسائي (٢٣٣٠)، والبيهقي (٨٢٤٥). (٤) أخرجه النسائي (٢٣٣٤)، والبيهقي (٧٦٩٨). ٤٧١ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم صحيح قال: ورواه أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد كثيرة الاختلاف رفعًا وضعفًا ووقفًّا، لكن كثير منها صحيح معتمد عليه؛ لأن معها زيادة علم ترفعه، فوجب قبوله وقد قال الدارقطني في بعض طرقه الموصولة إسناده: كلهم أجلة ثقات، وإذا ثبت صحة الحديث واستحضرت القاعدة المقررة أن النفي إذا أطلق إنما ينصرف لنفي الحقيقة دون نفي كمالها علم منه وجوب النية، ورد قول عطاء ومجاهد وزفر: لا يجب لرمضان نية لتعينه وعدم انعقاد غيره فيه، ومما يرده أن الصوم لا يمكن صرفه لمعناه الشرعي إلا بالنية، ووجوب تبييتها بأن يقع في الليل؛ أي: في جزء مما بين الغروب والفجر وهو ما عليه جماهير السلف والخلف. ووافقهم أبو حنيفة - رضي الله عنه وعنهم - في القضاء والكفارة والنذر المطلق، وخالفهم في رمضان والنذر المقيد بزمان، فقال بإجزاء نيته بعد الفجر لبعثه وَله يوم عاشوراء إلى أهل العوالي أن يصوموا يومهم ذلك، وأنه كان واجبًا ثم نسخ، وأجاب أصحابنا عنه بمنع وجوبه، وإنما كان متأكد الندب، وعلى الوجوب؛ أي: وهو ظاهر السنة لولا ما يأتي فهو منسوخ إجماعًا، فكيف يقاس عليه؟ وأيضًا فابتداء فرضه عليهم إنما هو من حين بلغهم فلم يخاطبوا قبل بلوغه بشيء كأهل قباء، فإن بعض صلاتهم كانت لبيت المقدس ولم يعيدوا؛ لأن الناسخ لا يكلف به إلا بعد العلم به، فصار هذا كمن صام بلا نية من الليل، ثم نذر أثناء النهار صومه بأنه يصح بلا تبييت؛ لأن ابتداءه نفل. ومحل ذلك في صوم الفرض كنذر وقضاء وكفارة وصوم استسقاء أمر به الإمام، أما صوم النفل فلا يشترط فيه ذلك إن لم يسبق له تعاطي مفطر مع الفجر أو بعده، بل تكفي النية فيه قبل الزوال خلافًا لجمع صحابة وغيرهم الحديث الصحيح: إنه وَثر دخل على عائشة فقال: ((أعندكم من غذاء)) قالت: لا، قال: ((فإني إذن أصوم))(١) فقوله: (أصوم)) ظاهر في إنشاء الصوم حينئذٍ، وهو ما قبل الزوال؛ إذ الغذاء بفتح المعجمة (١) أخرجه بنحوه مسلم (١٧٠)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٢٥٧٣). ٤٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وبالدال المهملة اسم لما يؤكل قبل الزوال، ومن ثم لم تجرِ النية بعد الزوال ولا معه. وفي قولٍ للشافعي وغيره: أنها تصح قبل الغروب لما صح عن فعل حذيفة ويستفاد من قوله ولي* السابق أول الكتاب: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)(١) أنه لا بد في النية من التعيين، وأقله في رمضان نية صوم غدٍ من رمضان، وظاهر الخبر أنه تجب النية لكل يوم من رمضان، وبه قال الشافعي كأكثر أهل العلم. وقال مالك وإسحاق وأحمد في رواية: تكفي نية أول ليلة منه صيام كله، وهو ضعيف المدرك؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة بدليل أن في إفساد كل يوم كفارة حتى عند مالك، وهو أقوى الأدلة لما قلناه؛ ولأنه يتخلل بين اليومين ما يناقض الصوم كالصلاتين يتخللهما السلام، وبهذين فارق الحج الذي نظر إليه مالك؛ لأن إجزاء رمضان لا يفسد بعضها بفساد بعض بخلاف إجزاء الحج. ١٩٨٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيرة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ فِي يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَّتَهُ مِنْهِ رَوَاهُ أَبُوُ دَاوَدَ](٤). (وَعَنْ أَبِي هُرَيرة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ التِّدَاءَ) المعهود، وهو ما قبل الفجر، وهو أذان بلال لما في الصحيح: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))(٣). (وَالإِنَاءُ) الذي يأكل أو يشرب منه (فِي يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْه) أو المراد: إذا سمعتم نداء الفجر وأنتم تشكُّون في صدق المؤذن لتهمة في دينه أو لنحو (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد (١٠٦٣٧)، وأبو داود (٢٣٥٠)، والحاكم (١٥٥٢) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. والبيهقي (٧٨٠٩). (٣) أخرجه البخاري (٢٥١٣)، ومسلم (١٠٩٢)، ومالك (١٦١)، والشافعي (٨٣/١)، والطيالسي (١٨١٩)، وأحمد (٤٥٥١)، والترمذي (٢٠٣) والنسائي (٦٣٧)، وابن حبان (٣٤٧١). ٤٧٣ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم غيم فلا تلتفتوا إليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، ومن ثم قال أصحابنا: يجوز لمن يشك في بقاء الليل الأكل دون بقاء النهار عملاً بالأصل فيهما (رَوَاهُ أَبُوُ دَاوَدَ). ويصح أن يراد منه طلب تعجيل الفطر؛ أي: إذا سمع أحدكم نداء المغرب وصادق ذلك أن الإناء في يده لحاجة أخرى فليبادر بالفطر منه ولا يؤخر إلى وضعه، وبهذا التقرير يندفع قول شارح هذا: يشعر بأنه لا يفطر إذا لم يكن الإناء في يده، وقد سبق أن تعجيل الإفطار مسنون لكن هذا من مفهوم اللقب فلا يعمل به. انتهى. ووجه اندفاعه ما عُلم مما قررته أن قوله: ((والإناء في يده ليس)) للتقييد بل للمبالغة في السرعة، وقوله: إن هذا من مفهوم اللقب عجيب بل الصواب أنه ليس منه، كيف والتقييد بالجملة الحالية له مفهوم اتفاقًا؟. ١٩٨٩ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: قَالَ الله تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا رَوَاهُ التّزْمِذِيُ](١). (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ ﴿ قَالَ الله تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَّ أَعْجَلُهُمْ فِظْرًا) لأن إعجاله فيه فائدتان عظيمتان أداء صلاة المغرب على غاية من كمال الخشوع والحضور، ومخالفة أهل الكتاب وكذا المبتدعة فإنهم يعتقدون وجوب تأخير الإفطار إلى ظهور النجوم واشتباكها، ولم يبالوا لعدم توفيقهم وطلبهم الجهل وإضلال العباد بمخالفتهم لفعل نبيهم ل وقوله، المتضمنة لبغض الله لهم كما أن اتباعه تتضمن محبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (رَوَاهُ التّزمِذِيُ) وحسنه. أو المراد بالأعجل فطراهم هذه الأمة باعتبار أكثرهم؛ أي: أحب عباد الله تعالى إليه هذه الأمة دون غيرهم؛ أعني: أمة الإجابة كأهل الكتاب، وفيه أكد الحث على تعجيل الفطر عقب تحقق الغروب كما مر، والإخبار بعظيم مكانته وعلو مرتبته عند الله تعالى، وذلك يستلزم علو مكانة هذه الأمة وشرفها عند ربها. (١) أخرجه أحمد (٧٢٤٠)، والترمذي (٧٠٠)، وابن حبان (٣٥٠٧)، والبيهقي (٧٩٠٩)، وأبو يعلى (٥٩٧٤)، والطبراني في «الأوسط)) (١٤٩). ٤٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس ١٩٩٠ - [وَعَنْ سَلَمَانَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْه بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرِ عَلَى مَاء فَإِنَّهُ طَهُورٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِي، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَإِنَّهُ بَرَكَّةُ، عَن التِّرْمِذِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى](١). (وَعَنْ سَلَمَانَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِذَا أَقْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْه) نفسه أو الإفطار عليه (بَرَكَةُ). أما الأول: فلأن فيه حفظ البصر، وفيه أنه إذا وصل إلى المعدة فإن وجدها خالية حصل به الغذاء، وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام، وقول الأطباء: أنه يضعف البصر محمول على کثیره المضر دون قليله فإنه یقویه. وأما الثاني: فلأن فيه الثواب الکثیر. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرِ عَلَى مَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ) أي: مزيل للخبائث المعنوية والحسية، وما هو كذلك ينبغي إيثاره على غيره (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنِ مَاجَه وَالدَّارِمي، وَلِمْ يَذْكُرْ: فَإِنَّهُ بَرَكَةُ، عَنِ التِّرْمِذِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) ونحوه خبر الترمذي وغيره، وصححوه: «إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور))(٢) وهذا الترتيب لكمال السنة لا لأصلها كما هو واضح، فمن أفطر على ماء مع وجود التمر حصل له أصل سنة الإفطار على الماء الطهور. ١٩٩١ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َّهَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّ عَلَى رُطَبَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتُ فَتُمَيْرَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) أخرجه الطيالسي (١١٨١)، وأحمد (١٦٢٧٠)، والدارمي (١٧٠١)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٩٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣١٩)، وابن ماجه (١٦٩٩)، والحاكم (١٥٧٥) وقال: صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. وابن خزيمة (٢٠٦٧)، والطبراني (٦١٩٢)، وابن حبان (٣٥١٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٩٨). (٢) أخرجه الطبراني (٦١٩٢)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٢٤)، والبيهقي (٧٩١٧)، والحاكم (١٥٧٥) وقال: صحيح على شرط البخاري. ٤٧٥ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنُّ غَرِيْبُ](١). (وَعَنْ أَفَسِ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َّهِ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلّ) ومر الكلام على ذلك مستوفى (عَلَى رُطَبَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتُ فَتُمَيْرَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتُ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنُّ غَرِيْبُ) وصححه الدارقطني والحاكم، وقال: على شرط مسلم، ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن أن يكون الفطر على ثلاث رطبات، فإن عز؛ أي: لم يسهل تحصيله فعلى ثلاث تمرات، فإن عز فعلى ثلاث غرفات من ماء سواء في ذلك الشتاء والصيف، وقيل: يقدم التمر في الشتاء والماء في الصيف لرواية؛ ولما في ذلك من المناسبة، وما ذكر من التثليث والترتيب شرط لكمال السنة، وأما أصلها فيحصل بواحدة، وبتقديم المؤخر نظير ما مرَّ قبل. والحكمة في ذلك ألا يدخل جوفه أولاً شيء مسته النار، وقضيته تقديم الترتيب على الماء، قيل: بل الحلو كله وكل ذلك ضعيف، كقول من قال: السنة لمن بمكة تقديم ماء زمزم على التمر أو خلطه به، ووجه ضعفه أنه خلاف الإتباع، والأخير فيه استدراك على النصوص والخبر فيما شرعه رسول الله وَ ل﴾ وقد صام سنة الفتح أيامًا كثيرة بمكة، ولم ينقل عنه أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء ولو كان لنقل. ١٩٩٢ - [وَعَنْ زَيْد بْنِ خَالِدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ فَظَرَ صَائِمًّا، أَوْ جَهَّزَ غَازِيًّا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهٍ رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيْمَانِ) وَمُحْبِي السُّنَّة فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))](٢). (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، أَوْ جَهَّزَ غَازِيًّا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيْمَانِ)) وَمُحْبِي السُّنَّة) البغوي (في (شَرْجِ (١) أخرجه أحمد (١٣٠١٥)، وأبو داود (٢٣٥٨)، والترمذي (٧٠٠). (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٧٩٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٠٢/٣). ٤٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس السُّنَّةِ))) وقال: صحيح، ومر الكلام على تفطير الصائم وما فيه من الثواب غير ذلك أول الباب، وقرن الصائم بالغازي إشعارًا بأن في الصوم من الجهاد المعنوي ما يقارب الجهاد الحسي. ١٩٩٣ . [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمأُ وابْتَلَّتِ العُرُوقُ وثَبَتَ الأجرُ إِنْ شَاءَ اللهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمأُ) أي: العطش (وابْتَلَّتِ العُرُوقُ) وهو مؤكد لما قبله (وثَبَتَ الأجرُ) هذا من ذكر ما به الاستبشار والفرح المشار إليه بقوله تعالى في الخبر السابق: (للصائم فرحتان فرحة عند فطره)(9) أي: من جهة الطبع وهو المشار إليه هنا: (ثبت الأجر)) ونظير هذا الاستبشار والاستلذاذ قول أهل الجنة بعد استقرارهم فيها: ﴿الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤] لأن من أدرك تعبه لا سيما بعد مزيد النصب يرد؛ إذ استلذاذه بذكر ما يدل