Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
نفسه على إصبعه السبابة ثم وضعها على التراب حتى تعلق بها منه شيء، كذا نقله
النووي عن العلماء.
ثم (قَالَ الشَّبِيُّ ◌َُّهَ) حال كونه مارًّا (بِإِصْبِعِهِ) على المحل الموجوع (بِسْمِ الله)
ويصح أن يكون هذا حالاً أخرى متداخلة أو مترادفة، فلا تكون مقول قال؛ أي:
قال متبركًا باسم الله، وعليه فقوله: هذه التي يإصبعي (تُرْبَةُ أَرْضِنَا) التي نحن عليها
وخلقنا منها، أو المراد المدينة خاصة لبركتها، أو كل محل شريف كما يدل عليه
الإضافة المبينة عن كمال الاختصاص معجونة (بِرِيْقِةِ بَعْضِنَا) أي: الصالحين منا كما
تدل عليه تلك الإضافة أيضًا.
أو المراد هو ◌َّ على حد: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فإنه المراد من
ذلك البعض كما حققه ((الكشاف)) قال: لأنه المفضل على سائر الأنبياء في هذا الإبهام،
ومن تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى؛ لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا
یشتبهه، والتمییز الذي لا يلتبس.
قلنا: هكذا القول أو صنعنا هذا الصنيع ضامين للتبرك باسمك الشافي تلك
التربة والريقة وسيلة لمطلوبنا، وبتركنا ذلك التبرك ضامين إليه ذلك (يُشْفَى سَقِيْمُنَا
بِإِذْنِ رَبِّنَا) المصلح لأحوالنا بتدبيراته الإلهية وتأييداته القدسية.
(مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ورد شارح فقال: ((تربة أرضنا)) إشارة إلى فطرة آدم، و((ريقة
بعضنا» إلى النطفة التي خلق منها الإنسان، فكأنه يتضرع بلسان الحال، ويعرض
بلسان المقال أنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم ابتدعت بنية من ماء مهين،
فهین عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. انتهى.
وعليه فمعنى ((قال: بإصبعه)) أي: قال ما مر حال كونه مشيرًا بسبابته إلى
تفرد الله بالقصد وبالوحدانية، وعلى ما مر أن المراد بـ(الريق)) حقيقته، فحكمة ذكره
كالتراب مع فعل تلك الكيفية السابقة ما قاله البيضاوي: إن له مدخلاً في النضج
وتبديل المزاج كما دلت عليه المباحث الطبية، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأصلي ودفع نكاية المضراب، ومن ثم كان من تدبير المسافر أنه يستصحب من تراب
أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد غير ما يعتاد شربه جعل فيه شيئًا
من ذلك التراب لیأمن تغیر مزاجه.
وفي الحديث استحباب الرقية بما وردت به السنة، ويجوز كغيره ما لم يكن فيه
محذور كإن اشتمل على كلام غير عربي لا يعرف معناه من طريق صحيح، فيحرم كما
صرح به جماعة من أئمة المذاهب الأربعة؛ لاحتمال اشتماله على كفر لتعظيم مخلوق
كما يعظم الإله، والرقى والعزائم آثار عجيبة بتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
١٥٣٢ [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ ◌َّهِ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ،
وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الذِي تُؤُنِّيَّ فِيهِ كُنْتُ أَنْفِتُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي
كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ عَنْهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايةٍ لِمُسلِمٍ: قَالَتْ: إِذَا
مَرِضَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ](9).
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ السَّبِيُّ وَّهَ إِذَا اشْتَكَى) أي: وجعُ، أو وجعًا قاصرًا ومتعدد،
وسيأتي تعديه (نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ) أي: نفخ من غير ريق وبه فارق التفل (بِالْمُعَوِّذَاتِ)
أي: حال متلبسًا بقراءة الإخلاص والمعوذتين، فغلبهما أو أرادهما فقط، وأجرى
التثنية مجرى الجمع، أو جرى على أن أقل الجمع اثنان، أو أرادهما وكل ما يشبههما من
آیات التعوذ.
(وَمَسَحَ) الأذى (عَنْهُ) أي: عن جسمه (بِيَدِهِ) مقارنًا لنفخه المقارن لقراءة ما
ذكر، فكأنه وَ له كان يقرأ وهو ينفخ ويمسح بيده على كل جسده؛ ليصل أثر النفخ إليه،
أو تفاؤلاً بإزالة ما يجده، هذا ما يظهر من اللفظ.
وأمَّا قول شارح: ضمير ((عنه)) للنفث، والجار والمجرور حال؛ أي: نفث على
(١) أخرجه مالك (١٧٢٣)، والبخاري (٤٤٣٩)، ومسلم (٥٨٤٤)، وأبو داود (٣٩٠٤)، وأحمد
(٢٥٥٧٣)، وابن حبان (٦٥٩٠)، وابن ماجه (٣٦٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٥٨٤٣).

٤٢٣
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
بعض جسمه، ثم مسح بيده متجاوزًا عن ذلك النفث إلى سائر أعضائه و الخيار فهو بعيد
متكلف، لا سيما جعله واو ((ومسح)) بمعنى: ((ثم)).
(فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُنَّ فِيهِ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ
يَنْفِثُ) على نفسه بهن (وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ وَّهُ عَنْه) قيل: لعل تركه ◌َّ للقراءة
والنفث؛ لعلمه بوفاته من ذلك المرض (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وَفِي رِوَايةٍ لِمُسلِمٍ: قَالَتْ: إِذَا مَرِضَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) لم
يذكر المسح، فيحتمل أنه كان يفعله، وتركت ذكره للعلم به من النفث، ويحتمل أنه كان
يتركه اكتفاء بالنفث، والأقرب الأول، فيُسن للمريض فعل النفث والقراءة والمسح
بیده، فإن تركه سن لغيره فعل ذلك كله به للاتباع.
١٥٣٣ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ ﴿ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَه وَجَعًا يَجِدُهُ فِي
جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ الله
ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ
فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ هِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ)
يؤخذ منه ندب شكاية ما بالإنسان لمن يتبرك به رجاءً لدعائه وبركته (فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ الله) اشفِ (ثَلَاثًا،
وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ الله وَقُدْرَتِهِ) ذكرهما؛ لأنه لا إزالة للمرض إلا بهما.
أمَّا الثاني فواضح، وأمَّا الأول فلأن من شأن العزيز أن يفزع إليه في الأزمات
ليفرجها والبليات (مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ) الآن من الخوف والمكروه (وَأُحَاذِر) أي: أخافه
وأخشاه من ذلك فيما بعد، ويصح إجراؤه على ظاهره من المفاعلة، ويكون من باب
التجريد، وأصل الحذر: الاحتراز عن المخوف.
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٢)، وأحمد (١٦٣١٢)، وابن ماجه (٣٥٢٢)، وابن حبان (٢٩٦٧)، والنسائي في
((الكبرى)) (١٠٨٣٩).

