Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
ابتلوا بأعظم البلاء.
ومنه (أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ) فـ(الو)) وما بعدها في محل
مفعول ((يود)) أي: يودون أعظم البلايا لينالوا أعظم الثواب واختير ذلك [ ..... ] (١)
ولأن الثاني يحتاج تقدير قابلين ((لو أن جلودنا ... إلخ)) وما لا يحتاج لتقدير أولى (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
١٥٧١ - [وَعَنْ عَامِرِ الرَّامِ، قَالَ: فَذَكَرَ رَسُولُ الله ◌َّهِ الأَسْقَامَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ
إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ، ثُمَّ عَافَاهُ اللهُ وَ مِنْهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا
يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَمْ يَدْرِ
لِمَ عَقَلُوهُ، وَلِمَ أَرْسَلُوهُ، فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟ وَالله مَا مَرِضْتُ قٌَ،
فَقَالَ: قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا(٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَامِرِ الرَّمِ) ويقال: الرامي؛ لأنه كان حسن الرمي قوي الساعد (قَالَ:
فَذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ الأَسْقَامَ) أي: ثوابها (فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ
عَافَاهُ اللهُ وَ مِنْهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ) أي: التي تقبل التكفير (وَمَوْعِظَةً
لَهُ) أي: تذكيرًا له بما أنعم الله عليه من الرضاء ثم العافية؛ ليشكر الله ويدوم على
طاعته وعدم مخالفته.
(فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أَعْفِيَ) عبَّر بهذا فيه إشارة إلى غاية
تحقيره، وأنه ليس أهلاً لأن يقال في حقه: عافاه الله ولا عوفي، بل أعفي، تطلق
لتناسب ما يأتي من تشبيه بالتعبير (كَانَ) في غفلته عن شكر نعمة العافية، وأن مرضه
بسبب جناياته وذنوبه (كَالْبَعِيرِ عَقَّلَهُ أَهْلُهُ) كناية عن المرض (ثُمَّ أَرْسَلُوهُ) كناية عن
العافية.
(فَلَمْ يَدْرٍ لِمَ) أي: لأي سبب (عَقَلُوهُ، ولِمَ أَرْسَلُوهُ) فكذلك ذاك لا أدري لِمَ
(١) في الأصل: (دون أو أن جلودنا ليطابق أو يعم ألف سنة) وهو غير واضح.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٨٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧١٣٠).

٤٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
مرض ولا لِمَ عوفي، بل هو أضل من البعير الذي هو من أبلد الحيوانات، قال تعالى:
﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] فهو باقٍ على غباوته وعدم تنبهه،
فعلم أن المراد مقابلة المنافق للمؤمن، وأن المؤمن يتنبه بمرضه، ثم عافيته إلى أن مرضه
نشأ عما ارتكبه قبل فلا يعود لمثله بعد، بل يندم على ما أسلفه حتى يكفِّر الله عنه،
والمنافق لا يتنبه لذلك، بل يستمر على بلادته ومعصيته؛ لأنه فاق أبلد الحيوانات في
الغباوة، وعدم الميل لما ينفعه، فلا يكفِّر شيء من ذنوبه.
(فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله) علمنا ثواب الأسقام (وَمَا الأَسْقَامُ) وهي غير ما
نعرفه، فإني (وَالله مَا مَرِضْتُ قَطُ، فَقَالَ: قُمْ عَنَّا) أي: ابعد عنا فإنه لا مناسبة بيننا، أو
قم حال كونك متجاوزًا ومتباعدًا عنا (فَلَسْتَ مِنَّا) الظاهر أنها هنا تبعيضية؛ أي:
لست من أهل سنتنا على حد ((ليس منا من استنجى من الريح))(١) أو لست من بعض
أهل ملتنا؛ إذ الظاهر أنه منافق، وقد سبق أن المنافق قليل البلاء أو عديمه، ولا ينافيه
ما في هذا الحديث أنه يمرض؛ لأنه بفرض وقوع مرض له نادر يكون كالبعير فيما
ذكر، وأما قول الشارح: الظاهر أن ((من)) اتصالية كما في قول الشاعر:
فإني لست منك ولست مني
فبعيد وليس ما نحن فيه كهذا؛ لأن النفي في صورتنا؛ لإخراجه من جملة عداد
الكاملين أو المسلمين كما تقرر، وهذا لأن يتصور في (لست مني)) فتعين أن المراد:
لست متصلاً في وصله ود ومحبة، نعم إن حُمل ((نا)) هنا على التعظيم اتجه ما قاله، لكنه
بعيد من نظائره التي أشرت إلى بعضها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٥٧٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيد ◌ِ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ
فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِك لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه،
(١) أخرجه ابن عساكر (١١١٥٥)، وابن عدي (٣٥/٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٨٧) وقال: غريب، وابن ماجه (١٤٣٨)، وابن السني (٥٤٢)، والبيهقي في
((الشعب)) (٩٢١٣)، وابن أبي شيبة (١٠٨٥١)، وابن عدي (٣٤٣/٦)، والديلمي (١٠٤٢).

