Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها الشيخين. ١٠٦٣ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلاتُهَا فِي تَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: صَلاةُ الْمَرََّةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا) هي صحن الدار (وَصَلاتُهَا فِي ◌َخْدَعِهَا) هو بفتح أوله وكسره فبيت داخل البيت يجعل فيه الأمتعة النفيسة من الخدع وهو إخفاء الشيء (أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) بإسناد على شرط مسلم ومنه أخذ أئمتنا قولهم: جماعة النساء في البيت أفضل من جماعتهن في المسجد، وقولهم: أستر البيت أفضله. ١٠٦٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَهَ يَقُولُ: لَا يَقْبَل الله صَلَاة ◌ِمْرَأَةٌ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِن الْجَنَابَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيِّ بِنَحْوِهِ)(٢). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَهِ يَقُولُ: لَا يَقْبَل الله صَلَاة إِمْرَأَة) أي: لا يكتب لها كمال ثوابها على حد قوله وَّر: ((من أتى عرافًا لم تقبل صلاته أربعين يومًا)(٣) (تَطَيِّبَتْ لِلْمَسْجِدِ) أي: تطيبت جميع بدنها لأجل الخروج إليه. (حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا) أي: مثل غسلها (مِن الْجَنَابَةِ) بأن تعمم جميع بدنها بالماء حتى لا يبقى للطيب أثر يظهر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ورَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ) شبه غسلها لطيبها بغسل الجنابة؛ لأن خروجها من بيتها مع التطيب المهيج لشهوات الرجال وفتح أعينهم التي هي رائد الزنا تشبه الأخذ في مقدمات الزنا القريبة، فرتب على ذلك الخروج ما يترتب على تلك المقدمات لما بينهما من المشابهة في الإفضاء للزنا، (١) أخرجه أبو داود (٥٧٠)، والبيهقي (٥١٤٤)، والحاكم (٧٥٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين. (٢) أخرجه أحمد (١٠١٩٦)، وأبو داود (٤١٧٤)، والبيهقي (٥١٥٩). (٣) تقدم تخريجه. ٣٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع ومن ثم سماها في الخبر الذي عقب هذا زانية وحكم عليها بما يحكم به على الزاني، مبالغة في تقبح فعلها وتنفيرها عنه وفي التشديد عليها حتى تترك الطيب رأسًا، أمَّا إذا اختص بمحل البدن فيكفي غسله فقط. ١٠٦٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (وَ كُلُّ عَيْنِ زَانِيَةٌ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِ فَهِي كَذَا وَكَذَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلأَبِي دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ نَحْوَهُ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ﴿ ﴿ كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ) أي: مركوز فيها قوة التطلع على الصور الحسنة لا سيما إن صحبها من الطيب ونحوه ما يزيد هيجانها ويزيل إيقانها، ويفضي للزنا غالبًا ما لم تستأصل تلك القوة من أصلها من النفس بإيقاد نيران المجاهدات على ذميم تلك الأخلاق حتى يبقى فيها للشيطان والهوى مطمع ولا تسلط. (وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ) أي: تطيبت (فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ) الذي فيه الرجال المستلزم عادة بروزها عليهم وهي كذلك مزيد تطلعهم إليها وامتداد عيون شهواتهم إلى التمتع بها، المفضي إلى هتك الحرم واستباحة الحرم (فَهِي كَذَا وَكَذَا) يعني: زانية خبيثة لتسببها إلى افتتان الناس بها ووقوعهم في شرك الردى بسببها، ووزرهم عليها منضمًا إلى عظيم وزرها كما يشهد له خبر: ((من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة)»(٢). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلاَّبِي دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ تَخْوه) وفيه أبلغ ردع وآكد زجر للنساء عن التطيب عند الخروج لمسجد ولذوي الولاية عليهن أن يمكنوهن من ذلك، وبيان أن ذلك يفضي إلى الزنا الذي جمع من أعاظم المفاسد والكبائر ما تطابقت عليه جميع (١) أخرجه الترمذي (٣٠١٥)، والطيالسي (٩٠٩)، وأحمد (٢٠٠٩٥)، وأبو داود (٢٨٣٧)، والنسائي في الكبرى (٤٥٤٦)، وابن ماجه (٣١٦٥)، والطبراني (٦٨٢٨)، والحاكم (٧٥٨٧). (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩١٩٤). ٣٤٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها الملل، واتفق على قبحه وذمه سائر ذوي النحل، وأن من مكن حليلته أو موليته من ذلك فقد تسبب لها في الزنا وهتك العرض والوقوع في هوة الفساد الذي يتعذر غالبًا فقد أدركه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. ١٠٦٦ - [وَعَنْ أُبَيَ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوَمَا الصُّبحَ فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: أَشَاهِدَّ فُلَانٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَشَاهِدُ فُلَانُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَتْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَنَوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتم مَا فَضِيلَتُهُ لَا بْتَدَرْ تُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كان أكثر فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي)(١). (وَعَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وََّ) أي: