Indexed OCR Text
Pages 161-180
(باب صلاة التطوع) أراد به ما عدا توابع الفرائض وما ألحق بها، لكن تعبيره عن تلك بالسنن وعن هذا بالتطوع يوهم أن بينهما فرقًا، وليس كذلك عند أكثر أصحابنا، بل التطوع والنفل والمندوب والسنة والحسن والمرغب فيه ألفاظ مترادفة معناها واحد، وهو ما يعلم من الشارع ترجيح فعله على تركه من غير إثم في تركه، وأمَّا مداومته وَّ على بعضها فتخصه بوصف زائد على ذلك، وهو التأكد. (الفصل الأول) ١٣٢٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّ سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ كَمَا صَلَيْتُ بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أَصَلِّ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ لِلَالٍ عِنْدَ) يحتمل أنه بمعنى: عقب، أو قبيل (صَلَاةِ الْفَجْرِ) يحتمل فرضه ويحتمل سنته (بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ) أي: بأقرب أعمالك إلى القبول، ويحصل المأموم من عظيم الثواب وعلو الدرجة في ظنك من الرجاء، وهو قول الطمع في حصول المطلوب، فـ((أرجى)) هنا بمعنى: مرجو، كـ(فلان أشهر من فلان)) واسم التفضيل بمعنى المفعول شاذ قياسًا لا استعمالًا. ويجوز أن تكون إضافته إلى العمل؛ لأنه سبب الرجاء، فيكون المعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (في الإِسْلَامِ) قيد به؛ لأنه لا عبرة بالأعمال الواقعة قبله. (١) أخرجه البخاري (١٠٩٨)، ومسلم (٢٤٥٨)، وأحمد (٩٦٧٠)، وابن خزيمة (١٢٠٨)، وابن حبان (٧٠٨٥). ١٦١ ١٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (فَإِنِّي) تعليل للأمر بالإخبار لترتب عليه إخباره بهذه المنزلة الرفيعة لتداوم على الموصل لها وليرغب غيره في ذلك العمل أيضًا (سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ) أي: صوت مشيك فيهما من دفيف الطائر ضربه عند إرادة الطيران دفتيه؛ أي: جنبيه فيُسمع لهما صوت (بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ) يحتمل أن ذلك كان يقظة ليلة الإسراء، وأنه إنما قال له بعدها لا صُبيحتها؛ لأنه لم يصلِّ صبحها؛ لتوقف الوجوب على البيان، ولم يبيِّن له كيفية الصلوات المفروضة ليلة الإسراء، وإنما بينت له من المظهر إشارة لظهور دينه على الدين كله، وأنه كان بعدها منامًا ورؤيا الأنبياء وحي. ثم رأيت شارحًا تردد في ذلك أيضًا حيث قال: «هذا شيء كوشف به وَلّ في نومه أو يقظته)) وكأن حكمة سماعه لدف النعلين دون غيرهما أنهما آلة المشي والاجتهاد الموصل للمقصد، وبلال بلغ في الاجتهاد في الطاعة الغاية، فأشير لذلك لسماع تلك الآلة، وكونه سمعه من بين يديه ومن خلفه أن بلالاً خادمه وَّة، ومن شأن الخادم في الأمور المهمة أنه يتقدم بين يدي مخدومه لتعظيمه والتبليغ عنه، وتخصيص بلال بذلك لا يقتضي تقديمه على فضلاء الصحابة كالعشرة؛ لأنه قد يكون في المفضول مزية. (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّ لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا) وضوءًا أو غسلاً أو تيممًا (فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ) وفي نسخة: ((ولا نهار)) (١) (إِلَّا صَلَّيْتُ كَمَا صَلَيْتُ بِذَلِكَ الظَّهُورِ مَا كُتِبَ) أي: قدر، وقيل: وجب (لي) قيل: بمعنى عليَّ. انتهى. وإنما يحتاج إليه إن فسر ((كُتب)) بـ((وجب)) والظاهر خلافه (أَنْ أَصَلّ) قيل: فيه جواز الصلاة في الأوقات المكروهة. انتهى. فإن أريد ذات السبب فصحيح أو غيرها لم يصح إن فسر ((كُتب)) بـ((وجب)) فتلك الصلاة تصدق بركعتين، وبكونهما سنة الوضوء وهي ذات سبب، ويفرض (١) أخرجه مسلم (٦٤٧٨). ١٦٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة التطوع خلاف ذلك، والأحاديث المصرحة بحرمة غير ذات السبب مقدمة على هذا المحتمل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وسيأتي في حديث الترمذي أنه ذكر أمورًا متعددة غير ذلك، فإمَّا أن يكون ذكر الكل فقط بعض الرواة هذا وبعضهم ذاك، أو تكون الواقعة مكررة، فذكر هذا في مرة وذاك في مرة أخرى كما يأتي. ١٣٢٣ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِن الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللّهُمَّ إِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ، اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أُوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِيِ، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ(١). رَوَاهُ الْهُخَارِيُّ]. (وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َيْهِ يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ) أي: طلب تيسير خير الأمرين من الفعل والترك، من الخير ضد الشر (في الأمُورِ) التي يريد الإقدام عليها مباحة كانت أو عبادة، لكن بالنسبة لإيقاع العبادة في الوقت الذي عزم عليه لا بالنسبة لأصل فعلها، فإنه خير لا يستخار فيه (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِن الْقُرْآنِ) فیه غاية الاعتناء بفعل صلاة الاستخارة وحفظ دعائها الآتي لعظم نفع ذلك وعموم جزائه. (وَيَقُولُ) تعليمًا لذلك (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ) الجائز يريد فعله أو تركه (فَلْيَرْكَعْ) أمر ندب (رَكَعَتَيْنِ) بيان لأقل ما يحصل به (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) بيان (١) أخرجه البخاري (٦٩٥٥) وأبو داود (١٥٣٨)، والترمذي (٤٨٠) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (١٤٧٤٨)، والنسائي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (١٣٨٣)، وابن حبان (٨٨٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٤٠٣)، وعبد بن حميد (١٠٨٩). ١٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس للأكمل، فإن صلى فريضة أو راتبة مثلاً، فإن نوى بها الاستخارة أيضًا حصل أصل فضل سنة الاستخارة، وإن لم ينوها سقط عنه أصل الطلب ولم يحصل له شيء من ثواب الاستخارة، وهذا نظير ما استنبطوه في نحو تحية المسجد، من أن الأصل اشتغال الناس بصلاة حتى لا ينتهك حرمة المسجد، فكذا القصد هنا حصول ذلك الأمر عقب صلاة ليعود عليه تركها حينئذٍ يأتي فيها نظير ما تقرر في تحية المسجد لما مرَّ بها بل المنهي عن تركها في خبر: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي رکعتین))(١). (ثُمَّ لِيَقُلِ) عقب فراغه من صلاته مستقبل القبلة رافعا يديه بعد الحمد والصلاة على النبي ◌َّلهم؛ لأنهما سنتان في كل دعاء، بل يسن جعل الصلاة عليه وَله في أول الدعاء ووسطه وآخره كما أمر له بذلك (اللهُمَّ إِنِّي) أكد بذلك لمزيد الاهتمام بذلك الأمر وشدة طلبه (أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) أي: أطلب منك أن تشرح صدري لخير الأمرين بسبب علمك بكيفيات الأمور وجزئياتها؛ إذ لا يحيط بخير الأمرين على الحقيقة إلا من علمه كذلك وليس ذلك إلا إليك، فلم يطلب من غيرك بل منك وحدك. (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي: أطلب منك أن تقدرني على خير الأمرين بسبب أنك القادر على الحقيقي الذي لا يمكن أحد أن يفعل فعلاً إلا إن أقدرته عليه، ثم رأيت شارحًا جعل الباء فيهما للاستعانة كهي في: ﴿بِسْمِ الله تَجْرَاهَا﴾ [هود:٤١] وفيه تكلف، والفرق بين ما هنا والآية واضح للتأمل. ويحتمل كونها للقسم مع الاستعطاف والتذلل كما في: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَّ﴾ - (١) أخرجه مالك (٣٨٦)، والبخاري (٤٣٣)، ومسلم (٧١٤)، وأبو داود (٤٦٧)، والترمذي (٣١٦)، والنسائي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠١٢)، وأحمد (٢٢٧٠٥)، وابن أبي شيبة (٣٤١٩)، والدارمي (١٣٩٣)، وعبد الرزاق (١٦٧٣)، وابن خزيمة (١٨٢٧)، وابن حبان (٢٤٩٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٢٨٠) وفي («الأوسط)) (٨٩٥٨)، وأبو عوانة (١٢٣٨)، والبيهقي (٤٧٠٢). ١٦٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة التطوع [القصص: ١٧]. (وَأَسْأَلُكَ) ذلك وغيره فتفضل عليَّ أنه تعطينيه (مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ) الذي تفضلت به على عبادك، وهذا إطناب وتأكيد لما قبله، ومقام الدعاء خليق بذلك، إن الله يحب الملحين في الدعاء (فَإِنَّكَ) تعليل الذكر بسببية العلم والقدرة (تَقْدِرُ) على كل شيء ممكن تعلقت به إرادتك (وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ) كل شيء كلي وجزئي ممكن وغيره (وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) كلها لا تشذ عن علمك منها شيء، ولا يحيط أحد من خلقك بشيء منها إلا ما خصصته بالاطلاع على جزئيات قليلة منها، وكأن حكمة تشويش النشر الإشارة بتقديم العلم أولاً إلى عمومه، وبتقديم القدرة ثانيًا إلى أنها الألصق والأنسب بالمطلوب الذي هو الإقدار على فعل خير الأمرين، على أن مقام العلم ختم بتأخيره بجملة: ((وأنت علام الغيوب)) وترك ((وأنت القادر على كل شيء)». ومن ثم جعل سؤال الإقدار مرتبًا على علم الخير في قوله: (اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ) الذي عزمت علیه (خَيْر ◌ِي فِي دِینِي وَمَعَاشِي) بألا یترتب علیه نقص ديني ولا دنيوي (وَعَاقِيَةٍ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ) هذا إطناب أيضًا الشمول ديني ومعاشي لذلك كله، ويؤخذ من قول النووي: يندب في الدعاء آخر التشهد يوم عرفة: ((ربِّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ... إلخ)(١) أن يجمع بين «كثيرًا)) و(«كبيرًا»؛ لأن الراوي شك في أيهما قاله، فلم يتحقق الإتيان بالوارد إلا بجمعهما، أو اعتراض بما رددته في ((حاشية إيضاحه)) أنه يسن هنا أن يجمع هذين المشكوك في أحدهما حتى يتحقق إثباته بالوارد، والزيادة عليه لأجل تحقق الإتيان به غير منافية للاتباع، والأمر بتکریره مرتین في كل مرة لا حاجة إليه. (فَاقْدُرْهُ) أي: اقضِ به وهيِّته (لِي وَيَسِّرْهُ لِي) عطف تفسير أو أخص؛ إذ الإقدار (١) أخرجه البخاري (٧٩٩)، ومسلم (٢٧٠٥)، والترمذي (٣٥٣١)، وأحمد (٨)، والنسائي (١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٨٣٥)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٥٤)، وابن خزيمة (٨٤٦)، وابن حبان (١٩٧٦)، والبيهقي (٢٧٠٤)، وعبد بن حميد (٥)، والبزار (٢٩)، وأبو يعلى (٣٢). ١٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس قد يكون معه نوع مشقة (ثُمَّ) إذا حصل لي، وحكمة ((ثم)) هنا أن في الحصول بعد