Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية
١٤٦٤ [وَعَنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌َ﴿ أَنْ يُضَخَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ(١).
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُضَخَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ) أي: مكسوره من
داخل (وَالأُذُنِ) أي: مقطوعها (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وما ذكره في الأذن موافق لمذهبنا أنه
يؤثر بعض قطعها وإن قل، وفي القرن لا يوافقه؛ لما مرَّ في القصعاء والجماء والجلجاء
والعضباء والجواب: إن هذا ضعيف، وتصحيح الترمذي له مردود، ومن ثم قال ابن
عبد البر: إنه ليس ثابت.
[وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى مِنَ
١٤٦٥
الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: أَرْبَعَا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا،
وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي(٢). رَواهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ].
(وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَلَهُ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟
فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: أَرْبَعًا) فيه: إن لم يقدر له عامل آخر كـ((اتقوا)) دليل على أن ((يُتقى))
مبني للفاعل؛ أي: نحن مع المعروف أن أوله ياء مبني للمفعول، فتعين ذلك التقدير
(الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا) بالسكون؛ أي: عرجها، وضبطه أصحابنا بأن يكون بحيث
تسبقها الماشية إلى الكلا الطيب، ويتخلف عن القطيع؛ لتأثيره حينئذٍ في نقص اللحم،
بخلاف ما إذا كان يسيرًا ويؤثر البين، وإن حدث قبيل الذبح.
(وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا) بأن يذهب ضوء إحدى عينيها لأن من شأنها أن
(١) أخرجه الترمذي (١٥٨٦)، وابن ماجه (٣٢٦٥).
(٢) أخرجه مالك (١٠٢٤)، وأحمد (١٨٥٣٣)، وأبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧) وقال: حسن
صحيح، والنسائي (٤٣٦٩) وابن ماجه (٣١٤٤)، والدارمي (١٩٥٠) والطيالسي (٧٤٩) وابن
خزيمة (٢٩١٢)، والروياني (٤٠١)، والطحاوي (١٦٨/٤) وابن حبان (٥٩٢١)، والحاكم (١٧١٨)
وقال: صحيح، والبيهقي (١٠٠٢٦).

٣٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ينقص عليها؛ إذ لا تبصر أحد شقي المرعى، ويتأثر لحمها سواء أبقيت الحدقة أم لا على
الأصح، وعبرت [بشأنها] لإفادة منع إجزائها وإن لم ينقص لحمها وإن زاد، ومن ثم قال
أصحابنا: إن زيادة اللحم لا يجبر شيئًا من العيوب، والبياض إن غطى أكثر الحدقة
منع وإلا فلا.
وقال جمع: لا يؤثره مطلقًا، ولعل ذكر ((البين)) هنا لإخراج هذه الصورة؛ أي: إذا
لم يغط البياض أكثر الحدقة، ويجزئ الأعمش، وهو ضعيف البصر مع سيلان الدمع
غالبًا، والأعشى وهو الذي لا يبصر ليلاً؛ لإبصاره وقت الرعي.
(وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا) وإن رجي زواله ولو لم يوجد غيرها، وبين ذلك أن
یصیر اللحم بحیث یضر تناوله وإن لم یوجد معه هزال.
قال إمام الحرمين: بل لو هجم عليها مرض بيِّن وهو أسمن ما يكون فبادروا
ذبحها لم يجز؛ لأن التقيد غالب على هذه الصفات، ومن قال: ((لا يمنع إذا لم يظهر أثره
في اللحم)» قد غلط. انتهى.
(وَالْعَجْفَاءُ) وفي رواية: ((الكسير)(١) أو في أخرى: ((الكسيرة)(٢) (الَّتِي لَا تُنْقِي)
مأخوذ من النّقي بكسر النون وإسكان القاف، وهو: المخ - بالمعجمة والمهملة - أي: لا
مخ في عظامها لما بها من الهزال.
ونقل ابن عبد البر أن بعض رواته فسره بأنها التي لا شيء فيها من الشحم،
قال: والكسير التي لا ينقي: هي التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال (رَواهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ) وصححه (وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيُّ).
١٤٦٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخدري ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ﴿ يُضَحِّي بِكَبْشٍ
أَقْرَنَ فَحِيلٍ يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَيَأْكُلُّ فِي سَوَادٍ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ
(١) أخرجه أحمد (١٩٠١٠)، وابن حبان (٢٤٥)، والدارمي (٢٠٠٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٧٥)، وأبو داود (٢٧٩٨)، والنسائي (٤٤٠٧)، وابن ماجه (٣٢٤٨)، والبيهقي
-

