Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة
رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِي)](١).
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنِ اسْتَعَاذَ)
متوسلاً ومستعطفًا (بِالله) من شخص مثلاً يريد أن يؤذيه، كأن يقول لغيره: بالله ادفع
عني شرك أو شر فلان (فَأَعِيذُوهُ) أي: امنعوه واحفظوه من ذلك الشر الذي استعاذ
منه تعظيمًا لجناب الحق، واحترامًا لاسمه، ومبادرة لنصرة هذا الضعيف الذي أحوجه
ضعفه إلى أن ينتصر لغيره، لعجزه عن أن ينتصر لنفسه، ويصح تعلق الطَّرَفَ باستعاذ؛
أي: من قال لكم: أنا عائذ بالله من شر فلان فامنعوه منه.
(وَمَنْ سَأَّلَ) متوسلاً ومستعطفًا (بِالله فَأَعْطُوهُ) إكرامًا لمن سأل به، وتعظيمًا
لاسمه تعالى عن أن يجيب المتوسل به، ومن ثم قال أئمتنا: يكره رد السائل بالله،
ولاستيلاء الغفلة على قلوب كثيرين تجدهم يسألون لمخلوق فيُعطُون وبالله فلا يَعطون
(وَمَنْ دَعَاكُمْ) إلى نحو وليمة أو ضيافة أو شفاعة أو إعانة (فَأَجِيبُوهُ) وجوبًا في وليمة
العرس بشروطها، وندبًا في غيرها تخلقًا بجميل شيء من أخلاقه وَّة، وقد سبق قوله:
(لو دُعِيت إلى كراع لأجبت))(٢) أي: إلى مأكول حقير، أو إلى مسافة طويلة؛ إذ كراع
الغميم على نحو عشرة أيام من المدينة.
(وَمَنْ صَنَعَ) أي: قدم (إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا) کتعلیم علم نافع وإرشاد إلی خیر، وسد
فاقة وكلمة طيبة، وطلاقة وجه عند الملاقاة، وقد مر في الأحاديث أن المعروف يشمل ما
ذكر وغيره (فَكَافِئُوهُ) عليه بفعل مثله معه؛ لأن ذلك يؤذن بالتحابِ والتودد والتصافي
من الغل، ومن ثم قال ◌َله: ((تهادوا تحابوا))(٣).
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا) أي: مالاً مثلاً (تُكافِئُوهُ) حذف النون مع الرفع، وارد نثرًا
ونظمًا قرئ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرًا﴾ [القصص: ٤٨] بلفظ المضارع، وفي الحديث الصحيح:
(١) أخرجه أحمد (٥٤٩١)، وأبو داود (١٦٧٤)، والنسائي (٢٥٧٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٧٨)، وأحمد (٩٧٣٣)، والطبراني (١١٢٣٦).
(٣) تقدم تخريجه.

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)»(١) وقال الشاعر:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي
والأصل: وتبيتين لكن لا يقاس على شيء من ذلك في الاختيار، وإنما هو
مقصور على السماع، فما قيل: حذفها هنا سهو من الناسخين غير صحيح (فَادْعُوا لَهُ)
بخيري الدنيا والآخرة وكرر، وذلك (حَتَّى تَرَوْا) أي: تظنوا (أَنْ قَدْ كَافَأَتُمُوهُ) ويختلف
ذلك بقلة المعروف وكثرته.
فإن قيل: يشكل على حتى المقتضية لما تقرر من التكرر قوله وَ لة: ((من صُنع
إليه معروفًا فقال: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء))(٢) هذا صريح في حصول
المكافأة بمرة، قلت: لا إشكال؛ لأن الأول فيمن دعا يجزئ فيكرره بآخر،
وهكذا حتى يظن المكافأة، والثاني فيمن دعي بهذا لإجمال القائم مقام جزئيات
کثیرة.
فأما قلت: خبرًا يصدق بأدنى جزئ من الخير، قلت: وبأكثر منه فهو لاحتماله
لذلك أبلغ من الجزئ المخصوص، على أن الجزاء فوض فيه إلى الكريم الواسع العطاء،
ونعم المجازي هو، فلا يساويه ما ليس كذلك، ((كاللّهُمَّ اغفر له)).
تنبيه:
أطلق العلماء على أنه ينبغي للمتصدق ألا يطمع في دعاء من يتصدق عليه، فإن
دعى له ندب له أن يكافئه بمثله؛ ليبقى ثواب صدقته كاملاً موفرًا بحاله (رَوَاهُ أَحْمَد
وَأُبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي) وهو حديث صحيح، بل سنده سند ((الصحيحين)).
١٩٤٤ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: لا يُسَألِ لِوَجْهِ الله إِلا الجَنَّة.
(١) أخرجه مسلم (٥٤)، وأحمد (٩٠٧٣)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٨) وقال: حسن
صحیح. وابن ماجه (٦٨)، وابن حبان (٢٣٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٣٥) وقال: حسن جيد غريب. والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٠٠٨)، وابن حبان
(٣٤١٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩١٣٨)، والضياء (١٣٢٢)، والبزار (٢٦٠١).

