Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
١٣٨٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى
الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُّعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ
الْخَصَى فَقَدْ لَغَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى بواجباته أو
مكملاته (ثُمَّ أَنَى الْجُمُعَةَ) أي: محلها (فَاسْتَمَعَ) الخطبة (وَأَنْصَتَ) تأكيد بل تأسيس؛
لأنه قد يقصد الاستماع ويتكلم فأفاد أنه لا بد من الأمرين قصد الاستماع والإنصات
(غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ) السابقة أو اللاحقة كما مرَّ (وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ وَمَنْ
مَسَّ الخَصَى فَقَدْ لَغَا) أي: أتى بصوت لغوٍ لا معنى له بل فيه ضرر لا يظهر بلمسه، له
صوت يمنع من تمام الاستماع، وهذا يؤيد ما ذكرته في ((وأنصت)) أنه تأسیس.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ويوافق ما في آخره خبر: ((من لغا)) أي: تكلم بما لا يشرع له، أو
عبث بما يظهر له صوت ((فلا جمعة له))(9) أي: كاملة.
١٣٨٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ
عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَيَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ
كَالَّذِي يُهْدِي كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْر (٣).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ) هم غير
الحفظة، بل وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة واستماع الخطبة (عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ)
التقييد به للغالب، فلو أقيمت الجمعة بمحل غير مسجد فالظاهر أنهم يقفون على بابه
(١) أخرجه مسلم (٨٥٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وأحمد (٩٤٨٠)، وابن ماجه (١٠٩٠)،
وابن حبان (١٢٣١)، وابن أبي شيبة (٥٠٢٧)، وابن خزيمة (١٨١٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩)، ومسلم (٨٥٠)، وأحمد (٧٧٥٣)، والنسائي (١٣٨٥)، وابن ماجه
(١٠٩٢).

٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أيضًا.
(وَيَكْتُبُونَ الأَوَّلَ) في التكبير والمجيء قبل غيره (فَالأَوَّلَ) كذلك، وهذا فالفاء
فيه للترتيب مع التعاقب في أعداد كثيرة؛ أي: لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى
بخلاف ((ثم)) الآتية، فإنها لما لم يؤذن ذلك كررت، ولما أذنت بالتراخي بين الساعات
الآتية كما سيتضح فيها أوترت.
(فَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ) أي: المبكر؛ أي: محل الجمعة عقب الفجر، والتهجير التبكير
إلى كل شيء والمبادرة إليه، كأنهم جعلوا نصف النهار كله هاجرة، وهي زيادة الحر
بزيادة ارتفاع النهار كما جعلوه كله غداة في قوله في طرفيه: ((الغداة والعشي)) وهذا مع
خبره عطف على ((يكتبون)) وآثر الواو ومع تفرعه عما قبله لمناسب له الفاء اتكالاً
على وضوحه، وكيلا يتوهم من الفاء عطفه على فاء الأول.
(كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً) المراد هنا واحدة من الإبل وإن كانت تطلق على البقر
بل الغنم، وتاؤها للوحدة؛ أي: ينقلها إلى حرم مكة ليذبحها فيه تقربًا إلى الله تعالى،
وفيه التلويح بعظيم فضل الآتي إلى الجمعة، وأنه يشبه الحجاج الآتين إلى عرفات،
ويؤيد خبر: ((الجمعة حج المساكين))(١) رواه عبيد بن زنجويه والحارث بن أبي أسامة،
ويشترك فيها كل من جاء من الفجر إلى مضي سدس النهار، وهو من الفجر إلى خروج
الخطيب، لكن بدنة الجائي أول الساعة الثانية، وهو السدس الثاني أكمل من بدنة من
جاء بعده، وهكذا إلى أن ينتهي السدس.
(ثُمَّ) بعد مضي سدس النهار يصير الجائي في الساعة الثانية، وهي السدس
الثاني (كَالَّذِي يُهْدِي) لكن بقرة الجائي أول هذه الساعة أكمل من الذي يليه من
المجيء، وهكذا إلى أن ينتهي السدس، يصير الجائي في السدس الثالث كالذي يهدي
(كَبْشًا) أقرن كما في رواية مبالغة حسنة، لكن كبش الجائي أول هذا السدس أكمل
(١) تقدم تخريجه.

٢٤٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
من كبش الذي بعده، وهكذا إلى أن ينتهي.
(ثُمَّ) يصير الجائي في السدس الرابع كالذي يهدي (دَجَاجَةً) لكن دجاجة
الأول أكمل من دجاجة الذي يليه، وهكذا إلى أن ينتهي هذا السدس، وفي رواية
صحيحة بدل الدجاجة: (بطة)(١) يصير الجائي في السدس الخامس كالذي يهدي
عصفورًا، كما في رواية صحيحة، ودعوى شذوذها كالتي قبلها مردود كما بيَّنه في
(شرح العباب)) وعصفور الأول فالأول فالأول أكمل إلى أن ينتهي هذا السدس، ثم
يصير الجائي في السدس السادس كالذي يهدي بيضة، لكن بيضة الأول والأول أكمل
إلى أن ينتهي هذا السدس بخروج الإمام.
(فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ) قيل: تؤخذ منه ما اعتيد بإقليم مصر والشام وغيرهما أنه
يتخذ بجوار المسجد خلوة للخطيب يُعتد بأنها منه، يجلس فيها حتى يدخل الوقت
فيخرج للخطبة حينئذٍ فينبغي ذلك؛ لما في ذلك من تعظيم شأنه وتوقيرًا لهيبته. انتهى.
وفي [تأخره] ندب ذلك مما ذكر نظر ظاهر (طَوَوْا صُحُفَهُمْ) فلا يكتبون شيئًا،
كما في رواية النسائي، وهذا کنایة من أن من جاء بعد خروجه لا ثواب له من حيث
التكبير.
(وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْر) أي: الخطبة، سميت به لاشتمالها عليه، كما سميت كذلك
قرآنًا ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وفي استماع الملائكة
للخطبة حض على استماعها والإنصات إليها.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وما قررته من أن أول الساعات الست المذكورة من الفجر هو
الأصح خلاف لمن قال: إنها من طلوع الشمس.
ومن قال: إنها من الضحى.
ومن قال: إنها من الزوال، بل بالغ النووي في تزيين الأخير وبطلانه، وقد كان
(١) لم أقف على هذه الرواية.

٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
السلف يمشون على السرج يوم الجمعة إلى الجامع ليحصل لهم كمال فضيلة التبكير،
وفي ((الإحياء): بدعة حديثة في الإسلام ترك البكور في المساجد، وقد تقرر أن
الملائكة يكتبون من جاء في الساعات الست، وأنهم يطوون الصحف بخروج
الإمام، ومعلوم أنه ◌َله كان يخرج عقب الزوال، وقد علمت انطواء الصحف بخروجه،
فليس بعد الزوال حينئذٍ ساعات حتى يكتب من جاء فيها، والرواح في رواية ليس
المراد به ظاهره من السير بعد الزوال، على أن الأزهري وغيره قالوا: إنه السير في أي
ساعة كان من النهار.
وما ذكرته من أن الساعات ست هو ما في رواية للنسائي، واختلف أصحابنا في
المراد بالساعات الست: الساعات الفلكية، أو ترتيب درجات السابقين على من يليهم
في الفضل؛ لئلا يستوي فيها رجلان جاءا في طرفي ساعة؛ ولأنه لو أريد الفلكية
لاختلف الأمر في الثاني أو الصحائف.
وما ذكرته من أن المراد في الساعات الست التي قدرها الشارع بأن يقسم
الزمان من الفجر إلى خروج الإمام ستة أقسام متساوية، كما صرح به الحديث
الصحيح السابق: ((يوم الجمعة اثنا عشر ساعة صيفًا كان أو شتاء)(١) وأن كل من جاء
في أول كل ساعة أكمل ممن يليه، وهكذا اندفع إطلاق أن الساعات فلكية؛ لأن اليوم
الشاتي من فجر إلى خروج الإمام لا يأتي ست ساعات فلكية.
واندفع توهم الاختلاف باختلاف طول النهار وقصره؛ لأنا نأخذ كل يوم جمعة
ونقسمه إلى ستة أقسام طال أو قصر، واندفع توهم استواء من جاء أول الساعة وآخرها
بما تقرر أن الجائي أول كل ساعة أفضل ممن يليه، وهكذا تنتهي الساعة في محل ذلك،
فإنه مهم جدًّا؛ لكثرة ما فيه من الاختلاف والاضطراب.
١٣٨٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ:
(١) تقدم تخريجه.

٢٤٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
(أَنْصِتْ)) وَالْإِمَامُ تَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ: إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: (أَنْصِتْ))
وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ) أي: تكلمت بما لا ينبغي، وأصل اللغو: الكلام الساقط
الباطل، وقيل: الميل عن الصواب، ويروى: ((ألغيت)) ومنه: ((وألغوا فيه)) إذ لو كان من
لغا يلغو لضم عينه وفيه لغي بالكسر يلغى لغًا.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وحمل على من قال ذلك غشًّا لما أمر بمعروف، وأمَّا قول الشارح:
الخطبة بمثابة ركعتين، فكما لا يجوز التكلم في المنوب لا يجوز في النائب، هذا في حق
من تكلم بالمعروف، فكيف في حق من ارتكب المنكر وتكلم ابتداء؟. انتهى.
فعجيب منه؛ لأنه لا يوافق مذهبه بوجه؛ إذ كون الخطبة بمثابة ركعتين رأي
ضعيف في مذهبه، وقوله: ((لا يجوز في النائب)) قول إمامه القديم المرجوع عنه،
ومذهبه الجديد المعتمد عنده وعند أصحابه أن الكلام في حال الخطبة ولو عبئًا مكروه
لا حرام، ومحله حيث لم يكن أمرًا بمعروف احتيج إليه وإلا فلا كراهة، فضلاً عن
الحرمة، فبطل جميع ما ذكره، لا سيما قول هذا في حق من تكلم بالمعروف لما تقرر أن
هذا لا يكره له الكلام فضلاً عن الحرمة التي زعمها، فتعين حمل اللغو في الخبر المراد
به ما ينافي الكمال، كما مرآنفًا على أنه في الكلام غير محتاج إليه.
ثم رأيت شارحًا قال مع كونه شافعيًا أيضًا في الحديث: النهي عن جميع أنواع
الكلام حال الخطبة، والتنبيه لهذا على ما سواه؛ لأن الأمر بالمعروف إذا كان لغوًّا فغيره
أولى. انتهى، وفيه موافقة لكلام الشارح السابق، وقد ظهر رده.
تنبيه:
ما اعتيد في الأزمنة المتأخرة أن شخصًا يقرأ هذا الحديث بصوت مرتفع بعد
(١) أخرجه مالك (٢٣٢)، والبخاري (٨٩٢)، ومسلم (٨٥١)، وأبو داود (١١١٢)، والنسائي (١٥٧٧)،
وابن ماجه (١١١٠)، والشافعي (٦٨/١)، وأحمد (٩١٣٦)، والدارمي (١٥٤٨)، وأبو يعلى (٥٨٥٩)،
وابن خزيمة (١٨٠٥).

٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
فراغ الأذان الذي بين يدي الخطيب، وقبل أن يشرع في الخطبة، وهذا وإن كان بدعة
إلا أنه حسن؛ لأن فيه حث الناس على الإصغاء والاستماع وعدم الكلام، وذلك أمر
بمعروف، ومما يشهد لذلك: أنه يليه في حجة الوداع لما أراد الخطبة أمر من يستنصت له
الناس، فسن ذاك قياسًا على هذا، فمن زعم أن ذلك بدعة وشنع على فاعليه فقد غفل
عما قررته، فتأمله.
١٣٨٦ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيِّ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُد فِيهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اِفْسَحُوا(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرِ عَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهِ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
من مقعده (ثُمَّ يُخَالِفُ) أي: يعتمد (إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُد فِيهِ) وذكر هذا لمزيد التأكيد
بفعل هذا مع أخيك المسلم وهو مثلك، والزجر عن هذا الفعل الناشئ عن التكبر
والتعاظم، كيف تفعل هذا مع أخيك المسلم وهو مثلك في الدين؟ فيحرم غير ذلك
بغير رضا الجالس رضًا حقيقيًّا لا عن خوف أو حياء وإن بعثه ليأخذ له مقعدًا قبل
الزحمة؛ لأن المساجد ونحوها لا تُستحق بالبعث، بل المبعوث أحق بما جلس فيه لسبقه
إليه وإن كان ناويًا أنه لمرسله، بل يكره له القيام منه وإيثاره به إن كان ما يقوم إليه
دون الأول في الفضيلة لكونه في الصف الأول فيتنحى له إلى الثاني؛ لأن الإيثار
بالقرب بلا عذر مكروه.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ فالمراد به الإيثار في حظوظ النفس
كما بيَّنه قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وهو مستحب.
(وَلَكِنْ) إذا دخل ورأى الناس قد ازدحموا لكنهم تضاموا ولم يبقَ له مجلس
يسعه، فيسن له حينئذٍ أن يتلطف بهم في حصول التفسح له بقول أو إشارة، أخذ من
قوله: (لِيَقُلْ: اِفْسَحُوا).
(١) أخرجه الشافعي (٦٩/١)، ومسلم (٢١٧٨)، وأحمد (١٤١٧٦).

٢٤٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب التنظيف والتبكير
وفي رواية: ((تفسحوا وتوسعوا)(١) فإن زاد رحمكم الله، أو يفسح اللهُ لَكُمْ كما
أشارت إليه الآية أو نحو ذلك فلا بأس، بل لو قيل بندبه لم يبعد، ولعله ◌َير إنما
سكت عنه؛ لأنه معلوم (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
ووجه مناسبة الترجمة: أن المنكر للجمعة ربما احتاج لمجلس فاضل في المسجد
فأقام من فيه واستأثر به، فبين المؤلف بهذا الحديث امتناع ذلك، ووجه مناسبة ما
قبله: أنه ما احتاج للكلام حال الخطبة فبين له حكمه، والحاصل أن هذين من توابع
حضور الجمعة دون خصوص التبكير، لكن لما به نوع تعلق.
(الفصل الثاني)
١٣٨٧ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله
وَلُّ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ،
ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَظّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ
إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُّعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (٢). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد].
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِوَثُ: مَنِ
اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أخرى: ((واستن))(٣) أي: استاك (وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ
ثِيَابِهِ) وأفضلها من حيث اللون الأبيض للخبر الصحيح: ((البسوا من ثيابكم البياض،
فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)) (٤).
وفي رواية صحيحة أيضًا: ((فإنها أطهر وأطيب))(٥).
(١) أخرجه مسلم (٢١٧٧)، وأحمد (٥٧٨٥)، والحميدي (٦٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٣).
(٣) أخرجه البيهقي (٦١٧٠)، وابن حبان (٢٨٣٥).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤) قال: حسن صحيح. وابن حبان
(٥٤٢٣)، والبيهقي (٥٧٦٣)، وعبد الرزاق (٦٢٠٠)، والطبراني (١٢٤٨٥)، والضياء (٢٠٦).
(٥) أخرجه النسائي (١٨٩٥).

٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وزاد الخطابي في روايته: (الجدد)) وقضيتها أن الجديدة أولى، ويظهر أن محله إن
ساوت العتيقة بياضًا ونظافة وإلا فالعتيقة أولى؛ لما علم من رواية: ((فإنها أطهر
وأطيب)) فإن فقد البيض أو لم يردها فما صبغ قبل النسج وأولاه الأبراد؛ لأنه ◌َ ل﴾ كان
له برد يلبسه في العيدين والجمعة أمَّا ما صُبغ بعد النسج فيكره لبسه.
(وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ) إن تيسر له تحصيله (ثُمَّ أَنَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَظّ
أَعْنَاقَ النَّاسِ) بل جلس حيث ينتهي به المجلس من غير تخطٍ ولو آخر الناس (ثُمَّ
صَلَّى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) أي: قدَّره (ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ)
كأن حكمة ذكره طلب الإنصات بين الخطبة والصلاة.
وإن كانت كراهة الكلام عندنا وحرمته عند غيرنا تنتهي بفراغ الخطبة (كَانَتْ)
هذه الفعلة المشتملة على ما ذكر (كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وغيره بأسانيد حسنة، وفي الصحيح أحاديث بمعناه سبق بعضها، ومن ثم
صححه ابن حبان والحاكم.
١٣٨٨ - [وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ وَاسْتَمَعَ، وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ
بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ
مَاجَه].
(وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
بتشديده وتخفيفه وهو أرجح عند المحققين (وَاغْتَسَلَ) أي: غسَّل زوجته بأن
جامعهما فألجأها إلى الغسيل واغتسل؛ إذ يسن له الجماع هذا اليوم؛ ليأمن أن يرى في
طريقه ما يستحل قلبه، أو غسل أعضاء وضوئه بنية الوضوء، ثم اغتسل للجمعة أو
غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل وأفرد الرأس؛ لأنهم كانوا يجعلون فيه نحو دهن وخطمي
(١) أخرجه الترمذي (٤٩٨)، وأبو داود (٣٤٥)، وأحمد (١٦٦٠٣)، والنسائي (١٣٨٠)، وابن ماجه
(١١٤٠)، والبيهقي في «سننه)) (٦٠٨٩).