السؤال نوع تراج غالبًا (بَارِكْ لِي فِيهِ) بنموه ونمو آثاره، وسلامتها من جميع العواطل والمحن. (وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرَّلِي فِي دِينِ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّ وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) صرح به للمبالغة والتأكيد؛ لأنه يلزم من صرفه عنك صرفك عنه وعكسه، ويصح كونه تأسيًا بأن يراد: فاصرفه عني لا بقدرتي علیه، وبـ((اصرفني عنه)» لا يبقى في باطني اشتغال به. ثم ختم الدعاء بطلب الخير العام للإشارة إلى أنه المقصود بالذات، فقال: (وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ) أي: ما فيه ثواب ورضا منك على فاعله (حَيْثُ كَانَ) أي: أقدرني على فعله في أيّ مكان أو زمان حصل، وكأن حكمة تركه هنا: ((ويسره لي)) أن الخير العام لا بد في حصوله من مشقة وتعب غالبًا أو دائمًا، بخلاف ما سبق فإنه خاص، وانتفاء المشقة علیه کثیر. (ثُمَّ) بعد حصوله، وأتى بـ(ثم)) لنظير ما مر (أَرْضِفِي بِهِ) حتى لا أزدري شيئًا من نعمك، ولا أحسد أحدًا من خلقك، وحتى أندرج في سلك الراضين الذين مدحتهم بقولك: ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]. (قَالَ) وَّرِ (وَيُسَمِّي) عطف على ((فليقل)) لأنه في معنى الأمر، أو حال من فاعله؛ أي: فليقل ذلك مسميًا (حَاجَتَهُ) فيقول: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر الذي هو كذا، وكأن حكمة التسمية قصر النفس على طلب شيء مخصوص حتى لا يغفل عنه أو لا يخطر لها غيره، فيختل خشوعها ويبهم مطلوبها، وجمع بين هذا الأمر وتفسيره مع حصول المقصود بأخصر منه، كـ((إن كنت تعلم أن كذا خيرًا لي ... إلخ)) لما في ذاك الإطناب الأنسب بالدعاء، ومن الإجمال ثم التفصيل الأوقع في النفس، والدال على مزيد الاعتناء بالمطلوب. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخذ منه أصحابنا أنه يسن لمن عزم على فعل أمر بقسميه ١٦٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة التطوع السابقين؛ إذ دون المكروه والمحرم، بل ينبغي حرمتها فيه أن يستخير بالصلاة ثم الدعاء كما ذكر، فإن تعذرت عليه الصلاة أو لم يردها؛ إذ تركه الأفضل لا يمنعه من المفضول استخار بالدعاء. وفي خبر الترمذي: ((من سعادة ابن آدم كثرة استخارة الله تعالى، ورضاه بما رضي الله له، ويمضي بعده لما ينشرح له صدره) (١) أي: انشراحًا خاليًا عن هون النفس وميلها الحامل له عليه، وما لها فيه من الغرض الظاهر أو الباطن، فإن لم ينشرح الشيء؛ فالذي يظهر أنه يكرر الصلاة حتى ينشرح الانشراح المذكور. (الفصل الثاني) ١٣٢٤ - [عَنْ عَليّ ◌َّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ إِلََّّ غَفَرَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥](٢) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلَّا أَنَّ ابْنِ مَاجَه لَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ]. (عَنْ عَلِّ هِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ) جملة معترضة بيَّن بها عليّ - كرم الله وجهه - جلالة أبي بكر # وكرم وجهه، ومبالغته في الصدق حتى سماه رسول الله ◌َ﴾ صدِّيقًا. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا) صغيرًا أو كبيرًا (ثُمَّ يَقُومُ) أي: ينشط ويستيقظ من سنة الغفلة (فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ) آثرها هنا؛ لأن بين الطهر والصلاة فصلاً تامًا بالذكر عقب الوضوء ونحوه والفاء كـ(ثم)) لأنه فاصل بين القيام والتطهر (يُصَلِّ ثُمَّ) آثرها هنا أيضًا؛ لأن بين الصلاة والاستغفار المقصود به ما يأتي فاضلاً أيضًا هو الأذكار المندوبة عقب الصلاة (يَسْتَغْفِرُ الله) أي: يتوب إليه توبة (١) أخرجه الترمذي (٢١٥١) وقال: غريب، والحاكم (١٩٠٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٠٣). (٢) أخرجه الترمذي (٤٠٨)، وابن ماجه (١٤٥٩). ١٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس صحيحة كما يفيد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران:١٣٥] (إِلَّا غَفَرَ لَهُ) ما ارتكبه، بل وبدلت سيئة حسنة كما أفادته آية أخرى في الفرقان. (ثُمَّ قَرَأَ) شاهدًا على أن الاستغفار مع عدم الإضرار الناشئ عن تذكر عظمة الله ومزيد عذابه والخوف منه والمستلزم للتوبة الصحيحة، مكفر للذنب وإن لم يكن بطهر ولا صلاة لأجله وإن ذكرها إنما هو لبيان الأكمل والأفضل، وحمل شارح الذكر في الآية على الصلاة ليوافق الحديث، وهو محتمل إلَّا أنه يوهم أن الصلاة شرط للمغفرة، ومعلوم أن الأمر ليس كذلك فالأولى ما ذكرته. ((وَالَّذِينَ)) عطف على ((المتقين)) لبيان أن الجنة كما أعدت للمتقين أعدت للذين (﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾) أي: فعلة متزايدة القبح، وهو مطلق الكبيرة أو أعظم أنواعها كما أفاده عطفها على الكبائر في: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] بناء على أن الاستثناء منقطع، وقد يطلق حتى على الصغائر أيضًا إن جعلناه متصلاً كما هو الأصل فيه. (﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾) ولو بفعل صغيرة، فهو عام بعد خاص مذكور؛ لئلا يتوهم أن التوبة لا تكفره لمزيد