Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ تتمة كتاب الصلاة/ باب في الرياح فكيف يليق مع ذلك سبها أو لعنها. وظاهر كلامهم: أن لعنها من جملة سبها، فيكون مكروهًا لا حرامًا، وعليه يفرق بينه وبين حرمة لعن الحيوان، بأن اللعن يتصور له وجود في حقها يتألم به، وهو الهلاك الناشئ عن الغضب بخلافه في الريح؛ فإنها جماد لا يتصور له وجود في حقها. (وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ بِأَهْلِ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ) فلا يؤخذ من هذا بتقدير صحته حرمة لعن الريح، وهو قويم من جهة المعنى؛ لأن رجوع اللعن عقاب أي عقاب، وهو لا يكون إلا على محرم فتفطن له، فإن ظاهر كلام أئمتنا الكراهة، وظاهر هذا الحديث بل صريحه الحرمة، وكان عندهم أنه لم يصح سنده (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيْبُ). ١٥١٨ - [وَعَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرٍ مَا فِيهَا وَخَيْرٍ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِِيُّ]. (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ) منها (فَقُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أَمِرَتْ بِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح. ١٥١٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيْحَ قَطْ إِلَّا جَهَا الشَِّيُّ ◌َ عَلَىَ رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: اللهُمَ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللهُمَ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيْحًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فِي كِتَابِ اللّه تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، وَ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وَأَرْسَلْنَا (١) أخرجه الترمذي (٢٢٥٢) وقال: حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٧٠)، والديلمي (٧٣٠٠). ٤٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الرِّيَاحَ لَوَاقِعَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وَ﴿أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦](١). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الگَبِيْرِ))]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَا هَبَّتْ رِبْحَ قَطْ إِلَّا جَثَا الشَِّيُّ ◌َ عَلَىَ رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللهُمَ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللهُمَ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيْحًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فِي كِتَابِ الله تَعَالَى) ما يطابق هذا الحديث من استعمال الريح في الشر والرياح في الخير، فمن قوله تعالى: ((إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، وَ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾﴾. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، وَ﴿أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. رَوَاهُ الشَّافِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الگَبِيْرِ)) فبان بما ذكره ابن عباس من هذه الآيات الريح تستعمل في الشر والرياح تستعمل في الخير كما في هذا الحديث، لكن ليس ذلك مطردًا، وإنما هو الغالب فيهما، وبهذا يرد مبالغة الطحاوي في تضعيف هذا الحديث وأنه لا أصل له في السنن، وفي الإنكار على أبي عبيدة في تفسيره له بما فسره ابن عباس ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحِ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ومثلها جاءتها ريح عاصف، وبأن الذي في كثير من الأحاديث استعمال الريح في الخير والشر، ووجه ردِّه ما جاء بما يخالف ما أشار إليه ابن عباس كالحديث خلاف الغالب فلا اعتراض. والعجيب من الطحاوي في ردّه لهذا الحديث بمجرد هذا الاستدلال الذي ذكره، وهو في غاية السقوط؛ لما علمت أن الكلام في الريح العاري عن الوصف والذي في الآية التي استدل بها الطحاوي مقيد فلا يرد أصلاً. فإن قلت: الذي في الآية مقيد بـ((الصرصر والعقيم)) فكيف استدل به ابن عباس على ما ذکر؟ (١) أخرجه الشافعي (٣٣٦)، والبيهقي في ((الدعوات)) (٣٠٢)، والطبراني (١١٣٦٨). ٤٠٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب في الرياح قلت: الموصف بـ((الصرصر والعقيم)) ليس هو كالوصف بـ((الطيب والعاصفة)) لأن هذا نص في الخير والشر وليس لذلك، ذَانِكَ. وبين الخطابي حكمة ذلك الغالب بأن ذكره ((الريح)) بتعدد هبوبها توجب السحاب وتكثير المطر ونماء الزرع والثمار، وقلتها بأن تكون ريحًا واحدة يوجب عقمها على الخير واستعمالها على الشر؛ فلذا غلب استعمال الرياح، وهذا مهلك فلم يناسب مقام الامتنان عليهم بأن [سنتهم] أجريت في ريح طيبة لا خوف فيها ولا ضرر، ويسن لكل واحد أن يقول عند هبوب الريح جميع ما مر في الأحاديث. ١٥٢٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَبْصَرَ نَاشِئًا مِن السَّمَاءِ - يَعْنِيَ: السَّحَابَ - تَرَكَ عَمَلَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ، وَقَالَ: اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا فِيهِ، فَإِنْ كَشَفَهُ اللهُ حَمِدَ اللهَ، وَإِنْ مَطَرَتْ قَالَ: اللهُمَّ سُقْيًّا نَافِعًا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه والشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَبْصَرَ) شيئًا (نَاشِئًا) أي: خارجًا (مِنِ السَّمَاءِ - يَعْنِيَ: السَّحَابَ - تَرَكَ عَمَلَهُ) أي: ما هو فيه (وَاسْتَقْبَلَهُ وَقَالَ: اللّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ، فَإِنْ) تفصيل لحاله بعد ذلك الدعاء (كَشَفَهُ اللهُ حَمِدَ اللهَ) على النجاة من شره (وَإِنْ مَطَرَتْ) شكر الله و(قَالَ: اللهُمَّ سُقْيًّا) بضم أوله وفتحه ونصبه على أنه بدل عن اللفظ بفعله (نَافِعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه والشَّافِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ). ١٥٢١ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: اللهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَّا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ(٩). رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ نِ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ) (١) أخرجه الشافعي (٣٣٥)، وأحمد (٢٦٣١٥)، وابن ماجه (٤٠٢٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٨٣٠). (٢) أخرجه الترمذي (٣٧٨٣)، وأحمد (٥٨٩٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٧٠٢). ٤٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس نقل الشافعي ه عن الثقة عن مجاهد: ((إن الرعد ملك، والبرق أجنحته يسوق السحاب بها)) ثم قال: وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن. قال بعضهم: وعليه فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه، وأطلق الرعد عليه؛ أي: في حديث ابن الزبير الآتي مجازًا. ونقل البغوي عن أكثر المفسرين أن الرعد ملك يسوق السحاب، والمسموع تسبيحه. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إن الرعد موكل بالسحاب، وأنه يحرز الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله، فلا يبقى ملك في السماء إلا سبَّح، فعند ذلك ينزل المطر، وروي أنه ﴿ ﴿ قال: ((بعث الله السحاب، فنطق أحسن النطق، وضحك أحسن الضحك)(١) فالرعد نطقها والبرق ضحكها. وأمَّا قول الفلاسفة: إن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق ما ینقدح من اصطكاكها فهو من حرزهم وتخمينهم، وهو لا يعول عليه. (وَالصَّوَاعِقِ) جمع صاعقة، وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه، وقيل: قطعة عذاب ينزلها الله من البرق والرعد على من يشاء، ويقال لكل عذاب: صاعقة (قَالَ: اللهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ) خص القتل بالغضب؛ لاستحالة حقيقته على الله تعالى؛ لأن نسبته إلى الله تعالى إنما تصح على طريقة الاستعارة بالكناية، شبه سرعة قتله لمن أراد الانتقام منه بما نتعارفه نحن بما ينشأ عن غضب الملك وانفعاله وغليان دمه من الانتقام من المغضوب عليه، وأكثر ما يكون الانتقام منه حينئذٍ بالقتل، فوقع ترشيحًا لهذه الاستعارة المكنية، والإهلاك بالعذاب لصحة إضافتها إلى الله تعالى حقيقة. (وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ) إذ لا يمكن الخلوص من ذينك إلا بمعافاتك، ومن ثم قال (١) أخرجه أحمد (٢٣٧٣٦)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٩٣٦)، والرامهرمزي في «أمثال الحديث)) (١٢٥)، والعقيلي (٣٥/١). ٤٠٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب في الرياح وَهُ: ((اللَّهُمَّ إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك))(١). (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قال بعض أئمتنا: يُسن لكل أحد أن يقول: ذلك الصاعقة. (الفصل الثالث) ١٥٢٢ - [عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ(٢). رَوَاهُ مَالِكُ]. (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) أي: ينزهه عن حال كونه متلبسًا بحمده له تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] أي: من أجل خوفهم من الله تعالى. وقيل: الضمير للرعد، والملائكة أعوانه منهم خائفون ومنهم خاضعون. (رَوَاهُ مَالِكٌ) بسند صحيح، وإذا تقرر أن الرعد ملك فنسبة التسبيح إليه حقيقة، خلافًا للشارح حيث قال: إنها مجازية؛ لأن الرعد سبب لأن يسبح الله السامع حامدًا له خص سامعوا الرعد بأنهم خائفون راجون كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] رجح الحمد على الخوف تفاؤلاً، أو أن جانب الرحمة راجح. انتهى. وكله مبني على ما زعمه من مجازية تلك النسبة، وقد علمت أن الحق خلافه، ويوافق ما ذكر عن ابن الزبير ما جاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما: كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: ((سبحان من (١) أخرجه مسلم (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩٣) وقال: حسن، وأحمد (٢٥٦٩٦)، والنسائي (١١٣٠)، وابن ماجه (٣٨٤١)، وإسحاق بن راهويه (٥٤٤)، وابن خزيمة (٦٧١)، وابن حبان (١٩٣٢)، والبيهقي (٦٠٨). (٢) أخرجه مالك (١٨٣٩). ٤٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)» ثلاثًا عوفي من ذلك، فقلناه فعوفينا. وجاء عن ابن عباس: ((من قاله فأصابته صاعقة فعليّ ديته)». ومن ذلك أخذ أئمتنا أنه يُسن لكل أحد أن يقول ذلك عند سماع الرعد، وقاس به جمع (البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]. قال الماوردي من أصحابنا: كان السلف يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبوح قدوس)) فيختار الاقتداء بهم في ذلك. انتهى. قال بعض الأئمة: وورد النهي عن الإشارة إليها، فمن ثم جزم بعض المتأخرين بكراهتها. قال النووي: روى ابن السني بإسناد ليس بثابت عن ابن مسعود ﴾ قال: ((أمرنا ألّا نتبع أبصارنا الكوكب إذا انقض، وأن يقول عند ذلك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله))(١). وروى الشافعي بإسناد ضعيف مرسل: ((ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء))(٢). وبإسناد ضعيف عن كعب: ((إن السيول ستعظم آخر الزمان))(٣). وصحَّ: ((إنه جاء مكة سيل طبق ما بين الجبلين))(٤). (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٩٣٤)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٥٢). (٢) أخرجه الشافعي في مسنده)) (٢٠٦٦٦). (٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٣٤٧). (٤) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٣٤٨)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢١١٣). ( كتاب الجنائز) بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر: اسم للميت في النعش. وقيل: بالفتح اسم لذلك، وبالكسر اسم للنعش. وقيل: عكسه. وقيل: هما لغتان فيهما، فإن لم يكن عليه الميت مكفنًا، ولم يذكروا هذا الباب بين الفرائض والوصايا مع مشابهته لهما؛ لأنه هنا أنسب؛ إذ أهم أحوال الميت وأولاها الصلاة، وأيضًا فجميع ما يفعل بالميت عبادات بذواتها، فكان ذكرها في ربع العبادات. ٠٤٠٧ (باب عيادة المريض وثواب المرض) (الفصل الأول) ١٥٢٣ - [عَنْ أَبِيْ مُؤْسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: أَطْعِمُوْا الجَائِعَ، وَعُوْدُوْا المَرِيْضَ، وَفُكُّوْا الْعَاِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (عَنْ أَبِيْ مُؤْسَى ◌َ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيِّ: أَطْعِمُوْا الجَائِعَ) وجوبًا عينيًّا إن كان مقطرًا، لكن بلا بدل، بل بالبدل المقبوض إن كان معه وإلا ففي ذمته، وندبًا إن لم يصل لحالة الاضطرار، ووجوبًا على الكفاية إن أراد بالجائع الجنس؛ لأن من فرضها المخاطب بها الاعتناء لحثهم دفع حاجة المحتاجين من سد جوعة الجائعين وكسوة العارين ونحو ذلك، وبدأ به إشارة إلى أنه أهم بالامتثال مما بعده. (وَعُوْدُوْا المَرِيْضَ) أخذ من عمومه؛ لكونه مفردًا محلى بـ((أل)) ولا عهد أصحابنا ندب عيادة المسلم ولو عدوًّا، ومن لا يعرفه، نعم إن شقَّت على المريض لكونه يتأذى برؤية العائد أو كونه مغلوبًا كرهت، واستثنى بعض أئمتنا أهل البدع المنكرة وأهل الفجور والمكوس حيث لا جواز ولا قرابة ولا رجاء توبة؛ لأننا مأمورون بمهاجرتهم، وندب عيادة الذمي، لكن إن كان قريبًا أو جارًا أو رجا إسلامه، وإلا جازت كما يأتي بيانه في الفصل الثالث، ثم أيضًا ندبها ولو في أول يوم المرض والأرمد، وسيأتي حديثه. (وَفُكُّوْا الْعَانِيَ) أي: الأسير من أيدي الكفار، ثم إن أريد معين ففكه من أيديهم إذا كانوا يعذبونهم، أو مروا به علينا ذاهبين به إلى بلادهم، فرض عين على من قدر عليه، أو الجنس فهو فرض كفاية على عموم المسلمين، ويطلق ((العاني)) أيضًا على كل من ذل وخضع واستكان، وفك هذا: إزالة ضرره، فيجب وجوب كفاية إزالة ضرر (١) أخرجه البخاري (٥٣٧٣)، وأبو داود (٣١٠٧)، وأحمد (٢٠٠٤٤)، وابن حبان (١١٦)، والبيهقي في ((سننه» (٢٠١٥٩). - ٤٠٨ - ٤٠٩ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض المتضررين وحاجة المحتاجين كما مرَّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ١٥٢٤ [وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَيهِ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسُ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاقِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ) أي: المتأكد واجبًا أو مندوبًا لكل مسلم على كل مسلم إلا لمانع (خَمْسُ) لا ينافيه ست الآتي؛ لأن العدد لا مفهوم له على الأصح، وعلى مقابله فمحله ما لم يعلم خلافه كما هنا، فإن الحقوق المتأكدة كثيرة لا تنحصر فيما ذكر، والاقتصار على ما ذكر إمَّا لأنها