٣٤٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية
مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُضَحِّي بِكَبْشِ أَقْرَنَ
فَحِيلٍ) أي: منجب في ضرابه، وقيل: هو عظيم الخلق، ولا ينافي ذلك أن الأولى ترك
التضحية بفحل كَثُرَ نَزَوَانُهُ لرداءة لحمه؛ لأنه لا يلزم من كونه منجبًا في ضرابه كثرة
ضرابه.
(يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ) مرَّ بيان معنى ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَانُيِّ وَابْنُ مَاجَه).
١٤٦٧ - [وَعَنْ مُجَاشِعٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ﴾ أنَّ رَسُولَ اللهِلَ ﴿ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْجَذَعَ
يُوَلَّ مِمَّا يُوَلّي مِنْهُ الثَِّيُّ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِّيَّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ مُجَاشِعُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ﴾ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْجَذَعَ) أي:
من الضأن دون المعز كما مرَّ بدليل (يُؤَنّ) بضم أوله وفتحه، من وفى وأوفى بمعنى؛ أي:
يجزئ (مِمَّا) أي: من البقر الذي (يُوَفَّ مِنْهُ القَّتِيُّ) أي: يجزئ في التقرب إلى الله به كما
يجزئ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه).
١٤٦٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِلَّه يَقُولُ: نِعْمَتِ الأُضْحِيَّةُ
الْخَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ(٢). رَوَاهُ التِّزْمِنِيُّ].
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَيْهِ يَقُولُ: نِعْمَتِ الأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ
مِنَ الضَّأْنِ) هذا مدح له على الثني من المعز؛ إذ لا مطلقًا، فلا ينافي قول أصحابنا:
«الأفضل مطلقًا سُبع ضأن، ثم سُبع معز، ثم بدنة، ثم بقرة، ثم ضأن، ثم ماعز، ثم سُبع
بدنة، ثم سُبع بقرة)) لكثرة اللحم غالبًا، ولا نفراده بإراقة الدم فيما عدا الشرك المذكور،
في «سننه» (١٩٥٥٩).
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٠١)، والنسائي (٤٤٠٠)، وابن ماجه (٣٢٦٠).
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٩٩) وقال: حسن غريب، وأحمد (٩٧٣٧)، والبيهقي (١٨٨٥٤)، وإسحاق بن
راهويه (٣٠٧).

٣٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وقيد ذلك بعض الأئمة بما إذا استوت المذكورات في أطيبة اللحم، وإلا فالأطيب أولى
وإن تأخرت مرتبته، والعراب والجواميس من البقر، والبخاتي(١) والعراب من الإبل في
مرتبة إن استويا سمنًا وطيبًا.
واستشكل بفضل البقر على الغنم مع صحة الخبر بأن لحمها داء، ويجاب بأن
كونه داءً هو بالنسبة لبعض الأمزجة أو الأمكنة، فلا ينافي الخبر التفضيل هنا، وهو
ظهور الشعر به أكثر، مع طيب لحمه في الجملة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
١٤٦٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كُنَّ مَعَ رَسُولِ
اللّهِ وَيَ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الأَضْحَى فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةً، وَفِي الْبَعِيرِ
عَشَرَةً(٢). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
غَرِيبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ فِي سَفَرٍ
فَحَضَرَ) عيد (الأَضْحَى فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةً) منصوب بتقدير: ((أعني)» بيانًا لضمير
الجمع، ويصح رفعه بدلاً منه (وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةً. رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ) ومر الكلام عليه في الفصل الأول مما يعلم
به الرد على إسحاق في أخذه به، والجواب: بأنه منسوخ يحتاج لدليل خصوص هذا
النسخ وتأخر الناسخ، وفي الحديث دليل على ندب التضحية للمسافر، وهو كذلك كما
مر.
١٤٧٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَا عَمِلَ
ابْن آدم مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى الله مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، وإِنَّهِ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ الله بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ
(١) الْبُخْت بِالضَّمّ: الْإِبِل الْخُرَاسَانِيَّةِ كَالْبُخْتِيَّةِ، وَالْجَمْعِ: تَجَانِيّ وَبَخَانَى وَبَخَّات. انظر: القاموس
المحيط (١٣٥/١).
(٢) أخرجه الترمذي (١٥٨٣)، والنسائي (٤٤٠٤)، وابن ماجه (٣٢٥١)، والطبراني (١١٧٦١).

٣٤٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية
فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَا عَمِلَ ابْن آدم
مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللّه مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، وإِنَّه) أي: الدم المراق أو صاحبه
(لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) شاهد لمن أتى به مخلصًا لوجه الله تعالى كما كان في الدنيا من غیر
أن ينقص منه شيء، فيأتي حتى (بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا) أو حوافرها وأخفافها،
ولعل حذف هذين للعلم بهما من الإطلاق، وأنَّث الضمير باعتبار أنها أضحية.
(وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ) رضا (الله بِمَكَانٍ) عظيم يتحصل لمرتقيه عظيم الثواب
عقب إراقته (قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا) أي: بثوابها الجزيل (نَفْسًا) أي:
قلبًا؛ أي: بادروا إليها، فإن لكم في مقابلتها من جزيل الثواب ما يطيب نفوسكم
ويرضيها ويكملها ويشفيها، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وهو حديث صحيح، لكن على نزاع
فیه، وفيه فوائد:
منها: إن أحب عبادة تقرب العبد إلى الله تعالى إراقة دم الأضحية، ولا يشكل
على ذلك أن الخمس ونحوها أفضل منه، إمَّا لأن المراد أفضلية ذلك على ما هو من
جنسه من القرب المندوبة المالية، وإمَّا لأنه قد يكون من المفضول مزية عرضية
باعتبار نحو الزمان أو المكان لا يوجد في الفاضل فيفضل المفضول على الأفضل لا
مطلقًا، بل من تلك الحيثية لا غير.
ألا ترى أن أبا بكر # أفضل من أبي ذر وأبي عبيدة مع أن كل منهما قد ميَّزه
رسول الله وَ﴾ بما لم يوجد عند أبي بكر، كقوله: ((ما أُقلت الغبراء ولا أُظلت
الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر))(٢).
(١) أخرجه الترمذي (١٤٩٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٣١٢٦)، والحاكم (٧٥٢٣) وقال:
صحيح الإسناد، والبيهقي (١٨٧٩٤).
(٢) أخرجه أحمد (٦٥١٩)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٦٥)، والترمذي (٣٨٠١) وقال: حسن، وابن ماجه
=