٤٢٣
كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد] (١).
(وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: لا يُسَألِ لِوَجْهِ الله) أي: بعظمة ذاته
العلي وجلال كبريائه (إِلا الجَنَّة) لأن خطر المسؤول به يقتضي خطر المسؤول، وأما من
يسأل بذلك شيئًا من الحطام هو جاهل بعظمة هذا القسم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومنه أخذ
أئمتنا أنه يكره الإنسان أن يسأل مخلوقًا بوجه الله تعالى، «کاعطني كذا بوجه الله»
ويؤخذ مما تقرر في معنى الوجه أن اعطني كذا بالله كذلك وإن لم يذكر لفظ
الوجه؛ لأن المعنى واحد؛ إذ المراد بالوجه الذات نحو: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:
٢٧].
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكْ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فيرادف بالله؛ لأن مدلوله الذات
أيضًا.
فإن قلت: يمكن الفرق فإن في لفظ الوجه من الفخامة والجلالة ما لا يوجد
عند خوفه، قلت: لئن سلم ذلك فهو لا يقتضي كراهة بوجه الله دون بالله، بل هما في
المعنى سواء، ثم رأيت شارحًا سوى بينهما قال: لأن اسم الله تعالى أعظم من أن يسأل
به شيء من متاع الدنيا، بل لا سبيل به إلا الجنة. انتهى.
وأما قوله: يحتمل أن معنى الحديث: «لا يسأل الله شيئًا من متاع الدنيا، بل سلوه
الجنة ورضاه فإن متاع الدنيا لا قدر له)) فهو غفلة عن قول أئمته الذي ذكرته؛ إذ لو
كان المراد من الحديث هذا الذي زعمه آخرًا لم يصح لهم أن يأخذوا منه الكراهة
المذكورة، وافهم قوله: ((إلا الجنة)) أن سؤالها من الله مع الإقسام عليه بوجهه ((كأسألك
بوجهك أن تدخلني الجنة)) مطلوب، والظاهر أن مثل الجنة في ذلك كل ما يؤدي إليها
بخلاف المباحات ((كأسألك بوجهك أن ترزقني كذا)) مما يباح، فيكره كما يصرح به
ظاهر الحديث؛ إذ التقدير: ((لا يسأل الله شيئًا إلا الجنة)) أي: وما يؤدي إليها.
لكن ظاهر قول أئمتنا مخلوقًا أنه لا كراهة في سؤال الخالق بذلك مطلقًا وفيه
(١) أخرجه أبو داود (١٦٧١)، والبيهقي (٧٦٧٨)، وابن عدي (٢٥٧/٣).

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ما فيه، ويصح تقدير الاستثناء بوجه آخر؛ أي: لا يسأل مخلوق بوجه الله، لكن الجنة
تسأل من الله بوجهه، وعليه يكون منقطعًا لكنه بعيد من اللفظ، بل يلزم عليه
حذف نائب الفاعل مع أنه عمدة، وظاهر ما ذكرته عن أئمتنا كراهة سؤال المخلوق
بوجه الله، ولو في أمر أخروي («كأسألك بوجه الله أن تعلمني ما ينفعني في ديني)) وفيه
نظر والذي ينبغي أنه لا يكره سؤال المخلوق به إلا في الأمور الدنيوية.
ثم رأيت الشارح قال: يمكن أن يجري على المبالغة يعني: ألا يسأل الناس
ناشدًا بالله إلا الجنة، وقد علم أنه يسن إليهم ذلك فيفيد المبالغة في قطع السؤال عنهم.
انتهى. وهو یمیل إلی إطلاق أئمتنا.
(الفصل الثالث)
١٩٤٥ - [عَنْ أَنَسَِ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ تَخْلٍ،
وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ بَيْرُجَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ وَهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ
فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنْسُّ: فَلَمَّا نَزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللّه تَعَالَى
يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَّ بَيْرُحَاءِ، وَإِنَّهَا
صَدَقَةُ الله تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ الله. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (بَخْ بخ، ذَلِكَ مَالَّ رَابِعُ ذَلِكَ مَالُّ رَابِعٌ، وَقَدْ سَمِعْثُ مَا قُلْتَ وَإِّ أَرَى
أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَفْرَبِينَ)) فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللّه فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةً في
أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَفَس ◌َ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ) الذين (بِالْمَدِينَةِ) هو لبيان
الواقع، إلا إن ثبت أن للأنصار نخلاً بغير المدينة (مَالاً مِنْ تَخْلِ) هي للبيان؛ أي: هو
نخل (وَكَانَ أَحَبُّ) يجوز رفعه ونصبه (أَمْوَالِهِ) إليه (بَيْرُحَاءَ) بفتح الموحدة أوله وكسرها،
(١) أخرجه البخاري (٢٦٠٧)، ومسلم (٩٩٨)، وأحمد (١٢٤٦١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٦٦)،
وابن حبان (٣٣٤٠).

