Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ صَاعْ مِنْ بُرِّ أَوْ قَمْجِ عَن كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ
عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللهُ وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا
أَعْطَاهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَبْد الله بن ثَعْلَبة أوْ ثَعْلَبة بن عَبْد الله بن صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ) الفطرة (صَاعُ) موصوف بأنه (مِنْ بُرِّ أَوْ) للشك (قَمْجِ عَن كُلِّ اثْنَيْنِ)
مر ما في ذلك، وهذا الحديث أيضًا ضعيف فلا حجة فيه (صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ
عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أَنْقَى) وأفهم إطلاق ذلك أنها تجب على الغني والفقير وحينئذٍ (أَمَّا
غَنِيُّكُمْ) أي: وجوبها عليه (فَيُزَكِّيهِ اللهُ) أي: يطهره وينمي ماله وعمله بسببها (وَأَمَّا
فَقِيرُكُمْ) لا ينافي ما مر أن الزكاة لا تجب إلا على موسر؛ لأن الموسر هنا بما مرقد
يكون فقيرًا عرفًا (فَيَرُدُّ) الله (عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ) عن زكاته للمستحقين.
وكأنه ◌َ له إنما عبر في الأول بالنمو؛ لأنه المناسب لجار الفقير؛ لأنه أخذ جميع ما
معه أو ما يقرب من ذلك، فناسب أن يرد عليه ما يعوض ما أخذ منه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
(١) أخرجه أحمد (٢٣٧١٤)، وأبو داود (١٦١٩)، وابن خزيمة (٢٤١٠)، وابن قانع (١٢٢/١)، والدارقطني
(١٤٨/٢)، والطبراني (١٣٨٩)، والحاكم (٥٢١٤).

باب
(من لا تحل له الصدقة)
(الفصل الأول)
١٨٢١ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: مَّ الَّبِيُّ ◌َّهِ بِتَمْرَةِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ
أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ](١).
(عَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َ بِتَمْرَةٍ) ملقاة (في الطّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلًا أنّ أخاف
أَنْ تَكُونَ مِنَ) تمر (الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ويستفاد منه صريحًا، وإنما
مسائل:
الأول: إنه لم خصه الله تعالى بأنه يحرم عليه قبول الصدقة الواجبة والمندوبة،
وحكمته أنها تنبئ عن عز الباذل وذل الآخذ، ومن ثم قال وسلم: ((اليد العليا - أي:
المعطية - خير من اليد السفلى - أي: الآخذة)(٢).
الثانية: إن الحقير الملقى في الطريق وغيرها الذي تعرض عنه غالبًا يجوز أخذه
وأكله وإن كان متمولاً للعلم بقرائن الأحوال المفيدة للقطع في مثل ذلك، إن مالكه أعرض
وسامح من أخذه، ومن ثم رأى عمر يه رجلاً ينادي على عنبة التقطها فضربه بالدرة
وقال: إن من الورع ما يمقت الله عليه؛ أي: لأن الغالب من حال فعل ذلك أنه إنما يقصد
به الرياء والسمعة وإظهار الورع والتعفف، قال أئمتنا: وفي معنى ذلك نحو برادة الحدادين.
والثالثة: إنه ينبغي للإنسان إذا شك في إباحة شيء ألا يفعله، لكن هل يكون
الترك حينئذٍ واجبًا أو مندوبًا؟ فيه خلاف وكلام أئمتنا مصرح بالثاني؛ لأن الأصل
(١) أخرجه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (٢٥٢٨)، وأحمد (١٢٩٣٦)، وأبو داود (١٦٥٢)، وأبو عوانة
(٦٤٥٩)، وابن حبان (٣٢٩٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٢٢٣١٩)، والنسائي (٤٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦٧٠)، والحاكم (٤٢١٩)، والروياني (١٢٥١).
- ٢٦٢ -

٢٦٣
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
الإباحة والبراءة الأصلية ما لم يعلم جهة محرمة قبل ذلك في شيء بعينه، ويشك في
زوالها كأن يشك في شرط من شروط الذبح المبيح، هل وجد أولاً؟ لأن الأصل حينئذٍ
بقاء الحرمة فلا يرتفع إلا بتيقن.
الرابعة: إنه لا يراعي إلا لاحتمال القريب؛ لأن الظاهر أن تمر الصدقة كان
موجودًا؛ إذ ذاك، أما الاحتمال البعيد فمراعاته تؤدي إلى التنطع المذموم والخروج عما
عرف عن السلف من أنهم كانوا يترفعون ويمشون حفاة ويصلون من غير نظر إلى أن
في الطريق نجاسة أو لا، وأتى ◌َ﴾ [بجنبه جماعة] من المشركين فأكل ولبس ولم ينظر
لاحتمال مخالطة الخنزير لهم، ولا إلى أن صوفها من مذبوح أو ميتة، ولو نظر أحد
للاحتمال البعيد لم يجد حلالاً على وجه الأرض.
ومن ثم قال أئمتنا: لا يتصور الحلال بيقين إلا في ماء المطر النازل من السماء
المتلقي بالید.
الخامسة: إن التقاط حقير يرى في الطريق ولولا كله لانحل بالمروءة، وهذه
مسألة لم يصرح بها أصحابنا فيما علمت، والأمر فيها يحتمل إذا لم يلق في العادة به
ذلك، والذي دل عليه كلامهم أنه إن قصد بأخذها التأسي بالسنة وهضم النفس لم
يؤثر في جزم مروءته كما قالوه في لبس وفعل غير اللائق به إقتداء بالسلف فيما عرف
منهم فعله، وإن لم يقصد ذلك فإن عد أهل العرف ذلك خارمًا لمروءته امتنع وإلا فلا،
واختلف أئمتنا في تعاطي خارم المروءة، فقيل: مكروه.
وقيل: حرام، والأقرب أنه إن كان قد تحمل شهادة للغير حرم؛ لأن فيه نسبًا إلى
سقوط واجب لزمه وهو الشهادة؛ إذ لا يقبل ممن لا مروءة له وإن لم يكن كذلك
کرهت.
١٨٢٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلَيِّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ،
فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ كِخْ، كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ

٢٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الصَّدَقَةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلَيَّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا
فِي فِيهِ، فَقَالَ الشَِّيُّ ◌َّ كِخْ، كِخْ) ففتح أو كسر فسكون أو كسر بالتنوين وعدمه،
فارسية معربة يزجر بها الصبي أو الصبية عن تعاطي مستقذر؛ أي: أترك وأدم، ومن ثم
قال أبو هريرة: إنما قال له ذلك (لِيَظْرَحَهَا) فيه حجة لقول أئمتنا: يجب على الولي أن
ينهي موليه المميز ويمنعه عن فعل المحرمات، كما يلزمه أمره بالواجبات ليألف ترك
المحرم وفطم النفس عنه وفعل الواجب وحمل النفس عليه إذا بلغ (ثُمَّ قَالَ: أَمَا
شَعَرْتَ) أي: علمت كما في رواية، وهذه الصيغة جرت عادتهم باستعمالها في الأمر
الواضح وإن لم يعلمه المخاطب؛ أي: كيف خفي عليك هذا مع ظهوره؟ فهو أبلغ في
الزجر من لا يفعل، وفيه مخاطبه من لا يميز كما دل عليه كخ كخ، أو لا يستعمل إلا
في غير المميز.
وفائدته: إعلام الحاضرين بالحكم ليدفع ويشتهر (أنَّا) معشر بني هاشم (لا
نَأكُلَ الصَّدَقَة) أي: المفروضة لما يأتي أن الذي حرم عليهم فرضها لا غير (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
١٨٢٣ - [وَعَنْ عَبْد المُطَّلِّبِ بن رَبِيْعَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: إِنَّ هَذِهِ
الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِي أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لا ◌َحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَّا لِآلِ مُحَمَّدٍ (٢). رَوَاهُ مُسْلِمٍ].
(وَعَنْ عَبْدِ المُطَّلِبٍ بِن رَبِيْعَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّثَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ)
المعهودة شرعًا، وهي الزكوات وسائر المفروضات كالنذر والكفارة على الأصح عندنا
بالنسبة لمحمد وآله، والمفروضات لا النوافل بالنسبة لا له ولو لما يأتي أن المحرم عليه
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (١٠٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٧٢)، وأبو داود (٢٩٨٥)، والنسائي (٢٦٠٩)، وأحمد (١٧٥٥٣)، والطبراني
(٤٥٦٦)، وابن خزيمة (٢٣٤٢)، وابن الجارود (١١١٣)، وابن سعد (٥٨/٤)، وأبو نعيم في
((مستخرجه على صحيح مسلم)) (٢٣٩٦)، والبيهقي (١٣٠١٨).

٢٦٥
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
وَلّ الكل وعلى آله واجبها لا غير، واستعمال المشترك في معنييه وغيره في حقيقته،
ومجازه جائز عند الشافعي ﴾ (إِنَّمَا هِي) بدل مما قبله، وهذا أولى من القول بأن الثانية
مفحمة مؤكدة للأولى كما قيل به في الآية: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾
[الكهف: ٣٠] اعتراض وأن الخبر أولئك.
والأحسن عندي في الآية أن خبر إن الأولى محذوف دل عليه خبر إن الثانية،
والتقدير إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر عظيم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ
أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ ويصح نظير هذا هنا أيضًا؛ أي: إن هذه الصدقات حقيقة أن تجتنب
إنما هي (أَوْسَاعُ النَّاسِ) تشبيه بليغ كقولك: ((إنما زيد أسد)) بل هذا أبلغ أنواع
التشبيه لما فيه من ادعاء أنه خرج عن خبر الأناسي بالكلية وتحلى بسائر صفات
الحيوان المفترس.
فكذا هنا فيه ادعاء أن هذه الصدقات وإن كان المقصود بها التطهير والنمو
والبركة لكنها باعتبار نفوس مخرجيها، وما تحلت به من النقص والشح مع عدم
التحري في استدخال المال واكتسابه على الوجه الأكمل غالبًا، خرجت عن ذلك بالكلية
إلى أن صارت محض وسخ وقذر وانقلاب إلى غاية من الدناءة والاستقذار، وما هو
كذلك لا يليق أن يخالط المعدن الخالص والعنصر الطيب والمحتد الذي هو منبع
الطهارة والكمال الأعظم، والسيادة التي هي حضرة الرسالة ومطلع النبوة.
ففائدة الإخبار بذلك مزيد التهجين والتقبيح تنفيرًا عن قبول تلك الأوساخ
واستقذارًا لها، ومن ثم زاد ذلك تأكيدًا بقوله: (وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ) فيه مبالغة أخرى
بتجريده من نفسه الكريمة وروحه الطاهرة من تسمى محمدًا كأنه غيره؛ أي: لو فرض
أنه تجرد مني من اسمه محمد لتنزه عنها وباعدها غاية المباعدة، فكيف بي وأنا أطيب
الطيبين وممد الطاهرين المطهرين؟ (وَلَّا لِآلِ) وتكرير ولا اللام مزيد اعتنائهم، وأن
هذا الحكم متأصل في حقهم؛ لأنه اللائق بهم (مُحَمَّدٍ) لأنهم لما نسبوا إليه وكانوا من
معدنه الطاهر سرى إليهم من عظيم شرفه ما اقتضى إلحاقهم به لا على الإطلاق، بل

