Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) ث
صحابيان جليلان أنصاريان (قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ) بلدة قريبة من الكوفة بينهما
خمسة عشر ميلاً (فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامًا لها فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ؛ أَيْ:
مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) الذين هم أهل السفالة والرذالة، والذل الدائم المكنى عن ذلك كله بذکر
الأرض.
(فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللّهُ وَِّ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٌّ)
يحتمل أنه للجنس فلا ينافي ما مر أنها يهودية أو أنهما واقعتان (فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا،
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومر ما فيه، وحكمته وأن المشهور أن ذلك منسوخ ولا ينافي التعليل
بهذا التعليل فيما مر: ((إن الموت فزع)) لأن المآل واحد فيهما كما يعلم مما قدمته في
معنى التعليل بأن الموت فزع.
١٦٨١ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ إِذَا اتَّبَعَ جَنَازَةً لَمْ
يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ مِنَ الْتُهُودِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا هَكَذَا نَصْنَعُ يَا مُحَمَّدُ،
قال: فَجَلَسَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴿ وَقَالَ: خَالِفُوهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌّ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعِ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ] (١).
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اتَّبَعَ جَنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ
حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ مِنَ الْتَهُودِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا هَكَذَا نَصْنَعُ يَا مُحَمَّدُ، قال:
فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَقَالَ: خَالِفُوهُمْ، رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعِ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) ومرَّ أن هذا القيام
إلى وضعها في اللحد منسوخ أيضًا، نعم في هذا الحديث بيان سبب النسخ من موافقة
أهل الكتاب لنا فيه، فلو بقي لتوهم التشبه بهم فيه وقد نهينا عن التشبه بهم وأمرنا
بقطع عباداتهم وموالتهم.
(١) أخرجه الترمذي (١٠٣٦)، وأبو داود (٣١٧٨)، وابن ماجه (١٦١٢)، والبيهقي (٧١٣٩).
١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
١٦٨٢ - [وَعَنْ عَلِىّ ﴾: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ
بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْخُلُوسِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ](١).
(وَعَنْ عَلىّ عُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ
وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) وهو صريحٌ في النسخ لا يقبل تأويلاً كما مر الرد به على
من نازع في النسخ بإمكان الجمع بين الحدیثین فراجعه.
١٦٨٣ - [وَعَنْ مُحَمَّد بن سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلَيِّ وَابْنِ
عَبَّاسِ ﴿ فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ الله
﴿ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ](٢).
(وَعَنْ مُحَمَّد بن سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنٍ عَبَّاسٍ ﴾
فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لِجَنَازَةِ
يَهُودِيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ) قام ابن عباس (ثُمَّ) بعد ذلك (جَلَسَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وإنما قام
الحسن ﴾ لأنه لم يبلغه النسخ، ولذا أنكر على ابن عباس تركه للقيام، لكنه لما ذكر
له ابن عباس ما يدل على النسخ ترك الإنكار كما هو شأن الكمل، أنه لا قصد لهم إلا
محض ظهور الحق؛ لأن الله برأهم عن حظوظ النفس وغوائلها، وأقر ابن عباس على
ترك القيام، وبهذا؛ أعني: الإنكار على ترك الندب يعلم صحة قول أئمتنا في تارك
المندوب وفاعل المكروه: ينبغي أن يرشدا إلى تجنب ذلك برفق، وتعلم ما كان عليه
الصحابة - رضوان الله عليهم - من عدم محاباة بعضهم لبعض، وأنهم لا يخافون
في الله لومة لائم.
١٦٨٤ - [وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ كَانَ جَالِسًّا فَمُرَّ
عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجِنَازَةٍ يَهُودِيٌّ،
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًّا، وَكَرِهِ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةٌ يَهُودِيٌّ فَقَامَ. رَوَاهُ
(١) أخرجه أحمد (٦٢٣)، وأبو يعلى (٣٠٨)، وابن حبان (٣٠٥٦)، والبيهقي (٦٦٧٥).
(٢) أخرجه النسائي (١٩٣٥).
١٠٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
النَّسَائِيّ] (١).
١٦٨٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ◌َّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بِكَ جَنَازَةُ يَهُودِيٌّ
أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مُسْلِمٍ، فَقُومُوا لَهَا فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ
الْمَلَائِكَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ] (٢).
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بِكَ) أيها الصالح
للخطاب، ولذا جمع الضمير الآتي (جَنَازَةُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا
لَهَا فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ) قد يقال: هذا مشكل؛ لأنه أثبت القيام لها ثم نفاه
عنها، وقد يجاب بأنه أثبته لها باعتبار الصورة الظاهرة، ونفاه عنها باعتبار باطن
الأمر وحقيقته، فلا تنافي وإمكان البليغ على رعاية الاعتبارات والحيثيات سائغ
شائع.