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(قَالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بي) ببركة صدق الامتثال والتوجه، فلا يرد أن
كثيرين يقولون ذلك، ولا يذهب ما بهم لفقد ذينك من قلوبهم، ومن ثم دفعوا ما أورد
على الأكثر من القائلين بأن اسم الله الأعظم هو الجلالة من أن کثیرًا يدعون به ولا
يستجاب لهم، بأنه لم يوجد فيهم شروط الدعاء من الإخلاص، وكمال الانقياد والتحرز
عن الشبهات (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٥٣٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ أَنَّ جِبْرِيلَ أَنَى النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ الله أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ
عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ وَبِاسْمِ الله أَرْقِيكَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ أَنَّ جِبْرِيلَ أَى النَّبِيَّ رَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
اشْتَكَيْتَ؟) الاستفهام المقدر للتقرير (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ الله) قدمه للاختصاص
كما في: ﴿بِسْمِ اللّه تَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] ومن ثم قالوا: الأولى في تقدير عامل الظرف في
البسملة أن يكون مؤخرًا، وأن يكون فعلاً (أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرَّ كُلّ
نَفْسٍ) خبيثة أمارة بالسوء، ولا ينافي هذا ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
بفرض تأخره عنه؛ لأن الذي عصم منه هو إزهاق النفس ونحوه لا مطلق الإيذاء؛ لأنه
وَّه لم يزل يُؤذَى إلى آخر حياته.
(أَوْ) الظاهر أنها بمعنى: الواو، وإن ذكر هذين بعدما يعمهما وغيرهما لبيان
أخص أنواع الأذى، وحينئذٍ يصح بقاء (أو)) على حالها إشارة إلى أن الأخص أحد هذين
(عَيْنِ حَاسِدٍ) عدل إليه عن المعيان الذي هو على القياس؛ إذ لا يلزم من الحاسد أن
يكون معيانًا؛ للإشارة إلى أن الغالب أن المعيان لا تؤثر عينه إلا بعد استحسان
الشيء في نفسه الخبيثة حسدًا لصاحب ذلك الشيء (اللهُ يَشْفِيكَ وَبِاسْمِ الله أَرْقِيكَ.
(١) أخرجه مسلم (٢١٨٦)، والترمذي (٩٧٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٣٥٢٣)، وأحمد
(٢٢٨١١)، وعبد بن حميد (١٨٧)، وابن حبان (٢٩٦٨)، وابن أبي شيبة (٢٣٥٧٦)، والحاكم
(٨٢٦٨).

٤٢٥
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٥٣٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّه يُعَوِّذُ
الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ
لَامَّةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي أَكْثَرٍ نُسَخْ
((الْمَصَابِيح): ((بِهِمَا)) لَفْظ التَّثِيَةِ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ يُعَوِّدُ الْحَسَنَ
وَالْحُسَيْنَ) بتعويذات هي (أَعِيذُكُمَا) أي: أعصمكما وأحفظكما (بِكَلِمَاتِ الله
التَّامَّةِ) أي: معلوماته وأقضيته النافذة، وشؤونه الكاملة المعبر عنها قوله تعالى عز
قائلاً: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لَّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِي وَلَوْ
جِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَنْجُرِ مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ [لقمان:٢٧].
ووصفها بـ(التامة)) لتنزيهها عن كل سمة من سمات النقص؛ لأنها إنما تقع على
وفق أعلى قوانين الحكمة والإنفاق الناشئة عن مظهر العلم بكل كلية وجزئية على
وجهها، ومظهر الإرادة والقدرة الباهرة على كل ممكن فلا يعتورها نقص، ولا يطرقها
اختلال وخلف.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًّا وَعَدْلاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾
[الأنعام: ١١٥] أي: تمَّ قضاؤه الصدق الذي لا يخلف العدل الذي لا راد له ولا معقب
لحكمه؛ لأنه على وفق كمال الحكمة.
وقال شارح: المراد بـ(الكلمات)) هنا الأسماء الحسنى والكتب المنزلة، ثم وجّه
وصفها بـ(التامة)) بأن الناس متفاوتون في كلامهم على حسب تفاوتهم في العلم
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧١)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٢٠١)، وأحمد (٢٤٧٨)، وابن ماجه
(٣٦٥٤).

