Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الزكاة
وصرح أئمتنا أيضًا بأن من أعطى غيره شيئًا مداراة له عن غرضه حكمه
كذلك لما ذكر، وكذلك من أعطى حاكمًا أو ساعيًا أو أميراً أشياء عَلم المعطي من حاله
أنه لا يحكم له بالحق أو لا يأخذ منه الحق، إلا أن أخذ شيئًا ففي كل هذه الصور وما
أشبهها لا يملك الأخذ؛ لقوله وقال: ((هدايا العمال غلول))(١) ولضعف دلالة الإعطاء
على الملك أثر فيه القصد المخرج له عن مقتضاه، بخلاف العقد فإنه دال قوي على
الملك فلم يؤثر فيه قصد قارنه على أن القصد هنا صالح وهو التخلص عن الربا، وفي
تلك الصورة فاسد وهو أخذ مال الغیر لغیر حق.
فإن قلت: ظاهر كلام الأئمة أن هدايا العمال في محل عملهم محرمة وإن لم
يقصد بها محرم كأن كان قريبه أو صديقه.
قلت: اكتفوا بالمظنة؛ لأن من شأنها ممن هو يعمله إنه لغرض فاسد هو احتمال
طروء حاجة له عنده، ولم يخرجوا من ذلك إلا من كانت عادته الإهداء إليه قبل الولاية
بشرط ألا يزيد على العادة قدرًا ولا حسنًا.
١٧٨٠ [وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ
عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخِيَطَا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٍ].
(وَعَنْ عَدِيٌّ بْنِ عَمِيرَةَ) بفتحِ العين (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ
مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ) من الأعمال كجباية الزكاة (فَكَتَمَنَا) مما أعطيه (يُخْيَطًا) هو بكسر
فسكون الإبرة، وهو مثال قصد به المبالغة في القلة (فَمَا) هي للتعقيب؛ أي: باعتبار
الأصل، وأما هنا فلا يفترق الحكم وبيَّن عدمه (قَوْقَهُ) أي: رديئه أو أعلى منه، نظير:
﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
(كَانَ غُلُولاً) أي: سرقة شديدة التحريم (يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كما قال تعالى:
(١) أخرجه أحمد (٢٣٦٤٩)، وابن عدي (٣٠٠/١)، والبيهقي (٢٠٢٦١)، والبزار (٣٧٢٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٣٣)، وأبو داود (٣٥٨١)، وأحمد (١٧٧٥٣)، وابن حبان (٥٠٧٨)، والبيهقي
(١٢٩٥١).

٢٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] (رَوَاهُ مُسْلِم) وهو استطراد
مناسب للحديث قبله، ومقرر للإنكار الواقع فيه على ابن اللبنية.
(الفصل الثاني)
١٧٨١ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ ﴾: أَنَا أُفَرَّجُ
عَنْكُمْ، فَانْطَلَقَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةُ. فَقَالَ رَسُولُ الله
وَّ: إِنَّ اللّه لَمْ يَفْرِض الزَّكَةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِي مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الله
الْمَوَارِيثَ، وَذَكَرَ كَلِمَةً لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرٍ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ:
الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ رَوَاهُ
أَبُوْ دَاوُدٍ](١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وهي (﴿وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِي نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لَأَ نفُسِكُمْ
فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ -٣٥].
(كَبُرَ) عظم (ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لما فيها من شدة الوعيد للكافرين الشامل
لكل من عنده مال ادخره ولم ينفقه كله في الطاعات، وإن أدى زكاته (فَقَالَ عُمَرُ له: أَنَا
أَفَرِّجُ عَنْكُمْ) بسؤال من بعث رحمة للعالمين عن معناها، فإنه لا بينه إلا بما ليس فيه
هذا الحرج العظيم.
(فَانْطَلَقَ) إليه ◌ِّهِ (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله) أثره؛ لأن المقصود الإنباء عن الحق تعالى
بـ «ما)) الذي أراده من هذه الآية (إِنَّهُ كَبْرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ) ليس فيها
حرج، فإنه لا يوجد هذا العذاب العظيم إلا لمن اتخذ ما لا تجب فيه الزكاة، ولم يؤدها
(١) أخرجه أبو داود (١٦٦٤)، وأبو يعلى (٢٤٩٩)، والحاكم (١٤٨٧) وقال: صحيح على شرط
الشيخين. والبيهقي (٧٠٢٧).