أُمّنا فـ((الباء)» للتعدية؛ أي: جعلنا مصلين خلفه (يومًا الصبح فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: أَشَاهِدُ) أي: أحاضر صلاتنا هذه (قُلَانٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَشَاهِدُ فُلَانُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ) أي: الصبح والعشاء، وأشار للعشاء لحضورها بالقوة؛ لأن الصبح يذكره بها نظرًا إلى أن هذه مبدأ للنوم وتلك منتهاه. (أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) لأنهم ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] والكسل يتضاعف عندهما لغير المنافقين لاستيلاء سورة ابتداء النوم وانتهائه عندهما، فكيف بالمنافق الذي ليس في قلبه دائع إلى خير، وإنما يتجرع غصص الأعمال الظاهرة سترًا لجنايته على المؤمنین. (١) أخرجه الطيالسي (٥٥٤)، وأحمد (٢١٣٠٢)، وعبد بن حميد (١٧٣)، والدارمي (١٢٦٩)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣)، وابن ماجه (٧٩٠)، وابن خزيمة (١٤٧٦)، وابن حبان (٢٠٥٦)، والحاكم (٩٠٤)، والبيهقي (٤٧٨٠)، والضياء (١١٩٧). ٣٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (وَلَوْ تَعْلَمُونَ) التفت إلى المخاطبين مبالغة في حثهم على ملازمة شهودهما وإعراضًا عن المنافقين؛ لأنهم لا يصدقون قليل الثواب ولا كثيره (مَا فِيهِمَا) من عظيم الثواب الآتي ذكر بعضه في الفصل الثالث (لأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ) كان الإتيان إليهما (حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ) أو التقدير: ولو أتيتموها حابين، وعبر عنه بالمصدر مبالغة، ويكون بالمشي على اليدين والرجلين أو بالزحف على الأست. وأخذ أئمتنا من هذا الذي رواه الشيخان أيضًا قولهم: آكد الجماعات بعد الجمعة؛ لأنها فرض عين إجماعًا جماعة صبح يوم الجمعة ثم جماعة صبح غيرها ثم جماعة العشاء ثم جماعة العصر، واستشكل تأخر العصر عن الصبح مع كون الوسطى هي العصر على الأصح، ويجاب بأن تفضيل الجماعة هنا لكون الصّلاة أفضل بل للمشقة الحاصلة فيها كما دل عليه الحديث، ألا ترى إلى تفضيلهم جماعة العشاء على جماعة العصر مع أنها دونها في الفضل اتفاقًا، فالمخاطب هنا غير الأفضلية كما هو واضح. وبينت في ((شرح العباب)) أن جماعة الظهر أفضل من جماعة المغرب؛ لأن فيها أشق؛ لأن وقتها وقت اشتغال الناس بحوائجهم بخلاف وقت المغرب فإنه وقت فراغ الناس غالبًا، ومن ثم كان أكثر العلماء على أن وقتها أضيق وأقصر من البقية ثم رغب وشدد في مطلق الجماعة ثم في المبادرة إلى حضور الصف الأول مؤكدًا بـ((أن)) والجملة الاسمية ردًّا على منكر ذلك والشاك فيه. (وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ) كائن (عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ) في الحفظ من الشيطان والجلالة والعظمة، ويدل الممكن في الطاعة؛ لأنه لعصمتهم وعدم تأثرهم بالأعمال الشاقة التي لا يطيقها على غاية من الجلالة والمهابة والطواعية لله تعالى التي لا يوجد مثلها في الآدميين، فالتشبيه بهم في مثل ذلك لا في الثواب، فإن أعمالهم لا ثواب فيها؛ إذ هي لهم كالنفس لنا ولا في مجرد أن قربهم من الإمام كقرب الملائكة من الله تعالى خلافًا لما ذكره الشارح؛ إذ ليس فيه كبير فائدة على أنه موهم؛ إذ قربهم من الإمام ٣٤٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها صوري وقرب الملائكة من الله معنوي. وبما قررته في معنى ذلك اندفع ما يقال: إنه يقتضي أنهم أفضل منَّا مطلقًا مع أن مذهب أهل السنة أن خواصنا وهم الأنبياء لا غير أفضل من خواصهم وعوامهم، وعوامنا وهم الصلحاء أفضل من عوامهم، وخواصهم أفضل من عوامنا. ولما كان ذلك التشبيه ملوحًا بعظيم ثواب الصف الأول إجمالاً عقبه وَله بقوله: (وَلَوْ عَلِمْتم مَا فَضِيلَتُهُ) أي: على؛ أي: ذات من ذوات الكمال هي (الَابْتَدَرْتُمُوهُ) أي: سبقتم إليه، وعبر هنا بـ((علمتم)) على الأصل في (لو)) وفيما قبله ((تتعلمون)) على خلاف الأصل فيها مع الإبهام فيهما الدال على أن ما في تينك وفضله هذه ألا يدخلان تحت الحصر والوصف؛ لأن الجماعة هي الأصل المقصود والصف الأول من توابعها، فأخرج ما بعد ((لو)) عن الأصل لتنبيه الأصل، وكذا بالغ ثم في الثواب والتشويق إليه بـ(الحبو على الركب)) الدال على مزيد الخطر والنفاسة أكثر من السبق المذكور هنا. ولما بين فضل مطلق الجماعة ثم خصوصها بما هي أشق فيه، ثم فضل الصف الأول عاد على بدئه مبينًا فضيلة أصلها ثم كثره الجماعة فيها فقال: (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى) أي: أفضل وأكمل لما فيها من النماء الذي هو كثرة الثواب والطهارة من الشيطان ووسوسته لما يأتي قريبًا، فعليك بالجماعة «فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)»(١) (مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ) صريح في عدم وجوب الجماعة عينًا كما مر. (وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كان أُكَثُرٍ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ) وصححه ابن حبان وغيره، ومنه أخذ أئمتنا أن الجماعة في غير المسجد أفضل من الانفراد في المسجد، ويؤيده القاعدة المشهورة في كلامهم: إن الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانها. (١) أخرجه أحمد (٢١٧٥٨)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧)، وابن