المشروعة إذ ذاك وما عداها إنما شرع بعد، وإمَّا لأنها الأنسب بحال السامعين؛ لتساهلهم أو شدة احتیاجهم إليها. (رَدُّ السَّلَامِ) فيجب بشروطه المقررة في الفقه على المسلّم عليه وجوب عين إن اتخذه، وکفایة إن تعذر. (وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ) الذي له متعهد والذي لا متعهد له، لكنها في الثاني واجبة عينًا على من علم به إن اتخذه وإلا فكفاية، فتجب الإقامة بما يحتاجه، لكن لا يواصلها كل يوم ولا يطيل عنده، فيكره ذلك؛ لأنه يضجره، ومحله إن لم يشق على المريض انقطاعه فيه أو لم يأنس أو يتبرك به، وإلا فلا كراهة، بل يوصلها ويطيل الجلوس ما لم يُنة أو يظن الملل. (وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ) من محلها أو من محل الصلاة إلى الفراغ من الدفن، وهو سنة متأكدة لما يأتي فيه من عظيم الثواب، وعجيب قول الشارح: إن اتباع الجنائز فرض كفاية مع تصريح أئمة مذهبه بما قلته، وكأنه ظن اندراجه في قولهم، ويجيزه بغسله وتكفينه وحمله والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، وليس كما ظن؛ لأن مجرد اتباع (١) أخرجه البخاري (١١٨٣)، ومسلم (٢١٦٢)، وابن أبي شيبة (١٠٨٤٥)، وأحمد (٨٣٧٨)، وابن حبان (٢٤٢)، وأبو يعلى (٥٩٣٤)، وابن ماجه (١٤٣٥). ٤١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الجنائز ليس واحداً من هذه المذكورات. (وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) فهي وليمة العرس واجبة عينًا بشروطها المقررة في الفقه وفي سائر الولائم سنة متأكدة، وعجيب إطلاق شارح قوله: إذا دعا المسلم المسلم إلى الضيافة أو المعاونة وجب عليه طاعته إذا لم يكن ثَمَّ ما يتضرر بدينه من الملاهي ومفارش الحرير. انتهى. والصواب تقييد الوجوب بوليمة العرس، والإحالة على الشروط التي قرروها في كتب الفقه، وهي كثيرة خلافًا لما توهمه اقتصاره على ما ذكره، وقوله: ((والمعاونة)) لم یبین المراد منه بأن أراد المعاونة. (وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) بالمهملة والمعجمة، وهو الدعاء بالخير والبركة، من الشمت أو الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعاء العاطس بحسن الشمت والهدى، أو الثبات على الطاعة. وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وحكمه: إنه بعد حمد العاطس لله تعالى سنة متأكدة عينًا إن لم يكن غيره وإلا فكفاية بأن يقول له: ((رحمك الله)) أو نحوه، ويُسن العاطس أن يجيبه بنحو: ((يهديك الله أو يغفر لك)» (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وأجاب شارح شافعي عما فيه من عطف السنة على الواجب بأنه جائز إن دلت عليه القرينة، كضم رمضان وستة من شوال، ولك أن تقول: لا يحتاج هنا إلى جواب لما قدمته من المراد بالحق المتأكد الطلب، وهذا شامل للواجب عينًا وكفاية وللمندوب كذلك على أنه لا يحتاج للجواب عن ذلك إلا من يرى أن لدلالة الاقتران حجة، وليست كذلك عندنا فيجوز عطف الواجب على المندوب وعكسه ولو بلا قرينة. ١٥٢٥ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ ٤١١ كتاب الجنائز / باب عيادة المريض وثواب المرض فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ) هي ما تضمنه قولي الذي عدلت إليه مقتضى السياق ((والسلام عليه إذا لقيته ... إلخ)) لإفادته شدة الاعتناء بالأمر بهذه الست، كل على انفرادها؛ لأنها أمهات مكارم الأخلاق (إِذَا لَقِيتَهُ) أيها المخاطب العام الشامل لكل صالح لذلك من الأمة، وكذا ما بعده، والبعيد باللقاء للغائب، وإلا فالمفارقة لذلك (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) ندبًا متأكدًا بشروطه المقررة في الفقه عينًا كنت وحدك وإلا فكفاية. (وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ) وجوبًا عينيًّا إن دعاك إلى وليمة عرس، وعينًا إن كنت وحدك وإلا فعلى الكفاية إن دعاك إلى أن تخلصه من نحو مهلك كغرق وقد أطقت ذلك، وندبًا إن دعاك إلى وليمة غير وليمة العرس أو نحوها. (وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ) أي: طلب منك النصح، وهو تحري ما به الصلاح من قول أو فعل، من نصح الود والعسل: خلص من الشوائب (فَانْصَحْ لَهُ) وجوبًا عليك بأن تذکر له ما به صلاحه وطلبه ليس شرطًا لوجوب بدله أو ندبه لمن طلب ومن لم يطلب كما دلت عليه أحاديث أخر، وإنما هو لإفادة تأكده بعد الطلب أكثر، ومن ثم قال أئمتنا: يجب على من علم عيبًا نحو مبيع أو مخالط أو خاطب أن يذكره لمن يريد شراءه أو مخالطته وإن لم یستشیر فیه. (وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ) بخلاف ما إذا لم يحمد فإنه لا يستحق أن يشمت لتقصيره بترك الحمد على نعمة العطاس التي وصلت إليه ((إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب)(٢) أي: لأن العطاس حيث لا عارض من زكام ونحوه إنما ينشأ عن (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٩٢٥)، ومسلم (٢١٦٢)، وأحمد (٨٨٣٢)، وابن حبان (٢٤٢). (٢) أخرجه البخاري (٥٨٦٩)، وأبو