٢٠٣
كتاب الزكاة
بخلاف من أداها لا حرج عليه في الكنز حينئذ (رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِنَّ اللّه لَمْ يَفْرِض
الزَّكَاةَ) في أموالكم (إِلَّا لِيُطَيِّبَ) أي: تطهر وتنمى بها (مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ) عن
اختلاط حق الفقراء به.
كما أنبأ عن ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾
[التوبة: ١٠٣] وطهارة المال وتزكيته أصل أو تبع لطهارتهم وتزكيتهم فما أخرجت منه
طيب، وإن كثر والطيب لا عقاب عليه، ومن ثم قال أكثر العلماء: المراد بالكنز ما لم
تؤد زكاته، وإن لم يدفن فإن أديت فليس بكنز وإن دفن، وفي ((الحاوي)) عن ابن عمر
بسند متصل خلافًا لمن وهم فيه أن الوعيد على الكنز، إنما كان قبل وجوب الزكاة، فلما
وجبت جعلها الله ظهرًا للأموال.
وفي حديث سنده حسن ما بلغ أن يؤدي زكاته فزکی فلیس بكنز، وأما قول ابن
جرير: إن الكنز في الآية ما لم ينفق منه في الغزو، وابن داود أنه الدفن فهو غلط كما
قاله النووي (وَإِنَّمَا) عطف على أن الله لتقرير أن إيجاب الزكاة مانع من الكنز
(فَرَضَ الله الْمَوَارِيثَ) قال ابن عباس: (وَذَكَرَ) تَِّ (كَلِمَةً) أخرى لم أضبطها (لِتَكُونَ
لِمَنْ بَعْدَكُمْ).
والتقدير لم يفرض الزكاة إلا لكذا والإرث إلا لكذا، فلو امتنع جمع المال وكثرته
مطلقًا لم يفرض زكاة ولا إرث، فلما فرضا دل على حل الجمع والكنز لتخرج منه الزكاة،
ولينتقل إلى الورثة بالموت (فَكَبَّرَ عُمَرُ) سرورًا واستبشارًا بهذه الرخصة العظيمة، وكان
من دأبهم التكبير في الأمور المهمة.
(ثُمَّ قَالَ) وَّ لعمر سالكً به الأسلوب الحكيم بإفادته له ما لم يترقه، فإنه لم
يكن مترقيًا إلا زوال الحرج عن كنز المال فزاده أعظم مما ترقيه، فذكر له مما له عظيم
تعلق بما هو فيه، وهو کنز آخر لا حرج علی مکتنزه أيضًا، بل يبالغ في مدحه؛ لأن كنزه
خير الكنوز وأعلاها وأجلها وأولاها.
(أَلَا أُخْبِرُكَ) أيها المخاطب المتأهل للخطاب (بِخَيْرٍ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ) ففزع

٢٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ذهنك له ليرسخ فيه هذه الفائدة الجليلة وهي أن خير ما يكنز المرء (الْمَرَةُ الصَّالِحَةُ)
جمالاً وخلقًا ودينًا؛ لأن زوجها (إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ) لعظم جمالها الظاهر والباطن (وَإِذَا
أَمَرَهَا) بصالح ديني أو دنيوي (أَطَاعَتْهُ) لما جبلت عليه من الخلق الكريم والطبع
المستقيم (وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ) في نفسها وماله كما في رواية.
لما وقفت له من الدين المتين وحفظ العهد القديم، وما أفهمه ما قررته أن المرأة
مبتدأ خبره محذوف، وجملة الشرط بيان له أوضح من حصل نفس هذه الجملة هي
الخير، ووجه خيريتها على المال، وإن كان اقتناؤه لمؤدي زكاته فيه خير أيضًا لما في كل من
المنافع العظيمة أن ذاته لا لذة في مشاهدتها عند من ركب عقولهم وكملت فطرهم، بل
ولا منفعة بها مع بقائها، وإنما المنفعة في ذهابها وإخراجها بخلاف المرأة الصالحة، فإن
في شهودها غاية اللذة والتمتع، بل والشهود ظاهرًا وباطنًا.
ومن ثم قيل للجنيد في ابتدائه: ألا تتزوج فقال: إنما تصلح المرأة لمن ينظر إلى
جمال الله فيها ومنفعتها مع مصاحبتها وبقائها، فهي الصاحب بالجنب المراعية
لصالحك القائمة بملماتك المفرجة لهمومك المعدة لمشورتك وقضاء حوائجك، الحافظة
لسرك وأموالك وعيالك، المتهيأة لإنبات بذرك ورعاية روعك حتى يستوي فتؤازرك مدة
حياتك، وتخلفك بعد مماتك.
وليس في المال فائدة من هذه الفوائد، ولا عائدة من تلك العوائد، وإن كان فيه
وصلة المنقطعين وغنى المحتاجين، وعموم النفع الدائم ثوابه بنحو الصدقات الجارية،
وبناء نحو المساجد وإملاء نحو الطرق، وغير ذلك مما لا يخفى عظيم وقعه ودوام نفعه
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ) بسند صحيح.
١٧٨٢ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبُ
مُبْغَضُونَ، فَإِذا جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلَهُمْ،
وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهِمْ، وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ. رَوَاهُ

٢٠٥
كتاب الزكاة
أَبُوْ دَاوُدٍ](١).
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبُ) تصغير
ركب الذي هو اسم جنس فيصغر على لفظه، ولو كان جمعًا لراكب لقيل أرتكبون
والمراد بهم عمال الزكاة (مُبْغَضُونَ) لأن من شأنهم التفريق بين النفوس ومحبوبها
الأعظم، بأخذ بعضه وذك مشق عليها جدًّا، بل ربما زعم بعضهم أنهم يظلمونهم كما
في الحديث الذي يلي هذا، مع أنه وسل* لا يرسل ظالمًا؛ أي: ستأتيكم العمال لطلب
الزكاة فلا تبغضونهم زعمًا أنهم ظالمون.
(فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ) أي: أظهروا لهم الفرح بقدومهم (وَخَلَّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
مَا يَبْتَغُونَ) أي: تطلبون من الزكاة (فَإِنْ عَدَلُوا) بأخذ الواجب فقط (فَلهمْ) ثواب
عدلهم (وَإِنْ) فرض أنهم (ظَلَمُوا) كما في زعمكم (فَعَلَيْهِمْ) عقاب ظلمهم
(وَأَرْضُوهُمْ) أي: اجتهدوا في إرضائهم ما أمكن بأن تعطوهم الواجب من غير مطل،
ولا غش ولا خيانة (فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ) أي: كمالها السالم عن سائر وجوه النقص
(رِضَاهُمْ) الناشئ عن ذلك الإعطاء الكامل.
(وَلْيَدْعُوا لَكُمْ) كما هو السنة لقابض الزكاة ساعيًا أو مستحقًّا أن يدعو
للمزكي كما مر، ويصح كون اللام للتعليل، وأنه عطف على محذوف؛ أي: بالغوا في
إرضائهم لتتم زكاتكم وليدعوا لكم، واستدل بكونه أمرًا لهم بالدعاء على أنهم في
الحقيقة ليسوا ظالمين؛ إذ الظالم لا يؤمن بالدعاء للغير، وفيه نظر لما يقرر أنه يسن دعاء
قابض الزكاة سواء أكان ظالمًا أو عادلاً كما شمله كلام أئمتنا؛ لأن ظلمه يأخذ زائد لا
يمنع طلب فعله للسنة من حيث كونه آخذًا للزكاة في ضمن ذلك الزائد، وحينئذ
فالصواب أن يقال: إن كان الحديث في عماله ◌َ ل* فقط تعين هذا، وإن ظلموا للفرض
والتقدير لم يقع، وإن كان فيهم وفي غيرهم مما يأمر بعدهم كما هو الظاهر، تعين أن
(١) أخرجه أبو داود (١٥٨٨).