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
واللهجة وأساليب القول، فما منهم من أحد إلا وقد يؤخذ وفق آخر ما في معناه أو في
معانٍ كثيرة، ومن وجد فلا يسلم من نحو معارضة أو خطأ، وأعظم النقص كونها
مخلوقة من مخلوق متفرق لوقت وحرف، وهذه نقائص تعالت كلمات الله عنها.
ومن ثم احتج أحمد # على زاعمي خلق القرآن فقال: لو كانت كلمات الله
مخلوقة لم يعوذ بها وَلهم؛ إذ لا يجوز الاستعاذة بمخلوق.
واحتج أيضًا بقوله: ((التامة)) فقال: ما من مخلوق إلا وفيه نقص، وعلى هذا حمل
شارح آخر الآية الأخيرة فقال: أي تم كل ما أخبر به وأمر ونهى ووعد وأوعد صدقًا
وعدلاً، خص هذه الأنواع بالذكر ثم قسمها إلى الصدق والعدل؛ لأن الصدق مناسب
للخبر، والوعد والوعيد أو العدل موافق للأمر والنهي؛ لأنه تعالى يأمر وينهى بمقتضى
حكمته، ويضع كلاّ في موضعه ويتصرف في ملكه بالأمر والنهي على ما أراد.
ومعنى تمام الإخبار والوعد والوعيد: أن يكون صدقًا، وفي الأمر والنهي أن
يكون عدلاً؛ لأن تمام الشيء انتهاؤه وكماله لا يحتاج إلى خارج عنه، والناقص
بخلافه. انتهى.
(مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) جني أو إنسي (وَهَامَّةٍ) واحدة الهوام، هي كل ذات سم تقتل
وإلا كالعقرب والزنبور فهي السامة، وقد يطلق الهامة على كل ما ندب كالحشرات
(وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) أي: ذات لم، وهي التي تصيب بسوء، واللمم في الأصل: طرف
من الجنون، أو صغائر الذنوب، ومن ألممت الشيء: أحطت به، فالقياس لممة أو ملمة،
لكن أوتر مراعاة ((هامة)) للمشاكلة في الفواصل.
وفي ((القاموس)): لمَّه: جمعه، والمِلَم: الشديد من كل شيء، وألمّ: باشر اللمم،
وبه: نزل كـ(لمَّ والتّمَ)) والعين اللامة: المصيبة بسوء، أو هي كل ما يُخاف من فزع وشر،
واللمة: الشدة.
(وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا) إبراهيم العَيْهِ: (كَانَ يُعَوِّذُ) ولديه إسماعيل و(إِسْحَاقَ) فلي به
أسوة قال تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣].

٤٢٧
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
(رَوَاهُ الْتُخَارِيُّ، وَفِي أَكْثَرٍ نُسَجِ ((الْمَصَابِيح): ((بِهِمَا)) لَفْظِ التَّثْنِيَةِ) وبفرض
صحتها يكون مرجع الضمير الجملتين المذكورتين: الأولى جملة المستعاذ به، والثانية
جملة المستعاذ منه.
[وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا
١٥٣٦
يُصِبْ مِنْهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) عظيمًا
(يُصِبْ مِنْهُ) بكسر الصاد: يبتليه بمصيبة، وفتحها قبل وهو أحسن للأدب على حد:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينٍ﴾ [الشعراء:٨٠] نسب الشفاء إليه تعالى دون المرض تأدبًا
كما قال نبينا وَّ: ((والشر ليس إليك))(٢) اتباعًا لقوله عزَّ قائلاً: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل
عمران: ٢٦] والشر، وإن كان منه تعالى خلقًا وإيجادًا، لكن لا ينسب إليه بالخصوص؛
لأنه خلاف الأدب.
ومن ثم قال أئمتنا: يقال: ((خالق الخلق كلهم)) ولا يقال: ((خالق القردة)) مثلاً؛
لأن إضافة الحقير وحده إلى الجليل لا يليق بشهود كماله الأقدس، وعلى الثاني نائب
الفاعل الظرف، والمعنى عليهما كما يفيده الحديث عقبه أن كل مصيبة تلحق المؤمن
بأن يصل إليه أذى من كل وجه كان تنبئ عن إرادة الله له ثوابًا لا يتناهى حده (رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ).
١٥٣٧ [وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: مَا
يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذَى وَلَا غَمِّ حَتَّى الشَّوْكَةِ
يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ (٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه مالك (١٦٨٤)، والبخاري (٥٣٢١)، وأحمد (٧٢٣٤)، وابن حبان (٢٩٠٧)، والقضاعي
(٣٤٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٧٨٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٥٣١٧)، ومسلم (٢٥٧٢)، وأحمد (٧٣٨٠)، والترمذي (٣٠٣٨).

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَا يُصِيبُ
الْمُسْلِمَ) خصه؛ لأن الثواب الأخروي لا يكون إلا له (مِنْ نَصَبٍ) تعب (وَلَا وَصَبٍ)
وجع دائم خاص بعد عام؛ لما في الوجع من الشدة التي قد تؤدي إلى الضجر والتسخط
بالقضاء المحيط للثواب أو الإسلام، والعياذ بالله تعالى.
ومن ثم أكد وأطنب بعطف مترادفات أو قريبة من الترادف اهتمامًا بهذا المقام
الخطر؛ ليكون العلم بعظيم الثواب مانعًا من الوقوع في ورطة خطر الضجر، فقال:
(وَلَا هَمَّ وَلَا حُزْنٍ) فرق بينهما بأن الأول المستقبل والثاني للماضي، وبأن الأول من
هممت الشحم: أذبته، فهو يكاد يذيب بدن الإنسان وروحه، والثاني من حزونة
الأرض أو صعوبتها وخشونتها، فهي خشونة؛ أي: مشقة وحزازة في النفس لما يصيبها
فـ((الهم)) أخص وأبلغ من ((الحزن)).
قال وكيع: لم يسمع في ((الهم)) أنه كفارة إلا في هذا الحديث، ولما كان فيه من
المشقة على النفس علمت حال أصحابنا أنه إذا اشتد بإنسان كان عذرًا له في ترك
الجماعة والجمعة؛ لأنه أشد من كثير من أعذارهما الواردة في السنة كالريح والمطر.
(وَلَا أَذَّى) هو كل ما يلائم النفس فهو أعم الكل (وَلَا غَمِّ) هو أبلغ من ((الحزن))
لأنه يشد بمن قام به حتى يصير بحيث يعم عليه (حَتَّى) ابتدائية وعاطفة أو بمعنى:
الغائبة بیان وتقریب لأدنى مراتب الأذى (الشّوْکَةِ) بالرفع والجر (یُشَاكُها) خبر وحال،
وهو المفعول الثاني، والأول الثابت عن الفاعل مضمر يعود على المسلم؛ أي: يشاك
المسلم إياها، من شكته أشوكه؛ أي: أدخلت في جسده شوكة.
(إِلَّا كَفَّرَ اللهُ) استثناء من أعم الأحوال المقدرة؛ أي: ما حصل للإنسان في
حال المصيبة حالاً من الأحوال إلا الحالة التي يكفر الله (بِهَا) أي: بسببها (مِنْ
خَطَايَاهُ) ابتدائية أو تبعيضية وهو الأولى؛ لأن بعض الذنوب لا تكفر بذلك لحق
الآدمي والكبائر التي لم يتب منها.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فبه أن الأمراض وغيرها من سائر المؤذيات التي تصيب المؤمن