داود (٥٠٢٨)، والترمذي (٢٧٤٧) وقال: صحيح، وأحمد (٩٥٢٦)، وابن حبان (٥٩٨)، والحاكم (٧٦٨٣) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (٣٣٩٠). ٤١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس خفة البدن وخلوه عن الأخلاط المثقلة له عن الطاعة، بخلاف التثاؤب فإنه إنما ينشأ عن ضد ذلك. (وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ) ندبًا متأكدًا في كل يوم سواء السبت وغيره، وزعم أن السبت لا يعاد فيه مما أدخله يهودي على المسلمین؛ لأنه کان یطلب ملگا فأمره بالمجيء إليه يوم سبته فخشي من قطعه فقال له: إن دخول الطبيب على المريض يوم السبت لا يصلح (وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) ندبًا كذلك من بيته إلى أن يفرغ من دفنه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١٥٢٦ [وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَّهِ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َهِ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيْضِ وَاتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيْتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِيَ وَإِبْرَارِ الْمُقْسَمِ وَنَصْرِ المَظْلُوْمِ، وَنَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَعَنِ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيْبَاجِ وَالمِيْثِرَةِ الْحَمْرَاءِ وَالْقَسِّ وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ - فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيْهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيْهَا فِي الْآخِرَةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا) ندبًا (بِعِيَادَةِ المَرِيْضِ) في سائر الأوقات، فلا يكره في وقت إلا إن شقت على المريض، وقول بعض أصحابنا: ((يستحب في الشتاء ليلاً وفي الصيف نهارًا)) غريب. (وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) أي: تتبعها، والمكث إلى الفراغ من دفنها. (وَقَشْمِيْتِ الْعَاطِسِ) إذا حمد الله ندبًا في هذه الثلاثة. (وَرَدِّ السَّلَامِ) وجوبًا. (وَإِجَابَةِ الدَّاعِيَ) وجوبًا تارة وندبًا أخرى، ومر بتفصيله. (وَإِبْرَارِ الْمُقْسَمِ) بنحو: ((أقسمت عليك بالله)) أو بنحو: ((والله ليفعلن كذا)) فيُسن له الفعل حيث لا مانع تخليصًا له من ورطة الاستهتار بحقه في الأول وحنثه في الثاني. (١) أخرجه البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٥٥١٠)، والترمذي (٣٠٣٩)، وأحمد (١٩٠٠٤)، والنسائي (١٩٥١)، والبيهقي في («سننه» (٢٠٣٨٢). ٤١٣ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض (وَنَصْرِ المَظْلُوْمِ) ولو ذميًّا بمنع الظالم له عن ظلمه وجوبًا على من قدر على ذلك بقوله أو فعله، وهذا يرجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان عينًا تارة وكفاية أخرى، ومر بتفصيله بشروطهما المقررة في الفقه. (وَنَهَانَا) أي: معشر الرجال دون النساء (عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ) يحرم على غیرهن تحريمًا غليظًا لبسه، كاستعمال سائر أنواع الذهب غيره، إلا نحو أنف وسن وأنملة وعليهن استعمال غير الحلي منه كما يأتي، وكذا الحلي إن خرج عن حيز الاعتدال إلى حيز السلف کخلخال وزنة مائتا مثقال. (وَعَنِ) استعمال (الحَرِيرِ) الخالص، والذي أكثر وزنًا منه كذلك، إلا لنحو حاجة أو ضرورة؛ كلبسه لدفع نحو قمل أو جرب أو حكة (والْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيْبَاجِ) عطف خاص على عام (وَالمِيْثَرَةِ) بكسر الميم، من الوثارة وهي الوطء اللين، قلبت واوها ياء لتناسب كسرة الميم، وهي حرير يُحشى بنحو قطن يجعل على السرج أو الرحل؛ لإراحة مقعدة الراكب (الحَمْرَاءِ) قيد باعتبار أن الأغلب في مراكب الأعاجم ذلك رعونة وتزيينًا، أو هي من حرير أي نوع كان، ومما أكثره وزنًا حرير حرام ولو غير حمراء، أو الحمراء غير الحرير مكروهة. (وَالْقَسِيِّ) بقاف مفتوحة فمهملة فمشددة ضرب ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى به من مصر من القسس بلد بساحل البحر. وقيل: هو القزي وهو رديء من الحرير، أبدلت الزاي سيئًا، ويحمل النهي لغلبة الأول على أن الحرير أكثر وزنًا. (وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ) فالذهب أولى مع أنه صرح به في حديث آخر، وبعموم النهي عن آنيتهما أخذ أئمتنا فحرموا استعمال ما يسمى ((آنية)) عرفًا گمِرْوَدٍ ونحوه حلال، ولو على امرأة وإن استعملته في بدن طفل كأن سقته من [طست أو نحوه] من فضة، نعم إن لم تجد غير آنية أحدهما أحل استعمالها كما لو وصف له التكحل بمرود ذهب لداء بعينه ولو سترت بنُحَاسة مثلاً حتى لم يعرف كونها قد انحلت أيضًا؛ لأن علة التحريم ٤١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس عندنا العين مع الخيلاء، وقد زال الخيلاء لسترها ولو مرة بنحو نُحاسة يُقبل. وإن حصل منه شيء بالعرض على النار حرم لوجود العين والخيلاء حينئذٍ وإن لم يحصل جاز؛ لأن انتفاء العين هذا في الدوام ما فعل التمويه في حرام مطلقًا؛ لأنه إضاعة مال بلا غرض صحيح، ومن ثم لم يستحق صانعه أجرة !. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَ) نهى (عَنِ الشُّرْبِ) ذكره مع الأكل في حديث ((الصحيحين)) مثال، والمدار على الاستعمال العرفي، ومن ثم لم يحرم شم رائحة البخور من جمرة تقد بعيدة عنه، بحيث لا يعد متجمرًا بها عرفًا، ولا ملاقاة الماء النازل من ميزاب الكعبة الذهب أو الفضة؛ لأنه لا يعد شاربًا منه عرفًا، والحيلة في حل استعمالها أن يفرغ منها في شماله مثلاً، ثم يأخذ بيمينه من شماله ثم يستعمله، وهذه حيلة في منع الاستعمال لا غير. وأمَّا حرمة اتخاذها ووضع نحو الطيب أو المأكول فلا حيلة في دفع حرمتهما (في الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ) أي: الشارب (مَنْ شَرِبَ فِيْهَا فِي الدُّنْيَا) ثم مات ولم يتب، وكذا فيما يأتي من الحرير والخمر (لَمْ يَشْرَبْ فِيْهَا فِي الْآخِرَةِ) عقابًا له «جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]. ونظير ذلك ما صحَّ في الحرير: ((من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة))(١). وفي الخمر: ((إن من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة))(٢). ولا يعارض ذلك: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١]. ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]. ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. (١) أخرجه البخاري (٥٤٩٦)، ومسلم (٢٠٦٩)، والترمذي (٢٨١٧) وقال: حسن صحيح، والطيالسي (٤٣)، وأحمد (٢٥١)، وابن ماجه (٣٥٨٨)، والنسائي (٥٣٠٦)، وأبو عوانة (٨٥١١)، والطحاوي (٢٥٢/٤). (٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٣)، وأحمد (٤٨٣١)، وابن حبان (٥٣٦٦)، والترمذي (١٨٦١) وقال: حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٠٩٣)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والطبراني (١٣١٥٧)، والطيالسي (١٩١٦). ٤١٥ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلِشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] لإمكان أن يخلق الله آنية ولباسًا وشرابًا غیر ما ذكر لمن حرمه. فإن قلت: حرمان ذلك عقاب، والجنة لا عقاب فيها. قلت: لا يسمى ذلك عقابًا إلا حيث لم يبدل بغيره، وأمَّا بعد التبديل فيسمى نقص درجة ويمنع بالنسبة لغيره، ولا مانع أن الموت على ذلك الذنب يورث هذا النقص في الجنة؛ إذ معلوم أن الناس يتفاوتون المراتب فيها، وأن من مات تائبًا ليس كمن مات عاصیًا. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبما قررت به قوله: ((لم يشرب فيها في الآخرة))(١) تندفع حمل شارح له على من اعتقد حلها ومات علیه. قال: فإنه كافر بخلاف من لم يعتقده؛ لأنه ذنب صغير غُلِّظ وشُدِّد للرد والارتداع. انتهى. وقوله: ((إن اعتقاد حلها كفر)) فيه نظر، فإن شرط الكفر بذلك أن يكون مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة بألّا يخفى ولا على العوام، وهذا ليس كذلك؛ لأنه يخفى على كثير من العوام. وقوله: ((بخلاف ... إلخ)) فيه نظر ما أولاً فلا نسلم كونه صغیرة؛ لأن مقتضى حد الأكثرين للكبيرة بأنها ما ترتب عليه وعيد شديد أن يكون هذا كبيرة؛ لأنه رتب عليه في الحديث الآخر: ((إنه يجرجر في جوفه أو بطنه نار جهنم))(٤) وهذا وعيد شديد أي شدید. وبتسليم أنه صغيرة لا مانع أن يجازى عليه بمنع الشرب فيه في الآخرة بالمعنى (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه الشافعي في ((الأم)) (١٠/١)، والبخاري (٥٣١١)، ومسلم (٢٠٦٥)، والدارمي (٢١٢٩)، وأبو يعلى (٦٩٣٩)، وأبو عوانة (٨٤٥٥)، وابن حبان (٥٣٤٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٤٤) وفي ((الشاميين)) (١٠٨)، والبيهقي (٩٨). ٤١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الذي ذكرته بغيره، وعجيب من الشارح اعتماد المقالة وضوح سقوطها كما عرفت حيث قال: هذا كناية تلويحية عن كونه جهنميًّا، فإن الشرب من أواني الفضة من دأب أهل الجنة، فمن لم يكن من أهل الجنة فيكون جهنميًّا. انتهى. فجرى أن ذلك محمول على المُستحَل؛ إذ لا يكون جهنميًّا إلا هو، وقد بان لك إيضاح رد ذلك وسقوطه. ١٥٢٧ - [وَعَنْ ثَوْبَان ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: إِذَا أَعَادَ المُسْلِمُ أَخَاهُ لَمْ يَزَّلْ فِي خُرْفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ ثَوْبَانِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: إِذَا أَعَادَ المُسْلِمُ أَخَاهُ) لكونه مريضًا وفي التعبير بـ(الأخ)) حث أكيد على العبادة؛ إذ من شأن الأخ أن يوصل ولا يقطع، و(لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) هي بضم الخاء من يخترف؛ أي: يجتني من ثمر النخل بعد نضجه، من خرف الثمرة: جناها، وقد تجوز بها البستان؛ لأنه محلها؛ أي: إن العائد فيما يحوزه