٢٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
في نوع تطهر به كمال اتحادهم معه فحرم عليهم بعض ما حرم عليه وهو الفرض.
وأما بقية أمته فلم يشاركوه في ذلك المعدن أصلاً فحل لهم الكل تمييزًا للمراتب
وإعلامًا بالأسباب والبواعث والمآثر والمناقب، فسقط ما قيل: كيف أباحها لأمته
((ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(١)؟
والجواب عنه: بأنه ما أباحها لهم عزيمة بل اضطرارًا، وكم أحاديث تراها ناهية
عن السؤال فعلى الجازم أن يراها كالميتة، ووجه سقوط السؤال ما قررته أن تحريم
الفرض والنفل عليه وآله لتطهر خصوصيته العظمى على سائر الأمة، ويحرم الفرض على
آله لتطهر خصوصيته بمشاركتهم له في أخص خصوصياته، وتحليلها لبقية الأمة ليظهر
تراخي تلك النسبة إليه وية، ووجه سقوط الجواب منع كون الإباحة لهم بطريق
العزيمة، كيف وجد العزيمة في الأصول صادق على ذلك ومانع لزعم أنه رخصة كلحم
الميتة؟ وكيف يتعقل ذلك من يرى أن قبول الزكاة على من وجدت فيه شروط
استحقاقها فرض کفایة یقاتل تارکه؟.
وهو ما صرح له أئمتنا أو ترى أن قبولها أفضل؛ لأن فيه إعانة الملاك على براءة
ذممهم وهو ما صرح به بعض أئمتنا، وكذا صدقة النفل قد يسن قبولها، ونهي الأحاديث
عن السؤال لا يقتضي النهي عن قبول الصدقة، كيف وهو لي قد أعلمنا بأن من جاءه
شيء من غير تطلع ولا إشراف نفس فرده فكأنما رده على الله؟ ومن هنا أخذ بعض
الأئمة أن من جاءه شيء كذلك وجب عليه قبوله.
وفي حديث البخاري: ((إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا
سائل فخذه وما لا فلا تبعه نفسك))(٢).
(١) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والترمذي (٢٥١٥) وأحمد (١٣٩٠١)، والنسائي (٥٠١٦)،
وابن ماجه (٦٦)، والدارمي (٢٧٤٠)، والطيالسي (٢٠٠٤)، وعبد بن حميد (١١٧٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٤)، ومسلم (١٠٤٥)، وأحمد (٥٧٤٨)، والنسائي (٢٦٠٨)، وابن خزيمة
(٢٣٦٦).

٢٦٧
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
(رَوَاهُ مُسْلِم) والمراد بالآل فيه مؤمنوا بني هاشم والمطلب ومولى أحدهما؛ لأنه
وَ ﴿ شبك بين أصحابه وقال: ((إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد)) (١) رواه البخاري،
ولا ينافي ذلك إعطاؤه للعباس عليه من إبل الزكاة؛ لأنه إما قبل التحريم أو بدل ما
اقترضه منه للفقراء، وأفهم الحديث أنه لا فرق بين من أعطى حقه من الخمس ومن
منعه.
وخالف في ذلك جماعة منهم: الإصطخري ومن تبعه من أئمتنا فقالوا لهم: أخذ
الزكاة إذا تعذر الخمس ثم لا أحل لكم أهل البيت من الصدقات شيئًا ولا غسالة
الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم؛ أي: بل يغنيكم
ويجاب بأن قوله فيه: ولا غسالة الأيدي.
وفي خبر مسلم: ((إنما هي أوساخ الناس)»(9) مصرحان بأنه لا فرق فليحمل قوله
إن لكم ... إلخ على أنه استئناف لبيان بعض خصائصهم لا غير، وإلا لنا فى الحكم
عليها بأنها وسخ وغسالة يد؛ إذ قضية هذين بل صريحهما أنها لا تحل لهم مطلقًا
فتأمله، فإن قلت: لم جوزتم لهم أن يستأجروا لنحو حفظ مال الزكاة ونقله من سهم
العامل، قلت: لأنهم الآن لا يأخذون باسم الزكاة بل باسم الأجرة فلا وسخ فيه ولا
قدر.
١٨٢٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ
أَهَدِيَّةُ أَمْ صَدَقَةُ؟ فَإِنْ قِيْلَ صَدَقَةٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلِمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيْلَ: هَدِيَّةٍ ضَرَبَ
بِيَدِهِ فَأْكَلَ مَعَهُم (٣) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا أَقِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ) فقال:
(١) أخرجه البخاري (٣١٤٠)، وأبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي (٤١٥٤)، وأحمد (١٧١٩٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم (٢٥٤٢)، وأحمد (٨٢٧١)، والنسائي (٢٦٢٥)، وابن حبان
(٢٩٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٦٣١).

٢٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(أَهَدِيَّةُ) هو (أَمْ صَدَقَةُ؟ فَإِنْ قِيْلَ) له أنه (صَدَقَة قَالَ لأصْحَابِهِ: كُلُوا وَلِمْ يَأْكُلْ) تحاميًّا
عنه لما تقرر آنفًا من تنزه مقامه الكريم عنها (وَإِنْ قِيْلَ) له أنه (هَدِيَّة ضَرَبَ بِيَدِهِ)
أي: مدها إليه سريعًا من غير تحامٍ عنه، وأصل الضرب الذهاب في الأرض بسرعة، شبه
به هذا المد بجامع ما في كل من المبادرة والسرعة، ثم عداه بالتأكيد هب يريد (فَأْكَلَ
مَعَهُم) وفارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه وَلا تلك، وحلت له هذه بأن
القصد من الصدقة ثواب الآخرة، وذلك ينبئ عن غير المعطي وذا الآخذ واحتياجه إلى
الترحم والرفق به، ومن الهدية التقرب للمهدي إليه وإكرامه بنقلها إلى داره ففيها غاية
العزة والإباء والرفعة له.
وأيضًا فمن شأن الهدية مكافأتها في الدنيا فلا يبقى فيها منه أصلاً، بخلاف
الصدقة فإن فيها منة ما، والنبي يجل مقامه عما فيه أدنى ذل ومنة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٨٢٥ - [وَعَنْ عَائِشَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَن إِحْدَى
الُّنَنِ: إِنَّهَا عُتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ، وَدَخَلَ
وَ وَالبُرْمَةُ تَفُورُ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبز وَأَدْم مِنْ أُدْمِ البَيْتِ فَقَالَ: ألمْ أَرَ بُرْمَةً فِيْهَا لَحْم؟
قَالُوا: بَلَى وَلَكِنْ ذَلِكَ لحمُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى بَرِيْرَةَ، وَأَنْتَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ: هُو
عَلَيْهَا صَدَقَةٍ وَلَنَا هَدِيَّةٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) هي أمة اشتريتها بشرط
العتق فأعتقتها وزعم بائعوها أن الولاء لهم، وكانت حال عتقها متزوجة عبدًا اسمه:
مغيث كما في البخاري وغيره (ثَلاثُ سُنَن) أي: طرائق واضحة يستنبط من كل منها
أحكام كثيرة، فلذلك أفرد بعض أئمتنا وغيرهم حديثها بالتأليف وبينوا ما فيه من
الأحكام الكثيرة والفوائد الشهيرة، وجعلها طرفًا لهذه الثلاثة مبالغة في كونها إنما
ظهرت عنه ◌َ﴿ بسببها (إِحْدَى السُّنَنِ: إِنَّهَا عُتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا) لكونه عبدًا
(١) أخرجه مالك (١١٨٢)، والبخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (٣٨٥٥)، وأحمد (٢٦١٩٤)، والنسائي
(٣٤٦٠)، وابن حبان (٥١١٤).