٢٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المراد فإن ظلموا في اعتقادكم دون اعتقادهم.
وقد صرَّح أئمتنا أن الاعتبار في مسائل الاجتهاد المختلف فيها في الزكاة
باعتقاد الساعي دون المالك، فيجب إرضاء الساعي إذا طلب الأخذ على وفق اعتقاده،
وإن كان ذلك ظلمًا في اعتقاد المعطي، أو وإن ظلموا في غير الزكاة.
وقد صرح أصحابنا بأن الإمام الجائر فيغير الزكاة العادل فيها إذا طلبها يجب
دفعها إليه، بل صرح بعض أكابرهم بوجوب دفعها إليه، وإن علم أنه يصرفها في
شرب الخمور ونحوه؛ لأن الملك يبرأ بقبض الإمام لها، وأما صرفه لها في غير مصرفها
فإِثمه عليه دون المالك أو وإن ظلموا في الزكاة إذا كان المال ظاهرًا كالحيوان، أو
باطنًا كالنقد وخشيت الفتنة بالامتناع منهم، وبهذا يندفع ما للشارح هنا (رَوَاهُ أَبُوْ
دَاوُدٍ).
١٧٨٣ - [وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: جاءَ نَاسَ مِن الْأَعْرَابِ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِن المصدِّقِينَ يَأْتُوْنَا فَيَظْلِمُونَا. فَقَالَ: أَرْضُوا
مُصَدِّقِيكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنْ ظَلَمُوْنَا. قَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ.
رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ](١).
(وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ﴾ قَالَ: جاء نَاسَ مِن الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ
فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِن المصدِّقِينَ) أي: عمال الزكاة (يَأْتُوْنَا فَيَظْلِمُونَا) هذا بحسب زعمهم؛
لأنه لم يكن يتولى قبض الزكاة في زمنه وآله إلا عماله الذين يرسلهم، وهؤلاء لا ظلم
يتصور منهم؛ لأنهم إنما كانوا يأخذون ما نص لهم عليه من غير اجتهاد منهم فيه
(فَقَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله وَإِنْ ظَلَّمُوْنَا، قَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ
وَإِنْ ظُلِمْتُمْ) هذا من باب إرخاء العنان مع الخصم.
وسببه هنا أنهم كانوا أثر جاهلية لا ألف لهم يأخذ شيء من أموالهم قهرًا عليهم
فأمرهم بالإعطاء، وإن فرض الظلم؛ لأنه سيبين لهم بعد قوة إيمانهم وإحاطتهم بالأدلة
(١) أخرجه مسلم (٩٨٩)، وأحمد (١٩٢٢٩)، وأبو داود (١٥٨٩)، والنسائي (٢٤٦٠).

٢٠٧
كتاب الزكاة
أن ذلك ليس بظلم وتأمل جوابهم بظلمهم دون ظلموكم يجده ولي أشار إلى أن عماله
لا يظلمون، وإلى أنه لو فرض وقوع ظلم منهم أو من غيرهم لم يكن ذلك عذرًا في
إعطاء الواجب، وأما الزائد عليه فإنما يكلفه إن خشي وقوع فتنة بمقابلة الإمام أو
تعديه (رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ).
١٧٨٤ - [وَعَنْ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَّةِ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا،
أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرٍ مَا يَعْتَدُونَ؟ قَالَ: لَا. رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ](١).
(وَعَنْ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَّةِ قَالَ: قُلْنَا) أي: لرسول الله وَّةِ (إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ)
أي: عمالها (يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا أَفَتَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرٍ مَا يَعْتَدُونَ، قَالَ: لَا، رَوَاهُ أَبُوْ
دَاوُدٍ) ولا إشكال فيه لتعين تأويله على أن قولهم: يعتدون، إنما هو بحسب اعتقادهم
دون الواقع للدليل الخارجي؛ لأن الفرض أن العمال رسله وهم يستحيل منهم الظلم لما
مرَّ.
١٧٨٥ - [وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ
بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ الله حَتَّى يَرْجِعَ إِلَی بَيْتِهِ رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ](٢).
(وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ) أي:
عملاً ملتبسًا بأخذ الحق وترك غيره (كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ الله) في الثواب (حَتَّى يَرْجِعَ)
الساعي (إِلَى بَيْتِهِ) أي: لأنه ساع في نفع المسلمين العام كما أن الغازي كذلك، وقید
بحتى يرجع إشارة إلى أنه كالغازي السليم دون الغازي الشهيد؛ لأن الشهادة لا يعدلها
شيء (رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ).
١٧٨٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: لَا جَلَبَ
وَلَّا جَنَبٍ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّ فِي دُورِهِمْ. رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ] (٣).
(١) أخرجه أبو داود (١٥٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٣٨)، والترمذي (٦٤٧)، وابن ماجه (١٨٨١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٦٢٥)، وأبو داود (١٥٩١).