٢٤٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
وکانوا یغتسلون.
قال النووي: والمختار في ((غسَّل)) ما اختاره البيهقي وغيره من المحققين أنه
بالتخفيف، وأن معناه: غسل رأسه، ويؤيده رواية أبي داود: ((من غسل رأسه يوم
الجمعة واغتسل))(١) وروى أبو داود والبيهقي هذا التفسير عن مكحول وغيره.
قال البيهقي: وهو بيِّن في رواية أبي هريرة وابن عباس ( عن النبي ◌ُّ. انتهى.
(وَبَكَّرَ) بالتخفيف خرج من بيته باكرًا، وبالتشديد - وهو أشهر - أتى الصلاة
أول وقتها على ما قاله الأزهري، أو بكَّر إلى صلاة الجمعة أو إلى الجامع (وَابْتَكَرَ) أي:
أدرك أول الخطبة؛ لأنه باكورتها.
وقيل: هما بمعنى، جمع بينهما تأكيدًا.
وقيل: بكّر: تصدق.
وقيل: راح في الساعة الأولى، وابتكر: فَعَل فِعْل المبكر من الاشتغال بالصلاة
والذكر، وهذا أحسن هذه الأقوال عندي؛ لإفادته ما هو الأكمل على الإطلاق من
التبكير في الساعة الأولى، ثم الاشتغال بالصلاة والذكر إلى خروج الإمام، والإنصات
للخطبة سیذکر.
(وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ) فائدته: استيعاب جميع الطريق بالمشي، ثم رأيت النووي
صرح به فقال: قيل: هما بمعنى، جمع بينهما تأكيدًا، والمختار أن ((ولم يركب)» أفاد نفي
توهم حمل المشي على المضي ولو ركبًا، ونفي احتمال أن يراد بالمشي ولو في بعض الطريق
(وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ وَاسْتَمَعَ) لا تلازم بينهما فندب إليهما.
(وَلَمْ يَلْغُ) فائدة كالذي قبله من استيعاب جميع زمن الخطبة بالإنصات (كَانَ لَهُ
بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. رَوَاهُ) أحمد و(التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وحسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان وكذا الحاكم، وقال: إنه
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٦).

٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
على شرط الشيخين.
قال بعض الأئمة: ولم يسمع في الشريعة حديثًا صحيحًا مشتملاً على مثل هذا
الثواب؛ أي: فيتأكد الاعتناء بالعمل بما في هذا الحديث على جميع الأقوال، حتى ينال
هذا الثواب الذي لا حد له، لا سيما إن بَعُدَ محله عن المسجد.
١٣٨٩ - [وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ سَلَامٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: مَا عَلَى أَحَدِكُمْ
إِنْ وَجَدْ أَنْ يَتَّخِذَ تَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِيْ مَهْنَتِه(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ سَلَامٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه وَِّ: مَا) بمعنى ليس، واسمها
محذوف (عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْ) سعة يقدر بها على تحصيل زائدة على ملبوس مهنته،
وهذه معترضة ومعمول المحذوف (أَنْ يَتَّخِذَ تَوْبَيْنٍ) أي: ليس على أحدكم نقص يخل
بزهده في اتخاذه ثوبين وجدهما (لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) يلبسها فيه، وعلى غاية من أبهتهما
ونظافتهما بعدم استعمالهما في المهنة وإن استعملا في نحو اجتماع يشبه الجمعة؛ لأنهما
مع ذلك يصدق عليهما أنهما اتخذا للجمعة؛ لأن القصد نفي اتخاذهما للمهنة بشهادة
المعنى، بل والسياق في قوله: (سوَى قَوْيي مهنته) أي: بذلته وخدمته، ویروی بكسر
أوله وفتحه، لكن قيل: الكسر عند الإثبات خطأ.
قال الأصمعي: بالفتح: الخدمة، ولا يقال بالكسر، وكان القیاس لو جيء بالكسر
أن يكون كالجلسة والخدمة إلا أنه جاء على فَعْلَة (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٣٩٠ - [وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْتِى بِنِ سَعِيد].
(وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْتِى بنِ سَعِيد) وفيه أن من اتخذ زائدًا عن حاجته لغرض
يعود إلی کمال ديني لا يخل ذلك بزهده.
١٣٩١ - [ وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: احْضُرُوا الذِّكْرَ
وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا(٢). رَوَاهُ
(١) أخرجه مالك (٢٤١)، وأبو داود (١٠٧٨)، والبيهقي (٥٧٤٥)، وابن ماجه (بعد رقم ١٠٩٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠١٣٠)، وأبو داود (١١٠٨)، والحاكم (١٠٦٨)، والبيهقي (٥٧٢٢).