٣٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وقوله: ((أبو عبيدة أمين على هذه الأمة))(١) فتميزهما بذلك لا يقتضي أفضليتهما
المطلقة، فكذا تميز الأضحية يوم النحر بأنها أحب الأعمال إلى الله تعالى باعتبار أنها
نسك وشعيرة من أعظم المناسك وأفضل الشعائر كما يشهد به: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] لا يقتضي أفضليتها المطلقة على نحو
مكتوبات ذلك اليوم، بل المقيدة بالنظر لتلك الحيثية لا غير، فهي من هذه الحيثية
أفضل عبادات البدن ذلك اليوم، ومدة تفضيلهم الأذكار المخصوصة زمن وإمكان على
القراءة؛ إذ المراد أن الاشتغال بها حينئذٍ أفضل لا أنها في نفسها أفضل من القرآن.
ومنها: إن الأضحية تأتي يوم القيامة على صفتها في الدنيا من غير أن ينقص
منها شيء ليعطي المضحي بكل جزء منها ثوابًا مستقلاً.
ومنها: إن كل زمان يختص بالعبادة الجليلة التي سبقنا بها إبراهيم الخليل فداء
الإسماعيل - صلى الله على نبينا وعليهما وسلم - قيل: لو كان شيء غير الذبح أفضل
من الأضحية يكون فداء عن الإنسان لقدم على الذبح، فإذا لم يقدم عليه في ذلك
شيء دل على تكلفه بهذه المرتبة العلية التي بها الفداء من نار البعد والحجاب، وسوء
القطيعة والعقاب؛ ولذا فدي إسماعيل بذلك الذبح العظيم الدال على غاية الرفعة
لمقامها الكريم، ويأتي نظير ما تقرر هنا فيما مرَّ، ويأتي في العمل في عشر الحجة
وتفضيله على الجهاد وغيره.
١٤٧١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى الله
أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلٌّ
لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ
1!
(١٥٦)، وابن سعد (٢٢٨/٤)، والحاكم (٥٤٦١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٧٢/٤).
(١) أخرجه أحمد (١٢٦٩٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٧٥٨) وقال: غريب، وابن ماجه (١٧٢٨).

٣٤٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية
ضَعِيفٌّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَا) بمعنى: ليس (مِنْ) زائدة
(أَيَّامٍ) اسمها (أَحَبُّ) خبرها (إِلَى الله أَنْ) معمول أحب بحذف الجار؛ أي: لأن
الفاصل بين أحب وغيرها أجنبي (يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ
يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَّةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامٍ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) وفيه غاية التعظيم لهذه العشر، وتفضيله لو ضعف
سنده على عشر رمضان الأخير؛ لأنه لم يرد فيه مثل هذا الثواب.
وقيل: ((أن يُتعبد)) مبتدأ و((أحب)) خبره، وفيه الفصل بين ((أحب)) و((من)) بأجنبي
وهو المبتدأ.
وقيل: ((أحب)) بالفتح صفة أيام، و((أن يتعبد)) فاعله فالفاصل غير أجنبي،
واعترض بأن سياق الكلام يقتضي مدح هذه الأيام بطريق الذات والعبادة فيها بطريق
التبع، وهو ما يفهمه الإعراب الأول، وهذا الإعراب الثالث يقتضي العكس، فكان
الأول أرجح منه، ونظير الثالث رواية سيبويه في كتابه: ((ما من أيام أحب إلى الله فيها
الصوم من عشر ذي الحجة))(١) ومثل به لمسألة الكحل في رفع أفعل التفضيل للظاهر.
(الفصل الثالث)
١٤٧٢ - [عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ الله ﴾ قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَه فَلَمْ يَعْدُ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ لَخُمُ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ
أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّ أَو نُصَلِّ فَلَيَذْبَحْ مَكَانَها
أُخْرَى (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّى النَِّيُّ ◌َه يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ
أَنْ يُصلِّ وَنُصَلِّ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَنَها، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ الله(٢). مُتَّفَقُّ
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (٩٦/١).
(٢) أخرجه مسلم (٥١٧٦).
(٣) أخرجه البخاري (٩٨٥)، ومسلم (٥١٧٩)، وأحمد (١٩٣١١)، والبيهقي في «سننه» (٦٤٨٦).