من الثواب العظيم كأنه على نخيل الجنة يحتني ثمارها (حَقَّى يَرْجِعَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). وفي حديث آخر: ((عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع))(٢) وهي جمع مخرف بفتح أوله، وهو حائط النخل، وأخذ منه أن المراد بـ(الخرفة)) هو غير المتعلق لما قرر به. ١٥٢٨ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى يَقُوْلُ: يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتَ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ أَعُوْدُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِيَ فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمِنِي، قَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ أَطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِيَ فُلَانْ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِيَ؟ يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ أَسْقِيْكَ (١) أخرجه مسلم (٢٥٦٨)، والطبراني (١٤٤٦)، والطيالسي (٩٨٨)، وابن حبان (٢٩٥٧). (٢) لم أقف على هذا اللفظ. ٤١٧ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِيَ فُلَانْ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِيَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَُّ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُوْلُ) لبعض عباده الذين قصروا في عيادة مريض أو إطعام جائع أو سقي عطشان (يَا بْنَ آدَمَ) فيه تلويح له بعجزه، وإن لم يُمكَّن شيئًا كأبيه آدم؛ فأنعم عليه بنعمتي الإيجاد والإمداد فليشكرهما، ومن شكرهما وصلة المنقطعين ودفع حاجة المحتاجين. (مَرِضْتَ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ) يتصور أنك تمرض، وحذف هذا إيثارًا لما عوتب عليه المستلزم نفيه لنفي المرض، وإني (أَعُوْدُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمِينَ؟) أي: والحال أنك يستحيل عليك ذلك؛ لأنك الإله المنزه عن الاحتياج لأخذ والتأنس به، وعن الجسم والمكان وكل سمت من سمات الحدوث أو ما يستلزمه الحدوث؛ إذ لا يوجد خلق العالمين وإيجادهم وإمدادهم وإبقائه عليهم هذا النظام المتقن المحكم إلا ممن اتصف بكل کمال، وتنزه عن کل نقص واحتياج. (قَالَ) تبيينًا للمراد من ذلك الإسناد (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِيَ فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟) وأسند تعالى ما لعبده إليه إعلامًا بغاية تعظيمه وقربه منه الناشئ عن قوله تعالى: ((لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ... ) (٢). ثم بيَّن تعالى مزيد فضل العبادة وتمييزها على أخويها الاثنين فقال: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟) أي: لوجدت ثوابي الذي لا غاية لحده وعظمه حاصلاً لك كما أفاده هذا التجوز الإسنادي، وفي هذا مزيد الحث على العيادة مما يعظم وقعه، بل قيل: يرد فيهما من طريق صحيح غير ثواب أعظم من هذا. (يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ) أي: طلبت منك أن تطعمني (فَلَمْ تُطْعِمِنِي، قَالَ: يَا (١) أخرجه مسلم (٢٥٦٩)، وابن حبان (٢٦٩). (٢) أخرجه البخاري (٦١٣٧)، وابن حبان (٣٤٧)، والبيهقي (٢٠٧٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٤/١). ٤١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس رَبُّ، كَيْفَ) يتصور أني (أَطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمِينَ؟) أي: والحال أنه يستحيل عليك ذلك؛ لأنك الإله المنزه عما ذكر فلا تحتاج لشيء؛ لأنك الغني على الإطلاق بخلاف غيرك، وأنه لضعفه وفناء قوته شيئًا شيئًا يحتاج إلى ما به بقاء جسمه وحفظ قوته. (قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ) أي: الشأن (اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِيَ قُلَانُ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ) أي: ثوابه (عِنْدِيَ؟) أدخره لك إلى أن تكون أحوج إلیه فأمنُّ علیك به. (يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ) أي: طلبت منك أن تسقيني (فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ أَسْقِيْكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِيَ فُلَانٌّ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ) حذف اللام هنا دون سابقيها إشارة إلى جواز حذفها كإثباتها، لكن الإثبات في مثل هذا التركيب أكثر، وإلى أن الإطعام أفضل من السقي، وهذه کثر فيها الاختلاف؛ لاختلاف الأحاديث والتحقيق حمل أحاديث كلُّ على ما إذا كان الاحتياج إليه في محله أكثر من الآخر (ذَلِكَ عِنْدِيَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ومن حكمة قوله تعالى أولاً: ((لوجدتني عنده)) وقوله في تاليته: ((لوجدت ذلك عندي)) وبها جزم شارح فقال: فيه إرشاد إلى أن العيادة أكثر ثوابًا منهما. ووجَّه ذلك غيره بأن العجز والانكسار ألصق وألزم بالمريض، والله