Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
الموت، لا سيما بحضرته * ولجلالة سعد عوتب على المكروهات غيره على الحرام
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
(ثُمَّ قَالَ) مبينًا له أن طول الحياة مع الطاعة خير من قصرها (يَا سَعْدُ إِنْ) هي
بمعنى؛ إذ على حد ﴿وخَافُونٍ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] لأنه من أهل الجنة
قطعًا، كما أخبر به وي أو شرطية على بابها إن كان هذا قبل أن يعلم و الر بأنه من أهل
الجنة.
(كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا) مصدرية ظرفية أو موصولة (طَالَ مِن) زائدة فيهما
على مذهب من يريد زيادتها في الإثبات أو تبعيضية (عُمْركَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ)
قرن بالفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط أو العموم (خَيْرٌ لَكَ) فكيف مع ذلك تتمنى
الموت المفوت لهذا الكمال العظيم، ومن ثم صح أنه لما قال: أخلف بعد أصحابي قال له
وَلّ: ((إنك إن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)(١)
(رَوَاهُ أَحَمَدُ).
١٦١٥ - [وَعَنْ حَارِثَة بن مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّبٍ وَقَد اكْتَوَى سَبْعًا
فَقَال: لَوْلَا أَنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم الْمَوْتِ لَتَمَنَّيْتُه وَلَقَدْ
وَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا وَإِنَّ فِي جَانِبٍ بَيْتِي الْآنَ لَّأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمِ
ثُمَّ أَنِيَ بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنْ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ إِذَا
جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ فَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى
مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّ أنَّهُ لَمْ يَذْكُر: ثُمَّ أَنَّى
بِكَفَنِهِ ... إلخ ](٤).
(وَعَنْ حَارِثَة بن مُضَرَّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ) بن الأرت بالمثناة المشددة
تميمي سبيَ في الجاهلية، وبيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم في السنة السادسة،
(١) أخرجه البخاري (٣٩٣٦)، ومسلم (٤٢٩٦)، وأحمد (١٥٤٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٦٦٧)، والطبراني (٣٥٩٣).

٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فأظهر إسلامه وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك، وشهد بدرًا
والمشاهد كلها ومات سنة سبع وثلاثين بمضر، وعلي كرم الله وجهه من صفين فمر
بقبره فقال: رحم الله خبابًا أسلم راعيًا، وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا وابتلي في جسمه
أحوالاً ولن يضيع الله أجره.
(وَقَد اكْتَوَى) بالنار (سَبْعًا) أي: في سبع مواضع من بدنه، وهو نافع مجرب في
بعض الأمراض، والنهي عنه محله فيمن يسند الشفاء إليه كالجاهلية بخلاف من يرى
أنه سبب للشفاء، وأن الله هو الشافي أو هو إرشاد للتوكل الأفضل، وقد مر أن ترك
التداوي توكلاً فضيلة كما فعله أبو بكر # وعليه خبر: ((لا يسترقون ولا يكتوون
وعلى ربهم پتوکلون))(١).
(فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم الْمَوْت) أي:
لضر نزل به كما مر (لَتَمَنَّيْتُه) لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية
أن تنفر منه (وَ) الله (لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللّه ◌ِ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا) كأكثر الصحابة
ـ؛ لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد.
ألا ترى أن عبد الله بن أبي سرح لما افتتح أفريقية في زمن عثمان بلغ سهم
الفارس فیه ثلاثة آلاف دينار.
(وَإِنَّ فِي جَانِبٍ بَيْتِي الْآنَ لَأَرْبَعِينَ) زيادة في التأكيد على حد ﴿لآيَاتٍ لأُوْلِي
الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
(أَلْفَ دِرْهَمٍ) بين بهذا القسم وما بعده أن التمني لو جاز من غير كراهة لم
يكن لفقر ولا ضيق في المعيشة، وإنما هو لشدة ما قاسى من المرض الذي اكتوى
بسببه أو غيره (ثُمَّ أَقِيَ بِكَفَنِهِ) أي: ليراه هل هو لائق أو لا، ولا يرد هذا على من قال
يكره إعداد الكفن؛ لأن محله حيث لم يكن من أثر صالح أو جهة حل، وهذا
(١) أخرجه البخاري (٥٤٢٠)، ومسلم (٢٢٠)، وأحمد (٢٤٤٨)، والترمذي (٢٤٤٦) والنسائي في
الكبرى (٧٦٠٤)، وابن حبان (٦٤٣٠).

٢٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب تمني الموت وذكره
يحتمل أنه كذلك أو هو مذهب له، والظاهر أنه لا كراهة في إعداده أيضًا ليتذكر به
الموت دائما؛ لأن وسيلة العبادة عبادة.
(فَلَمَّا رَآهُ) وما هو عليه من الحسن والجودة (بَكَى) حزنًا على ما كانوا عليه
من أنه لا فخر إلا في الفقر والاكتفاء في القوت والسترة بالأمر الضروري لا غير، وأن
خلاف ذلك كحالته الآن غير كامل عندهم (فقَالَ) أني لم اقتف باقتناء مثل هذا
الكفن طريقة أصحابي المذكورة.
(لَكِنَّ حَمْزَةَ) وغيره من أكابر الصحابة وساداتهم اقتفوها وآثروها على الغنی مع
قدرتهم عليه، كيف وهو كنظرائه من أهل أحد (لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنْ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ)
أي: فيها خطوط سود وبيض شبهت بالكبش الأملح، وهو ما فيه بياض وسواد وبياضه
أکثر.
(إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ) أي: ارتفعت ولم تغطهما (وَإِذَا
جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ) واستعمال قلصت هنا للمشاكلة إذا كثر ما
يستعمل في المعنى الأول، وهو أن يكون ارتفاعها إلى فوق، ولم تزل تقلص عن
القدمين تارة والرأس أخرى.
(حَتَّى) اقتضى رأيه وَّ إيثار الرأس الأشرف بها فحينئذ (مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ) حتى
سترته (وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ) بكسر الهمزة المزيدة فيه، وهو بيت معروف بمكة
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لِمْ يَذْكُر ثُمَّ أَنَى بِكَفَنِهِ ... إلخ).