٣٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
عَلَيْهِ].
(عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت المصلى (الأَضْحَى يَوْمَ
التَّحْرِ) بدل مما قبله (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَلَمْ يَعْدُ) من عدا يعدو؛ أي: يتجاوز (أنْ
فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ لَخْمُ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ:
مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّ) هو (أو نُصَلِّ) نحن (فَلَيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى).
(وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّ الَّبِيُّ ◌َّه يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ
يُصلِّ وَنُصَلِّ فَلْيَذْبَحْ أَخْرَى مَكَانَها، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ) قائلاً (بِاسْمِ الله. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ) ومر الكلام على ذلك.
١٤٧٣ - [وَعَنْ نَافِعٍ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى(١). رَواهُ
مَالِكُ].
(وَعَنْ نَافِعِ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: الأَضْحَى) مر أول الباب أنه جمع أَضحاة كأَرطاة
وأرطى؛ أي: وقت التضحية (يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى. رَوَاهُ مَالِكُ).
١٤٧٤ - [قَالَ: وَبَلِغَنِي عَنْ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴾، مِثْلُه].
(قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﴾، مِثْلُه) وبهذا أخذ هو وأحمد وأبو
حنيفة # فقالوا: ينتهي الذبح بغروب ثاني أيام التشريق.
وقال الشافعي : يمتد إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، للخبر الصحيح:
((عرفة كلها موقف، وأيام منى كلها منحر)) (٢) وفي المسألة عدة أحاديث أخر:
منها: خبر ((في كل أيام التشريق ذبح))(٣) صححه ابن حبان، واعترضه النووي في
(١) أخرجه مالك (١٠٤٢)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٧٣١).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٤٠/٦)، ومسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٣٦)، والنسائي
(٣٠١٥)، وابن أبي شيبة (١٣٨٧٧)، وابن خزيمة (٢٨١٥).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٧٩٧)، وابن حبان (٣٨٥٤)، والطبراني (١٥٨٣)، والبيهقي (١٩٠٢١)، والبزار
(٣٤٤٤)، وابن عدي (٢٦٩/٣).

٣٤٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية
موضع بأنه موقوف، وفي آخر بأنه مرسل نعم اتصاله جاء من طرق ضعيفة ربما يبلغ
مجموعها درجة الحسن.
ومنها: خبر ((أيام التشريق كلها ذبح)(١) إسناده ضعيف.
وخبر: (أيام منى أيام نحر))(٢) صححه أبو إسحاق المروزي ونظر فيه البيهقي،
والحاصل أن له طرقًا يقوي بعضها بعضًا فهو حسن يحتج به، وبذلك قال ابن عباس
وجبير بن مطعم، ونقل عن عليّ أيضًا وبه قال: ليس من التابعين، فمن زعم تفرد
الشافعي به فقد أخطأ.
وقال جمع: ينتهي الذبح بانتهاء يوم النحر، وفي مرسل يحتج به كما قاله البيهقي:
إنه يمتد إلى آخر الحجة.
١٤٧٥ [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْمَدِينَةِ
عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرِ
سِنِينَ يُضَحِّي. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) ومرَّ أنه حديث صحيح.
١٤٧٦ [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ◌ِ: يَا رَسُولَ اللهِ،
مَا هَذِهِ الأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: سُنَّةُ أَبِيِكُمْ إِبْرَاهِيمَ الَيْهِ، قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: فَالصُّوفُ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ(٤). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴿ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ﴾ِ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ
(١) أخرجه البيهقي (١٩٠٢٤)، والبزار (٣٤٤٣)، والدارقطني (٢٨٤/٤)، والديلمي (١٦٧٦).
(٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٩٧٣٤).
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٨٩)، وأحمد (٥٠٦٩).
(٤) أخرجه الحاكم (٣٤٦٧) وقال: صحيح الإسناد، وأحمد (١٩٣٠٢)، وعبد بن حميد (٢٥٩)،
والطبراني (٥٠٧٥)، والبيهقي (١٨٧٩٦).

٣٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الأَضَاحِيُّ؟) أي: هل هي من خصائص شريعتنا أو سبقتنا بها بعض الشرائع؟ (قَالَ: سُنَّةُ
أَبِيِكُمْ إِبْرَاهِيمَ الَيْها) أي: طريقته التي أمرنا باتباعها، قال تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةً
إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] فهي من الشرائع القديمة التي قررتها شريعتنا.
(قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا) من الثواب (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: بِكُلِّ) أي: في كل كما دل
عليه قولهم فيها (شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ) ولما كان المتبادر من ذكر الشعر أن ذلك خاص بالمعز
والبقر والإبل؛ لأن إطلاق الشعر على وبرها أظهر منه على الصوف، سألوا عن الضأن
كانِّين عنه بالصوف (قَالُوا: فَالصُّوفُ) أي: فالضأن ما لنا فيه؟
(قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه) وفيه عظيم فضل
الأضحية، وأن فيها من الثواب ما لا يحصيه إلا الله تعالى، لا سيما إن لاحظت أن كل
حسنة من تلك بعشر حسنات كما يفهمه قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].