(إِنَّمَا تَقُومُونَ) إجلالاً وإكرامًا (لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ) سواء ملائكة
الرحمة في المسلم والعذاب في غيره؛ لأن الكل خواص الله القائمون بطاعته (رَوَاهُ
(١) أخرجه النسائي (١٩٣٨)، قال الملا القاري: (وعن جعفر بن محمد) أي: الباقر (عن أبيه) أي:
علي بن الحسين (أن الحسن بن علي كان جالسًا فمر عليه بجنازة فقام الناس) أي: بعضهم الذين
لم يبلغهم النسخ، أو كانوا قائلين بالاستحباب أو الجواز (حتى جاوزت) أي: تعدت (الجنازة)
من مقابلتهم (فقال الحسن إنما مر بجنازة يهودي، وكان رسول الله وَ له على طريقها جالسًا وكرِهِ
أن تعلو رأسه جنازة يهودي) إيماء إلى أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه (فقام) أي: عن الطريق
لهذا، فهذا إنكار منه على قيام الناس للجنازة، عكس ما سبق منه من الإنكار على ابن
عباس على عدم القيام، ولعل هذا متأخر، فيكون بعد تفحصه المسألة وتقررها عنده أن قيامه
إنما كان لهذه العلة؛ لأنه اختلفت علل القيام، فجعلت تارة للفزع، وأخرى كرامة للملائكة،
وأخرى كراهية رفعة جنازة اليهودي على رأسه، والأخرى لم تعتبر شيئًا من ذلك؛ لاختلاف
المقامات، ويمكن جمع العلل بمعلول واحد؛ إذ العمل بالنيات، أو كان إنكاره على ابن
عباس؛ لأنه كان على الطريق، وإنكاره على الناس؛ لأنهم لم يكونوا على الطريق، والله أعلم
(رواه النسائي).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٥٠٩)، والطيالسي (٢٨).
١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أَحْمَدُ) ولا ينافيه ما مرَّ من تعليل القيام بأنه لكون الميت فزعًا ويغير ذلك(١) لأنه لا
مانع من أن يكون للمشي علل متعددة؛ فیذکر في كل مقام منها ما يليق به.
١٦٨٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَةُ
يَهُودِيٌّ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ](٤).
١٦٨٧ - [وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِ يَقُولُ: مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ، وَكَانَ مَالِكُ إِذَا
اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ إِلَّا أَوْجَبَ، وَكَانَ مَالِكُ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ
صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وفي رواية التِّرْمِذِيّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا
صَلَى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسِ عَلَيْهَا جَزََّهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ أَوْجَبَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه نَحْوَهُ] (٣).
(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِم
يَمُوتُ فَيُصَلِّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فلا يحصل له حال من الأحوال (إِلَّا
أَوْجَبَ) ذلك الفعل على الله أن يغفر له؛ أي: غفر له كما في رواية (وَكَانَ مَالِكٌ) راويه
(إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ) فلا يحصل له حالة من الأحوال (إِلَّا) حالة واحدة هي أن
ذلك الفعل (أَوْجَبَ) له على الله تعالى بطريق الفعل لا التحتم أن يغفر له، ومن ثم جاء
بدله في رواية: ((إلا غفر الله له))(٤) والتعبير بالإيجاب نظرًا لكون وعد الله لا يخلف
صحيح زيادة في التطميع في حسن الرجاء، فلا ينافي أنه يجب على كل أحد أن يعتقد أنه
لا يجب على الله شيء ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنِ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧].
(١) هكذا في الأصل.
(٢) أخرجه النسائي (١٩٤١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٢٨)، وأبو داود (٣١٦٨)، وابن ماجه (١٥٥٧).
(٤) أخرجه البيهقي (٦٦٩٦).
١٠٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
(وَكَانَ مَالِكُّ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَّهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد، وفي رواية التِّرْمِذِيّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاس
عَلَيْهَا) أي: وقفوا ينتظرون الصلاة عليها، وهو بمعنى استقلوا في الرواية السابقة
(جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ أُوْجَبَ،
وَرَوَى ابْنُ مَاجَه ◌َّحْوَهُ).
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن جعل صفوف المصلين على الجنازة ثلاثة، قال بعض
المتأخرين: وهؤلاء الصفوف الثلاثة مستوية في الفضل محافظة على مقصود الشارع،
وإلا لترك الناس ما عدا الأول، ووقفوا في الأول حيازة لفضيلته وهو ظاهر بالنسبة
للابتداء، أمَّا لو صفوا ثلاثة صفوف ثم جاء واحد، فالأفضل في حقه أن يقف في
الأول.
فإن قلت: قضية هذا أنه يكتفى بابتداء الصفوف عن الأربعين، فيحصل بهم
ما يحصل بالأربعين.
قلت: يمكن ذلك بأن يكون تعالى تفضل بحصول المغفرة والشفاعة بمائة، ثم
زاد تعالى في التفضل بحصول ذلك بأربعين، ثم زاد في التفضل بحصوله بستة أنفس بأن
يقف واحد مع الإمام وأربعة صفين آخرين، ويحتمل أن الأربعين شرط لكمال
التشفيع لهم فيه، والثلاثة الصفوف شرط لأصل المغفرة، ويؤيد هذا ما مر عن جماعة
من أئمتنا تبعًا لابن عباس أنه يسن التأخير لبلوغ الأربعين فتأمله.
١٦٨٨. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: اللهُمَّ أَنْتَ
رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتِهَا إِلى الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتِ رُوحَهَا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا
وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَاغْفِرْ لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنِ السَّبِيِّ ◌َهُ) أنه قال وهو (فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا) الذي
(١) أخرجه أحمد (٨٥٢٦) وأبو داود (٣٢٠٠) والبيهقي (٦٧٦٧) والنسائي في الكبرى (١٠٩١٧).
١٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
ربيتها بجلائل النعم ودقائقها من حين أنشأتها إلى حين توفيتها فأدم عليها تربية
ألطافك وسعة جودك وإسعافك (وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا) من العدم لتجود عليها بنعمك التي
ربيتها بها (وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا إلى الْإِسْلَامِ) وذلك أجل النعم على الإطلاق، فكما تفضلت
عليها بهذه النعمة التي لا توازيها نعمة تفضل بغاياتها وتوابعها من دوام الرضا عنها
والإتحاف لها (وَأَنْتَ قَبَضْتِ رُوحَهَا) لتخرجها من دار الضيق والنكد إلى دار النعيم
المنعم السالم عن كل كدر وتعب.
(وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا) فوصفنا لها بالهداية، إنما هو باعتبار الظاهر،
وأمَّا البواطن فلا يعلم بحقائقها غيرك (جِثْنَا) بوقوفنا بين يديك في الصلاة عليه
(شُفَعَاءَ لَهُ) في أن تنيله من فضلك ما هو اللائق بسابق فضلك عليه بتلك النعم
الجليلة (فَاغْفِرْ لَهُ) مغفرة عامة، لا تبقي له دينًا ولا تترك له تقصيرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
ويؤخذ منه ندب ذلك في الصلاة على الجنازة كسابقه.
١٦٨٩ - { وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٌّ لَمْ
يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . رَوَاهُ مَالِكٌ](١).
(وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٌّ لَمْ يَعْمَلْ
خَطِيئَةً قٌَ) صفة كاشفة؛ إذ لا يتصور في غير بالغ عمل ذنب (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُمَّ
أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، رَوَاهُ مَالِكَ) والظاهر أن مثل هذا وهو تجويز عذاب القبر على
غير المكلف حتى يسأل له الإعاذة منه لا يقال من قبل الرأي، فيكون في حكم
المرفوع إلى النبي ◌َله وحينئذ يستفاد منه ما قدمناه، أنه لا بد من الدعاء للميت حتى
الطفل بخصوصه، فإن الطفل يبتلى بعذاب القبر كما يبتلى في الدنيا بالمؤلمات تكثيرًا
لدرجاته التي لم يبلغها عمله.
١٦٩٠ - [وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تعليقًا قَالَ: فَقَرَأَ الْحَسَنُ عَلَى الطَّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ،
(١) أخرجه مالك (٥٤٠).
١٠٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
وَيَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًّا وَفَرَطًا وذُخرًا وَأَجْرًا] (١).
(وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تعليقًا) وهو ما حذف من أول إسناده واحد أو أكثر، وقد
يستعمل فيما حذف كل إسناده كما هنا (قَالَ) نقلاً عن الحسن البصري (فَقَرَأَ الْحَسَنُ
عَلَى الطَّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وذُخرًا وَأَجْرًا) واستحب
أصحابنا ذلك مع زيادة، فقالوا أخذًا من الحديث السابق: ((والسقط يصلى عليه،
ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة)) يسن أن يقال في الثالثة من الصلاة على الطفل
المسلمين أبواه: اللَّهُمَّ اجعله فرطًا لأبويه؛ أي: سابقًا إلى الجنة، مهيئًا لمصالحها شافعًا
لهما، وسلفًا وذخرًا بالذال والخاء المعجمتين؛ أي: شيئًا نفيسًا، ينفعهما أحوج ما يكون
لذلك، وعظة؛ أي: موعظة واعتبارًا وشفيعًا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على
قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره؛ أي: أجر مصيبته بعده.
١٦٩١ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: الطَّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ
وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، إِلَّا أنه لم يذكر: وَلَا يُورَثُ](٢).
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: الطّفْلُ لَا يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَّا يَرِثُ وَلَا يُورَتُ
حَتَّى يَسْتَهِلَّ) أي: يرفع صوته عند ولادته، وهذا مثال والمدار على ما تعلم به حياته
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلَّا أنه لم يذكر: وَلَا يُورَثُ) وصححه ابن حبان والحاكم،
وقال: إنه على شرط الشيخين ولفظه: ((إذا استهل السقط صلى عليه وورث)) لكن
اعترض تصحيحهما له النووي في ((شرح المهذب)) وبيَّن أنه ضعيف ومرَّ ما في ذلك.
١٦٩٢ - [وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَ أَنْ يَقُومَ
الإِمَامُ فَوْقَ شيءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ؛ يَعْنِي: أَسْفَلَ مِنْهُ. رَوَاهُ الدَّارَقَطْنِيّ فِي (المُجْتَبَى)) فِي
كِتَابِ («الجَنّائِزِ)](٣).
(١) أخرجه البخاري (٦٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٠٨)، والتّرْمِذِيّ (١٠٣٢)، والنَّسائي في ((الكبرى)) (٦٣٢٤).
(٣) أخرجه الدارقطني (١٩٠٤)، والبيهقي (٥٤٣٩)، والحاكم (٧٦١).
١٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: نَفَى رَسُولُ اللهِ بَ﴿ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ فَوْقَ
شيءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ؛ يَعْنِيٍ: أَسْفَلَ مِنْهُ، رَوَاهُ الدَّارَقِظِْيّ فِي (المُجْتَبَى)) فِي كِتَابٍ
(الجَنَائِزِ))) وكأن المصنف قصد بسياقه هنا بيان أن كراهة ارتفاع الإمام على المأموم
المقاس عليه عكسه يجري في الصلاة على الجنازة، وهو ظاهر معلوم من كلام الأئمة.