٢٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) أي: جد أبيه، وهو عبد الله بن
عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أو جد عمر فيكون الحديث مرسلاً وكل محتمل،
لكن الأصح الأول (عَنِ الَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: لَا جَلَبَ) بفتح الجيم واللام، وهو أن يترك
الساعي محلاً بعيدًا عن الماشية ثم يحصرها، وسبب النهي عن هذا ما فيه من غاية
المشقة عليهم، وبخلاف ما لو نزل على مياههم أو أمكنه مواشيهم لسهولة الأخذ
حينئذ، ويطلق الجلب أيضًا على حث فرس السباق على قوة الجري بمزيد الصياح
علیه.
ووجه النهي عنه أيضًا ما فيه من إضرار الفرس، بل وألفه التواني إلا إن صيح
عليه (وَلَا جَنَبَ) وهو أن ينزل بأقصى محال أهل الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن يجنب
إليه؛ أي: يحصر، ووجه النهي عن هذا ما مر في الجلب، وقيل: هو أن يجنب؛ أيك يبعد
رب الماشية بها عن محله فيحتاج الساعي أن يتكلف ويأتي إليه.
ووجه النهي عن هذا أو أصح أيضًا، فلعل تضعيفه إنما هو من حيث الوضع
اللغوي لا غير، وتطلق أيضًا على السياق بفرس یجنبه آخر، إذا فتر ذاك ركب هذا، وكان
وجه النهي عنه أن السياق إنما هو لبيان اختبار قوة الفرس، وبهذا الفعل لا يعرف قوة
واحد من الفرسين، ورب فرس توانى أولاً أو في الاثنان ثم سبق، وإنما حملنا الجلب
والجنب على ما يختص بالزكاة لقوله وَله عقبهما (وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ)
ويلزم من أخذها فيها ألا يعد من الساعي، ولا من المالك فلا جلب ولا جنب (رَوَاهُ
أَبُوْ دَاوُدٍ).
١٧٨٧ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ مَن
اسْتَفَادَ مَالًّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ وَجَمَاعَةُ أَنَّهُمْ
وَقَقُوْهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ](١).
(١) أخرجه الترمذي (٦٣٢).

٢٠٩
كتاب الزكاة
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهِ مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا)
من غير معدن وركاز لما يأتي فيهما (فَلَا زَكَاةَ) عليه (فيه حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ) هو (وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ) بدل استمال؛ أي: ذكر أن جماعة وعددهم (وَقَّقُوْهُ
عَلَى ابْنِ عُمَرَ) أي: رووه عنه من قوله: لكن القاعدة الحديثية الأصولية أن الحكم
لمن رفع؛ لأن معه زيادة علم تقوي من وصله وأن الحكم له، ولذا اعتمده الأئمة
وجعلوه الدليل لما اتفقوا عليه أن الحول فيما ذكر شرط لوجوب الزكاة، فمتى خرج عن
ملكه أتاه، وإن عاد فورًا بطل الحول الأول، فليستأنف حولاً آخر من حينئذ، وهكذا
كلما خرج وعاد.
١٧٨٨ - [وَعَنْ عَلِّ ﴾: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُوْلَ اللهِلَهُ فِيْ تَعْجِيْلِ صَدَقَتْهُ قَبْلَ
أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ وَالتِّرِمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِ يُّ](١).
(وَعَنْ عَلَيّ ه: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَّلَ رَسُوْلَ الله ◌َّهِ فِيْ تَعْجِيْلِ صَدَقَتْه قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ)
أي: قبل أن يتم حولها.
(فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدٍ وَالتِّرمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِميُّ) ومنه أخذ
أئمتنا: إنه يجوز تعجيل زكاة المال بعد تمام النصاب، وقبل آخر الحول والبدن وهي زكاة
الفطر بعد دخول رمضان، ولا يجوز ذلك قبل تمام النصاب، ولا قبل دخول رمضان؛
لأن من قواعدهم أن ما له سببان يقدم على أحدهما لا عليهما.
كما أن كفارة اليمين يجوز تقديمها على الحنث دون الحلف، وزكاة المال لها
سببان ملك النصاب وتمام الحول، فإذا وجد ملك النصاب وجد السبب الأول فجاز
التقديم على الثاني، وإذا لم يوجد ملك نصاب فليس هناك شيء يعجل عنه، وزكاة
الفطر لها سببان دخول رمضان، وإدراك خبر من أول ليلة العيد.
ويدل على هذا قوله قبل أن يحل فإنه إنما يقال لمن مضى عليه بعض الحول وفي
(١) أخرجه أحمد (٨٢٢)، والدارمي (١٦٣٦)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه
(١٧٩٥)، وابن خزيمة (٢٣٣٠)، والدارقطني (٣)، والحاكم (٥٤٣١)، والضياء (٤١١).