(باب العتيرة)
بفتح العين المهملة: يطلق على شاة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب،
وعلى الذبيحة التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، ثم يصبون دمها على رأسها.
(الفصل الأول)
١٤٧٧. [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالَ: لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ، قَالَ: وَالْفَرَعُ
أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ كَانُوا يَذْتَحُونَهُ لَطِوَاغِيتِهِمْ، وَالْعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: لَا فَرَعَ) بفتح الفاء والراء وبالمهملة (وَلَّا
عَتِيرَةَ قَالَ) أبو هريرة: (وَالْفَرَعُ أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ) أي: أول ولد تنتجه الناقة
(كَانُوا يَذْبَحُونَهُ) في الجاهلية (لَطِوَاغِيتِهِمْ) أي: آلهتهم، وقد كان المسلمون يفعلونه في
أول الإسلام، ثم نُسخ ونُهي عنه، كذا قاله البغوي، ومراده: إنهم كانوا يذبحون أول ولد،
يعتقدون كونه للطواغيت، كما هو واضح.
(وَالْعَتِيرَةُ) شاة كانوا يذبحونها (فِي رَجَبٍ، مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) والعتيرة بهذا المعنى
كانت مطلق به في صدر الإسلام، ثم نسخت كما يأتي، ولم يبلغ النسخ ابن سيرين
فكان يذبحها في رجب، هذا حاصل ما ذكر جمع شافعيون من الشراح، وهو لا يوافق
كلام أئمتهم في الفروع.
وحاصله: إنه لا يكون ذبح الفرع وهو أول نتاج البهيمة كانت أول الجاهلية
يذبحونه ولا يملكونه رجاء البركة في الأم وكثرة نسلها، ولا العتيرة وهي ذبيحة كانوا
يذبحونها في عشر رجب الأول خاصة، ويسمونها: الرجبية أيضًا، والمنع عنهما في هذا
الحديث راجع إلى ما كانوا يفعلونه من الذبح لآلهتهم، أو أن المقصود نفي الوجوب، أو
(١) أخرجه البخاري (٥١٥٦)، ومسلم (١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨٣١)، والترمذي (١٥١٢) وقال: حسن
صحيح، وأحمد (١٠٣٦١)، والنسائي (٤٢٢٢)، وابن ماجه (٣١٦٨)، والحميدي (١٠٩٥)، والطيالسي
(٢٢٩٨)، والدارمي (١٩٦٤)، وابن حبان (٥٨٩٠)، وأبو عوانة (٧٨٨٥)، وابن الجارود (٩١٣).
٣٥١٠ -

٣٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب، أو في ثواب إراقة الدم، فأمَّا ما يفرقه من اللحم
على المساكين صدقة.
قال الشافعي: ولو تيسر ذلك كل شهر كان حسنًا.
قال النووي في ((الروضة)) وفي ((سنن أبي داود)) بأسانيد صحيحة: إنه ◌ُ له قال لمن
قال له: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟: ((اذبحوا لله في أي شهر
كان))(١) ولمن قال له: إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية فما تأمرنا؟: ((في كل سائمة فرع ... ))(٢)
وصحَّ أمرنا رسول الله وَ له بالفرعة من كل خمسين واحدة.
وفي خبر عند أبي داود: ((إن الفرع حق)»(٣) وأن تركه حتى يكبر فيعطي أرملة
أو يحمل عليه في سبيل الله خير من ذبحه؛ أي: لأنه حين يولد ليس فيه كثير لحم،
ویذهب به لبن أمه، ولفجعها بفقده.
وفي آخر عند البيهقي: ((من شاء عتر، ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع، ومن
شاء لم يفرع»(٤).
ثم قال بعد سياق كلام الشافعي وغيره: والصحيح الذي نص عليه الشافعي
واقتضيته الأحاديث أنهما لا يكرهان بل يستحبان، هذا مذهبنا.
وادعى القاضي عياض أن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء.
انتهى.
وظاهر أن الاستحباب في العتيرة إنما هو من حيث كونها تذبح للتصدق
بلحمها أو بعضه، لا من حيث هو من تلك الحيثية أيضًا، أو مع قصد حصول البركة
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٣٢)، والحاكم (٧٥٨٢)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٨٢٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٧٤٢)، وأبو داود (٢٨٣٠)، والنسائي (٤٢٢٨)، وابن ماجه (٣١٦٧)، والبيهقي
(١٩١٢٢)، والطبراني في «الأوسط» (٤١٦١).
(٣) أخرجه أحمد (٦٧١٣)، والنسائي (٤٢٢٥)، والحاكم (٧٥٨٤)، والبيهقي (١٩١٢٤)، وابن أبي شيبة
(٢٤٣٠٥)، وأبو داود (٢٨٤٢).
(٤) أخرجه البيهقي في «سننه» (١٩٨٢٢)، والنسائي (٤٢٣٧).