٤٢٩
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
مطهرة له من الذنوب، وأنه ينبغي للعاجز الذي لا يملك لغيره ضرًّا ولا نفعًا ألَّا يجمع
على نفسه ضررين عظيمين الأذى الحاصل له وتفويت ثوابه، ومن ثم قال تليفون: (المصاب
من حرم الثواب))(١) فعلم أنه يتأكد على عاقله؛ إذ عجز عن أعلى المرتبتين وهو التلذذ
بحلاوة الرضا ألَّا يفوته أدناهما، وهي تجرع مرارة الصبر؛ ليفوز بعظيم ثوابه.
١٥٣٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ يُوعَكُ
فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ رَ: أَجَلْ إِنِّي
أُوْعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانٍ مِنْكُمْ، قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ لَأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ: أَجَلْ، ثُمَّ
قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَّى مِنْ مَرَضِ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَظّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُقُ
الشَّجَرَةُ وَرَقَّهَا (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ وَهُوَ يُوعَكُ) أي:
تشتد به حرارة الحمى وألمها من وعكه المرض اشتد به (فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي) يؤخذ منه أنه
ينبغي لعائد نحو المحموم أن يضع يده على بعض جسده ليعلم ما به من ألم، فيخفف
عليه أو يصف له دواء عرفه، أو يزداد دعاؤه له.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا) كأنه إنما ذكر ذلك ليعلم
جواب ما انقدح عنده أن البلايا لا سيما شديدها سبب لتكفير الذنوب، وهو ؟
ذنب له (قَالَ وَّهِ: أَجَلْ) أي: نعم (إِنِّ أُوْعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ) فيه تقریر
لقول عبد الله: ((وعكًا شديدًا)) وجوابًا لما انقدح عنده بأن المصائب قد تكون مجرد
رفع الدرجات والمعصوم أحق بذلك من غيره.
ومن ثم لما فهم هذا الجواب عبد الله (قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ) أي: إنما ضوعف
عليك تلك الشدة (لَأَنَّ لَكَ) بسبب ذلك (أُجْرَيْنِ) عظيمين لا تعيين بمقامك في
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٧٣٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٨)، ومسلم (٦٧٢٤)، وأحمد (٣٦٨٥)، والدارمي (٢٨٢٧)، والبيهقي في
«سننه» (١٣٧٩٨).

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الرضا الذي لا يضاهى ولا يدانى، وغيرك ليس له إلا أجر واحد بحسب ما يليق بصبره
أو رضاه.
(فَقَالَ: أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَّى مِنْ مَرَضِ فَمَا سِوَاهُ) أي: دونه
(إِلَّا حَظَّ اللّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَخُطُ الشَّجَرَةُ وَرَقَّهَا) استعارة تمثيلية؛ لانتزاع طرفيها
من عدة أمور متوهمة في المشبه به، وذلك أنه شبه حال المرض له ومحو سيئاته
عنه في أقرب لمحة بحالة شجرة أصابها ريح عاصف لم يبقَ بها ورقة في أدنى
زمن، فوجه الشبه: سرعة التحرز فيهما لا غايته؛ إذ هي كمال هنا ونقص في
الشجرة.
(مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) فيه أعظم حامل للمسلم على الرضا أو الصبر؛ ليحصل له هذا
التجرد فيهما لا الكامل.
١٥٣٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الوَجَعُ عَلَيْهِ أَشَدُّ
مِنْ رَسُوْلِ الله ◌َِّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الوَجَعُ عَلَيْهِ أَشَدُّ) خبر
(الوجع)) والجملة في موضع مفعول ((رأيت)) الثاني؛ أي: ما رأيت أحدًا أشد وجعًا (مِنْ)
الوجع على (رَسُوْلِ الله وَ﴿) لما مر من عظيم ثوابه الذي لا يشاركه فيه غيره؛ ولأن
زيادة الكمال منوطة بزيادة الابتلاء ((نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل
فالأمثل)»(٢) وكان من حكم ذلك: توطين الضعفاء، وحملهم على الصبر ببرهان قاطع لا
يمكن الدخل فيه بوجه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٥٤٠ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ ◌َّهَ وَإِنَّهُ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤٦)، ومسلم (٦٧٢٢)، والترمذي (٢٥٧٧)، وأحمد (٢٦١٤٠)، وابن ماجه
(١٦٩٠)، وابن حبان (١٨١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٨٥١)، والطيالسي (١٦٢٩).
(٢) أخرجه الطيالسي (٢١٥)، وأحمد (١٤٨١)، وعبد بن حميد (١٤٦)، والدارمي (٢٧٨٣)، والترمذي
(٢٣٩٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٠٢٣)، وابن حبان (٢٩٠١)، والحاكم (١٢١).