(باب دفن الميت)
(الفصل الأول)
١٦٩٣ [عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ
الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا لِي ◌َخْدًا وَانْصِبُوا عَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله
رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي
هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا) بوصل الهمزة وفتح الحاء، وبقطع الهمزة وكسر الحاء، يقال: لحد
يلحد كذهب يذهب، وألحد يلحد إذا حفر اللحد، والأصل اللحاد الميل، واللحد أميل
عن وسط القبر إلى جانبه.
(لي لَخْدًا) بفتح اللام وضمها يقال: لحدته وألحدت له (وَانْصِبُوا عَلَّ اللَّبِنَ نَصْبًا
كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ وَهِ رَوَاهُ مُسْلِمُ) ومنه أخذ أئمتنا: إن الأرض الصلبة كأرض
المدينة الأفضل فيها اللحد بخلاف الرخوة، فإن الأفضل فيها الشق بفتح الشين، وفي
جواره لا يبقى التراب فيها إلا ببناء الجانبين يتعين بناؤهما، وأنه إذا فرغ من وضعه في
اللحد على المطلوبة للهيئة ندب نصب اللبن مع نحو طين على فتح اللحد أو الشق؛ لأنه
أبلغ في صيانة الميت عن النبش، قال النووي في (شرح مسلم)): ولبنات قبره وليخر
الموضوعة فيه تسع، ويسن سد فرج ما بين اللبنات بطين أو نحوه، ويكره وضع شيء في
القبر مما مسته النار.
١٦٩٤ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ الله ◌ِّ
قَطِيفَةُ حَمْرَاءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
(١) أخرجه مسلم (٢٢٨٤)، وأحمد (١٤٦٦)، والنسائي (٢٠١٩)، وابن ماجه (١٦٢٣)، والبيهقي
(٦٨٥٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٨٥)، وأحمد (٢٠٥٢)، والترمذي (١٠٦٦).
- ١٠٩
١١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللّه ◌ِيه
قَطِيفَةٌ) هي كساء له حمل (حَمْرَاءُ، رَوَاهُ مُسْلِمْ) وملقيها في القبر شقران مولى
رسول الله ولي﴿ وقال: كرهت أن يلبسها أحد بعده ◌َليل فلم يكن ذلك يرضي جملة
الصحابة ولا علمهم على أنها أخرجت قبل إهالة التراب على ما مرَّ في ((الاستيعاب))
لابن عبد البر، وقال بعضهم: تنازعها علي والعباس فقصد شقران بوضعها دفع ذلك،
وحينئذ فلا يعارض ذلك قول الشافعي وغيره من العلماء لكراهة فرش شيء تحت
الميت، أو وضع مخدة تحت رأسه على أن الدارقطني نقل عن وكيع أن ذلك من
خصائصه الر لأن جسده الكريم معافًا من البلاء، فحق له أن يفرش تحته بخلاف
غيره.
[وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ رَسُولِ اللهِ وَ مُسَنَّمًا. رَوَاهُ
١٦٩٥
الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ سُفْيَانَ الشَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ رَسُولِ اللهِ وَلِ مُسَنَّمًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٦٩٦ - [وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِىّ: أَلَا أَبْعَتُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي
عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وََّ أَلَّا تَدَعَ تَمْثَالاً إِلَّ طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ] (٤).
(وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلىٍ: أَلَا أَبْعَتُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ وَ﴾﴾ أي: ألا أجعلك أميرًا على ذلك وهو (أَلَّا تَدَعَ) تترك (تمْثَالاً) أي:
صورة محرمة (إِلَّا طَمَسْتَهُ) أي: محوته وأذهبته، ويؤخذ منه أن من قدر على إزالة صورة
محرمة لزمه إزالتها مبادرة لإزالة المنكر ما أمكن.
(وَلَّا قَبْرًا مُشْرِفًا) أي: عاليًا أو غيره (إِلَّا سَوَّيْتَهُ، رَوَاهُ مُسْلِمْ) ولا ينافي الأول
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، والبيهقي (٧٠٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٨٧)، وأحمد (٧٥٢)، وأبو داود (٣٢٢٠)، والترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (٢٠٤٣)،
وأبو يعلى (٤٥٥/١)، والحاكم (١٣٦٦)، والبيهقي (٧٠٠٥).
١١١
تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت
قول أئمتنا: تسطيحه أفضل من تسنيمه؛ لأن قول سفيان المذكور، إنما كان بعد سقوط
جدار القبر المكرم في زمن الوليد، وقيل: زمن عمر بن عبد العزيز * فإنهم لما
أصلحوه جعلوه مسنمًا بدليل ما يأتي عن القاسم أنه رأى قبر النبي ◌َّه وقبري
صاحبيه لا مشرفة ولا لاطئة؛ أي: لا مرتفعة كثيرًا ولا لاصقة بالأرض كما بينه آخر
الخبر، وكون التسطيح صار شعارًا للروافض لا يمنع أفضليته؛ لأن السنة لا تترك
بموافقة أهل البدع فيها، ومراد علي ((بتسوية المشرف)) في الخبر الثاني تسطيحه لا
تسويته بالأرض جمعًا بين الأخبار؛ إذ السنة أن يعلم القبر، وأن يرفع شبرًا كقبره وَل
کما رواه ابن حبان في «صحيحه».