حبان (٢١٠١)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، والحاكم (٩٠٠) وقال: صحيح. والبيهقي (٤٧٠٨). ٣٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع قال بعضهم: ويؤخذ منه أيضًا أن كثير الجماعة بغير المسجد أفضل من قليلها به، وأيده بالقاعدة المذكورة، وقال آخرون: قليلها بالمسجد أفضل؛ لأنه يحصل له الفضيلتان الجماعة والمكان؛ أي: المسجد فتربوان على كثرة الجماعة خارجه، ويؤيده خبر ابن مسعود: «من سرَّه أن يلقى الله تعالى مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حیث یُنادَی بهن))(١). والخبر المتفق عليه: ((أفضل من صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))(٢) والأخبار المشهورة في فضل المشي للمسجد، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله مخصوص بغير ذلك كما خص بغير صور أخرى منها قول أئمتنا: الجمع القليل أفضل من الكثير في مسائل منها: في المساجد الثلاثة. وفي مسجد لا شبهة في أرضه أو فرشه أو وفوده أو مال يأتيه أو خيرية إمامه. وفي الذي يحافظ إمامه في أول الوقت؛ أي: وقت الاختيار. وفي مسجد تعطل جماعته القليلة بغيبته عنه وإن لم يكن بجوازه؛ لأن اعتناء الشارع بإحياء المساجد بالجماعات أكثر منه بكثرة الجمع. ١٠٦٧ - [وَعَنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَّا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمِ الصَّلَاةِ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّثْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ، وَالنَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَمِنْهُ أَخَذَ](٣). (وَعَنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿ِ: مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ) ذكرهم ليعلم ما (١) أخرجه مسلم (١٥٢٠)، وأحمد (٤٠١٤)، والنسائي (٨٥٧)، وابن ماجه (٨٢٦). (٢) أخرجه بنحوه البخاري (٦٩٨)، وأحمد (٢١٦٢٢)، والنسائي (١٥٩٩)، وابن خزيمة (١٢٠٤). (٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٨)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧)، وابن حبان (٢١٠١)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، والحاكم (٩٠٠) وقال: صحيح. والبيهقي (٤٧٠٨). ٣٤٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها فوقهم بالأولى ولم يبال بإيهام أن الجماعة لا تحصل باثنين للتصريح بحصولها بهما في الأخبار الآتية، على أن هذا لا يتوهم وإنما المتوهم أن الاثنين لا يترتب عليهما ذلك لاستحواذ، وهو محتمل ويحتمل خلافه قياسًا وهو الأقرب؛ لأن المعنى في الثلاثة موجود في الاثنين على أنه مر أن أكثر الأصوليين لا يقولون بمفهوم العدد وحينئذٍ لا إشكال أصلاً. (فِي قَرْيَةٍ) كان وجه تخصيصها بالذكر أن الثلاثة لا يكفي إقامتهم للجماعة في قليل ساكنوه كما يأتي (وَلَا بَدْوٍ) أي: في بادية بشرط سكناهم بها وإلا لم تلزمهم الجماعة عندنا؛ لأن فرضها عندنا لا يتوجه للمسافرين ونحوهم بل هي في حقهم سنة (لَا تُقَامُ فِيهِم الصَّلَاة). وفي رواية: ((الجماعة))(١) وهي المرادة من الأولى بدليل: ((فعليك بالجماعة)) (إِلّا قَدِ اسْتَحْوَذَ) هذا مما لم يعل مع أن القياس إعلاله أي استولى (عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ) وجعلهم تحت طوعه واختياره يلعب بهم كيف شاء (فَعَلَيْك) من الخطاب العام الذي لا يختص بأحد تفخيمًا للأمر (بِالْجَمَاعَةِ) لتسلم من ذلك الاستحواذ للسبب على ترکها. (فَإِنَّمَا) مفرع على مجموع ما قبله؛ أي: إذا عرفت هذه الحالة فاعرف مثالها في الشاهد (يَأْكُلُ). وفي رواية: ((يأخذ))(٢) (الذّئْبُ) أي: الشيطان شبهه به؛ لأنه أمكر السباع وأسرعها افتراسًا؛ ولأنه یخیل من يريد افتراسه حتى يتبعه إلى حجره ليأكله فيه وهو لا يشعر بذلك، بل وقع لبعضهم أنه رأى رجلاً يتبع الذئب في غير شعوره فأمسكه لیرده، فأبى وأراد قتله فأطلقه فتبع الذئب ثم توجه ممسكه في تلك الطريق فرأى الذئب أكله، (١) أخرجه أبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٩٢٠)، وابن حبان (٢١٠١)، والحاكم (٩٠٠) وقال: صحيح الإسناد. (٢) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (١٤٥/١). ٣٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع فتأمل هذا الخداع تجد الشيطان يفعل بالإنسان نظير ذلك وأشد منه، أعاذنا الله منه بمنه وكرمه. (مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة) أي: المنفردة عن القطيع البعيدة عن نظر الراعي، وافتراس الذئب لها حينئذٍ في غاية السهولة فكذا المنفرد عن الجماعة يستولي عليه الشيطان لفقده أنفاس صالحيهم المانعة لقربه منهم كما هو مشاهد، فإن الإنسان بخلوته يستولي عليه من الوسوسة والسهو ما لا يجد مثله مع الجماعة المشروعة. وأمَّا إفتاء الغزالي فیمن یتحقق عن نفسه أنه يخشع في جمیع صلاته منفردًا دون ما إذا صلى في جماعة ليست همته بأنه إذا كان الجمع يمنعه الخشوع في أكثر صلاته فالانفراد له أولى، وإن تبعه ابن عبد السلام بأن المختار بل الصواب أن الجماعة أولى كما هو ظاهر السنة، وإطلاق الشافعي والأصحاب والأئمة قاطبة من غير استثناء لمن ذكر، وبأن في ذلك فتح باب عظيم لجهل المتصوفة إلى ترك الجماعات وإيهامهم أنها تحصل في الانفراد. والوجه أن يقال لهؤلاء: الزموها وجاهدوا أنفسكم على الإخلاص والحضور فيها حسب الإمكان، فإذا صدقتم سهل عليكم ذلك ولا شك