قبحه، وفيهما أقوال أخر، هذا أحسنها (﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾) أي: عقابه ووعيده كما تقرر (﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾) في عطفه الاستغفار هنا على الذكر بـ((الفاء)) وفي الحديث على الصلاة بـ((ثم)) ما يؤيد ما ذكرته أن المراد بالذكر هنا عقب الصلاة ((ثم)؛ لأن تذكر عظمته تعالى وعقابه يعقبها الاستغفار من غير فاصل، والصلاة بينها وبينه فاصل كما مرَّ، ولما حمل الشارح الذكر على الصلاة؛ ليوافق بين الآية والحديث كما تقرر. ورد عليه: يخالفهما في العطف بـ((الفاء)) و((ثم)) فأجاب عنه بما لا يدفعه مع ما فیه من التكلف. (﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾) اللام معدية أو تعليلية، ودل على أنه جعلهم ممن أعدت له الجنة وتعقبه بقوله عز قائلاً: (﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللهُ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه (وَابْنُ ١٦٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة التطوع مَاجَه إِلَّا أَنَّ ابْنِ مَاجَه لَّمْ يَذْكُر الآيَةَ) ومنه أخذ أصحابنا أنه يسن لمن أذنب ذنبًا وتاب منه أن يصلي عقب توبته ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى شكرًا على حصولها وطلبًا لقبولها ودوامها. ١٣٢٥ [وَعَنْ حُذَيفَةَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرُّ صَلَّى(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ حُذَيفَة ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا حَرَبَهُ) بمهملة فزاي فموحدة؛ أي: أهمه (أَمْرَّ) مزعج (صَلَّ) ليزول همه وينفرج كربه، وبين لأمته طرق النجاة من الهموم، وفضائل الصلاة، وكان أخذ ذلك كله من قول الله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ أي: على البلايا والنوائب ﴿ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: بالالتجاء إليها عند وقوع ذلك لينفرج عنكم الخزن بركوعها، ومن ثَمَّ لما بلغ ابن عباس موت أخيه قثم وهو على دابته فنزل، ثم صلى ركعتين، ثم قرأ الآية (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ومنه استفيد عظم فضل صلاة التطوع، وأن الصلاة كما تنهى عن الفحشاء والمنكر تكون سببًا لتفريج الكروب وإزالة الهموم وانشراح الصدور بجميع ما يرد عليها من قبل الحق. ١٣٢٦ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَدَعَا بِلَالاً فَقَالَ: بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَظُ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَك أَمَامِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَذَّنْتُ قَطُ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ، وَمَا أَصَابَفِي حَدَثُ قَطْ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ لله عَلَّ رَكْعَتَيْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: بِهِمَا(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَ﴾ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ فَدَعَا بِلَالاً فَقَالَ: بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ) أبرز له ما رواه في عالم الجن أو الكشف على هذا المنوال حثًّا له ولغيره من الأمة على ملازمة تلك الأعمال التي ذكرها، وإعلامًا بأنها توصل إلى هذه الدرجة العلية، (١) أخرجه مسلم (٧١٠٠)، وأبو داود (١٣٢١). (٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٤٦)، والترمذي (٣٦٨٩) وقال: صحيح غريب، وابن خزيمة (١٢٠٩)، وابن حبان (٧٠٨٦)، والحاكم (١١٧٩). ١٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس وليس في سبق العبد لسيده في مشي أو نحوه لغرض محذور بوجه، بل قد يكون محبوبًا. ثم بين ◌َ﴿ كيفية ذلك السبق بقوله: (مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَقُط) يستفاد منه أنه رأى بلالاً كذلك مرات، وحينئذٍ فيجمع بين سياق هذا الحديث المخالف لسياق الحديث الآخر السابق بأنه # سأل بلالاً عن ذلك مرات فأجابه عن كلُّ بما هو متلبس به حال السؤال (إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَك) هي حركة لها صوت كصوت السلاح (أَمَامِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَذَّنْتُ قٌَ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ) يحتمل أنهما تطوع مطلق، وإنما من الرواتب؛ إذ ما من أذان إلَّا وبعده راتبة عندنا كما صرح به قوله وَله: ((بين كل أذانین صلاة))(١). (وَمَا أَصَابَنِي حَدَثُ) أي: ناقض من نواقض الوضوء (قَطْ إِلَّا تَوَضَّأَتُ عِنْدَه) أي: عقبه (وَرَأَيْتُ) أي: اعتقدت (أَنَّ لِلهِ عَلَّ) أي: على جهة التأكد؛ لأن الوجوب خلافًا لمن زعمه معبرًا بـ((على)) مع كونها تستعمل في المندوب أيضًا وقريبة بتقدير كونه مجازًا فعله ◌َ﴿ ليلة إفاضته إلى مزدلفة، فإنه توضأ في بعض الطريق، ولم يصلِّ عقب وضوئه [لسياق] أخَّر صلاته للمزدلفة (رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: بِهِمَا) أي: بهذين العملين: أحدهما: الركعتان عقب كل أذان. وثانيهما: الوضوء عقب كل حدث، وصلاة ركعتين عقب كل وضوء. قلت: هذه المرتبة الدرجة العلية فالزمهما وداوم عليهما، وكان