٤٣١
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ مَا رَأَيْتُ مِن النَّبِيِّ ◌َِّ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ ◌َ﴿) وهو مستند إليَّ (وَإِنَّهُ بَيْنَ حَاقِنَتِي) هي الوهدة
المنخفضة بین الترقوتين من الحلق (وَذَاقِنتي) أي: ذقني، وهي مجتمع اللحیین.
وقيل: هي طرف الحلقوم.
وقيل: هي ما تناله الذقن من الصدر.
(فَلَا) مفرع على محذوف دل عليه بالسياق، والأمر الخارجي المعلوم منها ومن
غيرها؛ أي: وقد قاسى شدة عظيمة في نزعه عند طلوع روحه الشريفة، فبسبب ذلك
لا (أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ مَا رَأَيْتُ مِن النَّبِيِّ ◌ََّ) لأني علمت حينئذٍ أن
شدة النزع لا تدل على سوء النية، وأن سهولته لا تستلزم أن يكون لكرامة وإلا لكان
وَل﴿ أحق الناس بها، فلا أكره الشدة لأحد ولا أغبط أحدًا على عدمها.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفيه حث الأمة على أن يكونوا مثلها فيما ذكرته خلافًا لما يقع
من كثيرين جهلوا ذلك أنهم يعدون سهولة النزع كرامة، وشدته عقوبة، وليس كما
زعموا لما علمت.
١٥٤١ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ
الْخَامَةِ مِن الزَّرْعِ تُفِيتُهَا الرِّيَاحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ
الْمُنَافِقِ كَمَثَلُ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً
وَاحِدَةً(٢) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ ﴾: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ) أني:
صفته كصفة الطاقة اللينة (مِن الزَّرْع) بسقيها وحسن نباتها وهو صفة أو حال؛ لأن
تعريفها جنسي، فاقتضى كلام شارح: ((تعين الصفة ممنوع» ويأتي كل من هذين خلافًا
(١) أخرجه البخاري (٤٤٤٦)، وأحمد (٢٥٠٨٦)، والنسائي (١٨٤١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٨٥٠)،
والطبراني (١٨٦١٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٤)، ومسلم (٧٢٧٢)، وأحمد (١٦١٨٣)، والدارمي (٢٨٠٥).

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
لما يوهمه كلام شارح أن الحالية إنما تصح من الضمير المستقر في الظرف في قوله:
(تُفِيئُهَا) أي: يميلها يمينا وشمالاً؛ لأنها إذا هبت شمالها أمالتها إلى الجنوب فيصير
فيؤها فيه وبالعكس على حد ﴿يَتَفَيَُّ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨].
(الرِّيَاحُ تَصْرَعُهَا) أي: تميلها وترميها من جانب إلى جانب (مَرَّةً) فهو بیان لما
قبله (وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى) نسبة هذا الريح مجاز؛ لأن من شأنها تمييلها لا تسويتها؛
لاستوائها بأصل الخلقة، لكن لما كان عدم الريح سببًا لبقائها على أصل خلقها من
عدم الميل نسب الربح مجازًا (حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ) شبه المؤمن في تعاور الأمراض والبلايا
عليه المرة إثر المرة حتى يرقد مرة ويقيمه أخرى.
وإن قلت: بطاقة زرع لينة تهب عليها ريح، وإن قلت: فتور فيها حتى يميلها
المرة بعد المرة؛ فالتشبيه إمَّا مُفرَّق لما علمت من المعاني التي في المشبه مقابلة للمعاني
التي في المشبه به، وإمّا تمثيلي؛ لأن ما تقرر في المشبه متوهم مما في المشبه به، وإمَّا
معقول؛ لأن أثره مجموع لما في الشبه أنه لا يبقى على صفة واحدة كما أن الخامة كذلك.
وعلى كلٍ ففيه أبلغ واعظ وأقوى حامل للمؤمن على أنه يتأكد عليه دوام الصبر
على المصائب، بل الرضا بها مذكرًا لنفسه أنها في هذه الدار عارية لا يتم لها استيفاء لذة
على وجهها؛ لما حفت به من الأكدار والبغضاء التي لا تخلو عنها حتى يكرهها، ويحب
الانتقال منها إلى دار نعيمها الأبدي الذي لا يشوبه مبغض.
(وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) أي: الكافر (كَمَثَلُ الْأَرْزَةِ) بفتح الراء؛ أي: الأرزن، شجر يتخذ
منه عصي صلبة، وروي بسكونها، وهي شجرة الصنوبر (الْمُجْذِيَةِ) بالجيم والذال
المعجمة؛ أي: القائمة الثابتة، من جذى يجذو وأجذى يجذي: إذا ثبت قائمًا (الَّتِي لَا
يُصِيبُهَا) أي: لا يؤثر فيها (شَيْءٌ) من الريح (حَتَّى يَكُونَ الْجِعَافُهَا) أي: انقلاعها
مطاوع، جعفته: أتلفته (مَرَّةً وَاحِدَةً) وفي التشبيه هنا نظير ما في ضده السابق، فلا
يخفى عليك استخراجه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٥٤٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ

٤٣٣
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ
لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ
الرِّيحُ تُمِيلُهُ) يمينًا وشمالاً المرة بعد المرة (وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ) المرة إثر المرة
كذلك (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) أي: تُقلع،
واستعمال الحصاد في الشجر مع أنه حقيقة في الزرع فقط مجاز عن سهولة قلعها
كسهولة الحصاد، وفيه استعارة لفظية.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه أن من شأن المؤمن أن يكون هدفًا للبلاء، بل لا ينفك عنها
طرفه، ومن ثم جاء: ((إن الله تعالى أوحى إلى الدنيا أن تَمَرَّرِي وتكدري على أوليائي
حتى يحبوا لقائي)»(٢) ومن شأن المنافق أن يستدرج بدوام العافية وسعة الدنيا؛ ليزداد في
غيِّه إلى أن تقلبت نفسه إلى لذاتها المقيمة.
وجاء أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة ما مرضت قط، فقال
(طلقها، فإنه لا خير فيها)(٣) فاحذر أن تغتر بدوام العافية أو سعة الدنيا فتنحط عن
المقامات والأحوال، وتنخرط في سلك الأرذال من الجهال.
١٥٤٣ - [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، فَقَالَ: مَا لَكِ
تُرَفْرِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللّهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُّبِي الْحُمَى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا
بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ(٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ عَلَى أَمِّ السَّائِبِ) الأنصارية على نزاع
(١) أخرجه مسلم (٧٢٧٠)، وأحمد (٧٨٠١)، والترمذي (٢٨٦٦) وقال: حسن صحيح، وابن حبان
(٢٩١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٤٨٠).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٣٥٤).
(٣) ذكره القاري (٢٦٦/٥).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٧٥)، وابن سعد (٣٠٨/٨)، وابن حبان (٢٩٣٨)، والبيهقي في ((الكبرى))
(٦٣٥٣) وفي ((شعب الإيمان)) (٩٨٣٩).