٣٥٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب العتيرة
في الأم ونسلها.
(الفصل الثاني)
١٤٧٨ - [عَنْ يُخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا معَ رَسُولِ اللهِ نَّه بِعَرَفَةَ
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، هَلْ
تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ(١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه
والنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ الإِسْنَادِ].
(عَنْ يُخْتَفٍ بْنِ سُلَيْمِ عَه قَالَ: كُنَّا وُقُوقًا معَ رَسُولِ اللهِ وَ بِعَرَفَةَ) في حجة
الوداع (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً،
هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنِ مَاجَه
والنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِیثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ) وبه یتبین أنه لا حجة
فيه لمن أخذ منه وجوب الأضحية أخذ بظاهر ((على)).
ويؤخذ من قوله: ((إن أهل كل بيت)) ما قاله أئمتنا أنها سنة كفاية حتى لو ذبح
الشاة عنه وعن أهل بيته حصل الشعار والسنة للكل؛ أي: بمعنى أنه يسقط الطلب
عنهم لا أنه يحصل لهم الثواب المستلزم لكونها فداء عن النفس، وإنما هذا للمضحي
خاصة.
قال بعض أئمتنا المتأخرين: وقوله: ((اللُّهُمَّ هذا عن محمد وأمة محمد جميعها))
خصوصية له؛ لأنه الشارع.
وقيل: المراد بـ(أهل البيت): من يلزمه مؤنتهم كالزوجة.
وقيل: من ینفقهم ولو تبرعًا.
وقيل: هم الأقارب المجتمعون ببيت واحد عرفًا وإن استقل كلّ منهم بنفقة،
(١) أخرجه أحمد (٢٠٧٥٠)، وأبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨) وقال: حسن غريب، والنسائي
(٤٢٢٤)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والبيهقي (١٩١٢٨)، والطبراني (٧٣٩)، وابن أبي شيبة (٢٤٣٠٣)،
وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٣١٨).

٣٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
والذي دل عليه كلام أصحابنا في مبحث الوصايا هو الأول فهو الراجح (وَقَالَ أَبُو دَاوُد:
الْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ).
(الفصل الثالث)
١٤٧٩ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله :
أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، قَالَ لَهُ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ
لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةٍ أُنْتَى أَفَأُضَّي بِهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ خُذْ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ وَتَقُصُ
شَارِبَكَ وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَتِكَ عِنْدَ الله (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهِ: أُمِرْتُ
بِيَوْمِ الأَضْحَى) أي: بتعظيمه أو التضحية فيه حال كونه أو اجعله (عِيدًا جَعَلُه اللهُ
لِهَذْهِ الأُمَّة) يعظمونه ويضحون فيه لا دليل فيه لوجوب الأضحية، وإن كان «أمرت))
للوجوب؛ لأنه ليس فيه أنه أمر بالأضحية فيه لاحتماله لذلك وللتعظيم كما تقرر،
وعلى الترك وأنه يفهم الأول كما يرشد إليه قول الرجل الآتي الدال على أنه فهم ذلك وإلا
لم يقل ما يأتي، فوجوبها من خصائصه والر فأمره بها على سبيل الوجوب لا يقتضي أن
الأمة مثله في ذلك.
(قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أخبرني (إِنْ لَمْ أَجِدْ) عندي ما يجزئ في
الأضحية (إِلَّ مَنِيحَة أُنْتَى) أي: ذات لبن آكل منه وأمنحه؛ أي: أعطيه للمحتاج
(أَفَأُضَّ بِهَا؟ قَالَ: لَا) تضحّ بها؛ لأنك تنتفع ويُنتفع بها (وَلَكِنْ خُذْ مِنْ شَعْرِكَ
وَأَظْفَارِكَ وَتَقُصُّ شَارِبَكَ وَتَخْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أَضْحِيَتِكَ عِنْدَ الله. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيُّ) وأصل المنيحة: أن يعطي ذات لبن أو نحو صوف ليؤخذ نماؤها مدة، ثم تعاد
لمالكها، وفي وصفها بـ(أنثى)) ما يفهم أن تاءها للوحدة كشاة وحمامة، فيطلق على الذكر
أيضًا.
(١) أخرجه أحمد (٦٥٧٥)، وأبو داود (٢٧٨٩)، والنسائي (٤٣٦٥)، وابن حبان (٥٩١٤)، والبيهقي
(١٨٨٠٧)، والبزار (٢٤٥٩)، والحاكم (٧٥٢٩) وقال: صحيح الإسناد.

٣٥٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب العتيرة
ويؤخذ من الحديث أن من عنده ما يحتاج إليه ابنه يقدمه على الأضحية، وإن
من لم يجد أضحية يسن له أن يأخذ من شعوره تلك وأظفاره، ولم أرَ من صرح بذلك،
والمراد بـ(العانة)) رهنًا من معه ما يفي بها فاضلاً عن مؤونته، نظير ما قالوه في صدقة
التطوع، فإنها نوع منها وإن كانت أفضل منها؛ لعظيم ثوابها، ولأنها شعار ظاهر،
وللاختلاف في وجوبها، وقال جمع من السلف: تجب حتى على المعسر.
وقال أبو حنيفة: تجب على من يملك نصابًا، وحديث: يا رسول الله، أستدين
وأضحي؟ قال: «نعم، فإنه دین مقضي»(١) ضعیف مرسل.
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٩٤٩٣)، والدارقطني (٤٨١٨).