٢٦٩
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
والحرة تتضرر ببقائها تحت العبد بكونه ينفق عليها نفقة المعسرين وغير ذلك.
فلأجل ذلك خيرها النبي وَله بين المقام معه وأن يفسخ النكاح، فاختارت فسخ
النكاح فحصل له عليها شبه الجنون فتشفع إليها بالنبي سي# فسألها فقالت له: يا
رسول الله أأمر أنت أو شافع قال: بل شافع فقالت: إذن لا أريده فأقرها وَلّ على فراقه
وعذرها؛ لأن المعاشرة مع الكره مما لا يطاق التكليف به.
وبذلك أخذ الشافعي ، فقال فيمن عتقت عتقًا منجزًا تحت من فيه رق: إن
لها أن تفسخ نكاحه قهرًا عليه (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه) لما تنازعت عائشة المشترية لها
من بائعها الممتنعين من بيعها إلا بشرط الولاء لهم، وبايعوها المذكورون فادعى كل
الولاء (الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ) فقضى به ◌َله لعائشة؛ لأنها التي أعتقتها وبالغ ◌َلّ في الرد
على أولئك بقوله: ((ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله كل شرط ليس
في كتاب الله فهو باطل)»(١).
ومن هذا أخذ الشافعي # أنه يجوز بيع العبد بشرط العتق، وأن هذا الشرط
يلزم على خلاف القاعدة لتشوق الشارع للعتق، فيطالب به المشتري ويجبر عليه، فإن
امتنع وصمم عتقه عليه القاضي والولاء له لا للبائع، وإن كان هو المشترط لعتقه لما
تقرر أن الولاء لمن أعتق (وَدَخَلَ وََّ) على أهله (والبُرْمَةُ) القدر مطلقًا، وأصلها ما
يتخذ من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (تفورُ) بفوران مائها من شدة الوقود تحتها
حال كونها متلبسة (فقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبز وَأُدْم مِنْ أُدْمِ البَيْتِ) أي: كخل أو تمر.
(فَقَالَ) متعجبًا من مخالفتهم للعادة المستمرة أن من عنده لحم مستوٍ أو قريب
الاستواء ينتظره ولا يقدم غيره، أو منكرًا هذا الفعل الدال ظاهره على التساهل بواجب
حقه ◌َّ﴾ وعدم الاعتناء به (ألمْ أَرَ بُرْمَةً فِيْهَا لحم؟) فكيف إذا قدمتم إلى غيره وهلا
انتظر تموه؟ ويؤخذ منه أنه ينبغي لراعي البيت إذا رأى من أهل بيته ما يخالف العادة
(١) أخرجه البخاري (٢٥٨٤)، ومسلم (١٥٠٤)، وأبو داود (٣٩٢٩)، والترمذي (٢١٢٤) وقال: حسن
صحيح، والنسائي (٤٦٥٥)، وابن ماجه (٢٥٢١)، وعبد الرزاق (١٣٠٠٦).

٢٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أو يقتضي الإنكار أن يسألهم بلطف عن سبب ذلك؛ لاحتمال أنَّ لهم عذرًا ولا يبادر
بشدة الإنكار قبل ذلك فإنه ليس من حسن الخلق وأدب العشرة (قَالُوا: بَلَى) هي
تفور بلحم (وَلَكِنْ) لنا عذر واضح بحسب فهمنا هو أن (ذَلِكَ لحمُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى
بَرِيْرَةَ، وَأَنْتَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ) مبينًا لهم أن الصدقة إنما تحرم عليه إن كان قُصد
هو بها.
(هُو) في حال كونه (عَلَيْهَا) هو صفة في الأصل لصدقه لكنه لما تقدم عليها
صار حالاً كقوله: والصالحات علمها معلقًا بأن (صَدَقَة) خبر ويجوز أن عليها الخبر
وصدقة حال (وَلَنَا هَدِيَّة) لأن المتصدق عليه بملك ما أعطيته ملكًا تامًا، يفيده
التصرف فيه بالبيع والإهداء وغيرهما، فإذا أهدى لغيره أكله بوصف الهدية لا
الصدقة لانقطاعها.
وأيضًا فالمعنى السابق المحرم للصدقة من الذل والمنة منتفٍ هنا بالنسبة
للمهدي إليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فإن قلت: يحتج بهذا لمن قال: إن الغصب لا يتعدى
حكمه الغاصب، قلت: ممنوع بل شتان ما بينهما؛ لأن باب القمار لا يتوقف على
تكليف بل ولا تمييز، ألا ترى أن المجنون والنائم لو أتلفا شيئًا في حال النوم والجنون
ضمناه، وإذا لم يتوقف على التعدي فأولى أن يضمن المغصوب كل من استولت يده
عليه.
ويستفاد من الحديث أيضًا حل أخذ الآل للزكاة إذا استؤجروا للعمل فيها؛ لأنهم
لا يأخذونه باسم الصدقة حينئذٍ، كما أن الأكل من هذا حينئذٍ ليس باسم
الصدقة.
١٨٢٦ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َيهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا (١). رَوَاهُ
البُخَارِي].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ البُخَارِي)
(١) أخرجه البخاري (٢٥٨٥)، وأبو داود (٣٥٣٨)، والترمذي (٢٠٨٠)، وأحمد (٢٥٣٢٨).