أن القلب المنور بإتباع السنة وسبيل السلف الصالح ينفر عن الانفراد. ومن ثم قيل: في تركه الجماعة ما يلم شعث التفرقة ويلزمهما أن كل فرد فرد من أهل البلد لو زعم ذلك أن بقي الكل ولا يسمح بذلك أحد أو البعض، فهو ترجيح من غير مرجح؛ فالحق أن حضور الجماعة أحق، وبقي لذلك تتمة ذكرتها في ((شرح العباب)) وإنما حملنا الحديث على ما نحن فيه من الصّلاة مع الجماعة لتصريح أبي داود بذلك، فاندفع حمله على أن المراد به النهي عن المشاقة والمخالفة للإمام الأعظم؛ أي: إذا عرفت حال الإمامة الصغرى وإن انفراد الإنسان عنها يورث استيلاء الشيطان الموجب للهلاك، فاعرف حال الإمامة الكبرى وأن الانفراد عنها يورث ذلك على أنا وإن حملناه على ذلك الدلالة فيه كما سيتضح. ٣٤٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) بإسناد صحيح (وَالنَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَمِنْهُ أَخَذَ) أئمتنا أن الجماعة فرض كفاية وتوجه دلالته على أصل الفريضة بأن مخالفة السنة لا يترتب عليها استحواذ الشيطان وغلبته، وإنما يترتب ذلك على الواجب كما هو واضح، وخصوص كونها فرض كفاية بأنه رغب الاستحواذ على مجموعهم لا على خصوص كل منهم، وهذا شأن فروض الكفايات دون فروض الأعيان؛ إذ فرض الكفاية بهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى عين فاعله بخلاف فرض العين، وإذا ثبت أنها فرض كفاية تعين على الإمام الأعظم أو نائبه مقاتلة تاركها إذا خوطبوا بها كذلك بأن يكونوا ذكورًا أحرارًا مقيمين ولو بالبادية، آمنين غير عراة في مودات من إحدى الخمس لا غير. ويشترط في سقوطها عن أهل كل محل أن يظهر شعارها، ففي القرية الصغيرة وضبطت بأن يكون فيها نحو ثلاثين رجلاً يكفي إقامتها بمحل واحد، وفي الكبيرة لا بد من تعدد محالها بحيث يظهر للمارة ويسهل لمن قصدها من محله إدراكها بألّا يشق عليه قصدها لا يحتمل غالبًا. ١٠٦٨ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرً، قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌّ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صَلَّهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيُّ](١). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي) أي: أذان المؤذن بالصّلاة المكتوبة (فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ) أي: إتيانه إلى الجماعة التي دعا إليها وهذا؛ أعني: التقييد بسماع النداء وبالجماعة التي سمع مؤذنها جرى على الغالب أن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي يسمع مؤذنها، وإلا فلو ذهب لجماعة يسمع مؤذنها فقد أتى بالفرض ولو لم يسمع المؤذن ولا عذر له لم يسقط عنه الفرض، وعدم (١) أخرجه أبو داود (٥٥١)، والدارقطني (٤٢٠/١)، والحاكم (٨٩٦)، والبيهقي (٤٨٢٦). ٣٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع سماعه من مؤذن لیس من الاعتذار. والحاصل أن المراد من لزمه حضور الجماعة فلم يمنعه من المجيء إليها (عُذْرُ قَالُوا) لابن عباس؛ إذ ذكر لهم ذلك (وَمَا الْعُذْرُ؟) الذي عناه ◌َِّ (قَالَ) لهم ابن عباس هو (خَوْفٌ) يشتمل الخوف على نفسه أو نحو عضوه أو منفعته أو عرضه أو ماله، وإن قل أو اختصاصه ککلبه وعلى من يلزمه الذب عنه کودیعة عنده، ومن ثم كان كل ذلك من الأعذار عندنا، فلو خشي من شتم غيره في الطريق أو المسجد ولم يسهل عليه دفعه أو على نحو خبزه في التنور، ولا متعهد عنده يخلفه في ذلك سقط فرضها عنه، كما لو خاف معسر ألَّا بينة معه باعتباره من حبس غريمه له لو وجده أو من عليه قود للغير أن يقاد به، ورجي بتغيبه عنه عفوه وإن طال الزمن اغتفروا له التغيب مع أنه يلزمه تسليم نفسه للقود منه كما صرحوا به؛ لأن التغيب طريق للعفو المندوب إليه. (أَوْ مَرَضُّ) يلحقه سواء شديده وخفيفه لكن يشترط أن يكون مشقة كمشقة المشي في الوحل أو المطر، ويشمل أيضًا تمريض من لا متعهد له يكفيه وإيناس مريض له به علقه أو إشرافه على الموت، وكل هذه أعذار عندنا أيضًا، وذكر أئمتنا لها أعذارًا أخرى كثيرة وأجابوا عن هذه الرواية المقتضية لحصر العذر في هذين بأنها ضعيفة على أن هذا رأي ابن عباس، فلو سلمت دلالته على الحصر لكان مذهبًا له وهو ليس حجة على غيره والعمل بتفسير الراوي إنما يتعين في ما لم يدل الدليل على خلافه. وقد دلت أدلة سابقة في الفصل الأول على أن من الأعذار المطر والبرد وغيرهما كحضور الطعام ومدافعة الأخبثين، وروى البخاري وغيره ((إن السمن المفرط عذر)) ثم قوله: ((قالوا ... إلى آخره) اعتراض بين الشرط وهو من سمع وجوابه وهو: (لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاة الَّتي صَلَّا) ها وحده؛ أي: لا ثواب له فيها كامل نظير ما مر قريبًا في خبر: ((من أتى عرافًا))(١) وإنما قيدت بكامل؛ لأن خبر المفاضلة بين صلاة الفذ والجماعة صريح (١) تقدم تخريجه. ٣٥١ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها في أن في صلاة الانفراد ثواب، وحمله على فذ لعذر غیر صحیح؛ لأن کثیرین من أئمتنا على أن تاركها لعذر يحصل له ثوابه الكامل، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة ظاهرة فيه وإن تكلف آخرون الجواب عنها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيُّ) ولا دلالة فيه على وجوبها عينًا لما مر أنه ضعيف بل على أنه لا رخصة في تركها بمنع الكراهة على القول بندبها والحرمة على القول بوجوبها إلا من عذر، وعن الحسن والأوزاعي