٤٦٣
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ) تعودونه
(فَنَفِّسُوا لَهُ) من التنفيس، وأصله: تفريج الكربة، وأريد به هنا ما يستلزمه، وهو
التطميع في الحياة؛ أي: طمِّعوه، فاللام للتأكيد (في) طول (أجَلِهِ) ووسعوا له فيه
بقولكم: تعيش طويلاً، وهذا مرض يبعد الموت منه، ونحو ذلك مما يفرج به كربته؛
لكونه يهش إلى سماعه، ويلتذ به؛ لما أن النفس جبلت على محبة الحياة، وقد أفاد ذلك
وَلَّه بقوله: (فَإِنَّ ذَلِك) التنفيس المذكور (لَا يَرُدُّ شَيْئًا) فقضى به على المريض، وهو
الموت.
(وَ) إنما هو لكونه (يُطَيِّبُ بِنَفْسِه) الباء زائدة لتأكيد رواية ((ويطيب نفسه)(١)
ويصح بعد كونها للتعدية، والفاعل ضمير يعود للتنفيس؛ أي: يتزوج بنفسه أو
تزوجها بنفسها؛ لأن ذلك له أثر بيِّن في دفع العلة واضعًا فيها حيث كان في الأجل مدة،
فهو من باب التداوي المطلوب.
ومن ثم بالغ الأطباء في الحث على أنه ينبغي أن يفعل بالمريض كل ما فيه انتعاش
للنفس وإزالة لكدوراتها، فإنه لا أبلغ من ذلك في دفع العلة؛ لأن الحار الغريزي كلما
قوي اعتدل الدم وقوي القلب، وذلك سبب عظيم عجيب في تعجيل البُرء.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ولم أرَ
لأصحابنا تصريحًا يندب ما في هذا الحديث من التوسيع له من أجله بما لا جزم فيه
ولا كذب، والندب واضح جلي لما تقرر من أن فيه دواء نافعًا للمريض، ولا يقال:
لعلهم تركوا ذلك لقرابة الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل، بل إجماعًا على أن
الغرابة قد تجامع الصحة، فلا يلزم من كونه غريبًا كونه ضعيفًا.
وقد استدرك جماعة من أئمتنا على باقيهم أنهم أهملوا استحبابات في السنة، ولم
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٣١).

٤٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
يذكروا هذا.
منها: أنه يسن للمريض إذا قرب نزعه الاستياك، وحديثه في ((الصحيحين)) عند
موته ﴿ وقال: ((إنه يسهل نزع الروح))(١).
ومنها: التطيب لأجل الملائكة، وجاء فعله عن سلمان عند موته.
ومنها: لبس الثياب النظيفة الطاهرة، وجاء عن فاطمة وأبي سعيد الخدري،
رضي الله عنهما.
ومنها: الصلاة لقصد حبيب، والاغتسال، وجاء عن فاطمة، رضي الله عنها.
١٥٧٣ - [وَعنْ سُليمَان بن صَرد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ
يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ(٢). رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعِنْ سُليمَان بن صَرِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ قَتَلَهُ بَظْنُهُ) أي: من مات
بداء في بطنه، فإسناد القتل إلى البطن مجازًا مبني على الاستعارة بالكناية؛ لما فيه من
تشبيه تولد الموت عما فيها بتولده عن الآلة المحدودة المعدة للقتل، ثم إثبات ما للمشبه
به للمشبه، وهو لفظ القتل تبعًا، فهي تمثيلية ترشيحية وتبعية قرينها ذلك الإسناد،
وهذا مما يصرح بما قدمته في خبر: ((والمبطون شهيد))(٣) كل من مات بداء في بطنه (لَمْ
يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ) أي: طهارته من الذنوب التي تكفرها الشهادة.
وقد صحَّ في مسلم: ((الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين)) (٤) إلا حقوق الآدميين؛
لأنها كلها ذنوب على متحملها بالأبدان يخرج منها لأربابها في الدنيا بالرد
والاستحلال، وإلا ففي الآخرة بأخذ حسناته ما وجدت، وإلا فبطرح سيئاتهم عليه
(١) ذكره القاري (٢٩٣/٥).
(٢) أخرجه الطيالسي (١٢٨٨)، وأحمد (١٨٣٣٧)، والترمذي (١٠٦٤) وقال: حسن غريب، والنسائي
(٢٠٥٢)، وابن حبان (٢٩٣٣)، والطبراني (٦٤٨٦)، وابن قائع (٢٨٩/١).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم (١٨٨٦)، وأحمد (٧٠٥١)، وأبو عوانة (٧٣٦٩)، والحاكم (٢٥٥٤) وقال: صحيح
الإسناد.

٤٦٥
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
كما دلت على ذلك الأحاديث، وهذا هو السبب لتأويلي لما مرَّ في ((كان كفارة لما مضى
من ذنوبه)) وغيره بما قدمته في ذلك (رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
(الفصل الثالث)
١٥٧٤ - [عَنْ أَنِسِ ﴾ قَالَ: كَانَ غُلَامُ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ نَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ
وَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَطِعْ أَبًا
الْقَاسِمِ فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ(١). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(عَنْ أَنِسِ ﴾﴾ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ) هو وإن كان حقيقة في غير البالغ، لكن المراد
به هنا البالغ، فلا دليل في الحديث لصحة إسلام الصبي، وإنما صحَّ إسلام علي
- كرم الله وجهه - وهو صبي لما ذكره الأئمة أن الأحكام قبل الهجرة كانت منوطة
بالتمییز.
على أن قوله: ((أنقذه من النار)) صريح في بلوغه؛ إذ الأصح الذي عليه الأكثرون،
ودلت عليه الأحاديث الصحيحة أن أطفال المشركين في الجنة، وقوله وير: ((هم من
آبائهم)(٢) قبل أن يعلمه الله بذلك، فلما أعلمه أخبر به (يَهُودِيُّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ◌َُّ) فيه
جواز استخدام الذمي ومخالطته لكن بالظاهر فقط، وأما مودته ومحبته بالقلب
فحرام، وهي محمل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُؤَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وعلى هذا التفصيل يحمل كلام بعض أئمتنا الموهم للتناقض في ذلك (فَمَرِضَ،
فَأَتَاهُ التَّبِىُّ ◌َ يَعُودُهُ) فيه ندب عيادة الذمي، ومثله المعاهد والمستأمن، لكن إن كان
ثم نوع صلة لنحو قرابة أو جوار، وكذا رجاء إسلام ومثله مبتدع ومتجاهر بفسق
(١) أخرجه البخاري (١٣٥٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٣)، ومسلم (٤٦٤٩)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٦٦٥)، وأحمد
(١٦٨٧١).