١٦٩٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌ِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ،
وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) أي: يبيض بالجص؛ أي:
الجبس، ويقال: النورة البيضاء (وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) ولو ختمة على ما زعمه بعضهم، ویرده
أن البناء إذا عدي بـ(على)) لم ينصرف عن ضرب الخيمة ونحوها، وإنما ينصرف للبناء
الحقيقي، نعم يصح حمله على حقيقته، ومجازه لتفيد النهي عن ضرب الخيمة ونحوها
أيضًا، ومن ثم رأى عبد الله بن عمر فسطاطًا على قبر أخيه عبد الرحمن فقال: انزعه يا
غلام، فإنما يظلله عمله (وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يكره اتفاقًا تجصيص القبر؛ أي: بالجبس أو النورة وبناؤه
إلا لعذر كأن يخشى نبشه أو نحو ضبع أو سيل، والبناء عليه بحجر أو نحوه إلا في
المسيل، وهي ما اعتاد أهل البلد الدفن فيها، فإنه حرام يجب هدمه، ومن ذلك ما
بقرافتي مصر، فيجب هدم جميع ما فيها من الأبنية الكثيرة، وكذا بقية المقابر حتى
بمكة والمدينة، وسبب ذلك ولاة السوء وقضاة الجور، ولقد أفتى بما ذكر في القرافتين
جمع محققون من أئمتنا قال بعضهم: وجهدت مع الملك الصالح في هدم ما فيهما فقال:
(١) أخرجه مسلم (٢٢٨٩)، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، وابن أبي شيبة (١١٧٦٤).
١١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أمر فعله والدي لا أزيله.
وقول بعضهم: إن أحدًا لم ينكر البناء فيهما، وإن عمرو بن العاص استبد
بإرصادهما من غير مشاورة عمر، ردوه بأن الذي في تاريخ مصر أن المسيل لها هو عمر
لما انتهى إليه عمرو - رضي الله عنهما - أن المقوقس بذل فيها مالاً جزيلاً لكونهم
وجدوا في الكتاب الأول أنها تربة الجنة أو غراسها، وأنه يكره القعود على القبر
وسيأتي.
[وَعَنْ أَبِي مَرْتَدِ الْغَنَوِيِّ :﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَيُ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى
١٦٩٨
الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ أَبِي مَرْتَدِ الْغَنَوِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا
تُصَلُّوا) مستقبلين (إِلَيْهَا) أو عندها (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) والنهي عن الصلاة إليه للتنزيه إلا
أن يكون يقصد بالصلاة إليه أو عنده التبرك أو الإعظام له، فإن قصد ذلك حرم
عليه تحريمًا غليظًا.
١٦٩٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: لَّأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى
جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ
فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) لمسلم ولو يجوز أن
يجلس؛ وذلك لسريان مضرته إلى القلب وهو لا يشعر، وضرر القلب أعظم من ضرر
البدن بكثير.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وظاهر حرمة القعود عليه مثله الاتكاء عليه والاستناد إليه
(١) أخرجه مسلم (٩٧٢) وأحمد (١٧٢٥٥)، وأبو داود (٣٢٢٩) والترمذي (١٠٥٠) وابن خزيمة (٧٩٣)
وعبد بن حميد (٤٧٣) وأبو عوانة (١١٧٩) وأبو يعلى (١٥١٤) وابن حبان (٢٣٢٤) والحاكم
(٤٩٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧١) وأحمد (٨٠٩٣) وأبو داود (٣٢٢٨) والنسائي (٢٠٤٤) وابن ماجه (١٥٦٦).
١١٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت
ودوسه، وجرى على ذلك في ((شرح مسلم)) عن الأصحاب، لكن الذي عليه الشافعي
والجمهور كراهة ذلك تنزيهًا، وغلط ما في ((شرح مسلم)) وإن انتصر له بعضهم بأنه
الأصح المختار للخبر، وليس كما قال؛ لأن أبا هريرة راوي الحديث وتفسير راويه
مقدم على تفسير غيره كما مر، فسر القعود في الحديث بالقعود للبول، والغائط على أن
ابن وهب رواه في ((مسنده)) عن النبي رقم18 بلفظ: ((من جلس على قبر يبول عليه أو
يتغوط)).
وهذا حرامٌ إجماعًا فليس الكلام فيه، ولا يكره دوسه لحاجة كحفر أو قراءة
عليه أو زيارة ولو لأجنبي لا يصل إليه إلا بوطئه للاتباع، صححه ابن حبان؛ ولأنه
مع الحاجة ليس فيه انتهاك حرمة الميت بخلافه مع عدم الحاجة، هذا كله قبل البلاء
أُمَّا بعده فلا حرمة ولا كراهة مطلقًا لعدم احترامه حينئذ.
(الفصل الثاني)
١٧٠٠ - [عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبير - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ
أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلاً عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ،
فَلَحَدَ لِرَسُولِ الله ◌َِ رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)](١).
(عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبِيرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانٍ أَحَدُهُمَا
يَلْحَدُ) وهو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري (وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ) وإنما يحفر
الشق وهو أبو عبيدة بن الجراح (فَقَالُوا) أي: الصحابة لما مات ◌َله وأريد حفر قبره
المكرم (أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلاً) أي: قبل أن يجيء صاحبه (عَمِلَ عَمَلَهُ) أي: عمل الذي
يحسنه من اللحد أو الشق، أفهم هذا أنه لا كراهة في الشق وإلا لم يوطنوا نفوسهم
بفعله بفرض سبق محسنه (فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ) أولاً (فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللّه وََّ)
فاختار الله له اللحد وهو لا يختار له إلا الأفضل، وكان اللحد أفضل (رَوَاهُ فِي (شَرْح
السُّنَّةِ)).