ما حاصله أن منع أحد الوالدين من الجماعة ولو في الليل شفقة لا يكون عذر أو هو قضية كلام أئمتنا، ومحله زمن الأمن وإلا فالذي يظهر أنه عذر؛ لأن عصيانه الآن يؤذيه تأذيًا ليس بالهين وهو حرام كما صرحوا به. ١٠٦٩ - [وعَنْ عَبْدِ الله بن أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةِ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ. رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ، وَرَوَى مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ نَحْوَهُ](١). (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بن أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة) قيد به بأن ما قبل إقامتها أولى بذلك (وَوَجَّدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ) أي: ما يدعو إلى الذهاب إليه من بول أو غائط دافعه (فَلْيَبْدَأُ) وإن فاتته الجماعة (بِالْخُلَاءِ) أي: بالذهاب إليه ليرفع نفسه حتى يدخل في صلاته من غير شاغل يشغله عن خشوعها، وتدبر قراءتها وذكرها (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيّ وَرَوَى مَالِكُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ نَحْوَهِ). ١٠٧٠ - [وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ثَلَاثٌّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا (١) أخرجه مالك (٣٧٨)، والشافعي في الأم (١٢٦/١)، وعبد الرزاق (١٧٥٩)، وأحمد (١٦٤٤٧)، وأبو داود (٨٨)، والدارمي (١٤٢٧)، والترمذي (١٤٢) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٨٥٢)، وابن ماجه (٦١٦)، وابن خزيمة (١٦٥٢)، وابن حبان (٢٠٧١)، والحاكم (٥٩٧) وقال: صحيح. ووافقه الذهبي. والطبراني (٤٥٣)، والبيهقي (٤٨٠٧). ٣٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع يَؤُمَّنَّ رَجُلُّ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرِ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، وإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ نَحْوِهِ] (١). (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَيْ ثَلَاثُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلُ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ) لأن الجماعة إنما شرعت ليفيض كل من الإمام والمأمومين الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فإذا بخل الإمام الذي هو المقصود بذلك على المأمومين كان خائنًا لهم، ومن ثم كره له ذلك والمكروه لا يصح نفي الحل المستوى الطرفين عنه، ومحل ذلك فيما لم يحفظ عنه ◌َل إفراد نفسه برجال إمامته أمَّا هذا فلا كراهة في الإفراد فیه. (وَلَا يَنْظُرِ فِي قَعْرٍ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ) أهله (وإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ) لأنه يطلع بذلك على عوراتهم فيؤدي ذلك إلى الفتنة والفساد الذي لا تدارك له، ومن ثم شرع الاستئذان والحجاب قطعًا للناس عن الاطلاع على العورات لعظيم ضرره، ونفي الحل هنا يصح أن يكون على أصله، ويحمل على ما إذا علم أنه يقع نظره على ما لا يحل له أو يؤدي إلى فساد أو يكون كما قبله بألّا يعلم ذلك. (وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنُ) أي: حابس بوله، وأراد به ما يعم الحقب وهو حابس الغائط أو هو من باب الاكتفاء، وهذا وإن كان فيه خيانة للنفس لحرمانها كمال الشواب بالصّلاة مع [تألمها] إلا أن استعمال الخيانة في ذلك غير متعارف؛ فلذا لم يجعل كالذي قبله ووسط النظر المذكور بين حالتي الصّلاة إشارة إلى تأكد مراعاة حق العباد، وأنه لا يتم مراعاة حق الله تعالى إلا بعد مراعاة حق عباده؛ لأنها أضيق وأن من لا يؤتمن على عورات الناس كيف يؤتمن على إماماتهم، وإن من شأن الصّلاة أنها تشغل عن الغير وعن الفحشاء والمنكر. (١) أخرجه أبو داود (٩١)، وابن ماجه (٦١٧)، وأحمد (٢٢٢٩٥)، والترمذي (٣٥٨). ٣٥٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها وخص هذا الشيء السهل في بادئ الرأي بالذكر إشارة إلى أن من راعاه كان لغيره أرعى، وإلى أن الأمور إنما ينظر إليها باعتبار غاياتها فهذا وإن سهل لكن يترتب عليه من المفاسد والفواحش ما لا يحصى؛ إذ ((النظر سهم مسموم من سهام إبليس))(١) كما ورد فمن أرسله إلى غرضه أهلك نفسه وغيره بما لا يتدارك خرقه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ تَحْوه). ١٠٧١ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴾: لَا تُؤَخِّرِ الصَّلَاة لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))](٢). (وَعَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَإَِّ: لَا تُؤَخِّرِ الصَّلاَة لِطَعَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ. رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))) وبتقدير صحته هو لا يعارض حديث الشيخين وحديث مسلم السابقين: إمَّا؛ لأن: كلاً منهما مقيد بما إذا حضر الطعام، وهذا مطلق والمطلق يحمل على المقيد فيحمل هذا على ما إذا لم يحضر الطعام؛ أي: ولا قرب حضوره كما مر. وإمّا؛ لأن: هذا في تأخيرها عن الوقت وهو ممتنع مطلقًا إلا لضرورة ماسة، كأن اشتغل بإنقاذ نحو غريق أو الصّلاة على ميت خيف انفجاره، أو بالتفرغ من حدث خشي من إمساكه مبیح تيمم أو بأكل لو تركه حصل له مبيح تيمم. وحينئذٍ تستثنى هذه الصورة من قوله في الحديث: ((ولا لغيره) وكل من ذينك في