٤٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وجبت توبته، فإن أيقن ذلك جازت.
(فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ) يؤخذ منه أن السنة للعائد تحري الجلوس عند رأسه إن
أمكنه ذلك، وحكمته: إنه ينبغي للعائد ملاطفة المريض بسؤاله عن حاله وتطييب
خاطره، وذلك إنما يتم أو يسهل إذا كان عند رأسه.
(فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ) فيه أنه ينبغي للعائد إذا رأى أمارة الموت، وعلم أنه لا يشق
عليه كلامه له أن يرغِّبه في التوبة والوصية والتنصل من جميع الحقوق بكل ما يمكنه
بأداء، أو استحلاله لكل من بينه وبينه مخالطة أو معاملة، ويُسن له أن يبالغ في تحسين
ظنه بربه وتطميعه في رحمته، بل يحث جمع من أئمتنا وجوب ذلك إذا رأى منه أمارات
اليأس أخذًا من قاعدة ((النصيحة الواجبة)) وهذا من أهمها، وقد نقل القرطبي الإجماع
في نحو ذلك.
وهل يؤخذ من قوله ولي له: ((أسلم)) أن من عاد مريضًا يجب عليه عرض
الإسلام عليه؛ لأن الأصل في فعله * أن يكون للوجوب على خلاف فيه في
الأصول، أو يفرق بأنه * متحتم عليه إبلاغ الدعوة لكل من أمكنه إبلاغه بخلاف
غيره؟ محل نظر، والظاهر عدم الوجوب في خصوص هذا حتى عليه وَير؛ لأنه قد بلَّغ
الدعوة لهذا ولغيره تبليغًا متكررًا متأكدًا؛ ولأنه لو امتنع لم يجبر لذمته وأمانه فلم
يتضح وجه الوجوب.
(فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ) كالمستحي منه، ورأى أبوه أن له ميلاً إلى الامتثال
فلم يحب أن يكدر عليه بمنعه منه (فَقَالَ) له: (أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ) فيما أمرك به، وفي
جريان هذه الكنية على لسانه حينئذٍ الإشارة إلى عظيم المرتبة التي أوتيها ◌َله وأشار
إليه بقوله: ((إنما أنا قاسم والله معطي)(١).
كيف وقد قسم لهذا الخادم له الذي تشرف بخدمته، وحل عليه نظر سعادته
(١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩٥٦).

٤٦٧
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
تلقينه نجاته وسعادته الدائمة، فأعطاه الله ببركة تلك الوجهة إليه ذلك الكمال الأبدي
والعز السرمدي، وأبقى أباه إن لم يكن أسلم باطنًا في الهوان والبوار، ولم ينفعه ذلك
الأمر شيئًا؛ لأنه تقرب عارٌّ عن مخالفته لما أمر به غيره فحرم بره وخيره، ویؤخذ منه أن
أمر الكافر مثله بالإسلام لا يكون إسلامًا؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يؤمر ولا يرضاه.
(فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبيُّ ◌َيا) من عنده فرحًا مسرورًا بنجاته، وأن خدمته له لم
تذهب سدى (وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ) أخرجه (مِنَ النَّارِ) لو مات كافرًا أو
من الكفر المسمى نارًا؛ لأنه سببها أو الذي يؤول بمن قام به إليها (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٥٧٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ
مِنِ السَّمَاءِ طِبْت وَطَابَ مَمْشَاكِ، وَتَبَوَأْتِ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً (١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أي: على ما ينبغي
مما يطلب من العائد باطنًا وظاهرًا (نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاء) إعلامًا للملائكة بعظيم
فضل هذا العائد، ومزيد ثواب هذه العيادة التي أتى بها ليزداد الدعاء والاستغفار له
من الملائكة القائمين بالدعاء والاستغفار للمؤمنين ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾
[غافر:٧].
(طِبْت) خلقًا وحياة في هذه الدار، عشت بما هو من كريم الأخلاق التي بها
التواصل بين المؤمنين المطلوب المتأكد؛ ليتم تصادقهم وتجتمع قلوبهم، فتعود بركة
صالحيهم على طالحيهم (وَطَابَ مَمْشَاك) أي: كثر ثواب مشيك إلى هذه العبادة
الفاضلة.
(وَتَبَوَّأْت مِنَ) منازل (الْجَنَّة) العالية (مَنْزِلاً) عظيمًا، دعوا له بصيغة الماضي
تفاؤلاً بتحقق ذلك ووقوعه، ومن ثم قالوا: ((غفر الله له)) أبلغ من ((اللَّهُمَّ اغفر له))
أي: اللُّهُمَّ طيِّب خلقه بالتنزه عن قبائح الأفعال ورذائل الصفات حتى لا يصدر عنه إلا
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٠٨) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (١٤٤٣).

٤٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة، وعيشه في الدنيا حتى لا يقع في فتنة ولا نقيصة
ولا رذيلة، وممشاه بسلوك طرق الأعمال الأخروية للإتيان بها على كمالها، وفي الآخرة
برفعته إلى منازل الأبرار ونعيم الأخيار.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وأصل الطيب: ما تستلذه الحواس والنفس، ثم استعير للتحلي
بحليتي العلم والعمل، والتخلي عن رذيلتي الجهل والزلل.
١٥٧٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ عَلَيًّا خَرَجَ مِنْ عِند
النَّبِيِنَّهُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُؤُنَّ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، كَيفَ أَصْبَحَ رَسُولُ الله
وَهِ؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ الله بَارِثًا](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ عَلَيًّا خَرَجٌ مِنْ عِند التَّبي
فِي) زمن (وَجَعِهِ الَّذِي تُؤُنِّيَّ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَنِ) فيه ندب بكنية الكبير
بأكبر أولاده (كَيفَ أَصْبَحَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾؟) فيه أن العيادة إذا تعسرت لعارض كغلبة
المريض أو اشتغاله باستعمال دواء سُنَّ السؤال عن حاله ممن يعلمه، وهذا وإن لم يصرح
به أئمتنا لكنه ظاهر المعنى؛ لأن المريض إذا بلغه ذلك يُسر به.
(فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَيْدِ الله بَارِئًا) من كل ما يعتري المريض من القلق والغفلة، أو
قريبًا من البرء بحسب قلته، أو للتفاؤل وحمله بحمد الله خير، و((بارئًا)) حال من فاعله
أو عكسه، وفيه أنه ينبغي لمن سُئل عن المريض أن يجيب بما يشعر برضا المريض بما
هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمر على حمده وشكره لم يغيره عن ذلك شدة ولا مشقة،
ومما يؤذن بخفة مرضه أو قرب عافيته للتفاؤل بذلك، وهذا وإن لم يصرح به أصحابنا
لكنه واضح أيضًا.
١٥٧٧ - [وَعَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاحِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنَ عَبَّاسِ، رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا: أَلَا
أَرِيكَ إِمرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِه المرأةُ السَّوداءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَتْ:
(١) أخرجه البخاري (٤١٨٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٣١٦٥).