٤٢٥
كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة
وبفتح الراء وضمها مع المد، وبفتحها مع القصر فيعلاء من البراح، وهي الأرض
الظاهرة حديقة معروفة بالمدينة (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) النبوي على مشرفه،
أفضل الصلاة والسلام.
(وَكَانَ ﴿ ﴿ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي: في بئرها (طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسَّ: فَلَمَّا
نَزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التي هي: (﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾) أي: لن تصيبوه حتى تكونوا أبرارًا
أتقياء كاملين، وتفسير المُصاب، هو ما صرح به أئمة اللغة، وتوهم الشارح أنه من
التناول الذي هو الأخذ باليد، فقال: كأنه جعل البرشيئًا متناولاً مبالغة.
فإن قلت: الإصابة ظاهرة في التناول، قلت: ممنوع، قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ الله
◌ُومُهَا وَلَا دِمَا ؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ [الشورى:٣٠] فقال: وأصاب لا يشترط في
مدلولهما أخذ ولا تناول، وإنما المراد بهما حصول الشيء والإنصاف به (﴿حَتَّى تُنْفِقُوا
مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةً إِلَى رَسُولِ الله وَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللّه تَعَالَى يَقُولُ:
﴿لَنْ تَتَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله
تَعَالَى) هذه عندنا كناية في الوقف، وظاهر السیاق قاطع بأنه نواه بها.
وقد جعل أئمتنا هذا من أدلة الوقف وهو مشكل على أصولهم؛ لأنهم شرطوا في
الوقف أنه لا بد فيه من بيان المصرف، وفرقوا بين صحة: ((أوصيت بثلثي لله، ويصرف
للمساكين)) دون ((وقفت داري لله)) بأن غالب الوصايا للمساكين فانصرفت لهم عند
الإطلاق، وبأنها تقبل أنواعًا من الجهالة والغرر، بخلاف الوقف فيهما، ويجاب بأن
اشتراط بيان المصرف في الوقف فيه خلاف بين أصحابنا، وحينئذٍ فالظاهر أن
المستدلين بذلك من القائلين بأن الوقف لا يشترط فيه بيان المصرف كالوصية.
نعم فيه إشكال آخر وهو أنه إذا كان كالوصية يكون للمساكين، فكيف يأمره
* أن يجعلها في الأقربين كما يأتي؟ ويجاب بأن المساكين جهة عامة فيجوز تخصيص
ثلاثة منهم به لتعذر الاستيعاب، فإذا علم وَله بعذره، وعلم أن له أقارب مساكين،

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وقد استقر أن الصدقة والوقف ونحوهما على الأقارب أفضل، أمره أن يقسمها في
أقاربه.
(أَرْجُو بِرَّهَا) أي: إحسان الله لي بسببها، فإضافة البر إليها باعتبار كونها سببه
(وذُخْرَها) أي: ما يدخره الله لي من المراتب بسببها بالإضافة إليها كذلك، وفيه أصرح
دليل على أنه لا يضر فعل العبادة لأجل رجاء ثوابها، ولا ترك المعصية خوف عقابها،
وأما ما نقله الفخر الرازي في ((تفسيره)) عن إجماع المتكلمين: إن من عَبَدَ الله رجاء
ثوابه أو خوف عقابه لا تصح عبادته، فيرده هذا الحديث ونحوه الكثير، إلا أن يؤول
بأن مرادهم أنه عَبَد الله لا لذاته بل لثوابه أو ترك عقابه، لكن الكلام في إسلام هذا.
(فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ الله) الأحق بها بالوحي أو الاجتهاد، وكان أبا
طلحة اقتبس هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَخْ بِخ) بإسكان الحاء وكسرها مع التنوين، يؤتى بها في
مقام التعجب من الشيء مع مدحه والرضى به، وتكريرها للمبالغة في ذلك (ذَلِكَ)
المال (مَالُّ رَابِعُ) بالموحدة؛ أي: ذو ربح عظيم، وبالتحتية؛ أي: رابح عليك نفعه
وواصل إليك على الدوام (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) من تفويضك إلي صرفها في الأحق بها؛
لأن النظر فيها إليَّ كما هو المعروف المستقر أن الواقف إذا لم يشرط في وقفه النظر
لأحد يكون لقاضي المسلمين.
(وَإِنِّ أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا) أي: تصرفها (فِي الأَقْرَبِينَ) إليك؛ لأن أقاربك أحق ببرك؛
ولأن في الصدقة عليهم ثوابين عظيمين: ثواب الصدقة، وثواب الصلة كما مر في
الحديث (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله) نيابة عنك امتثالاً لأمرك (فَقَسَمَهَا)
فورًا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) يحتمل أنه عطف تفسير لبيان أنه لم يكن له
إلا بنوا عم في درجة واحدة، ويؤيده تعبير أنس: (بأقاربه)) مع تعبيره وَلّ: ((بالأقربين)»
ليبين أن المراد بالأقربين الأقارب نظرًا للواقع أنه لم يكن له إلا أقارب في درجة

٤٢٧
كتاب الزكاة/ باب بيان أفضل الصدقة
واحدة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٩٤٦ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَيهِ: أَفْضَلِ الصَّدَقَة أنْ تُشْبِعَ كَبِدًا جَائِعًا.
رَوَاهُ البَيْهَِي فِي (شُعَبِ الإِيْمَانِ)](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَفْضَلِ الصَّدَقَة أَنْ) تقع في يد مضطر إليها كأن
يكسو بدنًا عاريًا يخشى عليه الهلاك أو نحوه، أو يروي كبدًا ظامئًا أو (تُشْبِعَ كَبِدًا
جَائِعًا) مؤمنًا أو ضده ناطقًا أو ضده ماعدا من وجب قتله فورًا كما مر، وهو من
الإسناد المجازي؛ أي: جائعًا صاحبه، وفيه التصريح بعلة الأفضلية؛ إذ ترتيب الحكم
على مشتق يؤذن بعلة ما منه الاشتقاق (رَوَاهُ البَيْهَفِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٣٦٧).