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فيه (فَقَالَ: مَا لَكِ تُرَفْرِفِينَ؟) من رفزف الطائر جناحيه: حركهما تحريكًا شديدًا عند
السقوط على شيء أن يرتعد، ويروى بالزاي من الزفزفة وهي الارتعاد من البرد؛ أي: ما
سبب ما بك من هذا الارتعاد الشديد؟
(قَالَتْ: الْحُنَى) أي: النوع المركب من البلغم والصفراء الموجب لانزعاج البدن
وشدة تحركه (لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّ الْحُمَّى فَإِنَّهَا) بسائر أقسامها (تُذْهِبُ
خَطَايَا بَنِي آدَمَ) أي: تمحو ما يقبل التكفير منها (كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ) بالكسر وهو
المبني من الطين، وقيل: الزق الذي ينفخ به النار المبني المكور (خَبَثَ الْحَدِيدِ) مبالغة
في النفي من تلك الخطايا وزوال وصمة نقصها بالكلية.
(رَوَاهُ مُسْلِمُ) وبه يتأيد قول أئمتنا: يكره سب الحُمى، ونظيره كراهة سب
الريح ومحله؛ حيث لم يقصد به الضجر والتسخط بالقدر وإلا أثم، لكن من حيث
التسخط لا السب كما هو ظاهر.
قال أصحابنا: ويكره للمريض أن يذكر حاله على جهة الشكوى بخلاف إخبار
نحو صديق أو طبيب سأله عن حاله أو أعلمه به لاستمداد دعاء أو دواء، أو يحرم ذلك
بسخط أو تبرمًا بالقضاء من حيث كونه قضاء، فإن كرهه لا من هذه الحیثیة لما عنده
من الضجر كره، والأنين بلا غلبة خلاف الأفضل.
١٥٤٤ [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ
كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ مُقِيمًا صَحِيحًا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ والبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ) المتحقق بسر
العبودية المانع من التسخط، والحامل على الرضا فضلاً عن الصبر (أَوْ سَافَرَ) فقلَّ
عمله بسبب أحد هذين (كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ) الباء زائدة كهي في: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا
﴾ [البقرة: ١٣٧].
آمنتم به
(١) أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، وأحمد (٢٠٢٠٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٧٨٥)، ولم أقف على لفظه
عند مسلم.

٤٣٥
كتاب الجنائز / باب عيادة المريض وثواب المرض
(مَا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ مُقِيمًا صَحِيحًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ والبُخَارِيُّ) يحتمل أنه على ظاهره
من كتابة كل بتضعيفه، ويحتمل أن المكتوب الأول فقط على حد: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾
[الإِخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن)(١) ونظائره، فإنهم حملوا ذلك على ثواب حروف
الثلث كل حرف بحسنة بلا مضاعفة؛ لئلا يستوي عامل القليل وعامل الكثير فيفوت
التعبد بالكثير، فذلك هنا، لكن الفرق واضح، فإن الترك هنا لعذر، وهو يجعل
المتروك لأجل كالمفعول.
وقد يرد هذا الحديث على قول أصحابنا فيمن ترك صلاة الجماعة لعذر: ((لا
يكتب له ثوابها)» ولأجله ونظائره اختير الحصول مطلقًا وإن كان مداومًا لولا العذر،
وإن نوى أن يفعل لولا العذر أو أقر بها لظاهر الحديث التالي.
وقد يجاب بأن مفهوم ((مقيمًا صحيحًا)) أنه مع العذر أتى ببدل كالقعود بدل
القيام، والقصر بدل الإتمام، فكتب له الأصل؛ لأنه أتى ببدله، وأمَّا في الجماعة فهو لم
يأتِ ببدل بالكلية، فصحَّ ما قالوه وإن كان اللائق بالفضل ما اختير.
ومما يقومه أيضًا ما في حديث آخر: ((إنه ولي أخبر عن أقوام تخلفوا عنه في
المدينة لعدم مؤنة السفر بأنه يكتب لهم أجر الغزو والسفر معه)).
١٥٤٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَل﴾: الطَّاعُونُ شَهَادَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ(٢).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: الطَّاعُونُ) قيل: هو الوباء العام الناشئ
عن فساد الهوى المؤدي إلى فساد الأبدان والاستهزاء أنه أخص منه وهو ما ينشأ عن
(١) أخرجه البخاري (٦٢٦٧)، وأحمد (١١١٩٧)، وأبو داود (١٤٦١)، والترمذي (٢٨٩٩) وقال: حسن
صحيح، وابن ماجه (٣٧٨٧)، والنسائي (٩٩٥)، وابن حبان (٧٩١)، والطبراني (١٨٢)، والبيهقي
في ((شعب الإيمان)) (٢٥٤٥)، وأبو يعلى (١٠١٧)، والبزار (١٨٦٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٥)، ومسلم (١٩١٦)، وأحمد (١٣٨٢٧)، والطيالسي (٢١١٣)، وأبو عوانة
(٧٤٧٨)، والديلمي (٣٩٨٨).