٢٧١
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
وفيه إشارة لما مرَّ أن علة قبوله لها دون الصدقة أنها أثابت عليها بما يقابلها، وزيادة
بلا منة فيها البتة بخلاف الصدقة.
وفيه أيضًا: إنه ينبغي لمن قبل هدية أنه يثبت عليها بمثلها أو أكثر، وأنه لا
نقص في قبولها بل إنه يسن قبولها ومحله حيث لم يكن وصلة لمكروه أو محرم، وحيث
خلى مال المُهدي عن حرام أو شبهة ظاهرة وإلا كره قبولها، بل قال الغزالي وجماعة:
يحرم قبول هدية من أكثر من ماله حرام كالشراء منه وغيره.
وقد يحتج به من قال: إن الأدنى إذا أهدى للأعلى يجب على الأعلى أن يثيبه،
ويجاب بأنه لا دليل فيه لذلك؛ لأن الإثابة إنما ذكرت بيانًا لسعة كرمه وَّ فلم تخلص
الدلالة منها على الوجوب كما هو ظاهر.
فإن قلت: معلوم من حال الأدنى بطريق العادة القطعية الدلالة أنه إنما أهدى
للأعلى ليثيبه فكان القياس الوجوب، قلت: لو فرض صحة ذلك فهو إنما غرض للطباع
بواسطة ما غلب عليها من اللوم والحنث، فلم ينظر لها بل للطباع السليمة، وهي إنما
تقصد بالهدية ما وضعت له من التواد والتحاب، كما أشار لذلك وليه بقوله: ((تهادوا
تحابوا))(١) على أن العادات في مثل ذلك غير منضبطة؛ إذ كثيرًا ما يقصد بالهدية، لكن
مجرد التقرب إليه من غير نظر لثواب.
وبفرض النظر إليه فإرادة القلوب أمر خفي لا اطلاع عليه فلم يعول عليه،
وهذا هو السبب في كون الشافعي # أبطل البيع بالمعاطاة من غير لفظ من الجانبين
قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
والرضا أمر خفي لا اطلاع عليه إلا باللفظ، فلم يكفِ الفعل المحتمل، فإن قلت:
اتفق أئمتنا في الهدية للأعلى على ترجيح عدم وجوب ثواب فيها، واختلفوا في النقوط
المعتاد في الأفراح، فرجح بعضهم وجوب رد مثله عملاً بالعادة، وبعضهم عدم وجوب
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٩٤)، والبيهقي (١١٧٢٦)، وأبو يعلى (٦١٤٨)، وابن عدى
(١٠٤/٤).

٢٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
شيء لعدم ذكر العوض.
قلت: العادة في مسألة النقوط مطردة بالرد وقصد العوض، والمكافأة أكثر منها
في مسألة الهدية كما لا يخفى.
١٨٢٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاع
لأَحَبْتُ ولَوْ أُهْدِيَ إِلَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ(١). رَوَاهُ البُخَارِي].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعِ لِأَجَبْتُ)
يحتمل أنه يراد به كراع العميم موضع بين عسفان وقديد، سُمي بذلك تشبيهًا له
بكراع الشاة وهو ساقها؛ لأنه جانب مستطيل من الحرة والغميم بفتح المعجمة؛ وادٍ
أضيف هذا إليه لكونه بمحاذاته، وأن يراد به كراع الشاة؛ لأن الإجابة إلى كل منهما
فيها غاية التواضع والرحمة بالداعي والخلق الحسن معه، وفي إظهاره ◌َّ ذلك الحمل
لأمته على التواضع، بل غايته مع الكبير والصغير، وعلى تحمل مشقة ما يجبرهم ويسرهم
وعلى ترح التكلف وعدم نظر الإنسان إلى نفسه وقدره وما يليق به وعلى الرضا من كل
أحد بميسوره، وإن كان حقيرًا، وعلى أنه ينبغي للكبير ألا يأنف من إجابة الصغير وإن
بعد منزله وقل طعامه.
(وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَّ ذِرَاعُ لَقَبِلْتُ) وفي هذا حمل أيضًا على التواضع ونحوه مما ذكر؛ إذ
النفس كثيرًا ما تأنف من إهداء الحقير، فبين سل أنَّ من التواضع والمروءة والخلق
الحسن ألا تأنف النفس من قبول هدية لا تليق بها، بل الكمال في قبولها والإنابة
عليها كما مر (رَوَاهُ البُخَارِي).
١٨٢٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: لَيْسَ المِسْكِيْنُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى
الأَبْوَابِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكَيْنِ الذِي لَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيْهِ
وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَسَألَ النَّاسَ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (٥١٧٨)، وأحمد (٩٧٣٣)، والبيهقي في «سننه)) (١٤٩٨٦).
(٢) أخرجه مالك (١٦٤٥)، والبخاري (١٤٠٩)، ومسلم (١٠٣٩)، وأحمد (٩١٢٩)، وأبو داود (١٦٣١)،
=

٢٧٣
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَيْسَ المِسْكِيْنُ) أي: المذكور في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: ليس المسكين المتعارف
شرعًا المسكين المتعارف عندكم وهو (الَّذِي يَطُوفُ عَلَى الأَبْوَابِ) في حال كونه ترده
(اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) أي: ليس هو منحصر إلى ذلك كما أفاده
الموصول والحال المفيدة للصلة كما تقرر، وحينئذٍ لا يقال في هذا حجة لقول بعض
أصحابنا: شرط المسكين التعفف عن السؤال على أنَّا لو سلمنا ألا حصر في الحديث
فلا دلالة فيه لذلك القول أيضًا؛ لأنه يحتمل أن سبب نفي المسكنة عنه إنما هو غناه
بسؤاله لا مجرد وصف السؤال لا يصلح عليه لمنعه من الزكاة؛ لأن القصد بها إغناء
المستحقين، وإنما الذي يصلح عليه لمنعه منها هو غناه.
ويحتمل نفي المسكنة عنه ليس المراد به حقيقته حتى يمتنع أخذه من الزكاة،
وإنما المراد به نفي بعض لازم تلك الحقيقة كفلان ليس بإنسان؛ أي: بكامل
الإنسانية المقتضية لحيازة سائر الكمالات، فكذا هنا المراد نفي لازم المسكنة من
السؤال إلا لضرورة؛ أي: ليس المسكين الكامل من يتردد على الأبواب من غير ضرورة
حاقة، بل من يتعفف عن ذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:
٢٧٣] بيانًا على أن النفي المفيد تقييده؛ أي: لا يصدر منهم سؤال أصلاً.
وعلى هذا يوجه ذكر الحديث في هذا الباب أن كثرة السؤال من غير ضرورة
تؤدي كثيرًا إلى الغناء المانع لأخذ الزكاة، فهو لا يستحقها باعتبار الأولى، وإن كان
يستحقها باعتبار الحالة الراهنة لا يقال في هذا حجة لمذهب مالك وأبي حنيفة أن
المسكين هو الذي لا يملك شيئًا فهو أسوأ حالاً من الفقير؛ لأنه يملك ما لا يكفيه
عكس مذهبنا؛ لأنه محتمل كما عرفت، فدليلنا أظهر منه وهو أشياء منها تصريح فلا
يؤمن أهل اللغة بما قلناه كما بينه النووي في ((مجموعه)).
والنسائي (٢٥٧٢)، وابن حبان (٣٣٥٢).