تأخيرها عن أول الوقت أو إتيانه، ولا ريب أنه يغتفر للتأخير عن أول الوقت ما لا يغتفر في التأخير عن آخره، ويصح على بعد حمل النهي هنا على تأخيرها لأجل الطعام إيثارًا لشهوته وهذا مكروه، وإنما المأمور وهو المذكور في ذينك الحديثين تأخيرها رعاية لأدائها على الوجه الأكمل؛ لأن فعلها مع حضور الطعام والتوقان إليه يشتت الفكر ويخل بالخشوع، وحينئذٍ فلم يتوارد كل من ذينك وهذا على شيء واحد. (١) أخرجه الحاكم (٧٨٧٥) وقال: صحيح الإسناد. والقضاعي (٢٩٢). (٢) أخرجه أبو داود (٣٧٥٨)، والديلمي (٨٠٢٥)، ولم أقف عليه عند البغوي. ٣٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (الفصل الثالث) ١٠٧٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاة إِلَّ مُنَافِقُ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضَّ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّىَ يَأْتِي الصَّلاةِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَّنِ الْهُدَى الصَّلاَة فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذِّنُ فِيهِ(١). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظُ عَلَى هَذه الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّ هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الْطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِن هذه الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلٌّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرْفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَظَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النَّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْثَى بِهِ بهَذا بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ الأول- رَوَاهُ مُسْلِمْ(٢)]. (عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا) معشر الصحابة واتحاد الفاعل والمفعول سائغ في أفعال القلوب والمفعول الثاني محذوف؛ أي: غير متخلفين دلت عليه الجملة الحالية في قوله: (وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاة) مع الجماعة كما يصرح به الحديث السابق (إِلَّ مُنَافِقٍ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ) إن قلت: كيف مع علم نفاقه يقر عليه قلت: للمصلحة التي أشار إليها وَله بقوله اعتذارًا عن عدم قتلهم: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))(٣) على أن الذي يدل عليه سيرهم إن كانوا لا يعلمون النفاق في أحد بعينه وإنما كانوا يظنونه، فالعلم في كلامه بمعنى الظن، وهذا يؤكد ما مر أن ألهم (١) أخرجه مسلم (١٥١٩)، وأبو عوانة (٩٨٨). (٢) أخرجه مسلم (١٥٢٠)، وأحمد (٤٠١٤). (٣) أخرجه البخاري (٤٦٢٢)، ومسلم (٢٥٨٤)، وأحمد (١٥٢٦٠)، والحميدي (١٢٣٩)، والترمذي (٣٣١٥) وقال: حسن صحيح. 1 ١ ٣٥٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها بالتحريق للمتخلفين عن الجماعة إنما كان لنفاقهم وعنادهم لا لمجرد ترك الجماعة؛ إذ لم يقع تخلف عنها من غير منافق كما صرح به هذا الخبر. (أَوْ مَرِيضٌ) شديد المرض جدًّا كما دل عليه قوله المشتمل على غاية من التشديد والتأكيد بـ((أن)) المخففة و((اللام)) الفارقة وإضمار ضمير الشأن (إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) يتوكأ عليها لشدة ما به من المرض (حَتَّى يَأْتِي الصَّلاة) وهذا من شدة اعتناء الصحابة - رضوان الله عليهم - للطاعات ومثابرتهم على الفضائل وخروجهم عن جميع خصوصهم ومألوفهم، فلا ينافي ذلك قول أصحابنا ضابط المرض المسقط للجماعة أن يكون مشقة المجيء معه، كمشقته في المطر أو الوحل. (قَالَ) ابن مسعود تأكيدًا لما مهده من تأكيد أمر الجماعة والتشديد في التخلف عنها (إِنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ عَلَّمَنَا سُنَنَ) بفتح السين وضمها (الْهُدَى) أي: طريق الصواب والكمال وحثنا على الاعتناء بتحصيل الفضائل ما أمكن. (وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاة) جماعة كما هو صريح السابق (فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذِّنُ فِيهِ) كلاهما جرى على الغالب، أو شرط للأكمل لسقوط طلب الجماعة ندبًا أو وجوبًا بفعلها في غير المسجد من المدارس والرحاب ونحوهما، وفي المسجد الذي لم يؤذن فيه. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ) ابن مسعود (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللّهَ غَدًا مُسْلِمًا) إِسلامًا كاملاً يأمن به من ذلك الفزع الأكبر (فَلْيُحَافِظُ عَلَى هَذه الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) مع الجماعة (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ) أي: بين (لِتَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ) أي: الصلوات الخمس مع الجماعة (مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) بل هي أفضل العبادات البدنية الحديث الصحيح: ((خير موضوع)) (١). (١) أخرجه أحمد (٢١٥٨٦)، والطيالسي (٤٧٨)، والنسائي (٥٥٠٧)، والحاكم (٣١١٥) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٣٩٠)، وعبد الرزاق (٢٥٧٩). ٣٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّ هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ) فيه أقصى غاية من تحقيره وتبعيده عن مواطن القرب ومظانها (لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ) قال