٢١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
يده نصاب فزكاته الواجبة في ذلك النصاب لم تحل إلى الآن، وأما من ليس بيده نصاب
فلا يقال: إن زكاته لم تحل؛ لأن هذا لا زكاة عليه مع أن الأصل عدم وجود مال مكمل
لما في یده.
١٧٨٩ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَطَبَ النَّاسَ
فَقَالَ: أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالْ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ رَوَاه
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالُ؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ ضَعَّفُه](١).
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا
مَنْ وَلِيَّ يَنِيمًا لَهُ مَالٌّ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ) أي: معظمه؛ إذ ما دون
النصاب لا يمكن أن يأكل الصدقة منه شيئًا، عبر بالأكل عن النقص؛ لأنه سببه،
ويصح كونه استعارة بالكناية حيث شئت الصدقة بالأكل، واستعار لها لما هو من لوازم
المشبه به وهو الأكل (الصَّدَقَةُ، رَوَاه التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالْ؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ
الصَّبَّاحِ ضَعَّفُه) ورد بأن الضعيف هو وصله، وأما إرساله فسنده صحيح.
وقد اعتضد بعموم الخبرين الصحيحين، خبر يؤخذ من أغنيائهم، وخبر فرضها
رسول الله ﴿ على المسلمين، بل عموم أحد هذين كاف في الدلالة لوجوب الزكاة في مال
اليتيم، فكيف إذا اجتمعا، وانضم إليهما المرسل المعتضد يقول: خمسة به من أكابر
الصحابة ﴿ والمرسل المعتضد بذلك حجة اتفاقًا، وأما ما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وابن
مسعود مما يخالف ذلك فلم يصح عنهما، وأما ما زعمه شارح أن سبب ضعفه كونه
من رواية عمرو بن شعيب المحتملة كما مر فهو ضعيف، والأصح في روايته عن أبيه
عن جده أنها محمولة على الاتصال كما مرَّ.
(الفصل الثالث)
١٧٩٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: لَمَّا تُوُنِّيَّ رَسُولُ الله ◌َّهِ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ
(١) أخرجه الترمذي (٦٤١)، والبيهقي (٧١٣١).

٢١١
كتاب الزكاة
بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِن الْعَرَبِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَّبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ
النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ، فَمَنْ
قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ أبو بكر:
وَاللهُ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالٍ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا
كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِها. قَالَ عُمَرُ: فَوَالله مَا هُوَ إِلَّا رَأَيْتُ
أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: لَمَّا تُؤُنَّ رَسُولُ اللهِ وَّهَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ،
وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِن الْعَرَبِ) لامتناعهم من أداء الزكاة كغطفان وفزارة وبني سليم وبني
يربوع وبعض بني تميم وكفرهم، إما لإنكارهم وجوب الزكاة، وإنكار وجوبها فيما هو
مجمع عليه كفر اتفاقًا؛ لأنها معلومة من الدين بالضرورة، وإنكار المعلوم من الدين
بالضرورة كفر، بل قال جماعة: إن إنكار المجمع عليه كفر، وإن لم يكن معلومًا
ضرورة، وإما لامتناعهم وسماه كفرًا مبالغة، ويدل عليهم أنهم قالوا: إنما كنا نؤدي
زكاتنا لمن كانت صلاته سكنًا لنا، والآن قد ذهب ذلك بوفاته وهملا فلا نؤديها لغيره،
ولعل بعضهم أنكر وبعضهم منع لهذه الشبهة، فصح إطلاق الكفر عليهم تارة
وعدمه أخرى.
(قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ) لما أن عزم على قتالهم (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ)
المانعين للزكاة (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ) يعني: كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله للإجماع على أنه لا
يعتد في الإسلام بتلك وحدها (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ عَصَمَ مِنَّ مَالَهُ، وَنَفْسَهُ إِلَّا
بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله) وكان وجه احتجاج عمر بهذا على عدم المقابلة مع كونه صريحًا
فيها، فإن المراد بحقه حق الإسلام كما في رواية.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٥٥) ومسلم (٢٠) وأحمد (١١٧) وأبو داود (١٥٥٦) والترمذي (٢٦٠٧)،
والنسائي (٢٤٤٣)، وابن حبان (٢١٧)، والبيهقي (١٦٥٠٧).

٢١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
والزكاة من حق الإسلام، فهي من المستثنى في الحديث من عدم مقابلة المسلم،
فيقاتل المسلم عليها بحقها مجملاً عنده أو مبينًا بغير الزكاة ((كزنا بعد إحصان وكفر
بعد إيمان))(١) وحينئذ فلا يستدل به على المقابلة فيها، وجوابه منع كون ذلك مجملاً،
فإنه الذي لم يتضح دلالة، وحق الإسلام واضح الدلالة وذكر أمثلة له لا يقتضي
انحصاره فيها للقاعدة المقررة، أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ولظهور الدليل
فيما قاله أبو بكر رجع عمر إليه كما يأتي.
ويدل على ما ذكرته من أن بحقه يشمل الزكاة، كقول أبي بكر الذي حكاه عنه
أبو هريرة بقوله: (فَقَالَ أبو بكر: وَالله لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الَّكَاةَ
حَقُّ الْمَالِ) أي: والموجب لها هو الإسلام فكانت من حق الإسلام، وحينئذ قال نزاعهما
إلى أن الزكاة من حق الإسلام أولاً، وقد بان واتضح أنها من حقه، فإن قلت ظاهر هذا
أنهما متفقان على أن مقابلتهم إنما هو لمنعهم لا لكفرهم، فكيف يقول أبو هريرة؟
وكفر من كفر قلت: قد قدمت ما يعلم به الجواب عن ذلك، وهو أنه يحتمل أن
بعضهم كفر، وبعضهم منع، فقلت أبو هريرة الأول وأبو بكر وعمر الثاني.
(وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا) هي الأنثى من ولد المعز ما لم يبلغ سنة، ويتصور
وجوبها في الصغار فاندفع ما قيل ذكرت مع عدم إجرائها في الزكاة مبالغة.
وفي رواية: ((عقالاً)(٢).
قيل: وهو مبالغة في الحقارة؛ إذ لا يتصور وجوبه أيضًا، ويرد بأنه قد يتصور
وجوبه؛ إذ يلزم المالك أن يعقلها حتى يأتي الساعي ويتسلمها منه أو حتى يأتي بها إلى
الإمام ويسلمها له فلو منع عقالاً أو غيره مما يضبطها حتى يتسلمها الساعي مثلاً قوتل
على ذلك؛ لأن في منعه منعًا لهما فتأمله.
(كَانُوا يُؤَدُّونَها إِلَى رَسُولِ اللّه ◌َ﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِها) ومنه أخذ أئمتنا: إنه
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٢٢١).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣)، وأبو داود (١٥٥٨)، والنسائي (٢٤٥٥).