(باب صلاة الخسوف)
للشمس والقمر فهو يطلق عليهما كالكسوف على الأصح فيهما، ويأتي في
الأحاديث والأشهر في ألسنة الفقهاء.
قال الجوهري: وهو الأفصح.
وثعلب: هو الأجود أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وسبب كسوف
الشمس عند أهل الهيئة حيلولة القمر بيننا وبينها، فضوؤها باقٍ في نفسه لم يتغير،
وسبب خسوف القمر حيلولة ظل الأرض بنقطة التقاطع بينه وبين الشمس المستمد
هو منها، فلا يبقى فيه ضوء ألبتة، خسوفه: ذهاب ضوئه حقيقة.
ورد عليهم ابن العربي المكي والسيف الآمدي بما رددته في ((شرح العباب» وهي
سنة، وقيل: فرض كفاية، وفعلها ◌َله لكسوف الشمس وكذا القمر في السنة الخامسة
في جماد الآخر، كما صححه ابن حبان مؤكدة، فيكره تركها لقوة الخلاف في وجوبها أو
الصارف عنه ما مر في العيد.
(الفصل الأول)
١٤٨٠ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ
رَسُولَ اللهِ وَل﴿ فَبَعَثَ مُنَادِيًّا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ
وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَظٌ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَظٌ كَانَ أَطْوَلَ
مِنْهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهِدِ
رَسُولِ اللهِ وَ ل﴿ فَبَعَثَ مُنَادِيًّا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) برفعها مبتدأ وخبر، أو نصبها إغراء أو
حالاً، ورفع الأول مبتدأ حذف خبره أو عكسه، ونصب الثاني حالاً وعكسه الأول
(١) أخرجه البخاري (١٠٥١)، ومسلم (٢١٥٢)، وأبو داود (١١٩٢)، وأحمد (٧٢٤٣)، والنسائي (١٤٩٠).
- ٣٥٦

٣٥٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الخسوف
إغراء، أو الثاني خبر مبتدأ حذف و((جامعة)) لجمع الناس، أو ذات جماعة؛ أي: يسن
فعلها جماعة كالعيد، ومن ثم سن النداء لها بما ذكر لا انفرادًا كأكثر الرواتب، خلافًا
لأبي حنيفة ﴾ ووافقه مالك في خسوف القمر، ورد عليهما بالأحاديث الصحيحة
المسوِّية بين الكسوفين.
(فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَّعَاتٍ) يعني: ركوعات (فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، قَالَتْ
عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قٌَ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَظٌ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي: من كله من
الركعات والسجدات (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ولم يرَ أبو حنيفة بتكرير الركوع مع صحة
الأحاديث به، وعندنا: أقلها ركعتان كسنة الصبح، ودليل هذه خبر مسلم والحاكم
الذي قال: إنه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي عن أبي بكرة: ((إنه ◌َّ يصلي
ركعتين مثل صلاتكم هذه في كسوف الشمس والقمر))(١).
وصحَّ أيضًا أن الشمس كسفت وخرج وَله فزعًا بجر ثوبه، فصلى ركعتين وأطال
فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت فقال ◌َل﴾: ((إنما هذه الآيات يخوف الله بها، فإذا
رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة))(٢) وأكمل منه ركعتان يزيد
في كل ركعة قيامًا بعد الركوع وركوعًا بعد القيام، وأكمل منه أن يقرأ في كل قيام،
ويسبح في كل ركوع وسجود ما يأتي، وإذا شرع فيها بنيته لم تجز الزيادة عليها ولا
النقص عنها؛ لأن جوازها خاص بالنقل المطلق.
١٤٨١ [وَعَنْها قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ ◌َه فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ(٣). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) والمراد
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٦٥٨٤) والنسائي (١٤٩١)، وابن حبان (٢٨٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٨٧)، وأحمد (٢١١٤٩)، والنسائي (١٤٨٥)، وابن ماجه (١٢٦٢)، والبيهقي
(٦١٢٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٦٥)، ومسلم (٢١٣١).

٣٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
خسوف القمر بدليل خبر الترمذي وصححه: ((إنه ◌َ * صلى بهم في كسوف لا نسمع له
صوت))(١) ومن ثم قال أئمتنا: يُسن أن يجهر في خسوف القمر؛ لأنها ليلية، ويُسن في
كسوف الشمس؛ لأنها نهارية.
واعترض برواية ابن حبان: ((إنه جهر في كسوف الشمس))(٢).
وأجاب ابن العربي بأنه يحتمل أنه يجهر ويُسر؛ لبيان الجواز.
١٤٨٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: الْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
رّسُولِ اللهِ وَ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسُ مَعه، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً تَحْوًّا مِنْ قِرَاءَةِ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ،
ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا
طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ
وَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ
الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَد انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللّه لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا ◌ِخِيَاةِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ
فَاذْكُرُوا اللهَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيناكَ
تَكَعْكَعْتَ، فَقَال: إِنِي رَأَيتُ الجنةَ فَتَنَاوَلْتُ مَنْها عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخذَتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا
بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًّا قَظٌ أَفْطَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ،
فَقَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِكُفْرِهِنَّ بِاللهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ
أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُ (٣).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: الْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ
(١) أخرجه البخاري (١٠٦٤)، والترمذي (٥٦٥)، والنسائي (١٥٠٦).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٣).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٠٤) ومسلم (٩٠٧) وأحمد (٢٧١١) والنسائي (١٤٩٣) وابن حبان (٢٨٣٢).