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ذلك من بثرات تخرج في مراق البدن كالإبط لونها فيه نوع حمرة وزرقة، يتولد عنها
الموت سريعًا، ولا ينافي ما تقرر صحة الحديث بأنه وخز الجن؛ لأنه لا مانع أن الله
تعالى عند فساد الهوى يمكن الجن من قوم يطيعونهم فتحصل تلك البثرة المؤدية
للموت سريعًا غالبًا.
(شَهَادَةٌ) أخروية (لِكُلُّ مُسْلِمٍ) مات به فيعطى من مات به أجر شهادة، كالقتيل
في سبيل الله؛ أي: بلا مضاعفة، ويحتمل الإطلاق وهو قضية كلام أصحابنا حيث لم
يفرقوا بين شهيد المعركة وشهيد غيرها بالنسبة لأحكام الدنيا، ومع ذلك فلا شك أن
الأول أفضل.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) لا يقال من تصریح الحديث بأنه ((شهادة)) رد قول کثیرین من
الشافعية بل هو الأصح: إن الطاعون نازلة يُسن لرفعه من حيث كونه شهادة، بل من
حيث يترتب عليه غالبًا ضعف الإسلام بموت غالب علماء الأمة وأمرائها وكبرائها
ورؤسائها، وفي ذلك خرق أي خرق، وفتح باب لتسليط أعداء الإسلام أي فتح، فندب
الدعاء لرفعه لأجل ذلك لا غير من غير نظر إلى كونه شهادة.
ألا ترى أن الكفار لو دخلوا بلدة لنا سُنَّ لهم ولبقية المسلمين القنوت بدفعهم
عنھم وإن کان من [ ..... ] شهداء فتأمله.
١٥٤٦ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ
وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: الشُّهَدَاءُ) جمع: شهيد، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه يشهد
مقامه قبل موته، أو مفعول لأن الملائكة تشهده؛ أي: تحضره مبشرة له (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ... ﴾ [فصلت:٣٠].
(خَمْسَةُ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ) أي: الميت بوجع البطن سواء الاستسقاء والإسهال
(١) أخرجه مالك (٢٩٣)، والبخاري (٦٢٤)، ومسلم (١٩١٤)، والترمذي (١٠٦٣) وقال: حسن
صحيح، وأحمد (٨٢٨٨)، والديلمي (٣٦١٠).

٤٣٧
كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض
بأنواعهما، وأمراض القلب والكبد والأمعاء وغير ذلك، والتخصيص ببعض ما ذكر
یحتاج لدلیل.
(وَالْغَرِيقُ) قيل: إن ركب البحر ركوبًا غير محرم؛ لامتناع اجتناب الثواب
والإثم، وفيه نظر؛ لأن الممتنع اجتماعهما من جهة واحدة والجهة هنا منفكة كما هو
واضح، فلا مانع من ثوابه ثواب الشهادة من حيث غرقه وإثمه من حيثية أخرى،
ويجري ذلك في نظائره من كل موت بسبب شهادة صحيحة سبب آخر محرم كالميت
عشقًا اضطراريًا مع العفة والكتم، ولو لمن لا يحل نكاحه.
وقول بعض أئمتنا: لا بد من تقييده بمن يحل نكاحها يحمل على عشق
اختياري بأن استرسل مع نفسه، وتأمله لمحاسنها حتى تمكن منه عشقها، فاستولى
على قواه الباطنة إلى أن أذهب جارها العزيز وأهلها، وإنما حملته على ذلك؛ لأنه حينئذٍ
الساعي في قتل نفسه، فلم يكن شهيد؛ لاتحاد الجهة حينئذٍ، فتفطن له فإنه دقيق وإن
لم يخلُ عن إشكال.
(وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) بسكون الدال، وهو من يقع عليه نحو جدار يقتله، وبفتح
لكنه حينئذٍ يكون اسمًا للمهدوم، ويصح إرادته هنا إلا أنه موهم.
(وَالشَّهِيدُ) أي: المقتول (في سَبِيلِ الله) وإنما أعاد فيه لفظ ((الشهيد)) مع أنه من
جملة الخبر عن الشهداء المستلزم؛ لأن التقدير: ((الشهيد الشهيد في سبيل الله)) وهو
لغو إلا أن يعتبر تغايرهما لمن قبله؛ إذ أولئك شهداء الآخرة فقط، وهذا شهيدهما إن
قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإلا فشهيد الدنيا فقط.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وذكر فيه خمسة لا ينافي ذكره في غيره أكثر؛ إمَّا لأن مفهوم العدد
لا حجة له كما عليه الأكثرون من الأصوليين، وإمَّا لأن غاية حال السامعين لكونهم
لا يعرفون أكثر أولئك ويعرفون غيرهم، وإمَّا كونه وَّر أعلم بها وإلا فأخبر بهم ثم
بالباقین فأخبر بهم.
١٥٤٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ عَنِ الطَّاعُونِ

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ
أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ
لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ النَِّيَّ ◌َِّ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي
أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من الكافرين بدليل (وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ) هذا بصريح مفهوم قوله السابق: ((شهادة لكل مسلم))(٢).
(لَيْسَ) بیان لكونه رحمة (مِنْ) زائدة (أُحَدٍ یَقَعُ الطَّاعُونُ) في بلده، دل علیه ما
بعده، وهو رابط جملة الصفة (فَيَمْكُثُ) عطف على ((يقع)) (فِي بَلَدِهِ صَابِرًا) حال من
الفاعل؛ أي: موطنًا نفسه على موته بها من غير ضجر ولا تسخط.
(مُخْتَسِبًا) متوكلاً على ربه، طالبًا لرضاه وعظيم ثوابه دون غرض آخر (يَعْلَمُ)
عطف على ((يمكث)) بحذف حرف العطف كذا قيل، وفيه تكلف، والأظهر أنه حال
أيضًا، لكنها مؤكدة الصبر والاحتساب يستلزم كونه عالمًا (أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا
كَتَبَ اللهُ لَهُ) سواء ألائم نفسه أم لا، ويعبر عن هذا الثاني بـ((عليه)) فالتعبير فيه
بـ(له)) تغليب (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرٍ شَهِيدٍ) خبر («ليس)» وسبق إبقاء معنى هذا
الاستثناء.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفيه عظيم الفضل لمن يفوض من محل الطاعون لما فيه من
حُسن التفويض.
١٥٤٨ - [وَعَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
الطَّاعُونُ رِجْزْ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ
بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ(٣). مُتَّفَقُّ
(١) أخرجه البخاري (٣٢٨٧)، وأحمد (٢٤٤٠٣)، وإسحاق بن راهويه (١٧٦١).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢١٨)، وأحمد (١٥٧٧)، وعبد بن حميد (١٥٥)، والطبراني (٣٧٤٥)، والنسائي في
=