٢١٣
كتاب الزكاة
يجب على الإمام أخذ الزكاة من مانعيها قهرًا عليهم، فإن لم يقدر على ذلك إلا بقتالهم
لزمه قتالهم وأجروا ذلك حتى في فروض الكفايات كصلاة الجماعة، وكذا العيد
والأذان بناء على فرضيتهما كفاية، فيلزمه قتال أهل بلد أو قرية أو بادية امتنعوا من
إظهار شعار الجماعة في محلهم، أو من فعل أحد العيدين أو من الآذان.
(قَالَ عُمَرُ: فَوَالله مَا هُوَ) أي: شأني وحالي في هذه المحاجة (إِلَّا) أني (رَأَيْتُ) أي:
اتضح وظهر لي (أن اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ) لظهور دليله الذي استدل به
(فَعَرَفْتُ) بسبب ذلك (أَنَّهُ) أي: القتال (الْحَقُّ) فوافقته عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٧٩١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أَصَابِعَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ) أي: ماله الزكوي الذي
لم يخرج زكاته (يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَفْرَعَ) مرَّ معناه (يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَطْلُبُهُ) أي:
لشدقي أثره (حَتَّى) يدركه، فلا يرى له خلاصًا منه إلا بأن (يُلْقِمَهُ أَصَابِعَهُ) ليدفعه
بعضهما عن بقية بدنه، وليس ذلك بدافع له، وهذا على منوال الدنيا أن الإنسان غالبًا
أو دائمًا إذا فجئه مهول يلقاه بیدیه عن بدنه.
وقيل الحكمة في ذلك: إن يديه بهما كسب المال فقصما أولاً، لذلك كما أن
الشدقين لما أكلاه خصا بأخذ الشجاع بهما كما مر في رواية أبي هريرة، فإن قلت: ما
الجمع بين الروايتين؟ قلت: لعل بعض الناس يغلب فيه الكسب بيديه فيعاقب بما في
هذه، وبعضهم يغلب فيه الأكل بشدقيه فيعاقب بما في تلك، ويحتمل أن مانع الزكاة
يعذب بجميع ما مر في الأحاديث ليكون ماله تارة يجعل صفائح ويكوى بها، وتارة
يصور شجاعًا أقرع يطوقه ويضرب لهزميته، وتارة يتبعه ويفر منه حتى تلقمه
یدیه.
وقيل: خص اليدان بالذكر؛ لأن البخيل قد يوصف بقبض اليد كما قالوا: يد
(١) أخرجه البُخاري (٤٦٥٩)، وأحمد (١٠٨٦٧)، والنَّسائي (٢٢٤٠)، وأبو يَعْلَى (٦٣١٩).

٢١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فلان مقبوضة وأصابعه مكفوفة كما أن الجواد يوصف ببسطهما (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٧٩٢ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا
جَعَلَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعًا، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله: ﴿وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ.﴾ [آل عمران: ١٨٠]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا
جَعَلَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعًا) بأن يطوقه؛ أي: يصير كالطوق في عنقه (ثُمَّ
قَرَأَ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ) أي: ما يصدقه (مِنْ) للتبعيض (كِتَابِ الله) وهو (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ... )) وفيها سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
١٧٩٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ
مَالاً قَظُ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي («تَارِيخِه)) وَالْحُمَيْدِيُّ وَزَادَ قَالَ: يَكُونُ
قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةُ فَلَا تُخْرِجُهَا، فَيُهْلِكُ الْحَرَامُ الْخَلَالَ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى
تَعَلُقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ هَكَذَا فِي ((الْمُنْتَقَى) وَرَوَى الْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
حَنْبَل بإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ: أَحْمَدُ فِي (خَالَطَتِ): تَفْسِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَهُوَ
مُوسِرَّ أَوْ غَنِيُّ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ](٤).
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالاً قَظُ)
بأن لم تخرج منه (إِلَّا أَهْلَكَتْهُ) أي: محقته واستأصلته عقابًا لمانعها نقيض قصده، فإنه
إنما منعها ليكثر ماله فعومل بإهلاكه عليه من أصله؛ لأن الزكاة كانت حصنًا حصينًا،
ويحتمل أن المراد بإهلاكها له أن الحرام لما اختلط به على جهة الشيوع صار الكل ممنوعًا
(١) أخرجه ابن ماجه (١٧٨٤)، والترمذي (٣٠١٢) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢٤٨٠).
(٢) أخرجه الشافعي (٩٩/١) وابن عدي (٢٠٨/٦) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٣٦٧) والحميدي
(٢٥٢).