(باب)
في توابع لأحكام الصدقة
(الفصل الأول)
١٩٤٧ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رسول الله ◌ِ ﴾: «إِذَا أَنْفَقَت
الْمَرَّةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كْسَبَ،
وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رسول الله ◌َِّ: إِذَا أَنْفَقَّتِ الْمَرْأَةُ)
أي: أعطت مستحقًا شيئًا (مِنْ طَعَامٍ بَيْتِهَا) الذي أتى به زوجها إليها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ)
لمال الزوج بأن كان ما أعطيه شيئًا تافهًا، بأن كان يعلم بطريق العادة الغالبة أن الزوج
يرضى به (كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ) أي: لتسببها في خير (وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كْسَبَ)
أي: بسبب كسبه المال لعياله (وَلِلْخَازِنِ) لذلك المال (مِثْلُ ذَلِكَ) لحفظه له عن أن
يفرط فيه العيال بصرفه فيما لا ثواب له فيه (لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا)
لما علمت أن ثواب كلُّ لمعنى لا يشركه فيه الآخر (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
وزعم شارح أنه ليس في الحديث دلالة صريحًا على جواز التصدق وعدمه، وأن
معناه أنها أنفقت منه على الزوج، ومن تعوله من غير تقصير وتبذير، وأن الدليل على
ذلك قوله: ((من طعام بيتها)) فإنه أضاف البيت إليها دلالة على أن الطعام هو ما يتخذ
للأكل. انتهى.
وفيه نظر ظاهر والأقرب لظاهر الحديث ما ذكرته أنه دال على جواز الإخراج لما
(١) أخرجه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (١٠٢٤)، وعبد الرزاق (٧٢٧٥)، وأحمد (٢٦٤١٣)، وأبو داود
(١٦٨٥)، والترمذي (٦٧١) وقال: حسن. والنسائي في ((الكبرى)» (٩١٩٧)، وابن ماجه (٢٢٩٤).
- ٤٢٨ -

٤٢٩
كتاب الزكاة/ باب في توابع لأحكام الصدقة
يظن رضاه به عادة من كل ما في بيتها؛ إذ الإنفاق الإخراج لا ما زعمه من اصطناع
طعامه وطعام من يعوله؛ إذ هذا لا يسمى إنفاقًا أصلاً، ودعوى أن قوله من طعام بيتها
يدل على حمل الإنفاق على ذلك المعنى البعيد الذي هو ذلك الاصطناع عجيب كما هو
ظاهر للمتأمل.
١٩٤٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ
كَسْبٍ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أُمْرِهِ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهُ مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ] (١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ
زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهَا نِصْفُ أَجْرَهُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومحمله عند عامة أهل العلم
محمل الذي قبله، أنها تصدقت بتافه يظن بطريق العادة أنه يرضى به، بخلاف ما ليس
كذلك فإنها لا تؤجر عليه بل تأثم به إثمًا عظيمًا، والدليل على تعين هذا التأويل قوله
وَ﴾ في الحديث الصحيح في أواخر حياته: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب
نفسه)»(٢).
وحديث الترمذي الآتي قريبًا، ولا ينافي تعبيري بظن الرضا تعبير النووي في
(شرح المهذب)) بعلمه؛ لأن مراده به الظن بدليل قوله في ((الروضة)) وغيرها: لمن ظن
رضى المالك فأخذ شيء من ماله أخذة ولا يتقيد ذلك بالأكل، كما قاله في ((شرح
مسلم)) خلافًا لمن وهم فيه، والحاصل أن للمرأة والوكيل والمملوك التصدق بما يظن
رضى الزوج والمالك به، وأن الأحاديث محمولة على هذا، والمراد بالنصفين هنا
القسمان؛ إذ قد يزيد أجر المالك لسهولة تعب المعطي، وأجر المعطي لكثرة تعبه في
الإيصال إلى الآخذ.
١٩٤٩ - [وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: قال رسول الله وَّ: الْخَازِنُ المُسْلِم
الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أَمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (١٦٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٢٣٧)، والدار قطني (٢٩٢٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٩٢).

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِيْنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: قال رسول الله (وَل﴾: الْخَازِن) لمال غيره بإذنه
(المُسْلِمِ الأَمِينَ) أي: في ذلك المال الذي أمر بإعطائه، وإن خان في غيره، قبل أو بعد
فيما يظهر من القواعد؛ لأن سبق المعصية أو تأخرها فيما لا تعلق له بما أطاع فيه لا
يقتضي نقص ثواب ما أطاع فيه (الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ) أي: بإعطائه (كَامِلاً مُوَفَّرًا)
تأكيد بعد تأكيد؛ لما غلب على الخزان من الطمع فيما أمروا بإعطائه والنقص عنه
(طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ) بألا يحسد المعطي ولا يظهر له من العبوس، وتقطب الوجه ما يكدر
خاطره، وإنما نبه وسلّ على ذلك؛ لأن أكثر الخُزان غلب غليهم البخل بمال غيرهم فهم
أبخل البخلاء (فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أَمِرَ) هو بالبناء للمفعول (لَهُ) راجع للذي (بِهِ أَحَدُ
الْمُتَصَدِّقِيْنِ) بالتثنية والجمع، فيكتب له بتلك الشروط الأربعة ثواب من ثواب
الصدقة، لكنه يقل ويكثر بحسب تعبه وبشاشته ورفقه في الإعطاء (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٩٥٠ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َيِّ: إِنَّ أَّي
افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرُ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:
نَعَمْ مُتَفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ عَائِشَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إَنَّ رَجُلاً) هو سعد بن عبادة سيد
الخزرج ﴾ (قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ أَنِّي افْتُلِتَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: أخذت نفسها فلتة؟
أي: سريعًا بأن ماتت فجأة أو قريبًا منها (نَفْسُهَا) روي بالرفع وهو ظاهر، وبالنصب
وهو الأكثر كما قاله عياض؛ لأن أفتلت يتعدى لمفعولين كاختلس فلان زيدًا ثوبه،
فتقديره هنا: أفتلت الله أمي نفسها، فلما بني للمفعول استتر فيه المفعول الأول ضمير،
(١) أخرجه البخاري (١٣٧١)، ومسلم (١٠٢٣)، وأحمد (١٩٥٣٠)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي
(٢٥٦٠)، وابن حبان (٣٣٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (٢٣٧٣)، ومالك (١٤٥٦)، وأحمد (٢٤٩٨٣)، والنسائي
(٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٨٢١).