٤٦٩
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
إِنِي أُصْرَعُ وَإِنِي أَتَكِشَّفُ فَادْعُ اللهَ لِي، فَقَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتٍ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ
دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، قَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: فَإِنِي أَتَكِشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَلَّا أَتكَشَّف،
فَدَعَا لَهَا (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَطَاءِ بْن أَبِي رَبَاحِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنَ عَبَّاسِ، رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا: أَلَا أُرِيكَ
إِمرَأَةٌ مِنْ أَهلِ الجَنَّة؟) أي: لتتبرك بها ويحل نظرها عليك بلحظة أو دعوة، وإن بلغت
من العلم ما بلغت؛ لأن لله تعالى أسرارًا في خلقه لا تتقيد بأرباب العلوم الظاهرة،
وفي هذا عن ابن عباس إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يرشد أتباعه إلى التحلي بجميع
خلال الكمال، والتخلي عن سائر أسباب النقص، وإلى إدامة الافتقار، والتنزه عن
دسائس النفس بأسرها، وإلى أنه ينبغي لكل إنسان وإن جلَّت مرتبته أن يكون على
غاية من الذل والتواضع وإظهار الافتقار، والتبرك بالضعفاء، لا سيما المبتلين، وطلب
الاستمداد منهم، وألا يستحقر أحدًا قط، فإن مواهب الله تعالى لا تتقيد بأحد «رُب
أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره)(٢).
(قُلتُ: بَلَى) أي: وأنّى لي أن يقع نظري على مثل هذه فإني مفتقر إلى رؤية مثلها؛
لأستمد منه؛ إذ أنا بصدد الاستمداد لما ينفعني الله به في الدنيا والآخرة (قَالَ) هي (هَذِه
المرأةُ السَّوداءُ) سبب كونها من أهل الجنة أنها (أَتَتِ السَّبِيَّ وَِّ فَقَالَتْ: إِي أُصْرَعُ) أي:
يعتريني داء الصرع الناشئ عن غلبة بعض الأخلاط حتى يغطي نور العقل فأذهل
عن نفسي، وأصل لحالة قريبة من حالة الجنون (وَإِي) لأجل ذلك (أَتَكْشَفُ) فتُرى
عورتي (فَادْعُ الله لي) أن يعافيني من ذلك.
(فَقَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتٍ) على هذه البلية العظيمة (وَلَكِ) في مقابلة ذلك
(الْجَنَّةُ) إلى أن تموتي على الإسلام، ويكون لك في الجنة منزلة عليَّة بدليل ما مر من
(١) أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٦٧٣٦)، وأحمد (٣٢٩٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٦٠٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٨٥٤) وقال: صحيح حسن، والضياء (١٥٩٥)، والحاكم (٥٢٧٤) وقال:
صحيح الإسناد، وأبو نعيم (٣٥٠/١).

٤٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
عظيم ثواب المريض الصابر، وكأنه و ﴿ إنما أرشدها لذلك أولاً؛ لأنه ظهر له منها مخائل
الصدق والصبر (وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، قَالَتْ) محققة لما أملهِ وَّ فيها
(أَصْبِرُ، فَقَالَتْ) لي حينئذٍ مسألة لا بد لي منها، سيما وهي ليست لحظ نفسي فقط؛ بل
لأن الله تعالى فيها حقًّا أكيدًا.
(فَإِي أَتَكِشَّفُ) إذا صرعت فتظهر عورتي فيسوئني ذلك إذا أفقت (فَادْعُ اللهَ)
لي (أَلَّا أَتَكَشَّف، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه أن الصرع من جملة الأمراض بل من
أخطرها، وأنه يندب عيادة المريض صاحبه، وأن في الصبر على المرض عظيم الثواب،
وأن من طهر له من مريض طهارة نفسه عن حظوظها ندب له أمره بالصبر، بل الرضا،
وإن إدامة المرض أفضل من العافية، لكن بالنسبة لبعض الأفراد ممن لا يعطله المرض
عما هو بصدده من نفع المسلمين وتعليم الجاهلين وتربية المريدين، وإن ترك التداوي
أفضل، لكن لا مطلقًا، بل فيه تفصيل ذكره أصحابنا أخذًا من مجموع الأحاديث.
وحاصله: إنه يُسن التداوي؛ لخبر أبي داود وغيره: أنتداوى؟ فقال: «تداووا
فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم) (١) ولم يجب كإساغة اللقمة، ولو لم
يجد غيرهما للقطع بإفادة هذا دون التداوي، وندبه لا ينافي تأكد الصبر؛ لأن المراد منه
عدم التضجر بالمرض لا عدم التنصل عنه بالكلية.
ومن ثم قال أئمتنا: إنه لا ينافي التوكل؛ أي: لأن أولى تعاريفه أنه مباشرة
الأسباب مع شهود خالقها؛ ولأنه ◌َل# فعله وهو سيد المتوكلين، ومع ذلك ترك التداوي
توكلاً كما فعل أبو بكر - كرم الله وجهه - فضيلة.
١٥٧٨ - [وَعَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله
٠٠
.-
-
(١) أخرجه الطيالسي (١٢٣٢)، وأحمد (١٨٤٧٨)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨) وقال:
حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٥٣)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وابن حبان (٤٨٦)،
والطبراني (٤٦٤)، والطحاوي (٣٢٣/٤)، وابن قانع (١٣/١)، والحاكم (٤١٦) وقال: صحيح،
والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٥٢٨)، والضياء (١٣٨٤).