٤٣٩
كتاب الجنائز / باب عيادة المريض وثواب المرض
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا) حَّي رسول الله (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّ: الطَّاعُونُ رِجْزُ) أي: عذاب، وأصله الاضطراب (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ) لمخالفتهم أمره بدخولهم باب بيت المقدس أو بلد بقربه ساجدين تواضعًا لله
تعالى، قابلين حطه؛ أي: نسألك أن تحط عنا ذنوبنا، فخالفوا وبدلوا فدخلوا يزحفون
على إستاههم قائلين ألفاظًا مهملة لا معنى لها، كـاحبة في برة)) لأنهم جعلوا على
التحريف والتبديل بقصد العناد لا غير، ومن ثم قال عزَّ قائلاً: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ
ظَلَمُوا رِجْزًا.﴾ [البقرة: ٥٩].
قيل: لما أرسل عليهم الطاعون مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفًا.
(أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شك من الراوي، وبفرض أن هذا اللفظ هو الواقع
المراد من عمومه هو الأول، ووكله الشهرة لا سيما كونه في القرآن (فَإِذَا سَمِعْتُمْ) أي:
أخبرتم (بِهِ بِأَرْضٍ) أي: حال كونه واقعًا فيها (فَلا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ) بأن تدخلوها لغير
حاجة، ومنه لكون الأصل في النهي الحرمة أُخذ أئمتنا حرمة دخول بلد به طاعون ولو
في أول ابتدائه أو آخره، وقد يؤخذ من تعبير ((بأرض)) دون بلد أنه لو وقع طرف إقليم
حُرِّم الدخول إليه ولو لم يقع فيه؛ لأن الغالب أنه إذا وقع بإقليم عمَّه سريعًا.
(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ) يؤخذ من التعبير بها نظير ما مر، ويحتمل خلافه فيهما، وأنه
لا يحرم الدخول والخروج إلا إلى ومن المحل الذي وقع فيه بالفعل، لكن يؤيد قول
أئمتنا: إن الأصحاء في زمن الطاعون لا ينفذ بمرغمهم المنجز إلا من ثُلث أموالهم
كرهن في مرض الموت؛ لأن الأبدان بعد وقوعه تصير كلها في قوة المرتهن به، فنزلوه
منزلة الموجود بالنسبة لمن لم يصبه، فقياسه تنزيله منزلة الموجود ببلد لم يقع به ووقع
في قریب منه.
-
((الكبرى)) (٧٥٢٣).

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ويمكن الفرق إلا أن يلتزم ملتزم إذا وقع ببلد من إقليم لا ينفذ بنزع جميع
أهله لفساد أبدانهم كلهم بالقوة حينئذٍ، ووجه حرمة الدخول: ما فيه من التعرض به
إلى الخطر والوقوع في التهلكة وما قد تنفر منه النفس وتضجر به، وأنه قد يقع به
شيء فتنسبه إلى دخوله، فيؤدي إلى الوقوع في الطيرة الممنوعة.
(وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَّخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) فيحرم الخروج منه حينئذٍ؛ لإنبائه عن
السخط بالقضاء؛ ولأنه لو حل الفرار لفر غالب الأقوياء وبقيت المرضى بلا متعهد
ومجهز لموتاهم، وخرج بقوله: ((فرارًا منه)) ما لو خرج لحاجة لعذر، حينئذٍ نعم يشترط
في تلك الحاجة أن يكون بحيث لو لم يخرج لها لحصلت له مشقة شديدة لا تحتمل
غالبًا.
وظاهر الحديث: أنه لا بد في التحريم من قصده الخروج للفرار، فلو خرج ولم
يقصده لم يحرم.
وظاهر كلام أئمتنا: أنه لا يمنع التحريم إلا لخروج بقصد الحاجة المذكورة،
وعليه فيجاب عن الحديث بأنه خرج مخرج الغالب من حالة أنه لا يقصد حينئذٍ إلا
الفرار، فلا يشترط قصده، بل الشرط عدم قصد الصارف عنه وهو الخروج للحاجة؛
لأنه الغرض الصحيح المانع لتوهم قصد الفرار به.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه الإشارة إلى النهي عن أن يتسبب الإنسان إلى إيقاع نفسه
في بلاء أو خطر، فإن ذلك تهور لا يليق بعاقل، ومن ثم حرم عندنا الوقوف الكفار
أمكنه الهرب منهم، وقد زادوا على الضعف وعلم أنهم يقتلونه صبرًا من غير أن يقدر
على إيقاع نكاية بأحد؛ لأنه سعى في قتل نفسه من غير فائدة ألبتة.
ويؤيد ذلك أيضًا ما صحَّ على ما قاله شارح: ((إنه ◌َّ لما بلغ الحجر ديار ثمود
المعذبين فيها منع أصحابه)(١) أي: خشية أن يصيبهم ما أصابهم.
(١) أخرجه البخاري (٤٢٣)، ومسلم (٢٩٨٠)، وعبد الرزاق (١٦٢٤)، وأحمد (٥٦٤٥)، والنسائي في
«الكبرى» (١١٢٧٤)، وابن حبان (٦٢٠٠)، ولفظ الحديث: أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ: ((لا
=