بلال أخذ بهما، وهو الأدلة العامة المصرحة بفضل الوضوء والصلاة والترغيب فيهما، فرأى أن الدوام على الطهر فضيلة عظيمة؛ لأن كمال الحدث نقص كما علم من القواعد، وأن إيقاع الصلاة عقبه وعقب الأذان لكونهما عبادتين فاضلتين، ومن مقدمات الصلاة فضيلة (١) تقدم تخريجه. ١٧١ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة التطوع عظيمة أيضًا، فداوم على ذلك حتى كان سببًا له في علو هذه المرتبة التي حصلت له بشهادته والر المتضمنة لصحة اجتهاد بلال في إيثار هذا العمل، وأمره بالمداومة عليه فهو اجتهاد صحيح موافق للنص. وبهذا يندفع ما وقع لشارح أنه بلالاً سارع لذلك قبل بلوغ الندب إليه، ووجه اندفاعه أن بلالاً من أكابر المجتهدين، فقد بلغه الندب باعتبار ما ظهر له من دلالة القواعد عليه، ووقع لآخر أنه ارتضى قول الأول، ثم أجاب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فإنه في هذه تقدم بما لا يرضي الله تعالى ورسوله والحديث في غيره، ومن ثم قرره على ذلك واستحمده علیه. انتهى. وبما قررته يعلم أن بلال لم يتقدم بشيء مطلقًا، بل لم يكن فعله إلا بما أمر الله به ورسوله (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وسنده صحيح، وأخذ منه أئمتنا ندب الوضوء عقب كل حدث، وندب صلاة ركعتين عقب كل وضوء ينوي بهما سنة، ولا يضر تأخيرهم عنه تأخيرًا يسيرًا بألّا ينقطع نسبتهما إلیه عرفًا. ١٣٢٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي [أَوْنَى)](١) ﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَِّ: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الله أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأُ وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى الله تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ◌َيهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بٍِّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمَّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضَّا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّحِينَ(٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْنَى ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ (١) في الأصل: «داود». (٢) أخرجه الترمذي (٤٧٩)، وابن ماجه (١٣٨٤)، والحاكم (١١٩٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٢٦٥). ١٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس إِلَى الله أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأُ وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ) بأن تبلغه مبالغة مع الإتيان بواجباته ومكملاته كما هو المتبادر من لفظ الإحسان، وإن أطلق على الإتيان بها كالتي بعدها ما مرآنفًا. (ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللّه تَعَالَى) أن يحمده بمجامع الحمد كـ« الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، الحمد لله حمدًا کثیرًا طيبًا مباركًا فيه)). (وَلْيُصَلِّ) لم يأت بـ((ثم)) هنا كأنه للإشارة إلى حصول أصل السنة بتقديمها على الحمد (عَلَى النَّبِيِّ ◌َهَ) بصلاة التشهد، فإنها أفضل صيغ الصلاة، وينبغي أن يجعلها أول دعائه ووسطه وآخره كما أمر ول بذلك. (ثُمَّ لِيَقُلْ) عودًا للثناء على بدء (لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ) في ذكر هذين الاسمين غاية المناسبة والاستعطاف لحصول المطلوب؛ إذ قضية الحلم ألَّا يؤاخذ السائل بسابق جنايته، وقضية الكرم التفضل بالنوال قبل وجود السؤال فأولى بعده (سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فيه غاية المناسبة أيضًا؛ لأن القادر على إيجاد ذلك العرش الذي لا يحيط بعظمه إلا موحد قادر على إعطاء المسئول وإن جل فلا ييأس من طلبه. (وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ختم للثناء بما هو من مجامعه بل قال بعض أئمتنا: إنه أفضل صيغ الحمد؛ لافتتاح القرآن به (أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتٍ رَحْمَتِكَ) بكسر الجيم؛ أي: أَعْطِيَتُك وكلماتك التامات التي أوجبت لقائلها الجنة وحققها؛ لأنه يبخل إلى سؤال تيسير كلمات من القرآن أو الذكر، وليس هذا مناسبًا لأول الحديث الناص على أن ذلك يقال في الحاجة إلى الله وإلى بني آدم، بخلاف ما فسر نهايته فإنه مناسب لهما. (وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ) جمع عزيمة بمعنى: معزومة؛ أي: مقطوع بوقوعها أو عازمة قاطعة لكل وصمة وذنب؛ أي: أسألك أنواعًا من المغفرة يحتم وقوعها بإرادتك له أو تقطع عني كل تقصير مانع من استجابة الدعاء، وهذا أيضًا أولى من قول ذلك الشارح؛ ١٧٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة التطوع أي: أسألك أعمالاً تتعزم وتتأكد بها مغفرتك (وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِّ) أي: حيازة نصيب تام من كل خير يقرب إليك، ومنه استجابة الدعاء المطلوب من حضرته. (وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ) يقطع عن الوصول إليك (لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ) تأكيدًا لعزائم مغفرتك (وَلَا هَمَّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًّا) يظهر أن المراد بذلك ما يعم المباح، لكن حمل الرضا المقتضي للمبالغة كرجل عدل يقتضي أن المطلوب حاجة الله تعالى فيها مزيد رضا، وذلك لا يكون إلَّا في الخير ووسيلته (إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) فيه إثبات الرحمة له تعالى مرادًا بها غايتها ولغيره مرادتها، أصلها من الميل النفساني، وحينئذٍ فافعل المقتضي للمشاركة المراد به مطلقًا لا بقيد غاية ولا أصل. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ومنه أخذ النووي في ((الروضة)) مع اعترافه بضعفه ندب صلاة الحاجة على الكيفية المذكورة في هذا الحديث وقال في تحقيقه: لا يكره ولا يندب، فإن قلت: هذا مشكل لتصريحهم بأن الصلاة حيث لم يطلب لا تنعقد. قلت: قال: إذا كان عدم طلبها الأمر يتعلق بذاتها، وهذا ليس كذلك؛ لأن عدم طلبها ليس من حيث كونها صلاة حاجة، فهي من حيث كونها صلاة مطلوبة، ومن حيث ربطها بالحاجة غير مطلوبة، فلم ينافٍ عدم طلبها وجود انعقادها. ونقل الغزالي في «الإحياء)): إنها ثنتا عشرة ركعة وذكر لها كيفية أخرى، وكذلك ذكرها ابن الجزري، مع كيفية أخرى فيها ما يقتضي بطلانها، وهو السجود بعد التشهد وقبل السلام، وقال: إن علماء جربوها فوجدوها صحيحة، وذكر فيها حديثًا، ثم قال: إن في سنده من لا أعرفه. قال بعض أئمتنا: ويندب تحري غداة السبت لحاجته؛ لقوله ◌َ﴾: ((من غدا يوم ١٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس السبت في طلب حاجة يحل طلبها فأنا ضامن لقضائها))(١). صلاة التسبيح أي: هذا مبحثها. ١٣٢٨ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْد المُطَّلِبِ: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ، أَلَا أجيزُكَ، أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ، إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ؟ أَنْ تُصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعُ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِن الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِن السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا، فَذَلِكَ خَمْسُ وَسَبْعُونَ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً(٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْن مَاجَهُ وَالْبَيْهَِيُّ فِي (الدَّعَوَات الْكَبِير))]. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنّ النَّبِيَّ رَبِ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُظَلِب: يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ) أصله: عمي، قلبت الياء ألفًا وألحق به هاء السكت، وذكره طلبًا لمزيد إقباله، وإعلامًا بعظيم هذه المنحة التي لا يستحق الإعلام بها ابتداء إلَّا أقرب أقاربه وألصق الناس به. (١) أخرجه الديلمي (٥٦٢٠). (٢) أخرجه أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧)، وابن خزيمة (١٢١٦)، والطبراني (١١٦٢٢)، والحاكم (١١٩٢)، والبيهقي (٤٦٩٥) وفي («الدعوات)) (٣٧٢)، ولم أقف على لفظه عند الترمذي. ١٧٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة التطوع (أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ) أي: أدلك أو أعطيك؛ إذ المنحة العطية الكاملة (ألّا أجيزُكَ) جمع بينها زيادة في التأكد والتشويق وتفخيم المُعطى والترغيب فيه ليتلقاه بكليته ويبادر لأخذه (أَلَا أَفْعَلُ بِكَ) قال غير واحد: كذا في نسخ ((المصابيح)) والصواب ألّا أفعل لك. انتهى. وفيما قالوه نظر ولا صواب في ذلك، بل الذي في الأصول المعتمدة هو الباء، ومعناها هو الأليق الأظهر بالسياق كما سيتضح (عَشْرَ خِصَالٍ) تنازع الأفعال الأربعة، ومعنى الأخيرة ألا أصيرك ذا عشر خصال أو ألا آمرك بما شئت عنه، إنك إذا فعلته تصير ذا عشر خصال يغفر بها ذنوبك، وهي إمَّا قول التسبيحات وما بعدها، فإنها عشر لا في القيام، وإمَّا عشرة أنواع يعطاها المصلي أحدها المغفرة المذكورة والباقية موكولة إلى علم الله تعالى، وإمَّا الدخول في الصلاة فقراءة الفاتحة فالسورة، فقول تلك التسبيحات في القيام فالركوع فالاعتدال فالسجود فالجلوس. وإمَّا عشرة أنواع من الذنوب أشير إليها بأوله ... إلخ، بل زعم شارح أن تأخير عشر خصال عن تلك العشرة هو الرواية تكفرها تلك الصلاة، وحينئذٍ لا بد من تقدير مضاف؛ أي: مكفر عشر خصال، وقدر بعضهم عد عشر، وبعضهم نفى عشر ولا حاجة إليها مع ما فيها من البعد والكره. (إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) أي: العشر المذكورة، وفي جوابه بقوله: (غَفَرَ اللهُ لَكَ) رد القول بأنها عشرة أنواع من الذنوب؛ إذ لا يلتئم عليه هذا الشرط والجواب (ذَنْبَكَ) في رواية: «ما تقدم وما تأخر))(). وفي أخرى: (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) يحتمل أن المراد بـ(آخره)) ما قبيل هذه الصلاة أو ما بعدها إلى الموت، ولا مانع أن العمل يكفر ما بعده أيضًا، كما في ((صوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)(١) ومن هذا خبر: «وما يدريك أن الله اطلع على (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه مسلم (١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥)، والترمذي (٧٤٩) وقال: حسن، وابن ماجه (١٧٣٠)، ١٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(١). ثم رأيت التصريح بالثاني في رواية للطبراني، وهي: ((غفر الله لك كل ذنب كان أو هو كائن)»(٤) (قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ) إثباتهما أشهر من إسقاطهما في نسخ ((المصابيح))، وحكمتهما كغيرهما مما ذكر الدلالة على مزيد الاستيفاء. وزعم شارح أن كلاً منها أعم مما قبله وبعده من وجه، وبينه بما فيه نوع تحكم (خَطَأَهُ) قد يستشكل هذا بأن الخطأ لا إثم فيه، فكيف يجعل من جملة الذنب؟ وقد يجاب بأن المراد الذنب في نحو الإتلافات مثلاً من ثبوت بدلها في الذمة، ومعنى المغفرة في هذا إرضاء الخصوم، وفك النفس عن الحبس عن مقامها الكريم المشار إليه بقوله ﴿﴾: ((نفس المؤمن مرهونة حتى يُقضى عنه دينه))(٣). (وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ) ثم المأمور به، أو ثم العشر هي أو هو (أَنْ) فهي خبر مبتدأ محذوف أو مفسرة؛ إذ الإخبار وما معه في معنى القول (تُصَلَّ) بنية صلاة التسبيح ولو في الوقت المكروه فيما يظهر (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) بتسليمة أو تسليمتين (تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) قال بعض أئمتنا: الأفضل كونها من طوال المفصل، والأفضل أربع من التسبيحات ((الحديد)) و(الحشر)) و((الصف)) و((الجمعة)) و((التغابن)) للمناسبة بينهن وبينها في الاسم، وتارة من قصاره كـ((الزلزلة)) و(العاديات)) و((ألهاكم)) و((الإخلاص)). (فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ) ما صرح به هذا السياق أن التسبيح بعد القراءة أخذ به أئمتنا، وأمَّا ما كان يفعله عبد الله بن المبارك من = وابن حبان (٣٦٣٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٤٤). (١) أخرجه البخاري (٢٨٤٥)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، وأحمد (٦٠٠)، والحميدي (٤٩)، وابن حبان (٦٤٩٩)، والحاكم (٤٦٥٢). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢١٧/٢)، والطبراني في «الأوسط)» (٢٩٨٩). (٣) ذكره القاري (٩٩٤/٣). ١٧٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة التطوع جعله الخمس عشرة قبل القراءة وبعد القراءة عشرًا، ولا يسبح في الاعتدال مخالف لهذا الحدیث. قال بعض أئمتنا: لكن جلالته تقتضي التوقف عن مخالفته، فالأحب العمل بهذا تارة وبهذا أخری. انتهى. وفيه نظر! بل الأحب ما في الحديث، وما فعله ابن المبارك، الظاهر أنه استند فيه لشيء لم يثبت وإلّا أعرضوا عن مخالفته، نعم وافقه النووي في ((الأذكار)) فجعل قبل الفاتحة عشرًا، لكنه أسقط في مقابلتها ما يقال في جلسة الاستراحة، فوافقه في العشرة وخالفه فيما يسقط به لها. قال بعضهم: وفي رواية عن ابن المبارك: ((إنه يقول عشرين في السجدة الثانية)) وهذا ورد في أثر، بخلاف ما قبل القراءة (سُبْحَانَ الله) أي: أنزهه؛ أي: أعتقد تنزيهه عن كل سمة لا تليق بجلال كماله (وَالْحَمْدُ لله) أي: كل وصف بجميل مستحق لله دون غيره (وَلَا إِلَّهَ) معبود بحق في الوجود (إِلَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ) من كل ذي كبرياء، أو بمعنى كبير كـ((أعلم)) وزاد الغزالي: ((ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم)). (خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعُ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِن الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا عَشْرَا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِن السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا) وأنت جالس للاستراحة إن كنت تريد القيام أو أنت جالس للتشهد إن كنت تريد التشهد. (فَذَلِكَ) المذكور (خَمْسُ وَسَبْعُونَ) مرة مما ذكره (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَع رَكَعَاتٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنِ مَاجَه وَالْبَيْهَِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِير))). ١٣٢٩ - [وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَافِعِ نَحْوَهُ]. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَافِعٍ تَحْوَهُ) وممن رواه أيضًا الطبراني في (معجمه)) وابن ١٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس خزيمة في (صحيحه)) والحاكم في ((مستدركه)) والخطيب والآجري وأبو سعيد السمعاني وأبو موسى المديني. واختلف المتقدمون والمتأخرون في صحيح هذا الحديث، فصححه ابن خزيمة والحاكم وحسنه جماعة وخطّؤوا ابن الجوزي في ذكره له في ((موضوعاته))، وقال الدارقطني في ((مسند الفردوس)): إنه أصح شيء في فضائل الصلاة. انتهى. لكنه نصًّا في الصحة؛ لأنهم قد يريدون بأصح أرجح وإن كان ضعيفًا، وضعفه آخرون، واختلف فيها كلام النووي في كتبه فحسنها تارة وضعفها أخرى، ولا تخالف بين المحسِّنين والمضعّفين؛ لأن طرق الحديث وإن كانت كل منها على حدتها ضعيفة إلَّا أنها إذا اجتمعت وانضم بعضها لبعض بقوة وصار الحديث بسبب قوتها حسنًا لغيره وهو فوق الضعيف، ومن ثم أجرى أكثر أصحابنا المتقدمين والمتأخرين بل أكثر العلماء على أنها بالكيفية المذكورة والحديث