٢٥١
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: احْضُرُوا الذِّكْرَ) أي:
الخطبة (وَادْتُوا مِنَ الإِمَامِ) بأن تبادروا إلى الصف الأول فالذي يليه، وهكذا ما أمكن
(فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ) عن مواطن الفضائل وأعالي الدرجات، كاستماع الخطبة
والجلوس في الصف الأول الذي هو مقام المقربين، ويقنع بسفساف الأمور السهلة،
كالبعد عن الاستماع، والجلوس بآخر الصفوف إيثارًا لراحة نفسه الدنية؛ إذ لو كانت
أبية لم يرضَ إلا بالأفضل فالأفضل.
(حَقَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا) لأن الناس فيها على طبق أحوالهم واجتهادهم
في الدنيا، فمن اجتهد في حيازة معالي الفضائل في الدنيا فاز بمعالي الدرجات؛ لأنه
وضع نفسه وأخَّرها حيث قنع من علي درجاتها ورفيع مقاماتها بمجرد الدخول (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد) وفيه آكد حث وأبلغ فضل على تحري القرب من الإمام واستماع الخطبة.
١٣٩٢ - [وَعَنْ سَهَل بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: مَنْ تَخَّ رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم (١).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ مُعَاذٍ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيٌّ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَُّ : مَنْ تَخَطَى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: تجاوز رقابهم بالخطو عليها (الَّخَذَ) بهذا
الفعل القبيح؛ لما فيه من إيذاء الناس واحتقارهم (جِسْرًا) أي: ممرًا يمر عليه (إِلَى
جَهَنَّم) أي: هيأ لنفسه طريقًا فينتهي به إلى جهنم من غير أن يجد خلاصًا عنها.
قيل: ويُروى بالبناء للمفعول؛ أي: يُجعل جسرًا يمر به عليه من يُساق إلى جهنم
جزاء له بمثل عمله. انتهى.
فإن صحت هذه الرواية أفادت أن المتخطي يجعل ممرًا لأهل جهنم؛ إذلالاً له
(١) أخرجه أحمد (١٥٦٤٧)، والترمذي (٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦)، والطبراني (٤١٨)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٣٠٠٠)، وأبو يعلى (١٤٩١).

٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وتحقيرًا نظير ما عمل في الدنيا، ولا بعد في ذلك، فإن تارك زكاة المواشي ينبطح لها فتمر
عليه وتطؤه بأخفافها وحوافرها، وصح في الحديث كما بيَّنته في ((الزواجر عن اقتراف
الكبائر)» في بعض أهل الكبائر أنه يوضع [عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ] ليطؤوه بالمرور عليه
بكرة وعشيًّا(١).
فمن قال: إن هذا من باب التشبيه؛ شبه الداخل لأجل تخطيه رقاب الناس
وجعلها معبرًا له بالجسر موضوعًا على شفير النار فقد استروح، وأخرج الحديث عن
ظاهره ظنًا أنه لا نظير له وليس كما توهم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
وصح أنه وله رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال: ((اجلس فقد آذيت
وآنيت))(٤) أي: تأخرت، واختلف أصحابنا في حكم التخطي، فقال كثيرون: يحرم
للأخبار الصحيحة فيه، ومن ثم اختاره النووي في ((الروضة)) وقال الأكثرون: يُكره،
واعتمده النووي في ((مجموعه)) وتبعوه.
وأجرى ذلك في غير الجمعة من كل اجتماع ولو لمباح، واستشق الإمام ومن
أمامه فرجة، لكن هذا لا يتخطى إلا رجلاً أو رجلين، ومن رضي له المتخطى عليه،
واستثنى بعض أصحابنا الرجل المحتشم إذا ألف محلاً مخصوصًا، واستدل بأن عثمان
تخطى رقاب الناس، وعمر ﴾ يخطب، فلم ينكر عليه أحد، وإنما يتجه استثناء
هذا من الحرمة دون الكراهة؛ إذ لا يجب إنكار المكروه على أنه يحتمل أن عدم
الإنكار لعلمهم برضا من تخطاهم، فهي واقعة حال فعليه محتملة، فلا دليل فيها
لذلك الاستثناء مطلقًا، نعم قال بعض المتأخرين: يحتمل ذلك على من علم صلاحه
وظهرت ولا يته، فإن الناس يتبركون به ويسرون بتخطيته عليهم.
(١) انظر: الزواجر للمصنف (٩٩/٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٧١٠)، وابن ماجه (١١١٥)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (١٣٩٩)، وابن خزيمة
(١٨١١)، وابن حبان (٢٧٩٠)، والحاكم (١٠٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
والبيهقي (٥٦٧٨)، والضياء من طريق الطبراني (٢٢)، والبزار (٣٥٠٦).

٢٥٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
١٣٩٣ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّ نَهَى عَنِ الْحِبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ (١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرْ نَهَى عَنِ الْحِبْوَةِ) بكسر أوله؛ أي: الاحتباء، وهو أن يجمع
ظهره وساقيه بيديه أو نحو ثوب (يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) فيكره حينئذٍ، وعلَّله
الخطابي بأنه يجلب النوم فيفوته سماع الخطبة، أو ينقض طهارته (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُد) وحسَّنه الترمذي، لكن اعترضه النووي في ((مجموعه)) بأن في سنده ضعف فلا
یتم حسنه.
ومن ثم كان أكثر العلماء على عدم كراهة ذلك، بل قال أبو داود: لم يبلغني أن
أحدًا كرهه إلا رجلاً سماه.
ونقل ابن المنذر عن الشافعي # أنه لا يكره، ومثله في الكراهة على الأول
الاتكاء ومد الرجلين، وإلقاء يديه من خلفه إلا لعلة.
١٣٩٤ [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ(٢). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِذَا نَعَسَ) بفتح
العين (أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ. رَوَاهُ) أحمد وأبو داود
و(التِّرْمِذِيُّ) وبه أخذ الشافعي ﴾، فقال: أحب إذا نعس أحدكم ووجد مجلسًا لا
يتخطى فيه غيره أن يتحول إليه، فإن ثبت في موضعه وتحفظ عن النعاس لم أحب أن
یتحول. انتهى.
(١) أخرجه أبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٦)، وأحمد (١٦٠٣٥)، والبيهقي في «سننه»
(٦١٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (٤٧٤١)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٢٦) وقال: حسن صحيح، والحاكم
(١٠٧٥)، وابن حبان (٢٧٩٢)، والبيهقي (٥٧١٨)، وابن أبي شيبة (٥٢٥٣)، وابن خزيمة (١٨١٩)،
والطبراني (٦٩٥٦).

٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(الفصل الثالث)
١٣٩٥ - [عَنِ نَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَ﴿ أَنْ يُقِيمَ
الرَّجُلُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، قِيلَ لِنَافِعِ: فِي الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا (١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(عَنِ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ مِنْ
مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ) بالنصب عطفًا على «یقیم)) فكل منهي عنه على حدته، وروي بالرفع
فالجملة حالية والنهي عن الجمع حتى لو أقامه ولم يقعد لم يرتكب النهي، والوجه هو
الرواية الأولى وما أفادته؛ لأن العلة الإيذاء، وهو حاصل بكل على انفراده فجزم؛ لأن
من سبق إلى مباح فهو أحق به بنص الحديث الصحيح: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه
غيره فهو أحق به)»(٢).
(فِيهِ؟ قِيلَ لِنَافِعِ: فِي الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبه أخذ
أئمتنا فقالوا: يحرم إقامة قاعد بمسجد أو غيره من كل محل مباح يختص به السابق إليه
في جمعة وغيرها، سواء أراد الجلوس أم لا ما لم تكن إقامته من محله؛ لأنه لكونه
جلس في محل الإمام أو طريق الناس وضيق عليهم، أو بين يدي الصف مستدبرًا
القبلة إلا لعذر؛ لضيق المحل، فإن أوثر بمحل لم يكره جلوسه فيه.
وأمَّا المؤثر فإن انتقل لدونه بلا عذر كره له الإيثار وإلا فلا، وله بعث من يحیز
له مكانًا إلا خلف مقام إبراهيم - صلى الله على نبينا محمد وعليه وسلم - والروضة
الشريفة ونحوهما، فيحرم فرش السجادات فيه على كلام فيه ذكرته في «حاشية مناسك
النووي)) ولمن جاء ووجد فراشًا أن ينحيه ويجلس محله، وليحذر من رفعه بنحو يده؛
لدخوله في ضمانه حينئذٍ.
١٣٩٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
(١) أخرجه البخاري (٩١١) ومسلم (٥٨١٣).
(٢) أخرجه بنحوه أبو داود (٣٠٧١)، وابن سعد (٧٣/٧)، والبيهقي (١١٥٥٩)، والضياء (١٤٣٤).

٢٥٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
وَّهِ: يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: فَرَجُلُ حَضَرَهَا بِلَغْوِ فَذَلِكَ جَزَاؤُهُ، وَرَجُلُّ حَضَرَهَا بِدَعَاءٍ
فَهُوَ رَجُلُ دَعَا اللّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلُ حَضَرَهَا بِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ
يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًّا، فَهِيَ كَفَّارَةُ إِلَى الْجُمُعَةَ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
وَذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ يَقُولُ: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠](١). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَحْضُرُ
الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرِ فَرَجُلُّ) الفاء زائدة، ويصح كونها للتفريع؛ إذ التفصيل مفرع على
الإجماع، ثم رأيت الشارح صرح بالثاني، قال: الفاء تفصيلية؛ لأن التقسيم حاضر
(حَضَرَهَا) حضورًا مقترنًا (بِلَغْوِ) أي: كلام غير مشروع حال الخطبة، أو عبث بشيء
يظهر له صوت، وفي نسخة: ((يلغو)) مضارع، فيكون حال من الفاعل.
(فَذَلِكَ) اللغو، والفاء فيه جزائية؛ لتضمن المبتدأ معنى الشرط لكونه نكرة
وصفت بجملة فعلية (جَزَاؤُه) أي: لا جزاء له كامل؛ لما مر أن اللغو يمنع كمال ثواب
الجمعة، ويحتمل أن يراد بـ((اللغو)) ما يشمل التخطي والإيذاء بدليل نفيه عن الثالث،
وحينئذٍ فالتقدير: فذلك الأذى؛ أي: نظيره؛ أي: جزاؤه؛ لما مر أنه يتخذ جسرًا إلى
جهنم بما فیه.
(وَرَجُلُّ حَضَرَهَا) مشتغلاً (بدَعَاءٍ) حال الخطبة حتى منعه ذلك من أصل
استماعها أو كماله، أخذ من قوله: ((في الثالث)» بإنصات وسكوت (فَهُوَ رَجُلُ دَعَا اللّهَ
إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ) لسعة حلمه وكرمه (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ) عقابًا على ما أساء به من اشتغاله
بالدعاء عن سماع الخطبة، فإنه مكروه عندنا، وحرام عند غيرنا.
(وَرَجُلُ حَضَرَهَا) ملتبسًا (بِإِنْصَاتٍ) للخطيب (وَسُكُوتٍ) عن اللغو، بيَّن به أنه
لا بد في هذا الجزاء من وقوع الإنصات في جميع الخطبة (وَلَمْ يَتَخَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ
(١) أخرجه أحمد (٧١٩٠)، وأبو داود (١١١٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٠٤٢).
-

٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
يُؤْذِ أَحَدًا) بغير ذلك (فَهِيَ) أي: الجمعة المقترنة بما ذكر (كَفَّارَةً) لذنوبه من حين
انصرافه (إِلَى) مثل تلك الساعة من (الْجُمُعَةَ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ)
التكفير (بِأَنَّ) أي: بسبب أن (اللهَ يَقُولُ: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾)
فلأجل هذا الفضل الواسع كفَّر الله له بذلك الفعل الواقع في يوم الجمعة عشرة أيام،
ما بين الجمعتين ستة وثلاثة أيام زيادة (١) (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٣٩٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَنْ
تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أُسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]
وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَنْ تَكَلَّمَ)
بغير مشروع (يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) وهو يعلم كراهة الكلام أو حرمته (فَهُوَ
﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْيِلُ﴾﴾ [الجمعة: ٥] صفة أو حال (﴿أَسْفَارًا﴾) أي: كتبًا كثيرة من
كتب العلم بجامع أن كلاً منهما حمل علمًا لم ينتفع به مع ما زاد به الإنسان من عظيم
الغباوة ومزيد البلادة، حيث أعطاه الله عقلاً وفهمًا يميز به بين القبيح والحسن
فتعامى عن الحسن وفعل القبيح.
(وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ) من غير أن يقصد به الأمر بالمعروف، أو كأن قوله له
ذلك مانعًا لغيره من الاستماع؛ لما فيه من الفصاحة والمبالغة بالجهر (لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)
أي: كاملة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وإنما حملناه على ذلك للأخبار الدالة على جواز الكلام، سمع
الخطيب أو لم يسمع خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
وقال أحمد: لا بأس بالذكر لمن لم يسمع منها خبر ((الصحيحين): ((إن أعرابيًّا قال
للنبي وَّ﴾ وهو يخطب يوم الجمعة: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادعُ الله لنا،
(١) انظر: المرقاة (٥٦/٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٤).

٢٥٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب التنظيف والتبكير
فرفع يديه ودعا))(١).
وخبر البيهقي بسند صحيح: إن رجلاً قال للنبي ◌َيه حينئذٍ: متى الساعة؟
فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، فأعاد الكلام فأعادوا، ثم أعاد فأعادوا، فقال
النبي ◌َّه في الثالثة: ((ما أعددت لها؟)) قال: حب الله ورسوله، قال: ((إِنك مع من
أحببت))(٤).
وجه الدلالة: أنه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبيِّن له وجوب السكوت وتأخير
البيان عن وقت الحاجة غير جائز، ودعوى أن كلاً منهما تكلم قائمًا قبل جلوسه
يحتاج الدليل على أن هذه واقعة قولية، فاحتمال هذا أو غيره لجهله بالحكم تعمها،
ولأجل هذا حمل الأمر بالإنصات في الآية على الندب إن سلمنا أنها في الخطبة أو
شاملة لها، وهو ما قاله جمع عشرون، لكن الأشهر خلافه؛ لأن الآية مكية والخطبة
فرضت بالمدينة.
ومن ثم جنح إليه محققو المفسرين بل أكثرهم، نعم مر أنه يحتمل أن الجمعة
وجبت بمكة ولم يتمكن ◌َل18 من إقامتها، فأقامها عقب دخوله المدينة، بل أقيمت
فيها قبل الهجرة، وبه يضعف التعليل المذكور، وحمل اللغو في الأحاديث على أنه بمعنى
ترك الأدب جمعًا بين الأحاديث.
وشدَّ ابن وهب فقال: من لغا كانت صلاته ظهرًا، وحُرِم فضل الجمعة. انتهى.
وظاهر كلام النووي أنه خرق الإجماع، حيث قال: ولا تبطل جمعته بالكلام بلا
خلاف، وإن قلنا محرمته.
وخبر: ((فلا جمعة له)(٣) أي: كاملة، وكذا قول أُبي ◌ّه لمن سأله والنبي وَلا يخطب
وقد قرأ سورة («براءة)): متى أنزلت؟ فلم يكلمه، فلما صلوا قال له: ما منعك أن
(١) أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٢١١٦)، وأحمد (١٤٠٤٣)، والنسائي (١٥٢٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٦٧)، وأحمد (١٣٧١٧).
(٣) تقدم تخريجه.

٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
تجيبني؟ قال: إنك لم تشهد معنا الجمعة، فجاء للنبي وَل﴾ قال: ((صدق أبي)(١) والمراد بنفي
شهودها نفي لكمال ثوابها لا لأصله وإلا لأمر بإعادتها.
فإن قلت: ما تكلم به خیر.
قلت: لکنه خیر غیر نافذ، فلم یعذر به، ولا يجهل حکمه إن فرض.
ومن ثم قال أئمتنا: لا يكره الكلام للخطيب وغيره إن عرض مهم ناجز كما
يأتي، ولا يكره الكلام قبل الخطبتين ولا بينهما ولا بعدهما، ولا حال الدعاء
للسلطان، ولا للداخل ما لم يجلس، ويحرم على الجالس بمحل الجمعة بمجرد جلوس
الإمام على المنبر أن يبتدئ صلاة بأي صفة كانت وإن لم يسمع الخطبة، كذا ذكره
أصحابنا، ونقلوا الإجماع فيه وغلَّظوا من قال منهم: إن ذلك لا يحرم، وعلى الأول لا
ينعقد [ .... ] الكلام بأن الإعراض بها عن الخطيب الحسن، ولذا اتفقوا على تحريمها
واختلفوا في تحریمه.
١٣٩٨ - [وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي جُمُعَةٍ مِنَ
الْجُمَعِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ هَذَا يَوْمُ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ
طِيبْ وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ(٩). رَوَاهُ مَالِكُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْهُ].
(وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ: يَا
مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ هَذَا يَوْمُ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا) للمؤمنين لما اختصهم فيه من
الخصوصيات التي لا توجد في غيره، وقد أفاده بعض الحفاظ، وأوصلها إلى نحو المائة
ومر کثیر منها.
(فَاغْتَسِلُوا) ومنه كقوله ◌َّ: ((إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل))(٣) رواه
الشيخان، أخذ الشافعي # أن الغسل يوم الجمعة سنة مؤكدة يكره تركه، وإنما لم
(١) أخرجه أحمد (٢١٨٩٣)، وابن ماجه (١١٦٥)، وابن حبان (٣٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٠٤٤).
(٢) أخرجه مالك (١٤٤)، وابن ماجه (١١٥٢).
(٣) تقدم تخريجه.