٢١٥
كتاب الزكاة
منه، فتعطل الانتفاع به (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي (تَارِيخِه)) وَالْحُمَيْدِيُّ وَزَادَ) في
روايته على ما مر.
(قَالَ) في تفسير المراد بمخالطة الزكاة المهلكة (يَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةُ
فَلَا تُخْرِجُهَا، فَيُهْلِكُ الْحَرَامُ الْخَلَالَ) فيه التأويلان السابقان خلافًا لمن خص هذا
بالثاني، وجعله مبينًا لكونه المراد من الأول (وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلُقَ الَّكَاةِ بِالْعَيْنِ
هَكَذَا فِي ((الْمُنْتَقَى))).
وممن قال بتعلقها بالعين الشافعي # على الأظهر عند أصحابه، وبنوا على ذلك
أن تعلق الزكاة بالمال تعلق شركة؛ بمعنى أن المستحقين ملكوا قدر الزكاة كربع عشر
الأربعين من الغنم شائعًا حتى لو باعها المالك بعد تعلق الزكاة بها بطل البيع في ربع
عشرها مشاعًا، أو في شاة متهمة منها على خلاف عندهم في ذلك، وإن لم يبع صاروا
شركاء فيها وفي نمائها ولبنها وصوفها، وغير ذلك مادامت العين موجودة فالمخالطة على
هذا حقيقته لما علمت من تميز قدر الزكاة على بقية النصاب بهذه الأحكام.
ويستدل لذلك أيضًا بالخبر السابق ولا يتركه حتى تأكله الصدقة، فإنه لا يتصور
أكلها له إلا إن كانت تتعلق بعين المال، ففي كل سنة يملك المستحقون جزءًا من المال،
وهكذا إلى ألا يبقى منه إلا دون نصاب لانتفائها حينئذ، أما من يرى تعلقها بالذمة
فلا يتصور عنده مخالطتها للمال ولا إهلاك الحرام للحلال ولا أكل الصدقة للمال.
وقد علمت أن الحديثين نصان في خلاف قوله: ولا ينفعه الجواب عن هذا
الحديث بحمله على تفسير أحمد الآتي لما يأتي من اتضاح رده وتعين تفسير رواية
الحميدي المذكورة (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) هذا الحديث (عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
حَتْبَل بإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: أَحْمَدُ فِي) معنى ((خَالَطَتِ)) تَفْسِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ
الزَّكَاةَ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ) شك أو تنويعه بناء على أن الغنا أخص من اليسار.
(غَنِيُّ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ) أي: مستحقيها الثمانية وغلب الفقراء؛ لأنهم أكثر
من البقية أو لكون الفقر شرطًا في غالب الأصناف الباقية، ويمكن أن يوجه ما قاله:

٢١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
بأن من أخذ زكاة وهو لا يستحقها لا يملكها، فإذا خلطها بماله أهلكته بالتفسيرين
السابقين، ولك أن تقول قبض الغني مثلاً شيئًا من الزكاة لا تسمى زكاة شرعية؛ لأنه
يلزم من فساد القبض فساد الإخراج، وأن الزكاة إلى الآن شائعة في المال ومتعلقة به لم
تفارقه، وحينئذ فما اختلط بمال الغني إلا مال الغير لا الزكاة فلا يتناولها الحديث إلا
بطريق التجوز بتسمية ما أخرج عن صورتها باسمها، والأصل الحقيقة والقاعدة بغير
صرف اللفظ لها حتى تقوم قرينة تصرفه عنها إلى مجازه، فتعين أن التفسير الأول الذي
ذكره الحميدي هو الراجح الموافق للقواعد فلا مساغ العدول عنه.

(باب ما يجب فيه الزكاة)
(الفصل الأول)
١٧٩٤ [عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ
أَوْسُقِ مِن التَّمْرِ صَدَقَةُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِن الْوَرِقِ صَدَقَةُ، وَلَيْسَ فِيمَا
دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِن الْإِبِلِ صَدَقَةٌ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: لَيْسَ) حكمة الاقتصار على
النفي إثبات ما يمكن حصره على ما لا يمكن نظير سؤاله عما يحل لبسه للمحرم،
فقال: لا يلبس كذا، قالوا: عدل عن مقتضى السؤال محصور بخلاف ما يلبسه
المسؤول عنه، فكذا ما يجب فيه بأثر ذكره (فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أُوْسُقٍ) جمع وسق بفتح
أوله، أفصح وأشهر من كسره، وأصل الوسق من وسقته حملته، ثم استعمل في كيل قدره
ستون صاعًا كما في حديث صححه ابن حبان، وحسنه المنذري لكن ضعفه النووي.
والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي، ورطل بغداد مائة وثمانية
وعشرون درهمًا، وأربعة أسباع درهم وحرر الصاع بالكيل المصري، قدحان إلا سُبعي
مُدِّ، فجملة النصاب بالكيل المصري ستة أرادب إلا سدس إردب.
وقول بعض أئمتنا: ستة أرادب وربع إردب مردود، ويؤخذ من تعبيره بالأوسق
أن الأصل والمعتبر هو الكيل، وإنما قدروه بالوزن استظهارًا (مِن التَّمْرِ) ذكر؛ لأنه
الأغلب عندهم، ومثله في ذلك كما أفادته روايات تأتي الزبيب، وسائر الحبوب التي
يقتات في حالة الاختيار لا الاضطرار.
(صَدَقَّةٌ) فيه أوضح الحجة لمذهبنا أنه لا زكاة فيما ذكر إذا كان دون خمسة،
(١) أخرجه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (٩٧٩)، ومالك (٥٧٧)، والشافعي (٩٤/١)، والطيالسي
(٢١٩٧)، وأحمد (١١٢٧١)، وأبو داود (١٥٥٨)، والترمذي (٦٢٦)، والنسائي (٢٤٧٦)، وابن ماجه
(١٧٩٩)، وابن خزيمة (٢٢٩٤)، وابن حبان (٣٢٦٨)، والدار قطني (٩٣/٢).
٢١٧