٤٧١
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
وَّهِ فَقَالَ رَجُلُ: هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: وَيْحَكَ، وَمَا
يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضِ فَيُكَفِّرُ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ(١). رَوَاهُ مَالِكُ مُرسَّلاً].
(وَعَنْ يَحْتَى بْنِ سعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمّنِ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ
رجُلُ: هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَ) الحال أنه (لَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: وَيْحَكَ) لا
تمدح عدم المرض بقولك ذلك، وأتى بويح الدالة على الترحم لعذره في ظنه أن عدم
المرض مكرمة (وَمَا يُدْرِيكَ) أن فقد المرض مكرمة، بل المكرمة وجوده.
(لَوْ أَنَّ اللهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضِ) لو للتمني فـ«ما يدريك» معترضة؛ أي: لیته مرض، أو
للامتناع، فهي معمولة لـ(يدريك)) أي: وما يدريك أن الله لو ابتلاه به لكان خيرًا له
(فَيُكَفِّرُ عَنْهُ مِنْ) للتبعيض؛ لما مرَّ (سَيِّئَاتِهِ. رَوَاهُ مَالِكُ مُرسَلاً).
١٥٧٩ - [وَعَنْ شَدَّادِ بن أَوْسِ، وَالصُّنَابِجِيّ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَهمَا دَخَلَا عَلَى
رجُلٍ مَرِيض يَعُودَانِهِ فَقَالًا له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ بنعْمَةٍ، فَقَالَ شَدَّادُ: أَبْشِرْ
بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ، وَحَظّ الْخَطَايَا، فإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: إِنَّ اللّهَ رَتْ
يَقُولُ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا، فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومِ مِنْ
مَضْجَعِهِ ذَلك كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا قَيَّدْتُ
عَبْدِيَ وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسِ، وَالصُّنَابِجِيّ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا أَنَّهِمَا دَخَلًا عَلَىَ رَجُلٍ
مَرِيض يَعُودَانِه فَقَالًا له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟) أي: على أي حالة من حالات المرض أنت
الآن؟ (قَالَ: أَصْبَحْتُ) ملبسًا (بنعْمَةٍ) عظيمة من نعم الحق أوصلها إلي من المرض،
والصبر عليه.
(فَقَالَ شَدَّادُ: أَبْشِرْ) إذ كنت بهذه الحالة من عد المرض نعمة أي نعمة، ومن
الصبر أو الرضا به (بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ، وَحَّ الْخَطَايَا) من عطف البيان أو الرديف،
(١) رواه مالك (١٧٢١).
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٥٩)، والطبراني (٧١٣٦) وفي ((الأوسط)) (٤٧٠٩)، وأبو نعيم (٣٠٩/٩).

٤٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وهو الأظهر لتساويهما جلاء وخفاء، والداعي إليه أن المقام مقام بشارة، وهي يتأكد
فيها الإطناب مبالغة في إدخال السرور وتكريره.
(فإِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: إِنَّ اللّهَ رَكَ يَقُولُ: إِذَا ابْتَلَيْتُ) فائدته:
تقوية الحكم وبيان مزيد الاعتناء به، وإنه مما ينبغي أن يرضى به لعظيم فائدته
(عَبْدًا مِنْ عِبَادِي) حال كونه (مُؤْمِنًا) بي؛ أي: مصدقًا بوعدي، وبأنه لا حجر عليّ
لأحد، وبأني الحكيم المطلق الذي لا يضع شيئًا إلا في محله الذي هو الأليق
به.
(فَحَمِدَفِي) بسبب ذلك (عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ) به (فَإِنَّهُ يَقُومِ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلك) الذي
هو فيه؛ أي: مرضه، سمي باسم ملازمه غالبًا، وهو متجرد باطنًا عن ذنوبه (كَيَوْمٍ) أي:
كتجرده ظاهرًا في وقت (وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا فَيَّدْتُ
عَبْدِيَ وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ) من كتابة الثواب لما تركه لأجل مرضه مما هو عذر فيه (مَا
كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ).
فيه أنه ينبغي للعائد سؤال المريض عن حاله بنحو كيف أصبحت؟ وكيف
نجدك؟ كما كان ◌َله يفعله، وتطييب خاطره بما له من عظيم الأجر، والتكفير للمريض
أن يكون على غاية من التصبر، بل والرضا، وأن يظهر لعُوَّاده أنه في نعمة من ربه، وأنه
على غاية من الصبر، وعدم التأثر بما هو فيه، وأن المريض إنما يحصل له جميع ما ورد
فيه من الثواب والتكفير إذا صبر، بخلاف ما إذا جزع أو تضجر فلا يحصل له ذلك،
وفيه رد على من قال: يحصل له وإن عصى بالسخط؛ لأنه معصية أخرى منفكة عن
المرض.
١٥٨٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: إِذَا كَثُرَتْ
ذُنُوبُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ(١).
رَوَاهُ أَحْمَد].
(١) أخرجه أحمد (٢٥٢٧٥)، والديلمي (١٣٢٥).

٤٧٣
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ
الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِالْحُزْنِ) بضم فسكون
وبفتحتين؛ أي: بأسبابه التي ينشأ عنها من البلايا والوساوس الضارة، وداؤه من أعظم
الأدواء، ومن ثَمَّ امتن الله بكشفه عن نبيه يونس التَّيْه بقوله: ﴿وَنَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ﴾
[الأنبياء: ٨٨] وكان ◌َلَّ يكثر أن يستعيذ منه في صلاته وخارجها (لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ.
رَوَاهُ أَحْمَد).
١٥٨١ - { وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ
فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا(١). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ].
(وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي
الرَّحْمَةِ) أي: فيها، شبهها بالماء في إزالة الأوساخ والدرن، كما أنها تزيل وسخ الذنوب
ودرنها، فهو استعارة بالكناية، وذكر الخوض والانغماس ترشيح، وابتداء خوضه فيها
من حين يتوجه إلى المريض قاصدًا عيادته لله (حَتَّى يَجْلِسَ) عنده (فَإِذَا جَلَسَ) عنده
(اغْتَمَسَ فِيهَا) كناية عن عموم تطهيرها له من الذنوب حينئذٍ ضرورة تمیز الغايات
على البدايات والمقدمات.
وفي رواية: ((استقرت فيه)) كناية عن حيازته لأعظم أسباب التطهير والمغفرة
(رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) وفيه أبلغ الحث ومزيد التأكيد على العبادة . .
:
١٥٨٢ - [وَعِنْ ثَوْبَان ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى،
فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرِ جَارٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ
جِرْيَتَهُ، فَيَقُولُ: بِسْمِ الله، اللهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأَ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ،
فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي خَمْسِ فَسَبْعٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي سَبْعٍ فَتِسْجِ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا
(١) أخرجه أحمد (١٤٢٩٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٢٢)، وابن حبان (٢٩٥٦)، والحاكم
(١٢٩٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (٦٣٧٥).