الشارح: فيه دلالة على أن المراد بالسنة العزيمة وكأنه قصد بذلك الاستدلال به على وجوب الجماعة، وواضح أنه لا دلالة فيه على قواعدنا؛ لأن ما ذكر من قول ابن مسعود الذي للرأي فيه مجال بخلاف ما بعده وهو ليس بحجة على غيره على أن الضلال قد يستعمل في ترك السنة مبالغة في الزجر عنه. (وَمَا مِنْ رَجُلٍ) ذكره للغالب؛ إذ المرأة كذلك إن شرعت لها الجماعة (يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الْطُهُورَ) أي: يأتي بواجباته أو بواجباته ومكملاته قولان (ثُمَّ يَعْمِدُ) أي: يقصد (إِلَى مَسْجِدٍ مِن هذه الْمَسَاجِدِ) التي هي غاية من الرفعة وبعد المنزلة كما أفادته الإشارة (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحظّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النَّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْنَى بِهِ بهَذا) أي: يتمايل (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) المعتمد عليهما (حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ الأول. رَوَاهُ مُسْلِمْ). فيه آكد حث وأبلغ داع إلى المحافظة على الصلوات في الجماعات، وتحمل الأعذار والمشاق ما أمكن للفوز بهذا الثواب الجسيم والفضل العميم. ١٠٧٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ِ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: لَوْلا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحَرِّقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ من النَّارِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ عَنِ الَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: لَوْلا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ) بين بهما ((ما)) الموضوعة حقيقة لا لما يعقل إشارة على أنهما من جملته حتى لا يخاطبان بالجماعة، وإلى أن أخبراهما لكونه آكد هو الذي منع التحريق دون بقية ما في البيوت (١) أخرجه أحمد (٩٠٣١)، والطيالسي (٢٣٢٤). ٣٥٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها من الآثار والأقوال (أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ) جماعة (وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي) أي: أقوياء أصحابي (يُحَرِّقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ مِن النَّارِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ) ولم يبين ((ما)» الثانية لانصرافها إلى العقلاء لا غير بقرينة السياق واستعمالها، فهم حقيقة عند جماعة ومجاز عند الأكثرين، وحكمته أنه بتخلفهم عن المعالي والكمالات أشبهوا البهائم بل هم أضل؛ إذ البهائم کثیرًا ما يهتدي لمنافعها وتجنب مضارها. ١٠٧٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاة فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّ - رَوَاهُ أَحْمَدُ](١). (وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ◌ِه) أَلَّا نخرج من المسجد بعد الأذان، لكن ليس بصيغة أمر بل بما يدل عليه وهو قوله: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ) فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان وقبل الصّلاة لكن من غير عذر كما يصرح به الخبر الآتي. وقوله: ((حتى يصلي)) يحتمل أن يريد به لو وجده؛ لأن خروجه قبل الصّلاة يسيء الظنون به، ويحتمل أن يريد به مع الجماعة وهذا هو الظاهر، وأنَّ افتقار سياق أصحابنا الأول؛ لأن خروجه بعد الأذان وقبل الصّلاة مع الجماعة، وإن صلى وحده فيه إساءة ظن بالإمام الراتب وإبداء قرح فيه وفي جماعة المسلمين، ولا ينبغي ذلك إلا بالصّلاة مع الجماعة فكره له الخروج قبل الصّلاة معهم لما يترتب عليه من هذا الضرر، ويؤيد هذا في هذا الحديث الآتي من تقييد النهي بما إذا لم يرد العود لاقتضائه أن العلة تركه الجماعة. ١٠٧٥ - [وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذِّنَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِنَّه رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢). (١) أخرجه أحمد (١١٢٢٤). (٢) أخرجه مسلم (١٥٢١)، والطبراني في الأوسط (٥٤٤٨)، وفي الصغير (٨١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٦٤). ٣٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذِّنَ فِيهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ مَهَ) وفيه ((أمَّا)) التفصيلية المقتضية لشيئين فصاعدًا، وأمَّا من مكث حتى صلى فقد أطاع أبا القاسم (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وهو ظاهرًا ونص في التحريم بناء على أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، وما هو كذلك إذا صدر من الصحابي يكون في حكم المرفوع، وحينئذٍ فيتعجب من قول أصحابنا بالكراهة مع ذلك، ومع قولهم بحرمة الصوم بعد نصف شعبان أخذًا من قول عمار بن ياسر؛ رضي الله عنهما: ((من صام ذلك فقد عصى أبا القاسم)). فإن قلت: بعضهم أشار إلى أن مثل ذلك قد يقال من قِبل الرأي، قلت: فلا يتم لهم الاستدلال بما ذكر عن عمار، وحينئذٍ لم يتضح ما قالوه من الكراهة هنا والحرمة، ثم بالقياس الجاري على القواعد إنا جعلنا ذلك في حكم المرفوع تعينت الحرمة فيهما وإلا تعينت الكراهة فيهما. ١٠٧٦ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ أَدْرَكَ الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرجعة فَهُوَ مُنَافِقٌ. رَوَاهُ ابْن مَاجَە](١). (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ أَدْرَكَ الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ) والحال أنه (لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ) أي: والحال أيضًا أنه (لَا يُرِيدُ الرجعة فَهُوَ مُنَافِقٌ) جواب أو خبر ((من)). (رَوَاهُ ابْن مَاجَه) وهو يؤيد ما ذكرته من الحرمة، واستفيد منه إذا خرج لحاجة فلا ملام عليه، ويظهر ضبطها بكل عذر رخص في ترك الجماعة بناء على ما مر أن النهي لمن خرج قبل الصّلاة معهم، وعلى مقابله يحتمل أن يعتد بذلك أيضًا، ويحتمل أن (١) أخرجه ابن ماجه (٧٨٣). ٣٥٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها يراد مطلق الجماعة التي تمنع إساءة الظن به، ومنها عليهما تطويل الإمام زيادة على المشروع وكراهة الاقتداء به، وأنه إذا خرج يقصد العود لا ملام عليه وإن لم يعد كما قالوه فيمن فارق صف القتال لتحرف أو تحيز، ثم بدا له عدم العود فإنه لا إثم عليه؛ لأنه لا يلزمه إن تحقق قصده الذي فارق لأجله، لكن ليحذر من جعل قصد ذلك حيلة لجواز الانصراف فـ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:٥]. ١٠٧٧ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: مَنْ سَمِعَ الّدَاءَ فَلَمْ يُحِبْهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّ مِنْ عُذْرٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ](١). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: مَنْ سَمِعَ الِّدَاءَ) أي: الأَذان للمكتوبة (فَلَمْ يُحِبْهُ) فإن صلى وحده (فَلَا صَلَاةَ لَهُ) أي: كاملة كما مر (إِلَّا مِنْ عُذٍْ) ومر ضبطه بأنه كل ما ساوت مشقته مشقة المشي في المطر أو الوحل (رَوَّهُ الدَّارَقُطْنِيّ). ١٠٧٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴾ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضِرِيرُ البَصَرِ، فَهَل تَجِد لِي مِنْ رُخْصَةٍ قال: هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ قال: نعم قَالَ: فَحَيَّ هَلََّ ولم يُرَخِّص. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ](٤). (وَعَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴾ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضِرِيرُ البَصَرِ، فَهَل تَجِد لِي مِنْ رُخصَةٍ) تبيح لي ترك الجماعة؟ قال: (هَلْ تَسْمَعُ) الأذان الذي منه (حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟) خصهما؛ لأنهما الداعيان إلى الحضور، قال: نعم (قَالَ: فَحَيَّ هَلَّا) أي: فأجب؛ إذ هي كلمة حث واستعجال وآثرها؛ لأن أحسن الجواب ما كان مشتقًّا من السؤال ومنتزعًا منه. (ولم يُرَخِّص) له حملاً له على ما كان عليه نظراؤه من كمل الصحابة - رضوان الله عليهم - من تحمل المشاق الشديدة التي لا يكاد أن تطاق في المبادرة (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (٨٥٠). ٣٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع للطاعات، وحيازة تلك المثوبات كما مر في خبر ابن مسعود في الذي يأتي إلى الجماعة بهذا بین رجلین. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) ومر أنه لا دلالة فيه على وجوب الجماعة عينًا؛ لأن ما ذكره من العمى مع خشية الهوام والسباع عذر بإجماع المسلمين، فتعين حمل عدم الترخیص له على ما ذكرناه. ١٠٧٩ - [وَعَنْ أُمّ الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنها - قَالَتْ: دَخَلَ عَّ وَهْوَ مُغْضَبْ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ: وَالله مَا أَعْرِفُ مِنْ أمر أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ](١). (وَعَنِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنها - قَالَتْ: دَخَلَ عَّ) زوجي أبو الدرداء (وَهْوَ مُغْضَبْ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ) أغضبني ما رأيته من الأمر المنكر المحدث في الأمة، وهو تركهم الجماعة كما دل على ذلك كله قوله: (وَالله مَا أَعْرِفُ مِنْ أمر أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَهِ شَيْئًا) في نهاية الجلالة والعظمة وكثرة الثواب (إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلَّونَ جَمِيعًا) أي: والآن تهاونوا في ذلك (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ). ١٠٨٠ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْيمَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عليه فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْيَمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى السُّوقِ وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمّ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لِأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ](٥). (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْيمَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْيمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى السُّوقِ وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ) اسم ولقب (أُمَّ سُلَيْمَانَ) بدل (فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ (١) أخرجه البخاري (٦٥٠)، وأحمد (٢٨٢٦٣). (٢) أخرجه مالك (٢٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٤٩).