٢١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أوسق إلا في الخلطة لدليل يخصها، وقال أبو حنيفة: يجب فيما قل من ذلك أو كثر،
واستدل أصحابه لذلك بما لا يقاوم هذا الحديث بل ولا يقاربه (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ
خَمْسِ أَوَاقٍ) هو كأوَّاق بالتشديد، جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وهمزتها زائدة.
ومن ثم جاء في حديث وفيه لكنه نادر من وقيت؛ لأن ما يوزن بها يوقي؛ أي
نصاب أو يقي من البؤس والضر، وهي في ذلك الزمن أربعون درهمًا، والآن يختلف
باختلاف البلاد (مِن الْوَرِقِ) أي: الفضة، ومر أن الاقتصار عليها؛ لأنها الأغلب.
وأما نصاب الذهب مثقالاً ولا زكاة فيما دونها (صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ
ذَوْدٍ) هو ما بين الاثنين والتسع، وقيل ما بين الثلاث والعشر، اسم جمع لا واحد له من
لفظه، ففيه معنى الجمعیة.
ومن ثم أضيف له الخمس مؤنث اللفظ عام المعنى، ليشمل الذكور والإناث،
وروى خمس منونا فذود بدل (مِن الإبل) صفة كاشفة؛ إذ لا يقال الذود إلا في الإبل
بخلاف من التمر، ومن الورق فإنهما مميزان، واقتصر على الإبل؛ لأنها أكثر أموال
العرب (صَدَقَةٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه التصريح بأن نصاب المقتات والتمر والزبيب خمسة
أوسق، وبأن نصاب الفضة مائتا درهم خالصة، وبأن أقل نصاب الإبل خمس، فلا زكاة
في أقل من ذلك.
١٧٩٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ
فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةُ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرٍ مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ] (١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) يؤخذ منه أن
شرط وجوب زكاة المال بأنواعه الإسلام، ويوافقه قول الصديق # في كتابه الآتي على
المسلمين (صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ) اللذين لم يعدا للتجارة، وبه قال الشافعي ومالك
وغيرهما، وأوجبها أبو حنيفة في إنائي الخيل دينارًا في كل فرس أو يقومها، ويخرج من
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٤)، ومسلم (٢٣٢٠)، وأحمد (٧٦٠١)، والنسائي (٢٤٧٩).

٢١٩
كتاب الزكاة/ باب ما يجب فيه الزكاة
كل مائتي درهم خمسة دراهم (وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ فِي عَبْدِهِ) أي: الذي لغير التجارة كما
تقرر (صَدَقَّةُ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ) كما يأتي في بابها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٧٩٦ - [وَعَنْ أَنَسِ عَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﴿ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى
الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَ عَلَى
الْمُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِن الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا،
وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فَ أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِن الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِن الْغَنَمِ مِنْ كُلٌّ
خَمْسِ شَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْثُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا
بَلَغَتْ سِتَّا وَثَلَائِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَأَرْبَعِينَ
إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسِ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةً، فَإِذَا
بَلَغَتْ سِتَّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُوٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى
عِشْرِينَ، وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِاتَّةٍ فَفِي كُلِّ
أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعُ مِن الْإِبِلِ، فَلَيْسَ
فِيهَا صَدَقَةُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةً، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِن الْإِبِلِ
صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا
شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْخَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ
شَاتَيْنٍ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ،
وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ
عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنٍ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ
تَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ
بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ تَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُوٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ
الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ
ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءً، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنّمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ

٢٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانٍ،
فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَائِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِي كُلّ
مِائَةٍ شَاةً، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةُ إِلَّا
أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسُ إِلَّ مَا شَاءَ
الْمُصَدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ
خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا
تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ أَنَسٍ ﴾ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بَ﴾، كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ) يصح أن يكون مصدرًا
أو اسم مفعول الآتي ذكره على الأثر (لَمَّا وَجَّهَهُ) عاملاً على الزكاة (إِلَى الْبَحْرَیْنِ) بلاد
مشهورة سميت بذلك؛ لأنها بين بحرين (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بدل كل
من الكتاب؛ بمعنى: اسم المفعول، وهو واضح؛ لأن المراد كتب له هذه النفوس التي
هي بسم الله إلخ وبمعنى المصدر، لكن الظاهر أنه حينئذ بدل اشتمال (هَذِهِ)
المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش الآتية (فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ) أي: مفروض، وهو (الَّتي
فَرَضَ) ها (رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) أي: أوجبها وبينها وفصلها (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) فلا تجب
زكاة المال على كافر صلى، ولا يلزمه إخراجها حالاً ولا بعد الإسلام كالصلاة
والصوم.
وقد يؤخذ من فحوى كلام الصديق # أن الإسلام إنما هو شرط لوجوب
الإخراج، أما بالنسبة للخطاب فالأصح عندنا أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة
بالنسبة للعقاب عليها في الآخرة كما أفهمه قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا
يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].
وقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤] وسيأتي في مبحث صدقة الفطر أن الكافر قد يخاطب بها
(١) أخرجه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٩).