٤٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بِإِذْنِ الله(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب].
(وَعِنْ ثَوْبَان ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾ِ: إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُتَّى
قِطْعَةُ مِنَ النَّارِ) أي: لشدة ما يلقى المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة، وهذا
تعليل لقوله جوابًا لـ((إذا)) (فَلْيُطْفِئْهَا) وهذا أوضح من جعل ((فإن)) وما بعدها جواب
((إذا)) وما بعده مترتب عليه؛ لأن فيه تكلفًا أشار إليه قائله بقوله.
والتقدير: إذا أصاب أحدكم الحمى فليعلم أن الحمى قطعة من النار فليطفئها
(عَنْهُ بِالْمَاءِ) وهذا خاص ببعض أنواع الحمى الصفراوية التي يألفها أهل الحجاز لا
بكلها؛ لأن من أنواعها ما يكاد الماء معه أن يكون قاتلاً، فلا ينبغي للمريض
إطفاؤها بالماء إلا بعد استشارة طبيب ثقة عارف.
(فَلْيَسْتَنْقِعْ) بيان لكيفية الإطفاء المطلوب هنا على حد: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ
فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فقتل نفسهم بيان لما أمروا به من التوبة (في نَهْرٍ جَارٍ
فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ) بأن يجعل وجهه لصوب جريانه، فإن حركة الماء وقوته حينئذٍ مع
طول المكث فيه المستفاد من التعبير بالاستنقاع تؤثر في البدن من البرودة وانتعاش
النفس ما يذهب عفونة الحمى المتعفنة في الجوف، وتوقظ الطبيعة بعد خمودها من
شدة الحمى إلى أن يعتدل طبخها وهضمها.
(فَيَقُولُ) في حال ذلك الاستقبال: (بِسْمِ الله) أستعين على ذهاب ما بي من الحمى
(اللهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ) يعني: نفسه وآثره على ((اشفني)) لأن في ذكر العبدية المشعرة لمزيد
الاضطرار والافتقار ما هو كالوسيلة إلى قضاء الحاجة وإجابة الدعوة؛ أي: أتوسل إليك
بعد التوسل بجميع أسمائك بافتقاري إليك.
(وَصَدِّقُ) بمعافاتك، يأمن ذلك (رَسُولَكَ) المخبر بأن في ذلك الشفاء (بَعْدَ)
ظرف لـ(يستنقع)) (صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لأنه وقت نزول الرزق والبركة؛
(١) أخرجه أحمد (٢٢٤٧٨)، والترمذي (٢٠٨٤) وقال: غريب، وابن السني (٥٧٣)، والطبراني
(١٤٥٠).

٤٧٥
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
الخبر: ((نوم الصبحة يمنع الرزق)(١) وخبر: ((بورك لأمتي في بكورها))(٢) ولأن الغالب في
الأدوية استعمالها قبل النوم حينئذٍ؛ لأن الطبيعة تكون عقب النوم مستريحة من
تعب الخواطر، ومتهيئة لفراغها من فضول الأغذية إلى قبول ما تتداوى به.
(وَ) لا يقنع في هذا الاستنقاع بمرة، بل (ليَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةً
أَيَّامٍ) متوالية كما هو الظاهر؛ لأن الغالب في الأدوية أنها لا تؤثر إلا بعد الثلاث
فأكثر (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ) من الغمسات في خمسة أيام متوالية تفعلهن (فَإِنْ
لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمٍْ فَسَبْعِ) تفعلهن كذلك (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ) كذلك (فَإِنَّها) أي:
الحمى (لَا تَكَادُ تُّجَاوِزُ تِسْعًا) من هذه المرات، بل تذهب غالبًا إن لم يكن ذهابها
(بِإِذْنِ الله) لها في ذلك؛ أي: بسبب أمره لها بعدم العود، ويصح أن يراد بالإذن هنا
الإرادة (رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيب).
١٥٨٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ وَل﴿ فَسَبَّهَا رَجُلُ، فَقَالَ رَيهِ: لَا تَسُبَّهَا، فَإِنَّهَا تَنْفِي الدُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ
خَبَثَ الْحَدِيدِ(٣). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى) أي: بعض أوصافها
كشدتها كما يدل عليه السياق (عِنْدَ رَسُولِ الله ( 18) وكان من عظيم حلمه عليهم
ورأفته بهم أنه يمكنهم من الخوض عنده في الأمور المباحة، ويتكلم معهم فيها، ثم
يتحفهم بحقائق العلوم والآداب (فَسَبَّهَا رَجُلُ فَقَالَ وَّ: لَا تَسُبَّهَا) هو نهي تنزيه كما
مر، ويومئ إليه تعليله النهي بقوله: (فَإِنَّهَا) لشدة ما يلقاه المحموم من حرها أو بردها
-
(١) أخرجه أحمد (٥٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٥٤٨).
(٢) أخرجه الطبراني (٧٢٧٧)، وأحمد (١٥٥٩٥)، والدارمي (٢٤٣٥)، وأبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي
(١٢١٢) وقال: حسن، وابن حبان (٤٧٥٤)، والطيالسي (١٢٤٦)، والبيهقي (١٨٢٣٧)، وأبو يعلى
(٧٥٠٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٥٩٨).