٢٥٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب التنظيف والتبكير
يوجب خلافًا لمالك مع قوله ◌َّ: ((غسل الجمعة واجب))(١) رواه الشيخان للخبر الحسن
بل صححه أبو حاتم الرازي: ((من اغتسل يوم الجمعة فبها)) أي: الرخصة أخذ ((ونعمت
ومن اغتسل فالغسل أفضل))(٢).
وكون حديث الوجوب أصح لا يمنع حمله على تأكد الندب بقرينة هذا؛ لأن
الجمع بين الأحاديث وإن لم يتقاوم في الصحة أولى من إلغاء بعضها، فاندفع ما لابن
دقيق العيد هنا.
وفي البخاري: إن عثمان تأخر فجاء عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - يخطب فأنكر
عليه، فاعتذر إليه بأنه كان له شغل، فلم يزد على أن توضأ وحضر.
قال عمر: والوضوء أيضًا، ولم يأمره بالعود للغسل بحضرة المهاجرين والأنصار،
فدل ذلك على عدم وجوبه ولو تعارض هو والتبكير فأولى مراعاة الغسل إن وثق
بحصوله للخلاف القوي في وجوبه، بل حكي قول للشافعي به، لكنه منازع في ثبوته
عنه.
(وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ) أي: من قدر على حصوله من أي نوع كان، لكن
أفضله المسك المخلوط بماء الورد؛ لأن المسك هو الذي كان #* يتطيب به غالبًا، وكان
يكثر منه بحيث لو أخذ لكان رأس مال (وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ) كان وجه إيثار هذه
العبارة وقع توهم من توهم أن التطيب من عادة النساء، فنفي الحرج عنه دفعًا هذا
التوهم، واكتفاء عن إثبات سنة بما علم من الأحاديث الكثيرة الحاثة على التطيب، بل
ومن فعله وظهوره فیه بحیث کان پڼ يُعرف بريحه.
ونظير ذلك: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] نفي الحرج عن
(١) أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٨٤٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٢٧٢) وأبو داود (٣٥٤) والترمذي (٤٩٧) وقال: حسن، والنسائي (١٣٨٠)
والبيهقي (٥٤٥٩) والطبراني (٦٨١٧) وفي («الأوسط)) (٨٢٧٢) والطيالسي (٢١١٠) وابن ماجه
(١٠٩١) وعبد بن حميد (١٠٧٧)، والطحاوي (١١٩/١) وابن أبي شيبة (٥٠٢٦) والدارمي (١٥٤٠).

٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الساعي بين الصفا والمروة؛ لأنهم كانوا يتوهمونه حرجًا، واكتفى تعالى عن بيان وجوبه
بفعل نبيه # والأحاديث لحديث: ((إن الله تعالى كتب عليكم السعي)(١).
(وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاك) يوم الجمعة ما استطعتم، فإنه يطلب مزيد التنظيف كما
مر بسطه، وآكده السواك لعظيم نفعه وعموم جدواه (رَوَاهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه
عَنْهُ).
١٣٩٩ - [وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - مُتَّصلاً].
(وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما مُتَّصلاً).
١٤٠٠ [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: حَقًّا) نُصب بدلاً عن اللفظ بفعله،
والأصل ((حقّ ذلك حقًّا)) فحذف الفعل فأقيم المصدر مقامه اختصارًا (عَلَى الْمُسْلِمِينَ)
مرآنفًا أن المراد بذلك مزيد تأكده (أَنْ يَغْتَسِلُوا) فاعل («حقًّ)) (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) غسلاً
كاملاً كغسل الجنابة في الواجب، ومنه سنة غسل الجمعة ومنه الوضوء قبله.
ويؤخذ من قوله: ((يوم الجمعة)) أنه يدخل فيه بالفجر فلا يجوز قبله خلافًا
الأوزاعي، ولا يتوقف على الرواح خلافًا لمالك؛ لأن الأخبار علقته بـ(اليوم)) كما ترى،
على أن خبر: ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح))(٣) دليل واضح على حصوله، وإن لم
يحصل الرواح عقبه، نعم الأفضل تقريبه من ذهابه ما أمكن؛ لأنه أقضى إلى الغرض
من التنظيف، ومر أنه يختص بمزيد الحضور، ولو امرأة خلافًا لأحمد وبعض أصحابنا
(١) أخرجه أحمد (٢٧٤٠٧)، والطبراني (٥٧٢)، وابن خزيمة (٢٧٦٤)، والحاكم (٦٩٤٣)، والبيهقي
(٩١٤٩)، والدارقطني (٢٥٦/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٣١)، وأحمد (١١٥٥٤).
(٣) تقدم تخريجه.