تعالى أقرب إلى المنكسر السکین من غيره. انتهى. وفيه إيهام أن ذلك خاص بمريض مسكين، وظاهر الحديث أنه لا فرق بينه وبين المريض الغني، نعم إن أراد أن من شأن المريض ولو غنيًّا الانكسار والمسكنة تمَّ له ذلك. ١٥٢٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيّ يَعُوْدُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُوْدُهُ قَالَ: لَا بَأْسَ طَهُوْرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا بَأْسَ طَهُوْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: كَلَّا، بَلْ حُمَّى تَفُوْرُ عَلَى شَيْخِ كَبِيْرٍ تُزِيْرُهُ الْقُبُوْرَ، فَقَالَ ٤١٩ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض الشَّبِيُّ ◌ََّ: فَنَعَمُ إِذَنْ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيِّ يَعُوْدُهُ وَكَانَ) من عادته أنه (إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُوْدُهُ قَالَ: لَا بَأْسَ) أي: لا تعب ولا مشقة عليك؛ لأن المرض (طَهُوْرٌ) أي: مطهِّر لك من ذنوبك (إِنْ شَاءَ اللهُ) ويصح أن يكون خبرًا بمعنى الدعاء، لكن يبعده أن الدعاء ومثله ما بمعناه إلا أن يفرق بالنظر إلى اللفظ دون المعنى وهو بعيد لا يعلق بالمشيئة، فلا يقال: ((اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت)) لما في الحديث من النهي عن ذلك، وتعليله بأن الله لا مكره له، ومن هذا أخذ أئمتنا أنه يُسن قول ذلك للمريض. (فَقَالَ لَهُ: لَا بَأْسَ طَهُوْرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: كَلَّا) أي: لا تقل هذا (بَلْ حُمَّى تَفُوْرُ) أي: يظهر حرها وهيجانها (عَلَى شَيْخٍ كَبِيْرٍ تُزِيْرُهُ الْقُبُوْرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلِهِ) غضبًا عليه؛ إذ أرشده إلى أن يصبر على الحمى ويشكر الله تعالى؛ لأنها تطهره من ذنوبه، فأبى إلا الجزع والإعراض عن ذلك، بل زاد في رد نعمة الله وتطهيره له بقوله: ((كلا)) إذ أبيت إلا اليأس وكفر النعمة (فَنَعَمْ إِذَنْ) يحصل لك ما قلت؛ إذ ليس جزاء كفران النعمة إلا حرمانها. تنبيه: قوله: ((كلا)) محتمل للكفر وعدمه، ويؤيده كونه أعرابيًّا خلفًا، فلم يقصد حقيقة الرد والتكذيب، ولا بلغ حد اليأس والقنوط (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ١٥٣٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانَّ مَسَحَهُ بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءَ لَا يُغَادِرُ سَقَّمًا(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه البخاري (٣٦١٦). (٢) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٥٨٣٨)، وأبو داود (٣٨٨٥)، والترمذي (٣٩١٣)، وأحمد (٢٤٩٠٥)، وابن ماجه (١٦٨٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٨٢٩). ٤٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانُ مَسَحَهُ بِيَمِيْنِهِ) فيه أنه يُسن للعائد ذلك (ثُمَّ قَالَ: أَذْهِبِ الْبَاسَ) أي: التعب والمشقة، وتُسهل همزته ألفًا؛ ليناسب الناس (رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ) تأكيد للحصر المستفاد من ((أنت الشافي)) إذ لا ينفع تدبير طبيب ولا استعمال دواء إلا إذا جاء إبان الشفاء. ومن ثم ورد أن عيسى العَيْهُ مرَّ بمريض فاستوصفه لدائه، فوصف له دواء فلم ◌ُنجع، ثم مر به بعد سنة فاستوصفه فوصف له ذلك الدواء بعينه فنجع، فقال له: يا نبي الله، وصفت لي هذا بعينه فلم ينجع، ثم وصفته لي بعينه فنجع، فاستنطق عيسى ذلك الدواء فنطق، فقال: استعملت أولاً قبل إبان الشفاء فلم أنجع، ثم استعملت في إبانه فنجعت. (شِفَاءً) معمول ((اشفٍ)) وما بينهما اعتراض وتنوينه للتعظيم (لَا يُغَادِرُ) أي: يترك (سَقَّمًا) أي: شيئًا من أنواعه وإن قلَّ، فتنوينه للتعليل المراد به ما يشمل العدم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) منه الأحاديث الآتية يعلم أنه يسن للعائد للمريض الدعاء بالمأثور، وإن رأى أمارة الموت؛ خلافًا لمن قيد ندب الدعاء له بما إذا رأى أمارة البرء، نعم يُسن له إذا رأى أمارة الموت أن يضم الدعاء له بترغيبه في التوبة والوصية، وتطيب نفسه بتذكره بفعله الحسن وبسعة الفضل، وأن الموت كفارة وبحقه لكل مسلم. ١٥٣١ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةً أَوْ جُرْعُ، قَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ بِإِصْبِعِهِ: بِسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَانِ بِرِيْقةٍ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيْمُنَا بِذْنِ رَبِّنَا (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ) أي: العضو أو نحوه (مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ) هي ما يخرج في سطح البدن قريبة من الرأس (أَوْ جُرْحٌ) أخذِ ◌ّ من ريق (١) أخرجه البخاري (٥٧٤٥)، ومسلم (٥٨٤٨)، وأبو داود (٣٨٩٧)، وأحمد (٢٥٣٥٤)، وابن حبان (٣٠٣٥)، والحاكم (٨٣٧٦)، وابن ماجه (٣٦٥٠)، والحميدي (٢٦٨).