٣٥٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخسوف
رَسُولِ اللهِ ﴿ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسُ مَعه، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً تَخْوًّا مِنْ قِرَاءَةِ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ،
ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ) سجدتين، كل
سجدة نحوًّا من الركوع الذي قبلها كما بيَّنه ما مرَّ ويأتي، هذه ركعة.
(ثُمَّ قَامَ) إلى الركعة الثانية (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ
رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ وَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ
الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ) سجدتين
كذلك (ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ الْجَلَتِ الشَّمْسُ).
وبهذه الكيفية أخذ أئمتنا فقالوا: أكملها أن يقرأ في القيام الأول ((البقرة) وفي
الثانية ((آل عمران)) أو قدر مائتي آية معتدلة من ((البقرة)) لأن ذلك هو عدد آي «آل
عمران)) وهي وإن قاربت ((البقرة)) في عدد الآي لكن أغلب آي ((البقرة)) أطول
بكثير، وفي الثالث ((النساء)) أو قدر مائة وخمسين آية لذلك؛ لأن آي ((النساء)) مائة
وخمسة وسبعون، وهي تقارب مائة وخمسين آية من ((البقرة)) لطولها، وفي الرابع ((المائدة))
أو قدر مائة آية كذلك؛ لأن آي ((المائدة)) مائة وثلاثة وعشرون وهي تقارب مائة من
((البقرة)) لطولها، والأمر في ذلك كله على التقريب.
ولم ینص الشافعي في موضع على ما ذکر في الآيات في کل قیام، وفي موضع آخر
على ((البقرة)) أو قدرها و((آل عمران)) أو قدرها، وهكذا قال بعض أئمتنا، والذي ثبت
إنما هو تقدير الأول بنحو ((البقرة)) وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثالث على الرابع،
وأمَّا نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا
بُعد في ذكر سورة ((النساء)) فيه و((آل عمران)) في الثاني. انتهى.
ولا تتوقف هذه الإطالة على رضا المأمومين للاتباع، قالوا: والسنة أن يسبح في
الركوع الأول كمائة آية من ((البقرة)) وفي الثاني كثمانين، وفي الثالث كسبعين، وفي
الرابع كخمسين تقريبًا في الكل، وأن يأتي في كل من ارتفاعه واعتداله بـ((سمع الله لمن

٣٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
حمد، ربنا لك الحمد)) وأن يسبح في كل سجود كالركوع الذي يليه، فسبح في الأولى
كمائة آية، والثانية كثمانين، والثالثة كسبعين، والرابعة كخمسين للأحاديث
الصحيحة في تطويل السجود، كخبر ((الصحيحين)) عن أبي موسى: ((فصلى بنا بأطول
قيام وركوع وسجود ما رأيته قط يفعله في صلاته)(١) ولا يطيل غير ذلك من نحو
الاعتدال بعد الركوع الثاني والرواية بتطويله، قال النووي: شاذة مخالفة لرواية
الجمهور، فلا يعمل بها. انتهى.
ومن الجلوس بين السجدتين والرواية بتطويله؛ لعلمهم إنما لم يأخذوا بها
الشذوذها أيضًا (فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله) الباهرة الدالة على
كمال قدرته وجلال ذاته (لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلَا ◌ِخِيَاةِ أَحَدٍ) رد لما يعتقد الجاهلية
أنه لا يكون إلا لحادث عظيم في العالم؛ لموت كبير وضرر عام، وإعلام بأنهما خلقان
مسخران، ليس لهما قدرة على الدفع عن أنفسهما فضلاً عن التصرف في
غیرهما.
(فَإِذَا) علمتم أنهما مع كونهما جمادين يتجلى الله تعالى عليهما بصفة جلاله
وقهره حتى يعدمهما ما أودع فيهما من الإنارة والإضاءة العامة تخويفًا لكم، وزجرًا
عن انهماككم فيما يغضبه تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
و(رَأَيْتُمْ) ما يقع بهما من (ذلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ) أي: صلوا، فإن الصلاة تريح من
كل هم، وتفرِّج كل كرب ((أرحنا بها يا بلال))(٢).
((كان إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة))(٣) واذكروا جلاله وعظمته وكبرياءه؟
لتخافوه وترجعوا إليه ممثلين جميع أوامره، مجتنبين جميع نواهيه، وحمل الذكر هنا على
(١) أخرجه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٢١٥٦)، والنسائي (١٥١٤)، وابن حبان (٧٨)، والبيهقي في
«سننه)) (٦٥٩٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣١٣٧)، وأبو داود (٤٩٨٥)، والطبراني (٦٢١٤).
(٣) ذكره الألوسي في روح المعاني (ص ٣١٨٤).