٤٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(تَنْفِي الذُّنُوبَ) أي: تُذهبها (كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) كناية عن المبالغة في
تمحيصها من الذنوب (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٥٨٤ - [وَعْنِه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َيِ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ تَعالَى
يَقُولُ: هِي نَارِي، أَسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي فِي الدُّنْيَا؛ لِتَكُونَ حَظّهُ مِنَ النَّارِ يَومِ القِيَامِةِ(١).
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالبِيهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمَانِ))].
(وَعْنِه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَيِّ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ:
هي) أي: الحمى كما يفيده السياق (نَارِي) أي: نار لطفي ورحمتي؛ لكونها تذهب
الذنوب وتقي من نار الغضب الأخروية التي لا تطاق، ولكوني إنما (أُسَلِّطُهَا عَلَى
عَبْدِي) الكامل الإيمان، والتصديق المستلزم لرضاه بها أو صبره عليها (في الدُّنْيَاء
لِتَكُونَ حَّهُ) أي: نصيبه المجعول له بدلاً (مِنَ النَّارِ يَومِ القِيَامة) التي كانت تصيبه
بطريق الأصالة لما اقترفه من الذنوب (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالبِيهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمَانِ))).
١٥٨٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: إِنَّ الرَّبَّ سُبحَانِهُ يَقُولُ: وَعِزَّتِي
وَجَلَالِي لَا أُخرِجِ أَحَدًا مِنَ الدُّنيَا أُرِيدُ أَغفرَ لَهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلّ خَطِيئَةٍ فِي عُنُقِهِ بِسُقْم
فِي بَدَنِهِ، وَإِقَتار ◌ِفِي رِزْقِهِ(٢). رواهُ رَزِین].
(وَعَنْ أَنَّسِ عَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: إِنَّ الرَّبَّ سُبحَانهُ) أي: تنزه عن مشابهة
الأرباب لما أنهم جميعهم تحت قهره وإرادته (يَقُولُ: وَعِزَّبِي وَجَلَالِي) هو تعالى غني عن
الإقسام، لكن لمزيد لطفه ورحمته بعباده أكد لهم وقوع المقسم عليه الآتي بالإقسام
عليه مبالغة في النعمة عليهم (لَا أُخرِج أَحَدًا مِنَ الدُّنيَا) حالة كوني (أُرِيدُ) أني (أَغفرَ
لَهُ) ويصح كونها صفة لـ((أحد)) (حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ) أي: جزاء كل (خَطِيئَةٍ) اقترفها،
وكنى عن هذا بقوله: (في عُنُقِهِ) لأن الغالب أن الجاني يربط بحبل في عنقه يقاد به
(١) أخرجه البيهقي (٦٣٨٣) وابن أبي شيبة (١٠٨٠٢) وأحمد (٩٦٧٤) وابن ماجه (٣٤٧٠) والحاكم
(١٢٧٧) وقال: صحيح الإسناد.
(٢) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (٧٣٥٤).

٤٧٧
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
حتى يُستوفى منه؛ ولهذا سمي القصاص: قودًا (بِسُقْمٍ) متعلق بـ((أستوفي)) مضمنًا معنى
أُستبدل (فِي بَدَنِهِ، وَإِقَتار) أي: تضييق (فِي رِزْقِهِ. رَوَاهُ رَزِين).
وفيه غاية البشارة للمبتلين بالمرض أو الفقر، وكان هذا من أسباب كون الفقراء
يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنهم محصوا في الدنيا بفقرهم، فإن
حوسبوا كان حسابهم يسيرًا، والأغنياء يقفون ليحاسبوا ويجلسون ليمحصوا.
١٥٨٦ - [وَعَنْ شَقِيق تِلمِيذِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرِضَ عَبدُ الله فَعُدنَاه فَجَعَل
يَبِكِي، فَعُوتِبَ، فَقَالَ: إِنِي لَا أَبكِي لأجل المرض؛ لأَنِي سَمعتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُول:
المَرض كفَارةٌ، وَإِنَّمَا أَبِكِي أَنَّه أَصَابَنِي عَلَ حَالِ فِرَةِ، وَلَمْ يُصْبْنِي فِي حَالِ اجْتِهَادٍ؛
لَأَنَّهُ يُكْتَبُ للَعَبْدِ مِنَ الأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ يُكتَبُ لَّهُ قَبْل أَنْ يَمرَضَ فَمَنَعهُ منهُ
المَرَضُ(١). رَوَاهُ رَزِین].
(وَعَنْ شَقِيق ◌ِلمِيذِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرِضَ عَبدُ الله) ابن مسعود ﴾ (فَعُدْنَاه
فَجَعَل يَبِكِي، فَعُوتِبَ) في ذلك توهمًا أنه بكى جزءًا من أجل المرض (فَقَالَ) ردًا لهذا
التوهم: (إِنِي لَا أَبكِي لأجل المرض؛ لأَنِي سَمعتُ رَسُولَ اللهِ وَلاَ يَقُول: المَرض كِفَارةُ،
وَإِنَّمَا أَبِكِي) لأجل (أَنَّه) أي: المرض (أَصَابَنِي) ويصح كسر إِن (عَلَىَ حَالِ فِتْرَة) أي:
فتور وضعف للجسم عن الاجتهاد في العمل والاستكثار منه، وهذا بحسب همته
العلية وإلا فأقل أعماله يعجز عنها أكابر العباد بعده، كيف وقد قال وله في حقه:
((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد))(٢)؟
(وَلَمْ يُصْبْنِي) المرض (فِي حَالِ اجْتِهَادٍ) كنت عليه فيما مضى؛ إذ كنت قوي
الجسم، شديد البطش، ولوددت أن يكون مرضي وأنا على هذه الحالة (لَأَنَّهُ يُكْتَبُ
للعَبْدِ مِنَ الأَجْرِ إِذَا مَرِضَ) أي: مثل (مَا كَانَ يُكتَبُ لَهُ) من العمل الذي كان يعمله
(١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (٧٣٥٥).
(٢) أخرجه الحاكم (٥٣٨٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وابن أبي شيبة (٣٢٢٣١)، والطبراني
(٨٤٥٨)، والحاكم (٥٣٨٨).