سنة. بل قال التاج السبكي والبدري الزركشي: هي من مهمات الدين، فلا يسمع تعظيم فضلها ويتركها إلَّا متهاون بالدين، غير مكترث بأعمال الصالحين، لا ينبغي أن يعد من أهل العزم. ١٣٣٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، وَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ تَبَارَك وَتَعَالى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعْ بِهَا، مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك، وَفِي رِوَاية: ثُمَّ الزّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبٍ ذَلِكَ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ (١) أخرجه أحمد (٩٤٩٠)، وأبو داود (٨٦٤)، والنسائي (٤٦٦)، والبيهقي (٣٨١٣)، والحاكم (٩٦٥) وقال: صحيح الإسناد. ١٧٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة التطوع الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ) أي: الواجبة كما يعلم من قوله الآتي: ((فريضة)) إذ هي التي بفسادها يحصل الخسار والخيبة. (فَإِنْ صَلَحَتْ) بفتح لامه وضمه بأن وقعت مستوفية لشروطها وأركانها وإن اقتضى تفسير شارح للصلاح، بأن يكون الشيء على حالة استقامته وكماله أنه لا بد من مكملاتها أيضًا؛ لأن مقابلته لتفسيره يدفع ذلك، لكن سيأتي أنه قابله بنقص أيضًا على ما فيه، وهذا يؤيد ما قاله ذلك الشارح، والحاصل أن أصل الفلاح يحصل بما قلناه، وكماله يتوقف على ما قاله. (فَقَدْ أَقْلَحَ) أي: فاز بمطلوبه وبغيته؛ لأنها أم العبادات، فكانت بمنزلة القلب من الإنسان، فصلحت الأعمال بصلاحها وفسدت بفسادها (وَأَنْجَحَ) أصاب ما احتاج إليه أو صار مؤداه نافذًا، ففيه تأكيد لما قبله. (وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ) فهل هو نشر مشوش؟ إذ الأنسب كونه مقابلاً لـ((أنجح)) (وَخَسِرَ) مقابلاً لـ((أفلح)) (وَإِنِ انْتَقَصَ) بمعنى: نقص الملازم (مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ) قد يشكل جمع هذا مع الفساد؛ لأنه إن كان هو فلا حاجة إليه أو غيره، فما المراد به وجوابه أن الصلاح له مقابلان: حقيقي وهو الفساد، ومعنوي وهو النقص، وحاصله أن غير الصالح إمَّا فاسد، فهذا لا يعتد به ولا تكميل فيه، وإمَّا ناقص ينقص مكملاته، فهذا هو الذي يكمل لعذر صاحبه؛ إذ يعسر الإتيان بجميع مكملات الصلاة. لكن ظاهر كلام الشافعي * حمل الحديث على ما يشمل ترك الصلاة لعذر، فإنه نص على أن الفرض يكمل بالنفل إن كان قد ترك سهوًا أو جهلاً، وعذر بجهله بجامع القدر فيهما، وحينئذٍ فالمراد بالفساد: أن يأتي بها على غير وجهها، وبالنقص: ألا يأتي بها بالكلية. (قَالَ الرَّبُّ) ذُكر؛ لأن ما بعده من التكميل من جملة تربية الحق لعمل عنده، ومُنَبَةٌ عليه (تَبَارَكَ وَتَعَالى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي) إضافة إلیه؛ لأنه لما تفضل علیه بخبر ١٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس نقصه تشرف وتأهل لذلك (مِنْ تَطَوُّع) أن المراد تطوع الصلاة بالنص على جواب (هل)) فهو من كلامه تعالى (بِهَا) أي: بصلاة التطوع (مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك) فيقبل الكامل ويرد الفاسد ويكمل بالتطوع. (وَفِي رِوَايَةٌ: ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ) فيقبل كاملها ويرد فاسدها ويكمل ناقصها بصدقة التطوع (ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبٍ ذَلِكَ) المذكور من قبول الكامل ورد الفاسد، وتكميل ناقص الفرض بالتطوع (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٣٣١ - [وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ]. (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ) ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسَّنه النسائي وآخرون، ورَوَاهُ أَبُو دَاوُد أيضًا من رواية تميم الداري: ((إن رجلاً)) بمعناه بإسناده صحيح. وخبر: ((لا تقبل نافلة المصلي حتى يؤدي الفريضة)»(١) ضعيف، ولو صحَّ حمل على الراتبة البعدية لتوقف صحتها على صحة الفرض، وحمله بعضهم على ما لو كانت عليه فائتة يجب قضاؤها وفَور البعدية بترك الأداء وفيه نظر، والوجه صحة النوافل هنا وإن أتم بها التفويتة الفورية الواجبة عليه؛ لأن الإثم لأمر خارج وهو لا يمنع الصحة عندنا كالجمهور كما في الصلاة في المغصوب، وأخذوا من تقديم الصلاة هنا وجعل الأعمال كلها على منوالها وتابعة لها مع أخبار أخرى صحيحة كخبر: ((الصلاة خير موضوع))(٢) أي: خير من كل ما وضعه الله لعباده ليتقربوا به إليه. وخبر: ((أيّ الصلاة أفضل - وفي رواية: ((أحب))(٣) - إلى الله تعالى؟ فقال: الصلاة لوقتها))(٤) إنها أفضل العبادات البدنية ما عدا الشهادتين وتعلم العلم، فرضها أفضل (١) أخرجه الرامهرمزي في (أمثال الحديث)) (٥٥)، والبيهقي (٣٨١٧)، وابن عساكر (٤٠١/٣٧). (٢) أخرجه الطبراني (٢٦٢) وفي «الأوسط)» (٢٤٣). (٣) أخرجه البخاري (٥٠٤)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (٣٩٩٨)، والنسائي (٦١٠)، وابن حبان (١٤٧٧)، وأبو يعلى (٥٢٨٦)، والطبراني (٩٨٠٥)، والبيهقي (٢٩٨٤). (٤) أخرجه البخاري (٧٠٩٦)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (٣٩٧٣)، وأبو عوانة (١٨٥).