على نيله لذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) للتبرك ويصح كونها للتعليق؛ لأن الأمر إليه تعالى إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، على أنه قد يكون في العمل دسيسة نحو رياء يمنع أجره شرعًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٩٩٤ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ سُمْرَةٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُرْسَلاً ] (٣). (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ سُمْرَةٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ) دون غيرك ففيه الإعلام بوقوع الإخلاص؛ لأن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما ابتغي به وجهه فحسب كما في الحديث (صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) دون رزق غيرك؛ إذ لا رازق في الحقيقة إلا هو تعالى، ففيه الإعلان بما يقتضي الشكر الذي من جملته فعل (١) أخرجه أبو داود (٢٣٥٩)، والدارقطني (٢٣٠٢)، والبيهقي (٨٣٩١). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه أبو داود (٢٣٦٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٤٧). ٤٧٧ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم العبادات والإخلاص فيها لله تعالى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) بسند حسن (مُرْسَلاً) ومع إرساله هو حجة في مثل ذلك، على أن الدارقطني والطبراني رؤياه بسند متصل لكنه ضعيف وهو حجة أيضًا، ومن ثم أخذ به أئمتنا حيث قالوا: يسن عقب فطره أن يقول: هذا والذي قبله. وروى ابن ماجه: ((إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)»(١). وورد أيضًا أنه مَّ كان يقول: ((يا واسع الفضل اغفر لي))(٢). وإنه كان يقول: ((الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت)) (٣). (الفصل الثالث) [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا ١٩٩٥ عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ لأنَّ الْتَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْن مَاجَهُ](٤). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لأنَّ) في تعجليهم له شيئين: أحدهما: إتباع سنته 8* ومادامت سنته متبعة معمولاً بها، فأمور الدين ظاهره وأهله ظاهرون على من ناوأهم. وثانيها: مخالفة أعداء الله التي هي أسس ديننا وقوامه. (الْتَهُودَ وَالتَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ) فطرهم إلى ظهور النجم واشتباكها، فمن أخر خشي عليه أن يكون ممن والى أعداء الله ووافقهم فاندرج في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه) وهو حديث (١) أخرجه ابن ماجه (١٧٥٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٩٠٤). (٢) ذكره المصنف في تحفة المحتاج (٤٢٧/١٣). (٣) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٨٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٤٦). (٤) أخرجه أبو داود (٢٣٥٣)، والحاكم (١٥٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٩١٦)، وفي ((السنن الكبرى)) (٧٩٠٨)، وابن أبي شيبة (٨٩٤٤)، وأحمد (٩٨٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣١٣)، وابن حبان (٣٥٠٣). ٤٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس صحيح، ومنه كغيره أخذ أئمتنا قولهم: يكره تأخير الفطر بلا عذر إن رأى أن فيه فضيلة لمخالفته للأحاديث، ومر أنه ◌َ ه كان يفطر قبل الصلاة؛ أي: بشيء يسير لا یشغله عنها. قيل: وفيه فوائد تعجيل الإفطار وتفريغ البال للصلاة وفصل ما بين العبادة والعادة، وبهذا رد على من زعم أن الأفضل تأخير الفطر إلى ما بعد الصلاة، وما صح أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد الصلاة فهو لبيان جواز التأخير؛ لئلا يظن وجوب التعجيل، ويؤيده ما مر عن الصحابة. ١٩٩٦ - [وَعَن ابْن عَطِيَّةٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (وَعَنِ ابْنِ عَطِيَّةٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رُجُلَانٍ) مبتدأ يسوغه وصفه بقوله: (مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَهَ) والخبر (أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِقْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ) أي: يبدأ عقب الغروب بالفطر بشيء قليل، ثم عقب ذلك يصلي المغرب (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِقْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الْإِقْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وكان عذر أبي موسى أنه لم يبلغه فعل النبي ◌ََّ، أو بلغه وأخر ذلك؛ لئلا يعتقد أحد أن تعجيل ذلك واجب أخذًا بقاعدة وجوب التأسي به وله ما لم يقم دليل على عدم الوجوب، ونظيره ما مر آنفًا عن عمر وعثمان، رضي الله عنهما. (١) أخرجه مسلم (٢٦١٠)، وأحمد (٢٤٩٤٤)، والترمذي (٧٠٦)، والنسائي (٢١٧٣). ـسسـ ٤٧٩ كتاب الصوم/ باب في آداب الصوم ١٩٩٧ - [وَعَنِ العَرْبَاضِ بْنِ سَارِيَة ﴿ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَِّ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِي)] (١). (وَعَنِ العَرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ﴾ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلُمَّ) أي: تعال ثم هو عند الحجازيين على حالة تذكير أو ضده، وتثنية وجمعًا، وعند بني تميم يؤنث ويثنى ويجمع وهو مبني على الفتح (إِلَى هَذَا الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ) لإعانته على الإتيان بهذه العبادة الجليلة على وجهها الأكمل (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي). ١٩٩٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: نِعْمَ سَحُورُ المؤمِنِ التَّمْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٩). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َّهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيِّ: نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصححه ابن حبان من أصحابنا ثم أخذ منه، وتبعه غيره أن الأفضل في السحور أن يكون على تمر؛ أي: كالفطر عليه؛ ولأن في السحور بركة، وفي التمر بركة ففي السحور به بركتان عظيمتان. (١) أخرجه أبو داود (٢٣٤٦)، والنسائي (٢١٧٥)، وأحمد (١٧٦٠٧). (٢) أخرجه ابن حبان (٣٤٧٥)، والبيهقي (٧٩٠٦)، وأبو داود (٢٣٤٥)، وأبو عوانة (٨٣٨٦)، وابن عدي (١٨/٣). (باب تنزيه الصوم عما يبطله من أصله أو يبطل ثوابه أو ينقصه) (الفصل الأول) ١٩٩٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ فَليسَ للهِ حاجةٍ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عليه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ) وهو ما فيه إثم بألا يكف لسانه عن نحو كذب وغيبة وشتم (والعمَلَ بِهِ) بأن يصرف شيئًا من جوارحه في محرم (فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) كناية أو مجاز عن عدم نظره تعالى له نظر العناية والرحمة والقبول، والمتفضل بالثواب، فهو من باب نفي الملزوم أو السبب، وإرادة نفي اللازم أو المسبب، ويصح كونه من باب الاستعارة التمثيلية؛ لأن كلاً من طرفيها منتزع من عدة أمور، شبه ولي حال الحق سبحانه مع عدم ذلك الاحتفال بالصوم بحالة من افتقر إلى أمر لا غنى به عنه، ثم أدرج المشبه في جنس المشبه به تناسبًا للتشبيه فاستعمل فيه ما يلائم المشبه به من لفظ الحاجة، مبالغة لكمال الاعتناء والاهتمام بالصوم لمزيد اختصاصه تعالى به دون سائر العبادات، كما مر في قوله تعالى: ((الصوم لي وأنا أجزي به))(٢). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وإنما لم يكن له تعالى حاجة في صيامه بالمعنى المذكور؛ لأنه ليس القصد من مشروعية الصوم ووجوبه نفس الجوع والعطش، بل غايتهما من كسر النفس عن شهواتها المباحة والمحرمة إلى أن ينطفئ نار غضبها، وتنتقل عن أمرها بالسؤال إلى لومها، ثم إلى طمأنتها، فإذا ارتكبت تلك الشهوات كانت باقية في أسر (١) أخرجه البخاري (٥٧١٠)، وأحمد (٩٧١٧)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي (٧٠٧) وابن ماجه (١٦٨٩) وابن حبان (٣٤٨٠) والبغوي في ((الجعديات)) (٢٨٣١) والنسائي في ((الكبرى)) (٣٢٤٦)، والبيهقي (٨٠٩٥). (٢) تقدم تخريجه. ٤٨٠