٢٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ومنها: قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ﴾ [الكهف:
٧٩] فسمي مالكيها مساكين مع أن الغالب أنها تحصل ما يقع موقعًا من الكفاية.
ومنها: على ما ذكره بعضهم: إنه وَ ل* تعوذ من الفقر في حديث الصحيحين،
وسأل المسكنة في حديث الترمذي وفيه نظر؛ لأن حديث الترمذي ضعيف، بل قال
البيهقي: روي أنه وَ ل) تعوذ من المسكنة أيضًا، ثم حمل ذلك على أنه إنما استعاذ من فتنة
الفقر والمسكنة اللذين يرجع معناهما إلى القلة، كما استعاذ من فتنة الغناء في حديث
الصحيحين فاستعاذته من فتنة الفقر دون حال الفقر، ومن فتنة الغناء دون حال
الغناء؛ لأنه ◌َّ مات مكفنًا بما أفاء الله عليه، والمسكنة التي سألها إن صح حديثها
معناها التواضع، وألا يحشر في زمرة المتكبرين الأغنياء المترفين. انتهى.
وذكره في (المجموع)) ثم الخلاف لا فائدة له هنا للاتفاق على الدفع إلى كل منهما،
بل في نحو الوصية لأحدهما إذا قلنا: إنه لا يشمل الآخر.
(وَلَكِنَّ المِسْكَيْنِ الذِي لَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِيْهِ) إما بألا يكون عنده شيء بالكلية،
وهو ما قاله أبو حنيفة ومالك، أو عنده شيء لكن لا يكفيه كمن يحتاج إلى عشرة
فيجد سبعة، وهو ما قلناه، وكون السالبة قد تصدق بنفي الموضوع يؤيدهما، وكون
الأصل في النفي أن يرجع إلى القيد دون المقيد يؤيد ما قلناه، ومراعاة الأصل أولى من
مراعاة شيء قد يوجد وقد لا، ويترتب على ما قلناه في حد المسكين أنه لا يقدح في
مسكنته ملكه [شيء] من النقد إذا كانت بحيث لو وزعت على عمر من لا يحس
الاتحاد فيها ونحوه لا يكفيه العمر الغالب ولا ملكه لما يحتاجه، كمسكن وخادم
وثياب يحتمل، وكتب علم شرعي أو آلة له لعالم أو متعلم، ولا قدرته على الكسب إن
منعه منه الاشتغال بالعلم دون العبادة؛ لأن يقع الأول متعد.
(وَلا يُفْطَنُ) أي: يعلم (بِهِ) أي: باحتياجه (فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ) التعبير
به للغالب (فَسَأَلَ النَّاسَ) بين ◌َله بذلك أن شرط المسكين الذي يجوز له أخذ الزكاة ألا
يجد كفايته، وإن أنواع الكفاية إما شيء معه مالاً أو حرفة تكفيه أو معرفة الناس

٢٧٥
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
بحاله، فيتصدقون عليه بما يكفيه أو اعتاده، واجتهاده في السؤال حتى تحصل له
الكفاية، فإذا حصلت بواحد من هذه الثلاثة لم يجز له قبول الزكاة.
وهذا الذي ذكرته في الحديث واضح فإن لم أر من ذكره، ثم رأيت الخطابي وغيره
أشاروا لذلك بقولهم: إنما نفى له المسكنة عن السائل الطواف؛ لأنه تأتيه الكفاية وقد
تأتيه الزيادة عليها فتزول حاجته ويسقط اسم المسكنة عنه، وإنما تدوم المسكنة
والحاجة فيمن لا يسأل أو يعطف عليه فيعطى (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
١٨٢٩ [عَنْ أَبِي رَافِعِ﴾﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنِي ◌َخْزُومٍ عَلَى
الصَّدَقَةِ فَقَالَ لأَّبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا نُصِيبُ مِنْهَا فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ الله ◌َِ
فَأَسْأَلَهُ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَجِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْالِيَ الْقَوْمِ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ (١) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ].
(عَنْ أَبِي رَافِعِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنِي ◌َخْزُومٍ) ساعيًا (عَلَى
الصَّدَقَةِ) ليجمعها ويأتي بها إليه (فَقَالَ لأَّبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا نُصِيبُ مِنْهَا) بسبب
ذهابك معي (فقَّالَ: لَا) أذهب معك (حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ وَ فَأَسْأَلَهُ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ
وَ﴿ فَسَأَلَهُ) عن ذلك (فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا) إن أراد نفسه، فالمراد بالصدقة
الفرض والنفل، أو مع آله، فالمراد فرضها وهذا هو الظاهر بل التعين؛ ليلتئم معه ما
جعله تأسیسًا له.
وهو قوله: (وَإِنَّ مَوَالِي الْقَوْمِ) أي: عتقائهم لقوة نسبتهم إليهم بنص قوله ◌َّ:
((الولاء لحمة كلحمة النسب))(٤) صاروا كأنهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فكما لا يحل لهم، فكذا لا
يحل لمواليهم (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي) وسنده صحيح.
(١) أخرجه الترمذي (٦٥٩)، والنسائي (٢٦١٢)، والحاكم (١٤٦٨) وقال: صحيح على شرط
الشيخين، والبيهقي (١٣٠٢١)، والطيالسي (٩٧٢)، وأحمد (٢٣٩٢٣).
(٢) أخرجه الشافعي (٣٣٨/١)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والحاكم (٧٩٩٠).