(باب ما يقال عند من حضره الموت)
(الفصل الأول)
١٦١٦ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُريرةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: لَقِّنُوا مَوْنَاكُمْ ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرِيرةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: لَقِّنُوا
مَوْقَاكُمْ) أي: من حضره الموت بأن نزلت به مقدماته على حد ﴿إِنّي أَرَانِي أَعْصِرُ
خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وإلا فالميت لا يلقن (لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وسببه الحديث الآتي: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))(٢) وأخذ
أئمتنا من الحديث أنه يندب هذا التلقين؛ أي: ندبًا متأكدًا، كيف وظاهر الحديث
يقتضي وجوبه وجرى عليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه، وقد يجاب بأن
المعنى وهو عدم حدوث مفسدة على الترك يقتضي أنه مندوب لا غير، وأنه يسن
الاقتصار على ((لا إله إلا الله)) لظاهر الأخبار؛ ولأنه موحد، ومن ثم لو كان كافرًا لقن
الشهادتين وأمر بهما لخبر اليهودي السابق.
ويسن لملقنه ألَّا يأمره فلا يقل له قل؛ لئلا يقول لا أقولها فيكفر على ما أطلقه
بعض الأئمة، بل يذكرها عنده ليتذكر وألَّا يلح عليه، فلا يزيد على مرة، وقال جماعة:
على ثلاث وأن يكون ممن لا يتهمه لإرث أو عداوة، وإذا قالها لم تعد عليه حتى يتكلم
بدنيوي.
١٦١٧ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: إِذَا
حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَو الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. رَوَاهُ
(١) أخرجه مسلم (٢١٦٢)، والترمذي (٩٩٢)، والنسائي (١٨٣٧)، وابن ماجه (١٥١٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٨٠)، وأبو داود (٢٩٤٥)، والطبراني (٧٢٧)، والحاكم (١٢٩٩) وقال: صحيح
الإسناد. والبيهقي (١٢٧٩٧)، وابن خزيمة (٢٣٧٠)، والديلمي (٥٦٠٩).
- ٢٤ -

٢٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: إِذَا حَضَرْتُم
الْمَرِيضَ أَو الْمَيَّتَ) هي للشك، والمراد من الثاني هو الأول نظير ما مر في ((لقنوا
موتاكم".
(فَقُولُوا خَيْرًا) هو لا إله إلا الله كما يعرف من الرواية السابقة مع الدعاء له أو
((ولكم)) كما يعرف من الأحاديث السابقة في العبادة (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الموظفين
للاستغفار للمؤمنين، والتأمين على دعائهم (يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) من الأدعية
الصالحة (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
١٦١٨ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فيقول
مَا أَمَرَ اللهُ بِه: ﴿إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ [البقرة: ١٥٦] اللهُمَّ أُجرْنِي فِي مُصِيبَتِي
وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قلت: أَيُّ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةٍ، أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ الله ◌ِ- رَوَاهُ مُسْلِمْ] (٢).
(وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ) عظمت أو
صغرت (فيقول مَا أَمَرَ اللهُ به) تلويحًا حيث أثنى على قائليه الثناء العظيم المستلزم
لطلبه منهم بقوله عز قائلاً: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله .. ﴾ [البقرة: ١٥٦].
((إِنَّا﴾) بدل من ما؛ أي: إن ذواتنا وجميع ما ينسب إليها (﴿لِلَّه)) ملكًا وخلقًا
يتصرف فينا كيف شاء؛ فالكل عارية مستردة كما أشار إليه: (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾
[البقرة: ١٥٦]) فعلينا أن نوطن نفوسنا ونصبرها على ما أصابنا، وأن نتدبر حقائق ذلك
(١) أخرجه مسلم (٩١٩)، وأحمد (٢٦٧٨٢)، وأبو داود (٣١١٥)، والترمذي (٩٧٧) وقال: حسن
صحيح. والنسائي (١٨٢٥)، وابن ماجه (١٤٤٧)، وابن حبان (٣٠٠٥)، والحاكم (٦٧٥٨)، وابن
أبي شيبة (١٠٨٤٧)، والبيهقي (٦٣٩٣)، والطبراني (٩٤٠).
(٢) أخرجه مسلم (٩١٨)، وابن ماجه (١٥٩٨).

٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
حتى يسهل علينا جميع المصائب، فليس فائدة الأمر للمصاب بقول هذا الذكر بمجرد
تلفظه به؛ لأنه لا ينفع وحده، وإنما فائدته تدبره حق التدبر، فإنه الدواء النافع الحامل
على كمال الصبر، بل وحقائق الرضا.
(اللهُمَّ) ظاهره أن هذا من جملة ما أمر الله به، وهو كذلك لقوله تعالى:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ويحتمل بل هو الظاهر أن الله تعالى أعلم نبيه
* أن يعلم أمته أنه أمرهم بقول ذلك كله لخصوصه، وحينئذ فلا يحتاج إلى تكلف
ما ذكر فيهما (أجرْفِي) من أجره، يؤجره وأجره يأجره بضم الجيم، وكسرها أثابه وأعطاه
الأجر والأمر آجرني وأجرني.
(فِي) إمَّا بمعنى: مع كـ﴿ادْخُلُوا فِي أَمَمِ﴾ [الأعراف: ٣٨] أو بمعنى: فاء السببية
وهو الأظهر (مُصِيبَتِي) وهي كل مكروه نزل بالإنسان؛ أي: أثبني ثوابًا مقارنًا لها أو
بسببها (وَأَخْلِفْ) من أخلف؛ إذ ما يخلف يقال فيه أخلف عليك، وما لا يخلف
كالأب إذا مات يقال: فيه خلف عليك.
ومنه الحديث الآتي: وأخلفه (لي خَيْرًا مِنْهَا) أي: اجعل لي خلفًا لما فات على
بسببها خيرًا منه (إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا فَلَمَّا مَاتَ) عبد الله بن عبد الأسد
المخزومي (أَبُو سَلَمَةَ) زوجها؛ أي: سنة أربع على الأصح لانتقاص جرحه الذي جرحه
بأحد، وهو من السابقين الأولين أسلم بعد عشرة أنفس.
(قلت: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَة) حتى إني إذا قلت ذلك: أخلف الله لي
به وكأنها أرادت غير نحو العشرة المبشرين بالجنة ممن لم يعرف لهم أفضلية على غيرهم؛
إذ ذاك الوقت، وظنها أفضلية أبي سلمة على الكل بعيد من كمال عقلها وفهمها.
ثم استدلت على خيريته بقولها (أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلاء) فيه تأييد
لقول إبراهيم أنه أول من هاجر إلى المدينة، وذكره أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى
الحبشة ثم إلى المدينة، فهو أول من هاجر [ ..... ] إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكان
أخا النبي ◌ٍَّ من الرضاعة، وابن عمته (ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ الله ◌ِ.

٢٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٦١٩ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقّ بَصَرُهُ
فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. فَضَجَّ نَاسُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا
عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّ بِخَيْرِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ
لِأَّبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا
رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعِنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقّ) بفتح أوله، وقيل:
بضمه (بَصَرُهُ) فاعل؛ أي: شخص فلم يرتد (فَأَغْمَضَهُ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن
عقب الموت المبادرة إلى تغميض عينيه لئلا يقبح منظره، ويساء به الظن.
(ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ) تعليل للإغماض بأن البصر يتبع
الروح في الذهاب، فلم يبق لانفتاح العين فائدة، بل الفائدة في إغماضه كما تقرر،
وقيل: للانشقاق، والمعنى أن المحتضر يتمثل له الملك المتوفي كروحه، فينظر إليه شزرًا
ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح، ويضمحل منه بقايا قوى البصر، وبقاء البصر على
هذه الهيئة يعضده خبر مسلم أيضًا: ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره، قالوا: بلى،
قال: فذاك حين يتبع بصره نفسه.
(فَضَجَّ نَاسُّ مِنْ أَهْلِه) أي: بالبكاء عليه، والدعاء بالويل والثبور كما هو عادة
الجاهلية (فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْر) وقيل المراد: إنهم إذا تكلموا في حق
الميت بمعصية، رجع إثمها إليهم فكأنهم دعوا على أنفسهم بشر ونظيره ﴿وَلَّا تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: بعضكم بعضًا. انتهى.
وهو بعيد متكلف، والمتبادر الذي دلَّ عليه اللفظ والسياق ما ذكرته، ويدل
له أيضًا التفريع عليه بقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) من خير
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠)، وأحمد (٢٦٥٨٥)، وابن ماجه (١٤٥٤)، وابن حبان (٧٠٤١)، والبيهقي
(٦٣٩٨)، وأبو يعلى (٧٠٣٠)، والطبراني (٧١٢).

٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وشر، فإن قلتم شرًّا استجيب فيكم (ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ) مغفرة لا
تبقى عليه تبعة نقص ولا سمة عيب (وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ) حال كونه مندرجًا (في)
جملة (الْمَهْدِيِّينَ) السابقين الأولين الذين بلغوا كمال الهداية، وأبلغ من:
((واهده).
كما يعلم مما مرَّ في ((اهدني فيمن هديت)) وما بعده السابق في القنوت (وَاخْلُفْهُ)
من خلف يخلف؛ أي: أقم بعده من يقوم مقامه في رعاية أمره وحفظ مصالحه، أو وكن
خليفة له (في عَقِبِهِ) أي: أولاده الذين هم مندرجون (في) جملة (الْغَابِرِينَ) الباقين من
الأحياء فاحفظ أمورهم ومصالحهم ولا تكلهم إلى غيرك، وأمَّل قلوب من هم بينهم
حتى يراعوا أحوالهم ويتحروا مصالحهم، ويصح على بُعد جعله بدلاً من الظرف قبله؛
أي: كن خليفة له في الباقين من عقبه.
(وَاغْفِرْ لَنَا) يصح أنها لتعظيم نفسه الشريفة، وله ولغيره من الصحابة أو الأمة
(وَلَهُ) كرر الدعاء له بالمغفرة، وجعل هذا الأخير بعده من المغفرة محققة له مبالغة في
طلب حقائق المغفرة لأبي سلمة، وأشار إلى أنها مستجابة لا ترد (يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي:
مربيهم بخوارق لطفك وحقائق برك (وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ) طلبه له مع ما سبق أن الميت
غريبًا، يفسح له في قبره فسحة واسعة ليعلم بمزيد الاعتناء بأبي سلمة، وأنه يزاد على
ذلك، ومن ثم قال (وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) مع أن التنوير فيه لكل مؤمن لكن الخصوصيات إنما
تتحقق بطلب الزيادات (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٦٢٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حِينَ تُوُقّ
سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِلَ حِينَ تُوُنَّ سُجِّيَ) أي:
غطي وستر (بِيُرْدٍ حِبَرَةٍ) بوزن عنبة بالإضافة وعدمها، وهي برد قطن، وما كان موشى
مخططًا، وإضافته من إضافة العام إلى الخاص (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
(١) أخرجه البخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٢٢٢٦)، وأحمد (٢٥٣١٨)، وأبو داود (٣١٢٢).

٢٩
تتمة كتاب الجنائز / باب ما يقال عند من حضره الموت
ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن أن يستر الميت عقب الموت بعد نزع جميع ما عليه؛
لئلا يسرع فساده بثوب فرد خفيف أحد طرفيه تحت رأسه، والآخر تحت رجليه لئلا
ينكشف ويوضع على مرتفع عن الأرض من غير فراش تحته؛ لئلا يسري إليه [ .... ]
فتتغير.
(الفصل الثاني)
١٦٢١ - [عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ كَانَ آَخِرُ كَلَامِهِ لَا
إِلَهَ إِلَّ اللّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ] (١).
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَّامِهِ لَا إِلَّهَ
إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي: دخولاً مخصوصًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده صحيح.
وقضية كلام أئمتنا، والخبر أنه لو قالها ثم مات، ولم يتكلم بعدها كانت آخر
كلامه وإن طال الفصل وخالف بعضهم ذلك فقال: إذا طال الفصل سن إعادتها عليه،
والأول أصح، ولو قالها ثم أتى بكلام دنيوي سن له إعادتها لتكون آخر كلامه، وكذا
الراوي یذکر غیرها على خلاف فيه.
والمراد بالكلام هنا كما قاله بعض أئمتنا: اللساني والنفساني لرواية وهو يعلم لا
يقال: قد يتكلم الكافر بـ((لا إله إلا الله)) عند الموت ولا ينفعه ذلك؛ لأنا نقول الحث إنما
هو في المسلم، وأما الكافر فقد علم واستقر في النفوس أنه لا ينفعه إلا النطق
بالشهادتين، فلم يحتج للاحتراز عنه فإن أريد في الخبر ما يشمله كان المراد بالا إله
إلا الله)) كلمة التوحيد وهي الشهادتان.
١٦٢٢ - [وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: اقْرَؤُوا يس عَلَى
مَوْتَاكُمْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه] (٢).
(وَعَنْ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴾: اقْرَؤُوا يس عَلَى مَوْنَاكُمْ،
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٥٦٧)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨).

٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه) وصححه ابن حبان، وكأنه إنما لم يلتفت إلى أن سنده
فيه مجهولان؛ لأنه اعتضد عنده بما جبر ذلك، وفي رواية صحيحة أيضًا (يس قلب
القرآن لا يقرؤها عبد يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، واقرؤوها
على موتاكم))(١).
قال ابن حبان وهو من أكابر الشافعية: المراد به من حضره الموت؛ يعني:
مقدماته؛ لأن الميت لا يقرأ عليه، وخالفه بعض محققي المتأخرين، فأخذ بظاهر الخبر،
فقال: بل يقرأ عليه بعد موته وهو مسجی.
وذهب بعض أصحاب الأوجه: إلى أنها تقرأ عليه عند القبر، ويؤيده خبر ابن
عدي وآخرين: ((من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة، فقرأ عندهما يس غفر الله
له بعدد کل حرف منها»(٢).
قال بعض المتأخرين: ولا يبعد على قاعدة الشافعي أن اللفظ يستعمل في
حقيقته ومجازه، أنه يندب قراءتها في هذين الموضعين أيضًا، ومشهور المذهب الأول؛
أعني: قراءتها عند المحتضر، وحكمتها ما في خبر غريب أنها تسهل النزع، ولفظه عند
ابن أبي الدنيا وابن مردويه والديلمي: ((ما من ميت تقرأ عنده يس إلا هون الله
عليه))(٣).
وفي آخر غريب: ((إنها توجب له الري)) حينئذ وفي الموتى، وفي الخبر المذكور أولاً
((إنها قلب القرآن)) والمطلوب حينئذ إنما هو سلامة قلبه عن أن يكون فيه أدنى دخل
أو نقص، فذكر بقراءة القلب إلى صلاح قلبه وتفريغه عن السِّوى؛ لأن كل إنسان
يبعث على ما مات عليه، وعلى أن جميع قواه وأعضائه قد سقطت، ولم يبق فيه مدرك
إلا قلبه.
(١) أخرجه أحمد (٢٠٣١٥)، والطبراني (٥١١).
(٢) أخرجه ابن عدي (١٥١/٥) والرافعي (٣٧/٣) وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٤٩).
(٣) أخرجه الديلمي (٦٠٩٩).