٤٣١
كتاب الزكاة/ باب في توابع لأحكام الصدقة
أو بقيت نفسها منصوبة على حالها (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرُ إِنْ
تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) ومر أنه سأله: أي الصدقة عنها أفضل؟ قال: ((الماء)(١) وأنه
حفر لها بئرًا، والظاهر أنه لما قال له هنا نعم، سأله عن خصوص المتصدق به (مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ).
وقضية سياقه أن الصدقة لا تنفع الميت إلا من وارث أفلتت نفس مورثه،
وليس مرادًا فقد حكوا الإجماع على أن الصدقة على الميت من وارث وأجنبي تصل
إليه مطلقًا؛ أي: يكتب له مثل ثوابها من غير أن ينقص من ثواب المتصدق شيء،
ومن ثم تأكد على من يريد التصدق أن ينوي بصدقته أقاربه لا سيما أبويه، فإنه يحصل
لهم أجرًا عظيمًا مع بقاء ثوابه بحاله، بل ومع إثابته على نية الصدقة عنهم، فإنه من
صلة الأرحام وبر الوالدين؛ إذ الصلة والبرلا يتقيدان بالجاه.
(الفصل الثاني)
١٩٥١ - [عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ: لَا تُنْفِقُ امْرَأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله وَلَا
الطَّعَامُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٢).
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتٍ زَوْجِهَا) أي: من ماله (إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) لما مرأنه: «لا يحل
مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه))(٣) وسبق أن ظن الرضا قائم مقام الإذن (قِيلَ: يَا
رَسُولَ الله) هل المراد لا ينفق شيئًا (وَلَا الطّعَامُ؟ قَالَ) نعم، ولا الطعام؛ لأن (ذَلكَ)
(١) أخرجه أبو داود (١٦٨١).
(٢) أخرجه الطيالسي (١١٢٧)، وأحمد (٢٢٣٤٨)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حسن صحيح. والطبراني
(٧٦١٥)، وابن أبي شيبة (١٧٦٨٨)، وأبو داود (٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وعبد الرزاق
(٧٢٧٧)، والبيهقي (١١٩٨٢)، والدارقطني (٤٠/٣).
(٣) تقدم تخريجه.

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أي: الطعام (أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) معشر أهل الحجاز؛ لأنا نعده للضيوف الذين ينتابون
دورنا ليلاً ونهارا بغتة من غیر استعداد، فيحتاج أن يكون مهيأ عندنا حتى إذا بغتنا
ضيف بادرنا به إليه، فهو لأجل هذه الحاجة الأكيدة إليه أفضل أموالنا من هذه
الحيثية، فليكن غير التافه منه أولى بأن تمنع المرأة من إخراجه بغير إذن زوجها (رَوَاهُ
التّزْمِذِي).
١٩٥٢ - [وعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ◌َِّ النِّسَاءُ قَامَتِ امْرَأَةُ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ
نِسَاءِ مُضَرَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللّهِ، إِنَّا كُلُّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ
أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: الرَّظْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](١).
(وعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ◌َِّ النِّسَاءِ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ) يحتمل أن المراد
بها شريفة في قومها أو طويلة بدينة، ويؤيد الأول قوله: (كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ، فَقَالَتْ:
يَا نَبِيَّ الله إِنَّا) معشر النساء (كلُّ) بفتح الكاف؛ أي: عيال ثقلاً ليس لنا ما يقوم
بطعامنا وكسوتنا، وإنما نحن محسوبات (عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلُّ لَنَا) أن
نتصدق به أو نهديه (مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟) بغير إذنهم؛ إذ ما بالإذن لا يسأل عنه (قَالَ:
الرَّطْبُ) وهو ما لا يخزن لسرعة فساده لو بقي كلبن وبقل وفاكهة وطبيخ (تَأْكُلْنَهُ
وَتُهْدِينَهُ) لأنه لسرعة فساده يتسامح غالبًا في التصدق والإهداء والأكل منه بلا إذن؛
لأن خطبه يسير ومحله ما لم يعلم نهي الزوج أو عدم رضاه ولو بالتافه، وإلا امتنع ذلك
في الرطب كما يمتنع مطلقًا في اليابس الذي يقبل الخزن ويكثر خطبه، والتأسف
علیه، فإنه لا يجوز إخراج شيء منه إلا بإذن.
وعلى هذا التفصيل حملوا قوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أُمَّهَاتِكُمْ.﴾
[النور: ٦١] فهي محمولة على ظن الرضى من مالك الطعام بأكل القريب، بل والأجنبي
منه، بل مر قريبًا أن هذا لا يتقيد بالمأكول بل يجري في النقد وغيره، وأما قول شارح
(١) أخرجه أبو داود (١٦٨٨)، والبيهقي (٨١٠٣).