٢٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ومنه أخذ الشافعي ﴾ أن الزكاة لا تحل لموالي الآل الذين هم بنو هاشم والمطلب
فإن قلت: لمَ لم يلحق بهم من أمه منهم مع قوله وَل﴾: ابن أخت القوم منهم، ومع
افتخاره بسعد خاله بقوله: هذا سعد خالي، فليرَ في أمر خاله؟.
قلت: لأن المولى لا أب له ينسب إليه غالبًا، فانحصرت لستة في مواليه فألحق
بهم؛ لأنه لا يعرف إلا بهم، ومن ثم قال ◌َّخ: ((من أنفسهم)) بخلاف من أمه منهم، فإنه
ينسب إلى آبائه والنسبة إليهم مقدمة على ما عداها، فإن قلت: يحتمل أن المخزومي
سأل أبا رافع في العمل معه، وإلا يجوز عملهم في الزكاة كما مر، فمواليهم أولى، فكيف
منع؟.
قلت: هذا خلاف ظاهر الحديث، كقول من زعم أنه إنما يفيد الكراهة.
١٨٣٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴾:
لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمي].
(وَعَنْ عَبْدُ اللّه بِنِ عُمَرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَا تَجُِّّ
الصَّدَقَةُ) أي: الزكاة (لِغَنِيِّ) لأن القصد منها سد حاجة الفقراء ونحوهم، وسيأتي
أنها محل الغناء في مسائل (وَلَا لِذِي مِرَّةٍ) أي: قوة وشدة (سويٍّ) أي: صحيح الأعضاء،
ولما كان بين هذين التفسيرين قريب الاتحاد فسرهما صاحب ((الغريبين» بالشدة
والعقل.
وفيه تصريح بأن القادر على الكسب الذي لم يمنعه منه مانع أهم كالاشتغال
بالعلم يكلفه، ولا يحل له أخذ الزكاة ولا للمالك إعطاؤه وإن لم يملك شيئًا، وهو ما
ذهب إليه الشافعي والأكثرون، وقال الحنفية: متى لم يملك نصابا وهو مائتا درهم جاز
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦٦٣)، وأحمد (٦٥٣٠)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) وقال:
حسن، والحاكم (١٤٧٨)، والبيهقي (١٢٩٣٤)، والطيالسي (٢٢٧١)، وعبد الرزاق (٧١٥٥)،
والدارمي (١٦٣٩)، والنسائي (٢٥٩٧)، وابن ماجه (١٨٣٩)، وابن خزيمة (٢٣٨٧)، وأبو يعلى
(٦١٩٩)، وابن حبان (٣٣٩٤)، والدار قطني (١١٨/٢).

٢٧٧
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
أخذه وإعطاؤه، ويستفاد من تفسير ((الغريبين)(١) أن المجنون القوي يعطي وليه الزكاة،
وهو ظاهر حيث لم تجب نفقته على أصل له أو فرع؛ لأنه عاجز عن الكسب، بل
ضعيف العقل الذي يتعطل بسبب ذلك عن الكسب كذلك، وإن لم يصدق عليه أنه
مجنون، وفي ذكره المرة والسوي المشعرين بمدح زيهما إشعارًا بأنه لا ينبغي لمن له أدنى
مروءة وأنفة ونظر إلى كمال أن يترك كسبًا قدر عليه من غير مانع، ويأخذ أوساخ
الناس المنبئة عن غاية الذلة وظاهر الصحة.
ومن ثم قال الغزالي وغيره: الأفضل الاكتساب بالكسب الحلال وإن لم يلق به
في العادة (رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمي).
١٨٣١ - [وَرَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ].
(وَرَوَاهُ أَحْمَدٍ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ).
١٨٣٢ - [وَعَنْ عُبَيْد الله بن عُدَي الخَيار قَالَ: أُخْبَرَنِي رَجُلان: إِنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ
وَهُوَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأْلاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِيْنَا للنَّظَرِ، وَخَفَضَهُ،
فَرَآَنَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتَكُمَا لَا حَظَّ فِيْهَا لِغَنِيٌّ، وَلا لِقَوِيٌّ يَكْتَسِب(٢).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِّي].
(وَعَنْ عُبَيْدِ الله بن عُدَي الخَيَّارِ قَالَ: أَخْبَرَبِي رَجُلانٍ: إِنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ◌َهُ وَهُوَ
فِي حجَّةِ الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلاهُ) أن يعطيهما شيئًا (مِنْهَا، فَرَفَعَ فِيْنَا) فيه
التفات (للنَّظَرِ، وَخَفَضَهُ) بتأملنا (فَرَآنَا جَلْدَيْنٍ) أي: قوسين (فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا
أَعْطَيْتَكُمَا) منها ووكلت الأمر إلى أمانتكما، لكن يكونان تحت خطر الآخذ بغير
حق إن كنتما قوسين، كما دل عليه حالكما أو غنيين فإنه (لا حَظّ) أي: نصيب (فِيْهَا
لِغَنِيٌّ، وَلا لِقَوِيٌّ يَكْتَسِب. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِي).
(١) هو كتاب الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي المتوفى ٤٠١ ه، طبع مرة واحدة
بالمكتبة العصرية - بيروت - سنة ١٩٩٩ م (بتحقيقنا) في ٥ مجلدات.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٠٠١)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٧٩)، والبيهقي (١٢٩٤٢).

٢٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وعدل إلى هذا عن الجواب بلا يحل لكما؛ لأنكما جلدان؛ لأنه لا يلزم من
قضاء ظاهر حالهما تفوتهما أن يكونا في الباطن كذلك، فكم من يرني ظاهر القوة
وهو في غاية الضعف، وللإشارة إلى ما أخذه أئمتنا منه أنه يعطي مدعي الفقراء
والمسكنة أو العجز عن الكسب، وإن كان ظاهره القوة والجلادة بلا بينة ولا يمين وإن
اتهم، وعلته أن الزكاة مبنية على المسامحة والرفق، نعم إن عرف له مال وادعى تلفه أو
ادعى أن له عيالاً كلف حجة على ذلك؛ لأنه خلاف الأصل.
١٨٣٣ - [وَعَنْ عَطَاءٍ بِن يَسَارِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ
لِغَنِيِّ إِلَّا لِخَمْسِةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ الله، أو لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمِ، أَوْ لِرَجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ،
أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِين تُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِيْنِ فَأَهْدَى المِسْكِيْنِ لِلَغَنِيِّ(١). رَوَاهُ
مَالِكِ وأَبُو دَاوُدَ] (٢).
(وَعَنْ عَطَاءٍ بِن يَسَارٍ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَا تَجِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إِلَّا
لِخَمْسِةٍ) فإنها تحل لهم مع الغناء (لغَازٍ) أي: مجاهد (فِي سَبِيلِ الله) تطوعًا بألا يكون
له اسم في ديوان أهل الفيء، وهذا هو المراد بسبيل الله في الآية فيعطي من نصبوا
نفوسهم لذلك فمن الزكاة وإن كانوا أغنياء؛ لأنهم لما تطوعوا بالقيام بهذا الأمر المهم
جدًّا استحقوا أن يقابلوا بإعطاء ما ذكر ترغيبًا لهم في ملازمة ذلك ودوامه، وفسر
أحمد سبيل الله في الآية لسفر الحج، للخبر الصحيح: ((إن الحج سبيل الله))(٣) ويجاب
بأن معنى الخبر: إن الحج يسمى سبيل الله ككل طاعة على حد من أنفق زوجين في
سبيل الله ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [الحديد:١٠] ونحو ذلك وهذا لا نزاع
(١) أخرجه مالك (٦٠٤)، وأبو داود (١٦٣٥)، والحاكم (١٤٨١)، وابن أبي شيبة (١٠٦٨٢)، والبيهقي
(١٢٩٤٥)، وأحمد (١١٥٥٥)، وابن ماجه (١٨٤١)، وابن خزيمة (٢٣٧٤)، والدارقطني (٣)،
وعبد الرزاق (٧١٥١)، وابن الجارود (٣٦٥).
(٢) أخرجه أحمد (١١٢٨٦)، وأبو داود (١٦٣٧)، وأبو يعلى (١٢٠٢)، والبيهقي (١٢٩٨١)، وابن أبي شيبة
(١٠٦٨١).
(٣) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٥٦٩٤)، والضياء (٢٧٣٩).