٣١
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فذكر بما اشتملت عليه تلك السورة التي هو القلب ليتحلى قلبه بجميع ما فيها
من تقرير أكثر العقائد المبحوث عنها في علم أصول الدين كالنبوات، وكيفية الدعوة
إلى الله وأحوال الأمم، وبيان أصل خلقتهم ونشأتهم، وإثبات القدر وأن أفعال العباد
مستندة إلى الله تعالى خلقًا وإيجادًا، وإثبات التوحيد والساعة وأماراتها والإعادة
والحشر مع ما اشتمل عليه من الحساب وغيره والمآل بعده مع غاية الإطناب في الجنة
ونعيمها، ثم في ضدها كذلك.
ثم في تقرير الدليل على ذي الخصام المبين في ذلك، وبهذه العظمة التي اشتملت
عليها هذه السورة عدلت قراءتها القرآن عشر مرات كما في روايات متعددة، وفي
رواية سندها حسن: ((إن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله يدعى صاحبها
الشريف عند الله تشفع لصاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة
یس)»(١).
وفي أخرى سندها ضعيف: ((من داوم على قراءة يس كل ليلة ثم مات، مات
شهيدًا».
١٦٢٣ [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَبَّلَ
عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّثْ وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى سَالَتِ دُمُوعُ النَّبِيِّ ◌َِّ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ،
رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهُ](٤).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ
مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتُ) اختلف أئمتنا في حكم تقبيل وجه الميت، والذي حررته في
الكتب الفقهية أن الميت إن كان صالحًا سن لكل أحد تقبيل وجهه التماسًا لبركته
واتباعًا لفعله وَله المذكور في هذا الحديث، وإن كان غير صالح جاز ذلك بلا كراهة
لنحو أهله وأصدقائه؛ لأنه ربما كان محققًا لما وجدوه من ألم فقده ومع الكراهة
(١) ذكره الحكيم (٢٦٠/٣).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٠٥)، وأبو داود (٣١٦٥)، وابن ماجه (١٥٢٣).

٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
لغیرهم؛ لأن الميت قد لا يرضى به لو كان حيًّا من غير نحو قريبه وصديقه، ومحل ذلك
كله ما لم يحمل التقبيل فاعله على جزع أو سخط، كما هو الغالب من أحوال النساء
ومن في معناهن وإلا حرم أو کره.
(وَهُوَ يَبْكِي حَقَّى سَالَتِ دُمُوعُ النَّبِيِّ ◌َ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَابْنُ مَاجَه) وصححه الترمذي وغيره، وقد استشكل بكاؤه وَّ بقوله: فإذا وجبت فِلا
تبكين باكية، ويجاب بأنه لبيان الجواز على أنه يحتمل أن يكون اضطراريًّا، والنهي
إنما هو عن الاختياري.
١٦٢٤ - [وَعَنْها قالت: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ نَّهِ- رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه] (١).
(وَعَنْهَا قالت: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَِّيَّ ◌َّهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
١٦٢٥ - [عَنْ حَصَيْنِ بْنِ وَحْوَجِ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ يَعُودُهُ
فَقَالَ: إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَاذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِحِيفَةِ
مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيَّ أَهْلِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد] (٢).
(عَنْ حَصَيْنِ بْنِ وَحْوَجٍ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َِّ يَعُودُهُ فَقَالَ:
إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ) في حالة من الحالات إلا في حالة واحدة هي أنه (قَدْ حَدَثَ فِيهِ
الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ) أي: اعلموني بموته حتى أصلي علیه كما في رواية، ومنه کإعلامه
﴿ ال ﴾ أصحابه بموت جماعة منهم كالنجاشي وجعفر وزيد مولاه وعبد الله بن رواحة.
أخذ أئمتنا: إنه يسن الإعلام بالموت ولو في غير القريب لكثرة المصلين عليه،
وألحق بذلك سائر المقاصد الشرعية، وقول جمع: يكره الإعلام بموته يحمل على ما
صرح به الأكثرون أنه يكره نعيه بنعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص، وذكر
مآثره ومفاخره للنهي الصحيح عنه.
(١) أخرجه البخاري (٥٣٨٢)، وأحمد (٢٤٣٢٣)، وابن أبي شيبة (١٢٠٦٨)، والترمذي في ((الشمائل
المحمدية)) (٣٩١)، والنسائي (١٨٣٩)، وابن ماجه (١٤٥٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٥٩)، والبيهقي (٦٨٥٩).