٤٣٣
كتاب الزكاة/ باب في توابع لأحكام الصدقة
ما حاصله أن عدم توقف الرطب على إذن وإن توقف اليابس عليه إنما يجزئ فيما
الآباء والأمهات والأبناء دون الأزواج والزوجات، فليس لأحدهما أن يفعل شيئًا إلا
بإذن صاحبه فهو غير صحيح؛ لأن المدار إن كان على ظن رضى المالك استوى الكل فيه
فمن ظن رضاه بأكله أو أخذه شيئًا مخصوصًا حل له ومن لا فلا، وإن كان على أن من
شأن الرطب أن يتسامح بقليله بخلاف قليل اليابس استوى الكل في ذلك أيضًا، فلا
وجه للتفرقة، نعم ظن الرضى والمسامحة فيما يأخذه القريب أقرب منه فيما يأخذه أحد
الزوجين غالبًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
(الفصل الثالث)
١٩٥٣ - [عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلاَيَ أَنْ أُقَدّدَ لَخْمًا، فَجَاءَنِي
مِسْكِينَ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَ فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: ((لِمَ ضَرَبْتَهُ؟)) قَالَ: يُعْطِي طَعَامِي مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَهُ. قَالَ: ((الأَجْرُ
بَيْنَكُمَا)). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوًَّا، فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ: أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالٍ مَوْلاي
بِشَيءٍ؟ قَالَ: ((نَعَم، وَالأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَان)). رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
(عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى) عبد الله، أو الحويرث، أو خلف الغفاري (آبي) بمد الهمزة
وكسر الباء (اللَّحْمِ) كن به؛ لأنه كان لا يأكله مطلقًا، أو أن ذبح للأصنام قولان،
والأول بعيد مع قوله الآتي: ((يعطي طعامي)) إلا أن يجاب بأنه كان لا يأكله فكنى بذلك
ثم أكله بعد ذلك (قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَخْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ،
فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللّهِ وَيهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي ضربه لي
(فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ قَالَ) لأنه (يُعَطِي) عدل إليه عن أعطى الذي هو الواقع
كأنه إشارة إلى أنه كان يكرر ذلك الإعطاء، كزيد يجود (طَعَامي) أي: يتصدق به
تصدقًا ملتبسًا (مِنْ غَيْرٍ أَنْ آمُرَهُ) أي: بغير أمري (قَالَ: الأَجْرُ بَيْنَكُمَا).
(١) أخرجه مسلم (١٠٢٥)، والحاكم (٦٦١٣)، وابن أبي شيبة (١٠٢٧٤)، والنسائي (٢٥٣٧)، وابن
ماجه (٢٢٩٧)، والطبراني (١٢٥)، والبيهقي (٧٦٤٨)، وابن حبان (٣٣٦٠).

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوًَّا، فَسَألْتُ رَسُولَ الله ◌ِ: أَتَصَدَّقُ) فيه استفهام
مقدر (مِنْ مَالٍ مَوْلاي بِشَيءٍ؟ قَالَ: نَعَم، وَالأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَان. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وهذا
محمول على أنه ظن رضى سيده به لما مر من الأحاديث الدالة على منع التصرف في مال
الغير بغير إذنه، ولا ظن رضاه بخلافه مع أحدهما؛ ولذا أقره النبي ◌َّ بل جعل له
نصف الأجر، ثم بعد ذلك بأن عدم رضاه لاحتياج أو غيره فيثاب السيد على إخراج
ماله، ولا إثم عليه في ضرب عبده؛ لأنه يسوغ في المنقادة؛ إذ يجوز للسيد تأديب عبده
لحق نفسه، والظاهر أن العبد لم يقل له: ((ظننت رضاك)) وإلا لم يضربه ولم يقره النبي
وَّ ر على ضربه له، ويثاب العبد على نيته وإعطائه، فإنه يظن رضى سيده حل، بل ندب
له التصدق، وتبين خلافه لا نظر إليه في إثم العبد بل في جواز انتزاعه من الآخذ
وذلك؛ لأن الإثم والثواب يناطان بالظن الصحيح، ألا ترى أن من وطء أجنبية يظنها
حليلته لا إثم عليه، ومن وطء حليلته يظنها أجنبية أثم إثم الزنا، ومن تصدق بمال
یظنه له فبان لغيره یثاب على نیته، وإن لزمه رد بدله.
ومر أن المراد بالنصفين القسمان؛ إذ قد يزيد أجر المالك لسهولة تعب المعطي،
وقد يزيد أجر المعطي لكثرة تعبه في الإيصال إلى الآخذ، وبما قررته أنه وكلير أقر
العبد على فعله لعذره المسوغ له ما فعله، والسيد على ضربه لعذره المجوز له ما فعله،
يندفع ما وقع لشارح أنه كره صنيع السيد في ضربه لمولاه على الأمر الذي تبين رشده،
وأنه إنما سکت في موضع الحاجة إلى البیان؛ لأنه بينه في موضع. انتهى.
وأما قول الشارح: جوابه ﴿ ﴿ بقوله: ((الأجر بينكما)) عن قوله: ((يعطي طعامي
بغير أن آمره) من الأسلوب الحكيم؛ أي: لا يضربه لهذه العلة، بل أذن له في الإعطاء
ليحصل لكما الأجران، المعنى الأهم بك من الضرب والإذن هو الإذن، وهو تعليم
وإرشاد لآبي اللحم لا تقرير لفعل عمير. انتهى.
ففي بعضه نظر ظاهر لا سيما قوله: ((لا تقرير لفعل عمير)) وقوله: أي: لا يضربه
لهذه العلة، وذلك لما قررته أنه قرر كلا منهما على ما فعله؛ لأنه مصيب فيه بحسب ظنه