٢٧٩
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
فیه.
وإنما النزاع في المراد من سبيل الله الذي في الآية ولا دليل في الحديث على هذا
بخصوصه (أو لِعَامِلٍ عَلَيْهَا) وهو أنواع:
ساعٍ: يبعث لأخذ الزكوات وبعثه واجب على الإمام.
وحاشر: يجمع أرباب الأموال.
وعريف: يعرف أرباب الاستحقاق.
وحاسب وكاتب، ونحو كيال: يميز أنصبة المستحقين فهم لا يعطون مع الغناء؛
لأن الواجب لهم من ثمن الزكاة المسمى لسهم العامل أجرة، مثل عمل كل سهم إن فضل
شيء من الثمن رد على بقية الأصناف، وإن نقص كيل من مال الزكاة، ثم قسم الباقي
على السبعة الباقين، وللإِمام جعل أجرتهم في بيت المال وإبطال سهم العامل كما لو
صرفها المالك، فإنه لا عامل حينئذٍ وليس من العامل من يميز الزكاة من المال، بل
أجرته على المالك، ولا نحو راعٍ بعد قبض الزكاة بل أجرته من أصل مالها، ولا نحو والٍ
وقاضٍ؛ لأن رزقهم في خمس الخمس.
(أَوْ لغَارِمٍ) من الغرم وهو لزوم ما يشق، لذا سمي الدين غرمًا؛ لأنه يشق ثم هو
أنواع مستدين لنفسه، وشرطه أن يستدين في غير معصية أو فيها ويصرفه في
طاعة الله أو يتوب، وشرط إعطاء هذا لحاجة وحلول الدين وليس مرادًا بالحديث؛ إذ
لا نفع في إعطائه تعود على المسلمين، ومستدين لإصلاح ذات البين لخوف فتنة بين
متنازعين في قتيل أو مال فيعطي ما استدانه في ذلك وإن كان غنيًّا، ومستدين لقراء
ضيف أو عمارة مسجد أو حصن أو قنطرة أو فك أسير، وهذا اختلف فيه أئمتنا فقال
جماعة: لا يعطى إلا إن احتاج.
وجماعة: إن كان غنيًّا بنقد لم يعط أو بنحو عقار أعطي، وهو قوي المدرك له
قدرة على القيام بهذه المكارم.

٢٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(أَوْ لِرَجُلِ اشْتَرَاهَا) من أخذها (بِمَالِهِ) فيحل له أكلها، وإن كان غنيًّا لما مر في
حديث بريرة أن حكم الصدقة لا ينتقل إلى غير الآخذ لتمام ملكه بالأخذ، فجاز له
التصرف بما شاء، ولو بأن يأخذ في مقابلتها مالاً كما أفاده قوله: بماله (أُوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ
جَارٌ مِسْكِين تُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِيْنِ فَأَهْدَى المِسْكِيْنِ لِلِغَنِيِّ) فيحل للغني أكلها نظير
ما في قصة بريرة سواء بسواء، وذكر المسكين متكررًا مع الاكتفاء عن ذكره من أصله
بأن يقال: أو أهديت إليه عطف على اشتراها؛ لفائدة هي أن الغالب كما قدمته في
إهداء الأدنى للأعلى أنه إنما يقصد به أن يعطيه الغني مقابل ما أهداه إليه، فبين والآن
حل أخذ الزكاة للغني المهدي إليه وإن قصد الآخذ المهدي العوض والمقابل (رَوَاهُ مَالِك
وأبُو دَاوُدَ).
١٨٣٤ - [وَفِي رِوَايَةِ لأَّبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ: أو ابن السَّبِيْل].
(وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ: أو ابنِ السَّبِيْل) والحديث صحيح أو
حسن، ومن ثم أخذنا بقضيته كما قررته في الخمسة المذكورين، وأما رواية: ((ابن
السبيل وهو مسافر سفرًا إلى محل معلوم لغرض صحيح غير معصية أو مزيد سفر
كذلك)) فيحمل على أنه يعطى من الزكاة كفاية سفره اللائقة به، وإن كان غنيًّا
يكسب؛ أي: قادرًا عليه لمشقة كلفته مع السفر أو بمال لكنه غائب عنه أو مؤجل،
فيعطى ما يكفيه إلى وصوله إلى الغائب أو إلى أن يحل المؤجل.
١٨٣٥ - [وَعَنْ زِيَادِ بنِ الْخَارِثِ الصُّدَائِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَبَايَعْتُهُ
فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلاً، فَأَتَاهُ رَجُلُّ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َ
إِنَّ اللّه لَمْ يَرْضَ بِحُكْمٍ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ
أَجْزَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ زِيَادِ بنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ هِ قَالَ: قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ)
ـزائله
(حَدِيثًا طَوِيلاً، فَأَتَاهُ رَجُلُ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٠)، والطبراني (٥٢٨٥)، والدارقطني (١٣٧/٢)، والبيهقي (٧٥٢٢).