(١) أخرجه مالك (٧٩١)، والبغوي (٣٧١/١).
١١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
١٧٠١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: اللَّحْدُ
لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: اللَّحْدُ) هو
الأفضل (لَنَا وَالشَّقُّ) هو الذي كان يؤثر (لِغَيْرِنَا) فلا دليل فيه على أن الشق منهي عنه
لما تقرر في الذي قبله (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
١٧٠٢ - [وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله](٢).
(وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله) قال النووي: وهو ضعيف، واعترض بأن
ابن السكن رواه في ((صحاحه)".
١٧٠٣ - [وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: احْفِرُوا
وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الإِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أكثرهم
قُرْآنًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه إِلَى قَوْلِهِ:
وَأَحْسِنُوا](٣).
(وَعَنْ هِشَامٍ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَ﴿ قَالَ يَوْمَ أَحُدٍ) عند إرادة دفن الشهداء
(احْفِرُوا) يؤخذ منه ما صرح به أئمتنا: إنه لا بد في القبر من الحفر فلا يكفي حيث
أمكن الحفر وضع الميت على وجه الأرض وعليه نحو أحجار، وإن منعت الرائحة
والسبع، ولا الدفن في الفساقي كما قاله جمع من أئمتنا وبينوا أن فيه مفاسد فليتجنب
ما أمكن.
(وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا) بالمهملة، وقيل: بالمعجمة من التعميق، وهو الزيادة في
النزول، الأمران للندب، ومن ثم قال أئمتنا: الأكمل أن يوسع القبر طولاً وعرضًا،
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (١٥٥٤)، والنسائي
(٢٠٠٩)، والبيهقي (٦٥٠٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٧٦).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٦٩١)، وأبو داود (٣٢١٧)، والترمذي (١٨١٧)، والنسائي (٢٠٣٠)، وابن ماجه
(١٦٢٧).
١١٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت
ويتأكد أن يزيد في ذلك من جهة رأسه ورجليه في اللحد والشق، وأن يعمق قدر قامة
معتدلة وبسطة، وقدرهما بذراع اليد أربعة ونصف.
(وَأَحْسِنُوا) إلى الميت بالمبالغة بالرفق به في تغسيله وتكفينه وحمله وإنزاله
القبر وإضجاعه فيه وحل الشداد عنه، ونحو ذلك كتسوية أسفل القبر وتنظيفه من
الأقذار والمؤذيات، فإن الميت تدرك روحه ما يفعل فيحس ويتأذى كما يتأذى
الحي.
(وَادْفِنُوا الإِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) أي: في حالة الضرورة، أمّا في حالة
الاختيار فيحرم جمع اثنین فأکثر في قبر واحد إن اختلف نوعهما كذكر وأنثى، وإن
كان بينهما محرمية فإن اتحد النوع كره عند جمع، وانتصر له السبكي، وحرم عند
آخرين، وانتصر له الأذرعي وذلك؛ لأن الذي صح عنه له في حالة الاختيار إفراد كل
ميت بقبر، ولأن الميت يتأذى بذلك لا سيما البرمع الفاجر، وروى الحاكم من طرق:
((أمرنا رسول الله ﴾ أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين؛ لأن الموتى تتأذى بالجار السوء
كما تتأذى به الأحياء)».
(وَقَدِّمُوا) حيث جمعتم أكثر من ميت بقبر واحد إلى جدار القبر القبلي (أكثرهم
قُرْآنًا) أي: حفظًا له، وفي إيهام الأكثر تم إسناد ضميره إلى الكثرة، ثم تبيين ذلك الإيهام
بـ((قرآنًا)) من المبالغة ما يومئ إلى أن القرآن خالط لحمه ودمه، وحينئذ يستفاد منه
تقديم الأفضل على غيره، فيقدم الأفقه على الأقرأ نظير ما مر في إمامة الصلاة، وإنما
أُطلق تقديم الأكثر قرآنًا لما مر، ثم أن الغالب في الصحابة أن أكثرهم قرآنًا أفقه؛
لأنهم كانوا لا يتعلمون شيئًا إلا عرفوا حكمه ومعناه وسائر متعلقاته، ومر أن الأصل
وإن علا تقدم ولو مفضولاً على فرعه من جنسه ذكورة وأنوثة، ويقدم بالغ فصبي
فخنثى فامرأة (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه إِلَى قَوْلِهِ:
وَأَحْسِنُوا).
١٧٠٤ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَّبِيِ لِتَدْفِنَهُ فِي
١١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مَقَابِرِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ وَّ: رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَمِيُّ، وَلَفْظُهُ للتِّرْمِذِيِّ] ".
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي لِتَدْفِتَهُ فِي مَقَابِرِنَا
فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ وَِّ: رُدُّوا الْقَتْلَ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَمِيُّ، وَلَفْظُهُ للِّرْمِذِيِّ) وأخذ منه جمع متأخرون أن محل قول
أصحابنا: يسن قبل الدفن وبعد الغسل والتكفين، والصلاة النقل حيث لا تغير إلى
حرم مكة أو المدينة أو بيت المقدس، قال بعضهم: أو مقبرة أهل الصلاح، والخير ما
إذا كان الميت غير شهيد لهذا الخبر ولخبر الترمذي وصححه عن جابر: «أمرنا
رسول الله ولو بقتلى أحد أن يردوا إلى مضاجعهم، وكانوا نقلوا إلى المدينة)) وبهذا
الحديث الصحيح يرد قول بعضهم: أمره بردهم كان أولاً، فأمَّا بعد فلا لما روي: ((إن
جابرًا جاء بأبيه إلى البقيع بعد ستة أشهر)).