٤٣٥
كتاب الزكاة/ باب في توابع لأحكام الصدقة
فاندفع قوله: ((لا تقرير لفعل عمير)) وكيف يسوغ له هذا النفي أيضًا مع قول أئمته
وغيرهم للسيد أن يؤدب عبده لحق نفسه، وقد مر أن الظاهر أن العبد لم يقل له: إني
ظننت رضاك، ففعل السيد صادر عن أصل صحيح، فلا ملام عليه فيه بوجه، فلم يتم
له ما حاوله أن هذا من الأسلوب الحكيم، وإنما وجه الجواب بذلك أنه لو أراد أن
يبين لكل منهما صواب فعله فأثبت جوازه ضمنًا، وأن فيه الثواب صريحًا، ففيه تسلية
للسيد على ما فات من ماله، ومدح للعبد على إخراجه ما ظن رضى سيده به، فهو
جواب مطابق لما قبله من كل وجه مع زيادته 18 فيه ما يسلي السيد، ويبعثه على أن
يأذن لمولاه في التصدق صريحًا، وما يحمل العبد على أنه يفعل بقضية ظنه ما لم يحصل
له نهي صريح.

(باب)
مدح
(من لا يعود في الصدقة)
(الفصل الأول)
١٩٥٤ - [عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّب ◌َ﴾ قال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ
الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ:
(لَا تَشْتَرٍ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ کَالكَلْبٍ
يَعُودَ فِي قَيْئِهِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كالعائدِ فِي
قَيْئِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﴾ قال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ الله) أي: أعطيته
ملكًا صدقة لوجه الله تعالى لرجل من المجاهدين؛ ليحمله نفسه أو متاعه لعدم حموله
معه (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) لإساءته سياسته، فلم يقم بسقيه ولا علفه، ولا أرسله
للرعي حتى أشرف على الهلاك (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ) لأنقذه من الهلاك (وَظَنَنْتُ أَنَّهُ
يَبِیعُهُ) لي (پِرُخْصٍ) لكوني الذي تصدقت عليه به.
(فَسَأَلْتُ السَّبِيَّ ◌َّهُ) عن ظني المذكور وشرائي المرتب عليه (فَقَالَ: لَا تَشْتَرٍ وَلَا
تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) جملة معترضة كالتعليل للنهي عن الشراء؛ أي: لا تشتره ولا ترغب
فيه؛ لأنه صدقك (وَإِنْ أُعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) فلا تغتر برخصه وصحة بيعه (فَإِنَّ) الكامل
لا يليق به ارتكاب ما فيه خسة ودناءة وكراهية وإن صح، وهذا كذلك لأن (الْعَائِدَ
فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبٍ يَعُودَ فِي قَيْئِهِ) فهو شبيه بأخس الحيوانات في أخس أحواله (وَفِي
(١) أخرجه البخاري (١٤٩٠)، ومسلم (٤٢٤٨)، ومالك (٦٢٦)، والنسائي (٢٦٢٧)، وابن حبان
(٥٢١٦).
- ٤٣٦

٤٣٧
كتاب الزكاة/ باب مدح من لا يعود في الصدقة
رِوَايَةٍ: لا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
١٩٥٥ - [وَعَنْ بُرَيدة قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ وَ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولُ اللهِ إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُفِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ
الْمِيرَاثُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُوْمي
عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ أَفَأَ حُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمُ] (١).
(وَعَنْ بُرَيدة قَالَ: كُنْتِ جَالِسًّا عِنْدَ الَّبِيِّ وَّهِ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله
إِّ تَصَدَّقْتُ عَلَى أَنِّي بِجَارِيَةٍ) أي: أعطيتها لها صدقة في حياتها (وَإِنَّهَا مَاتَتْ) فهل
أملكها بالإرث منها؟ وهل أكون بذلك راجعة في صدقتي فيكره لي قبولها؟ (قَالَ: وَجَبَ
أَجْرُكِ) على صدقتك بها عليها، والتعبير بالوجوب ليس المراد به حقيقة؛ لأن الله
سبحانه لا يجب لأحد من خلقه عليه شيء، تعالى الله عما يقول الظالمون: ﴿عُلُوًّا
كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٣].
ومنهم المعتزلة - قبحهم الله - فإنهم يقولون: يجب عليه تعالى الأصلح، ومنه
إثابة الطائع وعقاب العاصي (وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ) أي: الإرث فتملكينها قهرًا
عليك، ولا كراهة عليك في ذلك ولا رجوع منك في صدقتك؛ لأن كلاً من الكراهة
والرجوع إنما يتصور أن في الأفعال الاختيارية (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ) أي: الشأن
(كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُوْمي عَنْهَا) وجوبًا إن خلفت تركة بقدر
إرثك، وإلا فندبًا، هذا هو المعتمد من مذهبنا ومذهب أحمد : ((إن من مات وعليه
صوم واجب جاز، بل ندب لكل قريب له وإن بعد، ولمن أذن له القريب ولو مع وجود
أقرب منه أن يصوم عنه ما عليه، ولو جماعة ثلاثين صاموا رمضان عنه في يوم
واحد)).
(قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِي عَنْهَا) وجوبًا إن خلفت تركة، وإلا
(١) أخرجه مسلم (٢٧٥٣)، والترمذي (٦٦٩)، والبيهقي (٨٤٩١).