٤٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(قَبْل أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعهُ منهُ المَرَضُ. رَوَاهُ رَزِين) ويؤخذ منه أن المكتوب للمريض هو
مثل الأعمال التي عاقه عنها هذا المرض لا التي سبقت له قبل ذلك.
١٥٨٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َلَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّ بَعْدَ ثَلاَثٍ(١). رَوَاهُ
ابْنُ مَاجَه، وَالبَيَهَقِي فِي («شُعَبِ الإِيمَانِ))].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ) مضي (ثَلَاثٍ) من
الأيام (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَالبَّيَهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) ولهذا اعتبر المصنف كالغزالي
المستدل به على أن العبادة إنما تُسن بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء المرض،
وليس الحال كما ظن في الحديث؛ لأنه موضوع كما قاله الحافظ الذهبي وغيره،
لكنه إذا راج على مثل الحافظ البيهقي كابن ماجه فلا ملام على من راج عليه
بعدهما؛ فالصواب ندب العبادة من يوم المرض كما اقتضته الأحاديث السابقة
وغيرها.
١٥٨٨ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى
مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُو لَكَ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ
فَمُرْهُ) بأنه (يَدْعُو لَكَ) ويصح جزمه على لغة من لا يحذف حرف العلة للجازم كما
مر قريبًا نظيره جوابًا للأمر الواصل إليه عنه وَله على حد: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] على أحد الأعاريب فيه (فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ)
لأنه أشبههم في التنقي من الذنوب بسبب مرضه، ودعاء غير العاصي مقبول ﴿إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧](رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٥٨٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مِن السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ،
وَقِلَّةُ الصَّخَبِ فِي العِيَادَةِ عِندَ المَرِيضِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَمَا كَثُرَ لَغْطُهُمْ
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢١٦)، وابن ماجه (١٥٠٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٤١)، وابن السني (٥٦٣)، والديلمي (١٠٩٤).

٤٧٩
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
وَاخْتَلَافُهُمْ: قُومُوا عَنِّ(١). رَوَاهُ رَزِين].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مِنِ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ، وَقِلَّةُ
الصَّخَبِ) أي: رفع الصوت (فِي العِيَادَةِ عِندَ المَرِيضِ) ومن الأول أخذ أئمتنا قولهم:
يكره إطالة الجلوس عنده؛ لأنها تضجره ما لم يفهم عنه الرغبة فيها.
ويؤخذ من الثاني أنه يُسن لمن عنده ألا يكثروا اللغط ورفع الأصوات بكلام
مباح، وألا يأتوا بشيء من الخصومة عنده؛ لأن ذلك يشق عليه، وما ذكرته من
التفصيل غير بعيد، وإن لم يصرحوا به من أصله، وعلى شقه الأول يحمل تعبير ابن
عباس نقله الصحيح، وعلى شقه الثاني يحمل قول شارح: المراد بقلته عدمه؛ لأن
اضطراب الأصوات للخصام منهي عن أصله، لا سيما عند المريض. انتهى.
(قَالَ) ابن عباس استدلالاً على ما قاله من قلة الصخب (وَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ
لَمَا كَثُرَ لَغْطُهُمْ وَاخْتلَافُهُمْ) أي: عنده وهو في مرض موته قريب موته حين قال:
((هلموا أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده))(٢) فقال عمر: ((إن رسول الله ◌َ ﴾ قد غلب
عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله)) فارتفعت أصواتهم، فمنهم من
وافق عمر، ومنهم من خالفه وقال: قربوا يكتب لكم، فلما أكثروا اللغط
والاختلاف قال ◌َ: (قُومُوا عَنِي رَوَاهُ رَزِين).
وكأنه ويليه لما أراد الكتابة فوقع الخلاف ظهر له أن المصلحة في عدمها تركها
اختيارًا منه، كيف وهو ◌َّ لو صمم على شيء لم يمكن أحدًا عمر وغيره أن ينطق
ببنت شفة؟ ولقد بقي حيًّا بعد هذه القضية نحو ثلاثة أيام ليس عنده عمر ولا غيره،
بل أهل البيت كعليّ والعباس، فلو رأى المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعله،
على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد أن يكون نصًّا جليًّا، وهو تقديم أبي بكر بعثه
للإمامة بالناس أيام مرضه.
(١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (٤٩٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٣١٠٩)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (٤٦٥٨).

٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ومن ثم قال عليّ - كرم الله وجهه - لما خطب بمبايعة أبي بكر على رؤوس
الأشهاد: رضيه ◌َ ﴾ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، إن رسول الله وَل﴾ أرسل إليه أن صلِّ
بالناس وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني، ونسبة علي: فارس الإسلام على
الإطلاق إلى التقية جهل بعظيم مكانته، وأنه ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَا يَخَافُونَ﴾ في الله
﴿لَوْمَةَ لائِمِ﴾ [المائدة: ٥٤].
ولقد قال أبو سفيان بن حرب : إن شئت لأملأنها على أبي بكر خيلاً
ورجلاً، فأغلظ علي عليه سبًّا وزجرًا إعلامًا له ولغيره بأن أبا بكر هو الخليفة الذي لا
مرية في حقية خلافته.
١٥٩٠ - [وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَيهِ: العِيَادَةُ فُوَاقُ نَاقَةٍ] (١).
(وَعَنْ أَنَس ◌َلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: العِيَادَةُ) أي: زمنها الأفضل (فُوَاقُ)
بضم الفاء وفتحها (نَاقَةٍ) أي: قدر ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك
سويعة ترضعها الفصيل؛ لتدر ثم تحلب؛ أي: زمنها الأفضل قدر هذا الفواق، ومن ثم
قال أئمتنا: يُسن للعائد ألَّا يطيل المكث إلا أن يظن من المريض أنه يؤثر التطويل لنحو
صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه.
١٥٩١ - [وَفِي رِوَايَة سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلاً: أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ القِيَامِ(٢).
رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))].
(وَفِي رِوَايَة سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلاً: أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ) أي: أفضل ما يفعله
العائد من إطالة المكث تارة وتخفيفه أخرى (سُرْعَةُ القِيَامِ) إلا لعذر كما تقرر (رَوَاهُ
البَيْهَفِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))).
١٥٩٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ عَادَ رَجُلاً فَقَالَ لَّهُ:
مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرِّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢٢٢)، والديلمي (٤٢٢٤).
(٢) تقدم تخريجه.