ويستفاد من هذا الحديث الصحيح حرمة نقل الميت في غير ما ذكر، وضابطه أن
ينقل إلى أبعد من مسافة مقبرة بلده، وذلك لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله
وتعريضه لهتك حرمته ومحله حيث لا ضرورة، وإلا كان مات سني ببلاد المبتدعة أو
أمير ببلاد الحرب، ولم يمكن إخفاء قبرهما فينقلان ولو مع يسير تغير إلى أن يدفنا
بمحل يؤمن عليهما منهم، ويطمس قبرهما حيث خيف عليهما منه، هذا في النقل
لغیر بلده.
وأمَّا فيها فيجوز نبشه لنقله من قبره إلى آخر لنحو نداوة من سيل أو غيره،
واستدل له النووي بنقل جابر لأبيه؛ أي: قبل أن يؤمر برده، ويدل له أيضًا ما رواه
مالك: ((إن السيل حفر قبر أنصاريين من شهداء أحد، فحفر عنهما بعد ست وأربعين
سنة لينقلا من مكانهما فوجدا كأنما دفنا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه
فدفن، وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت)) ولم يفرق
(١) أخرجه أحمد (١٤٥٣٤)، والترمذي (١٨٢١)، وأبو داود (٣١٦٧)، والنسائي (٢٠٠٤).
١١٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت
شارح بين النقل في البلد وخارجها فأوهم استواءهما وليس كذلك، لما علمت أن النقل
إلى نحو بلد أخرى لغير ما مر لا بد فيه من ضرورة بخلافه من قبر لآخر في مقبرة
واحدة.
١٧٠٥ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سُلَّ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ قِبَلِ
رَأْسِه. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سُلَّ) من السل، وهو إخراج الشيء
بالتأني والتدريج (رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِه، رَوَاهُ الشَّافِيُّ) وسنده صحيح، ومنه
ومما يأتي أخذ أصحابنا قولهم: يسن وضع رأس الميت عند مؤخر القبر الذي سيصير
عند رجل الميت، ثم يسله القائم على شفيره من جهة رأسه برفق ويسلمه إلى القائم في
القبر، والقائم فيه يسله كذلك في اللحد أو الشق، وصح عن بعض الصحابة أن هذا
من السنة، فيكون في حكم المرفوع إليه ول﴾.
١٧٠٦ - [وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلاً، فَأُسْرِجَ لَهُ بِرَاجٍ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَل
الْقِبْلَةِ وَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهَا، تَلَّاءَ لِلْقُرْآنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي ((شَرْحِ
السُّنَّةِ): إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ](٤).
(وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلاً، فَأُسْرِجَ لَهُ بِسِرَاجٍ) الباء زائدة أو ضمن
أُسرج له، فأتى (فَأَخَذَهُ) الميت (مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَة) منه دليل لمذهب أبي حنيفة أن الجنازة
توضع في جانب القبلة من القبر، بحيث يكون مؤخر الجنازة إلى مؤخر القبر، ورأسه
إلى رأسه (وَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ) مخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها وبين النافية
(كُنْتَ لَأَوَاهًا) أي: متأوهًا متضرعًا إلى الله خوفًا منه، وقيل: كثير البكاء، وقيل: کثیر
الدعاء.
(١) أخرجه الشافعي (٥٩٨).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٥٧) قال: حديث حسن. وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٢/١)، والطبراني
(١١٢٩٥)، والبيهقي (٦٨٤٩) وقال: هذا إسناد ضعيف.
١١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(قَلَّاءَ لِلْقُرْآنِ) أي: كثير تلاوته (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ) البغوي (في ((شَرْحِ
السُّنَّةِ)): إِسْتَادُهُ ضَعِيفٌ) وكذلك ما روي: ((إنه ◌َّ سل من قبل القبلة)) فإنه ضعيف
كما قاله البيهقي وغيره، ولم يلتفتوا إلى تحسين الترمذي له؛ لأنه ذكر فيه من اتفقوا على
ضعفه.
قال الشافعي وأصحابه: مع أنه لا يمكن إدخاله من قبل القبلة؛ لأن شق قبره
المكرم كان لاصقًا بالجدار القبلي ولحده تحت الجدار، فلا موضع هناك يوضع فيه،
وحينئذ يسقط تعلق أبي حنيفة بهذين الحدیثین.
١٧٠٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّثُ
الْقَبْرَ قَالَ: بِسْمِ الله وَبِاللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ﴾. وَفِي رِوَاية: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ الله
وَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدِ الثَّانِيَةِ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ
قَالَ: بِسْمِ الله) أدخله (وَبِالله) أعيذه من كل مكروه (وَعَلَى مِلَّةٍ) أي: طريقة
(رَسُولِ اللّه وَّة) أدفنه، وهذا تجريد إن كان ((أدخل)) للمعلوم، وإلا فمعنى ((قال)) أي:
تعليمًا للدافنين ذلك ليقولوه، ومر «أنه #* نزل قبر الرجل الذي كان يجهر بالذكر
وتناوله منهم)) قيل: إن كان للمجهول فكان بمعنى الدوام، أو للمعلوم فهي بخلافه.