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فندبًا، وكذلك يجوز للأجنبي ولو بغير إذن الوارث التبرع بالحج الواجب عن الميت
كأداء الدين؛ لأن المغلب في الحج المال، وبه فارق الصوم؛ لأن المغلب فيه البدن فيقيد
الصوم عنه بالقريب وما دونه فقط عملاً بالوارد على خلاف القياس، ومن ثم كان
أكثر أئمتنا بل أكثر العلماء على أنه لا يصام عنه مطلقًا، بل يطعم لكل يوم مُدٍّ، خلف
تركة وجوبًا وإلا فندبًا، وأفهم كونه وَ ل لم يفصل، هل كانت مستطيعة للحج أو لا؟ إنه
يجوز الحج عمن مات، وعليه حجة الإسلام وإن لم يستطعها في حياته وهو المعتمد
عندنا من اضطراب طويل فيه (رَوَاهُ مُسْلِم).
وقول غير واحد من الشراح الشافعية أن الصوم عن الميت لم يجوزه الشافعي،
نظروا فيه إلى مذهبه الجديد وعقلوا عن المعتمد في هذه المسألة مذهبه القديم؛ لصحة
الأحاديث فيه التي لا تقبل تأويلاً خلافًا لمن وهم، فأولها بما لا يلاقيها، وقد قال ظه:
إذا صح الحديث؛ أي: من غير معارض له فهو مذهبي، وهذا كذلك فتعين أن يكون
مذهبه.

( كتاب الصوم )
هو لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم: ﴿إِنَّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ
صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام.
وشرعًا: إمساك عن المفطر على وجه مخصوص، وصوم رمضان مجمع عليه معلوم
من الدين بالضرورة فيكفر منكره، وفرض في شعبان ثانية سني الهجرة، والذي عليه
أصحابنا أنه لم يفرض قبله صوم، وقيل: كان ثم نسخ، فقيل: عاشوراء.
وقيل: الأيام البيض، وصح أنه لما فرض استنكروه وشق عليهم فخيروا بين
الصوم وإطعام مسكين عن كل يوم كما في أول الآية، ثم نسخ بما في آخرها وهو: ﴿فَمَن
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولما فرض كان مباح بعد الغروب تعاطي المفطر ما لم يحصل نوم أو يدخل وقت
العشاء، وإلا حرم ثم نسخ ذلك وأبيح تعاطيه مطلقًا إلى طلوع الفجر.
(الفصل الأول)
١٩٥٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيَرة ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ
أَبْوَابُ السَّمَاءَ - وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَةِ - وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَسُلْسِلتَ
الشَّيَاطِينُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيَرةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءَ).
(وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَسُلْسلتَ الشَّياطِينُ).
(وَفِي رِوَايَةٍ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ويوجد من الأخيرة أن تفتيح
أبواب السماء وأبواب الجنة، وتغليق أبواب جهنم كناية عن تنزل كثرة الرحمة على
صوامه بتوفيقهم فيه إلى أعمالٍ لا تتيسر لهم في غيره، ثم بصعودها إليه، ثم بقبولها
ومزيد الجزاء عليها: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
(١) أخرجه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (١٠٧٩)، وأحمد (٧٧٦٨)، والنسائي (٢٠٩٩).
- ٤٣٩ -

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ويريد تغليق أبواب جهنم بأنه كناية أيضًا عن تطهير نفوس الصائمين من نظرها إلى
شهواتها المؤدية إلى النار، كما أن تسلسل الشياطين كناية عن كفهم من مزيد إغوائهم
وحملهم على المعاصي كما هو مشاهد أن رمضان أقل الأشهر معاصي وأثامًا، ثم كون
هذه كنايات عما ذكر لا يمنع حملها على حقيقتها خلافًا لمن ظنه.
وفائدتها: إعلام الملائكة بشرف صوام رمضان من هذه الأمة، ومزيد شرف
عبادتهم هذه المتميزة عن غيرها بذلك، ففيه غاية المنة على الصوام بإظهار شرفهم
للملائكة، فاندفع جعل شارح كون القصد المنة عليهم مقتضيًا لحملها على مجازها
السابق لا غير، ثم رأيت النووي أشار لما ذكرته وتبعه الشارح، وزاد أن في حمله على
ظاهره فائدة أخرى، وهي أن المكلف إذا علم ذلك حمله على مزيد الامتثال والمبادرة إلى
العمل الطيب نفس وانشراح صدر.
١٩٥٧ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ
أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابُ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يُدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا
بَابُ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يُدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ) سمي بذلك وخصوا به؛ ليناسب جزاء
عملهم وهو الصوم؛ إذ أشق ما فيه عطش الأكباد سيما شدة الحر؛ إذ كثيرًا ما يصبر
على الجوع دون العطش (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٩٥٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ، وَمَنَ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) فيه أنه لا
يكره أن يقال: رمضان بدون شهر، وكرهه بعض العلماء لخبر: ((إنه من أسماء الله))(٣)
(١) أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، والطبراني (٥٧٩٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٥٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨)، ومسلم (٧٦٠)، وأحمد (٧١٧٠)، والترمذي (٦٨٣)، وأبو داود (١٣٧٢)،
والنسائي (٢٢٠٣)، وابن ماجه (١٣٢٦)، وابن حبان (٣٤٣٢).
(٣) أخرجه ابن عدي (٥٣/٧) وقال: مع ضعفه يكتب حديثه. والبيهقي (٧٦٩٣)،
-