٣٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
(وَعَجِّلُوا) تجهيزه، ومنه أخذ أئمتنا: إنه يسن بعد تيقن موته أو ظنه ظنًّا مؤكدًا
المبادرة بتجهيزه ودفنه، فإن شك في موته أو ظن من غيره وجب تأخيره حتى يعلم بنحو
تغير ريحه، وإنما لم تجب المبادرة في الحالة الأولى؛ لأنه كلير توفي ضحى الاثنين ودفن
جوف ليلة الأربعاء، واحتياطًا لاحتمال نحو إغماء أو سكتة فإنها كثيرًا ما تقع ممن
يغلب على مزاجه الخلط السوداوي يظن به الموت ويدفن حيًّا، بل سنة لما يأتي في خبر
أسرعوا بالجنازة، وللمبالغة في إكرام الميت.
كما أشار إليه * بالفاء الموجبة للعلة في قوله: (فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِحِيفَةٍ مُسْلِمٍ) في
ذكرها أبلغ حامل لهم على عدم الحبس المطلوب، وبيانه أنه بالموت تهيأ للاستحالة إلى
النتن والنفح فيستقذر وينفر عنه، وذلك يؤدي إلى استهانته وزال إكرامه فطلب
الإسراع بتجهيزه خشية من هذا المحذور ونظيره ﴿يُوَارِي سَوْءَةً أُخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]
أي: عورته، سميت ذلك؛ لأن كشفها يسوء صاحبها لما فيه من الفضيحة والقبح،
فذكرها فيه أبلغ تسجيل على قاتل أخيه نابذًا سوءته المؤذن بطلب المبادرة إلى سترها،
ويإلحاق العار والفضيحة بالقاتل إلى الأبد.
(أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِه) أي: بين أهله فظهراني مزيد للتأكيد كما مر،
والتثنية فيه لفظية فقط. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
(الفصل الثالث)
١٦٢٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِوَلِّه :
لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ
لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِلْأَحْيَاءِ؟ قَالَ: أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ. رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَه](١).
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: لَقِّنُوا
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥١٣).

٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
مَوْنَاكُمْ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ) وجه مناسبة ذكر صفة الحلم والكرم، لا سيما
في هذا الموطن واضحة فإن المذنب المقصر في خدمة مولاه القادم عليه بذنوبه إن لم
یعامله بحلمه وكرمه وإلا أهلكه.
(سُبْحَانَ الله) المتنزه عن أن يشارك، لا سيما في مقام قبض الأرواح وردها إلى
أجسادها بعد بلائها (رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ومن هو كذلك حقيق بألا يقصر الآمال لا
سيما ممن وصل إلى النزع المستلزم لغاية الافتقار إلا عليه (وَالُحَمْدُ لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ)
على نعمة الاستسلام إليه.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِلْأَحْيَاءِ) أي: الأصحاء أن يقولوا هذا الذكر، وأن
يعلموه؛ أي: أحسن ذلك (قَالَ) هذا لهم (أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ) أي: أحسن وأحسن، وغاير
نظرًا إلى أن يخالف أنواع الجزاء ودوامه (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
ولم أر أحدًا من أصحابنا أخذ بقضيته من ندب قول ذلك للملقن مع قول
بعضهم يسن التلقين بـ«اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى)) لأنه آخر ما تكلم به النبي ◌َّ لكنه
مردود بأن ذلك من خصائصه ﴿ لأن هذا المقام لا يشاركه فيه غيره.
ويمكن حمل الحديث على ما صرحوا به أنه يسن للملقن ألَّا يقول له: قل: ((لا
إله إلا الله)) بل يذكرها عنده، أو يقول للحاضرين: إنها توجب دخول الجنة، أو ما أجزل
ثوابها أو نحو ذلك أو ذكر الله حسن فنذكر كلنا فنقول: ((لا إله إلا الله سبحان الله
والحمد لله، والله أكبر)) أي: أو ((لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش
العظيم، والحمد لله رب العالمين)) فعلم أن كلامهم يشمل ما في الحديث وغيره من أنواع
الذكر، وأنهم فهموا أن ذكره في الحديث للتمثيل لا للتخصيص وهو قريب، فإن القصد
الإتيان بمطلق الذكر حتى لا يتوهم المحتضر أنه المقصود فيتضجر.
١٦٢٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: الْمَيِّتُ تَّخْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ
فَإِذَا كَانَ المِّثُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ
اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْجِ وَرَيْجَانٍ، وَرَبِّ غَيْرٍ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ

٣٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانَ.
فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْجِ
وَرَْجَانٍ وَرَبِّ غَيْرٍ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي
فِيهَا اللّهُ وَ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ. قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيئَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ
الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَمَا يَزَالُ يُقَالُ
لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانُ،
فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِى ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا لَا
تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: الْمَيِّتُ) أي: من قرب موته (تَّخْضُرُهُ
الْمَلَائِكَةُ) أي: ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، وإلا فملائكة العذاب على ما دل
عليه السياق (فَإِذَا كَانَ المَيِّتُ صَالِحًا) يحتمل أن المراد به مطلق المسلم أو المسلم القائم
بحقوق الله وحقوق عباده، وظاهر أنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا
تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
والتصريح في الحديث الآتي بأن القائل كافر يؤيد الأول (قَالُوا: اخْرُچِي) من
جسدك (أَيَّتُهَا النَّفْسُ) هي الروح، وفرق الصوفية بينهما، إنما هو اعتباري؛ لأنهم
يكنون بالنفس عن مظهر السر لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَبَرِّئُّ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةُ
بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
وبالروح عن مظهر الخير لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ [الإسراء:
٨٥].
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [ص: ٧٢].
﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧].
﴿وَرُوحُّ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (الطَّيِّبَةُ) أي: الطاهرة من الخبائث.
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٤٠٣)، وأحمد (٩٠٠٣).

٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(كَانَتْ) حال أو صفة أخرى للنفس؛ لأن تعريفها جنسي، والتفت إليه عن
((كنت)) المناسب لخطابها بـ((اخرجي ... إلخ)) لينبه على أن ((أل)) في ((المطمئنة)) موصولة؛
أي: الذي طابت، وحينئذ فكانت جواب عما يقال ما سبب طيبها؟ فيقال: سببه أنها لم
تزل (فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ) السالم من الوقوع في المعاصي، والمخالفات (اخْرُچي) تأكيد
وتوطئة لما بعده (حَمِيدَةً) محمودة، ويصح حامدة لما مر عليك به من التوفيق والنعيم.
(وَأَبْشِري بِرَوْج) بفتح الراء؛ أي: استراحة من كل كدر وتعب وضمها؛ أي: رحمة
وحياة أو بقاء (وَرَيْجَانٍ) أي: رزق (وَ) بملاقاة (رَبِّ) منعم (غَيْرٍ غَضْبَانَ) عدل إليه
عن راض رعاية للفاصلة، وفيه نوع من التقرير لما قبله على الطرد، والعكس كما في:
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتحة: ٧] ومن البشر المشوش؛ لأن الخلود مع
الرزق الدائم ناشئ عن تربية الله المخصوصة لخواص عباده بمزيد إنعامه عليهم،
رحمة الله لعباده ناشئة عن رضاه عليهم.
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ
رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ... ﴾ [فصلت: ٣٠)
(فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَّ) زيادة في تبشيرها وتنعيمها سماع ما تحبه.
(ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ) الأولى كما يدل عليه السياق (فَيُفْتَحُ) أي: يطلب
الملائكة الذين معها أن يفتح (لَهَا فَيُقَالُ) من قبل الملائكة الموكلين ببابها (مَنْ هَذَا؟
فَيَقُولُونَ: فُلَانُ. فَيُقَالُ) من قبلهم أيضًا (مَرْحَبًا) أي: صادق رحبًا واسعةً (بِالنَّفْسِ
الطَّيِّبَةِ كَانَتْ في الْجَسَدِ الطَّيِّبِ) فيه أن الملائكة مع كونهم في العالم العلوي يعرفون
كل إنسان باسمه وعمله.
(ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْجِ وَرَيْجَانٍ وَرَبُّ غَيْرٍ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا
ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَفَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ وَّتَ) أي: رحمته العظمى، وهي الجنة
المضافة إليه في ﴿ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٣٠].

٣٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
﴿فَفِي رَحْمَةِ اللّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧].
ومر في الباب الأول وفي صلاة النفل الكلام على نحو هذا من آيات الصفات
وأحاديثها بما يطول بسطه فراجعه؛ ليعلم ما فيها من التفويض والتأويل، وأن المذهبين
متفقان على تنزيه الله تعالى عن ظواهرها المحالة عقلاً عليه تعالى.
(فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ) يصح نصبها فاسمها مستتر يعود على الميت، ورفع الأول
فقط على أنه اسمها ورفعها فـ((كان)) تامة؛ أي: فإذا وجد أي وجده؛ أعني: الكافر أو
الفاسق على ما مر ملك الموت محتضرًا.
(قَالَ) لنفسه (اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيئَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْحُبِيثِ، اخْرُجِي
ذَمِيمَةً) أي: مذمومة (وَأَبْشِرِي) تهكم بها أو من باب المشاكلة (ٍحَمِيمٍ) أي: ما في
غاية الحرارة فیه کل نكد وكدر.
(وَغَسَّاقٍ) بتخفيف السين وتشديدها، وبهما قرئ في السبع من غسق الدمع:
سال، والمراد هنا: ما يسيل من صديد أهل النار، أو عذاب لا يعلمه إلا الله (وَ) اضرب
(آخَرَ) مذوقة، ويصح بفتح أوله؛ أي: ونوع أخر، وأخبر عنه بالجمع؛ لأنه في معناه؛ إذ
النوع يشتمل على أصناف متعددة (مِنْ شَكْلِهِ) من مثل الغساق في القبح والشدة التي
لا تحد.
(أَزْوَاجُ) أي: أصناف متغايرة (فَمَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَّخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا
إِلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا فَيُقَالُ: فُلَانُ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيئَةِ
كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا) أي: القصة (لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ) ثم إلى النار، ومع كون الأولى في السماء،
والثانية في أسفل الأرض لها اتصال بالجنة لتنال الجنة أيضًا من ذلك النعيم، أو العذاب
وليفرح الأولى بزائريها وبسلامه عليها وقراءته عندها وغير ذلك (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٦٢٨ - [وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ
يُصْعِدَانِهَا. قَالَ حَمَّدُ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا، وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالٍ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ

٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
رُوعُ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ،
فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ
رُوحُه. قَالَ حَمَّدُ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا، وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ
مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ الله ◌َّ
رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنٍ) من جسده (تَلَقَّاهَا
مَلَكَانٍ) لا ينافي الجمع فيما مر لاحتمال أن الحاضر من جمع المفوض إليه منهم، ذلك
اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه اخرجي أيتها النفس .. إلخ.
(يُصْعِدَانِهَا) إلى السماء (قَالَ حَمَّادٌ) بن زيد رواته عن أبي هريرة (فَذَكَرَ) أي:
النبي لل أو أبو هريرة، وكان سبب ذلك نسيان رواية لفظ النبوة في هذا دون معناه،
فذكره بسياق يشعر بذلك (مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا) أوصافًا عظيمة.
(وَذَكَرَ) من أنواع ذلك الطيب (الْمِسْكَ قَال: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ) هذه (رُوحُ
طَيِّبَةُ جَاءَتْ مِنْ قِبَلٍ) بكسر ففتح؛ أي: جهة (الأَرْضِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ)
التفات لمزيد التلذذ بخطابهم، وكراهة الصلاة استقلالاً على غير الأنبياء والملائكة
محلها أن صدرت من غيرهم لا منهم لقولهم في صلاته 19 على آل أبي أوفى أنه من
ينزع صاحب الحق به.
(كُنْتِ تَعْمُرِینَهُ) بتدبيره واستعماله في العمل الصالح كما تعمر الملوك مدنها
بالعدل، ففيه استعارة تمثيلية لانتزاعها من عدة أمور أو بالكناية مع ذكر ما يلائم
المشبه به (فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ) أي: إلى الوقوف بين يديه، وهذا كناية عن مزيد القرب
لا غير تعالى الله عن المسافات والغايات والأمكنة والجهات.
(ثُمَّ يَقُولُ) لهم (انْطَلِقُوا بِهِ) ليكون مستقلاً في الجنة أو عندها (إِلَى آخِرِ
(١) أخرجه مسلم (٧٤٠٠).

٣٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
الأَجَلِ) أي: البرزخ قيد به؛ لأنها تأخره عند النفخة الثانية ترجع إلى جسدها، ثم يأتي
الموقف ثم تدخل بجسدها الجنة، وفي تسمية هذا أجلاً مقابلاً للأجل الذي قبل الموت
مطابقة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلَّ مُّسَمَّ عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] أي: أجل الموت
وأجل القيامة (قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُه، قَالَ حَمَّدٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ
لَعْنًا) فیه نظیر ما مر.
(وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةُ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ فَيُقَالُ) لم يقل هنا
يقول لما مر في ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينٍ﴾ [الشعراء: ٨٠].
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والشر ليس إليك ﴿مَا
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
(انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَيْطَةً) براء
فتحتية؛ أي: ملاءة غير ملفوفة أو ثوبًا رقيقًا لينًا (كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا) أي:
كفعلي هذا لما كشف له عظيم نتن روح الكافر حتى شمه حقيقة كما هو ظاهر
الحديث، ويحتمل أنه تمثيل؛ أي: فيها من النتن والقبح ما لو ظهر لأحدكم لغطى
أنفه عنه كذلك (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٦٢٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا حَضَرَ المؤمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ
بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ الله وَرَنجَانٍ، وَرَبُّ غَيْرِ
غَضْبَانَ. فَتَخْرُجُ كَأَظْيَبٍ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَنَاوَلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُوا بِهِ
أَبَوابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَظْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِن الْأَرْضِ! فَيَأْتُونَ بِهِ
أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا
فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الُّنْيَا. فَيَقُولُ: قَدِ مَاتَ،
أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُون: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةٌ
الْعَذَابِ بِمِسْجِ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ الله ◌َتَ فَتَخْرُجُ
كَأَنْتَنِ رِيحٍ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الْأَرْضِ فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَّى يَأْتُونَ

٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
بِهِ أَزْوَاحَ الْكُفَّارِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿: إِذَا حَضَرَ المؤمِنُ) أي: حضره الموت (أَتَتْهُ
مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً) عن الله (مَرْضِيًّا) راضيًا
(عَنْكِ).
﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] أي: لا شيء من النعيم يعادله.
(إِلَى رَوْجِ الله وَرَنْجَانٍ وَرَبُّ غَيْرٍ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ) حال كونها (كَأَطْیَبٍ رِیح
الْمِسْكِ) أي: مثله، وهذا عند المتأمل أوضح من جعل الشارح الكاف صفة لمصدر
محذوف؛ أي: خروجًا مثل ريح مسك يعبق فأرتها، وهو قد فاق سائر أرواح المسك
(حَتَّى) الظاهر أنه غاية لما دل عليه التنبيه؛ أي: فيخرج في عظمة وطيب زائد حتى
تنتهي عظمته إلى (أَنَّهُ لَيتنَاولُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) تبركًا به وافتخارًا بحمله، ولذا تناوبوه
وإلا فأحدهم لا يعجز عن حمله.
(حَتَّى) غاية ليخرج (يَأْتُوا بِهِ أُبَوابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ) أي: ملائكتها بعضهم
لبعض (مَا أَظْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِن الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ)
التي في الجنة أو على بابها أو تحت العرش بحسب منزلته (فَلَهُمْ) الفاء للتعقيب، واللام
للانتباه مؤكدة لمضمون الجملة كما في قوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لَّلِصَّابِرِينَ﴾ [النحل:
١٢٦].
(أَشَدُّ فَرَحًا) ويصح كونها جارة متعلقة بفرحًا، وفيه تكلف (بِهِ مِنْ) فرح
(أَحَدِكُمْ) في الدنيا (بِغَائِهِ) حال كونه (يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ) عن أحوال معارفهم
من الأحياء فيقولون له (مَاذَا فَعَلَ فُلَانُ مَاذَا فَعَلَ قُلَانُ) وهكذا؛ أي: كيف أحوال
هؤلاء وأفعالهم بعدنا (فَيَقُولُونَ) أي: من لم يسأله للسائلين.
(١) أخرجه النسائي (١٨٣٣)، والحاكم (١٣٠٢)، ولم أقف عليه عند أحمد.