انتهى.
ولا يتعين ذلك لما تقرر أنه على المجهول قال ذلك للتعليم (وَفِي رِوَاية: وَعَلَى سُنَّةٍ
رَسُولِ اللهِ وََّ) وهي بمعنى الأولى (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَابْنُ مَاجَهُ، وَرَوَى
أَبُو دَاوُد) الرواية (الثَّانِيَة) ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن لمدخله أن يقول ذلك عند
وضعه في القبر، وزاد الشافعي على ذلك دعاء طويلاً مناسبًا، بعضه مر في قصة أبي
سلمة.
١٧٠٨ - [وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ وَ حَثَا عَلَى الْمَيِّتِ
(١) أخرجه أحمد (٥١٠٧)، وأبو داود (٢٦١٦)، والترمذي (١٠٦٤)، وابن ماجه (١٦١٧).
١١٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب دفن الميت
ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِعًا، وَأَنَّهُ رَشَ الماءَ عَلَى قَبْرٍ ولده إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ.
رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنة)) وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: رَشَ)(١).
(وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلاً أَنَّ الشَِّيَّ وَإِِّ حَثَا عَلَى الْمَيِّتِ) ((أل)) فيه
حسية (ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِعًا، وَأَنَّهُ رَشَّ الماءَ عَلَى قَبْرِ ولده إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ
حَصْبَاءَ) وهي بالمد الحصا الصغار (رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنة)) وَرَوَى الشَّافِيُّ مِنْ قَوْلِهِ:
رَشَ) والبزار أنه أمر بالرش في قبر عثمان بن مظعون، وابن ماجه أنه أمر به في قبر
سعد بن معاذ، ودليل الحثي جید.
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن لكل من حضر ويتأكد على من يأتى القبر أن يحثو
ثلاث حثيات من ترابه، والأولی کونها بیدیه جميعًا.
وروى أحمد بسند ضعيف: «إنه يقول مع الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ومع
الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] ومع الثالثة باقي ((الآية)) وأخذ أئمتنا من أحاديث
الرش المذكور قولهم: يسن حيث لا مطر رش القبر بماء بارد طاهر طهور تفاؤلاً،
فإن الله تعالى يبرد مضجعه، ويكره رشه بنحو ماء ورد وتلطيخه بخلوق؛ لأنه إضاعة
مال، ولم يحرم؛ لأن فيه عرضًا في الحمل، ودليل وضع الحصا ضعيف، ومع ذلك يعمل
به هنا، فيسن وضعها على القبر.
١٧٠٩ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ تُخَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ
عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٤).
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهَ أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا
وَأَنْ تُوطَأَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه، ومر الكلام على التجصيص وعلته أنه زينة لا تليق
بالميت، ومن ثم لم يكره التطيين خلافًا للإمام الغزالي، وأخذ أئمتنا مما بعده: إنه
يكره الكتابة على القبر سواء اسم صاحبه وغيره في لوح عند رأسه أو غيره، والكلام في
(١) أخرجه البغوي في (شرح السنة)) (٧٩/٣)، والشافعي (١٦٥٥).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٧٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٨٠/٣).
١٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
غير كتابة القرآن وكل اسم معظم لحرمة كتابة هذا لتعريضه للنجاسة.
وقيل: تسن كتابة اسم الميت لا سيما الصالح ليعرف عند تقادم الزمان؛ لأن
النهي عن الكتابة منسوخ كما قاله الحاكم، أو محمول على الزائد على ما يعرف به
حال الميت. انتهى. وأنه يكره درسه ونحوه كما مرَّ.
١٧١٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: رُشَ قَبْرُ النَّبِّ ◌َّهِ وَكَانَ الَّذِي رَشَ الْمَاءَ عَلَى قَبْرِهِ بِلَالُ بْن
رَبَاجِ بِقِرْبَةٍ بَدَأَ مِنْ قِبَلٍ رَأْسَهِ حَتَّى انْتَفَى إِلَى رِجْلَيْهِ رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((دَلَائِل
التُّبُوَّةِ)](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: رُشَّ قَبْرُ النَّبِّ ◌َهُ وَكَانَ الَّذِي رَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَبْرِهِ) وَ (بِلَالُ بْن) أبي
(رَبَاجِ بِقِرْبَةٍ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ رَأْسَهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رِجْلَيْهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((دَلَائِل التُّبُوَّةِ)))
ومر أن علة ذلك في غيره التفاؤل بتبريد مضجعه، وعللوه أيضًا بأنه يمسك تراب
القبر عن الانتشار، فيحتمل أنهم فعلوه بقبره و 18 الثاني وهو ظاهر، أو الأول وهو
ظاهر أيضًا؛ لأنه وَلٍ كان يحب الفأل الحسن له ولغيره، وهذا منه؛ لأن فيه الإشارة إلى
طلب أن ينزل على قبره المكرم من خوارق الرحمة الإلهية والعواطف الرحمانية ما يليق
بعلي مقامه ودوام إكرامه.
١٧١١ - [وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ
بِنَازَتِهِ فَدُفِنَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُِّي عَنْ رَسُولِ الله وَّ:
كَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ الله ◌ِِّ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ
رَأْسِهِ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي- رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٤).
(وَعَنِ الْمُظَلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بالمعجمة
القرشي الجُمحي، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دفع بالبقيع منهم
(١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢١٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠٨)، والبيهقي (٦٩٩١).