Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ تتمة كتاب الصلاة/ باب أوقات النهي ١٠٤٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ أَنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَوَاهُ الشَّافِعِي] (١). (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌ِ أَنَّ النبيَُِّ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ) ظرف للصلاة؟ لأنها مؤولة بأن والفعل (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ الشَّافِعي) وغيره وفي سنده مقال. ١٠٤٧ - [وَعَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِيِ قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ كَرِهَ الصَّلَاة نِصْفَ النَّهَارِ حتى تزول الشمس إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَبُو الْخَلِيلِ: لَمْ يَلقِ أَبَا قَتَادَةَ](٢). (عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيِّ ◌َ كَرِهِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حتى تزول الشمس إِلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ) أي: توقد حينئذٍ كما في خبر مسلم ((عن عمرو بن عبسة)) السابق، ويوافق ذلك الحديث السابق ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم))(٣) أي: شدة لهبها الناشئ عن مزيد إيقادها (إِلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَقَالَ أَبُو الْخَلِيلِ: لَمْ يلق أَبَا قَتَادَةَ) لكنه اعتضد بمجیئه من طريق أخرى موصولاً، ومن ثم أخذ به كالذي قبله الشافعي فقال: لا تكره الصّلاة مطلقًا عند الاستواء يوم الجمعة لذلك؛ ولأنه و 18 استحب التبكير إليها ثم رغب في الصّلاة إلى حضور الإمام من غير تخصيص ولا استثناء، كذا قاله البيهقي. واعترضه السبكي بأنه يتوقف على صحة الترغيب فيه تدليل خاص يقدم على حديث النهي، ويجاب بأنه يكفي في الترغيب فيه استثناء يوم الجمعة، وتعليله بكون جهنم لا تسجر فيه المقتضي لكون الوقت وقت رحمة محضة، فهو من أوقات الخير (١) أخرجه الشافعي (٢٥٢)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٤٠٨). (٢) أخرجه أبو داود (١٠٨٥). (٣) أخرجه البخاري (٥١٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٨٠)، وأحمد (١١٥٠٨)، وابن ماجه (٦٧٩)، وأبو يعلى (١٣٠٩)، والبيهقي (١٩٠١). ٣٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع والنفحات التي أمرنا بالتعرض لها، ولا تعرض أفضل من التعرض بالصّلاة؛ لأنها أفضل عبادات البدن وفيها رفع الحجب وقوة العين بحقائق الشهود وسوابق المنن والجود. (الفصل الثالث) ١٠٤٨ - [عَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِحِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا. وَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رَوَاهُ مَالِكْ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ](١). (عَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ الشَّمْسَ تَظْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ) مرَّ معناه والخلاف فيه (فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ) بأن اصفرت وقربت من سقوط طرفها بالأرض (قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا. وَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ عَنِ الصَّلَاة) بتفصيلها السابق عند التحري وعدمه (فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ). ١٠٤٩ - [وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ بِالْمُخَمَّصِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ رَوَاهُ مُسْلِمٍْ(٢). (وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ) بفتح الموحدة وسكون المهملة (الْغِفَارِيِّ ◌َّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْمُخَمَّصِ) اسم موضع (صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَالَ) بعد فراغه منها (إِنَّ هَذِهِ (١) أخرجه مالك (٥١٢)، والنسائي (٥٥٩)، ولم أقف عليه عند أحمد. (٢) أخرجه مسلم (٨٣٠)، والنسائي (٥٢١)، وأبو يعلى (٧٢٠٥)، والطبراني (٢١٦٥)، والطبري في التفسير (٥٦٧/٢)، وأبو عوانة (١٠٦١)، والطحاوي (١٥٣/١)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (١٨٧٤). ٣٢٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب أوقات النهي صَلَاة عُرِضَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) مرَّ أوائل الصّلاة (فَضَيَّعُوهَا) أي: فأهلكهم الله فاحذروا أن تكونوا مثلهم بل حافظوا عليها (فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) مرة لفضلها؛ لأنها الوسطى ومرة للمحافظة عليها، ومشاركة بقية الصلوات لها في هذا لا يؤثر في تخصيصها بجموع الأمرين، ففيه عظيم فضل صلاة العصر ومزيد الحث عليها (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا) مفهومه جوازه قبلها كما هو مذهبنا خلافًا لكثيرين أخذوا بقضية الإلحاق حديث لا يقاوم هذا (حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). إن قلت: لتستدل به لمنع الركعتين قبل المغرب قلت: لا دليل له فيه؛ لأن المراد صلاة لا سبب لها، وهذه لها سبب على أن المراد بطلوع النجم ظهوره أو إمكان ظهوره، وذلك حاصل عقب تمام غروب الشمس، وسمي شاهدًا؛ لأنه يشهد بدخول الليل أو لثبوته بظهوره كما يثبت بالحق المدعي بشهود المدعي. ١٠٥٠ - [وعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهَِ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ](١). (وعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِوَالْ فَمَا وَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) وقد مر الكلام عليهما مبسوطًا وأن نهيه وله مفيد لحل ذات السبب في الوقت المكروه؛ لأنهما لما فاتتاه قضاهما وقت العصر فإيقاعهما فيه صريح في حل ذات السبب فيه ومداومته عليها هي التي من خصائصه کما مرَّ. ١٠٥١ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ وَقَدْ صَعِدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَلَيَعْرِفْنِي، فَأَنَا جُنْدَبُّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا (١) أخرجه البخاري (٥٨٧)، وأحمد (١٧٣٧١)، والبيهقي (٤٥٤٩)، والطبراني (١٦١٢٢). ٣٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَزِيْنُ] (١). (وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ وَ) الحال أنه (قَدْ صَعِدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ) هي الآن خشب ملصق بباب الكعبة ليرقى فيه إليها من يريد دخولها، فإذا قفلت نُحي لمحل آخر قريب من الطواف، فيحتمل أن يكون في ذلك الزمن كذلك، ويحتمل أن يكون بكيفية (مَنْ عَرَفَنِي) باسمي (فَقَدْ عَرَفَنِي) بصدق اللهجة والتحري التام في القول، فلا يصدر مني كلمة إلا بعد تيقن حقيقتها ومزيد التحري في عدم التغير فيها، كما قال ◌َّة: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر))(٢) فالجزاء والشرط وإن اتحدا لفظًا اختلفا معنى كما تقرر. (وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَلَيَعْرِفْنِي) حتى تطمئن نفسه لما أنقله له عن رسول الله وَلِّ، فإن اشتهار صدقي يلجئ الجاهل بي إلى المبادرة إلى امتثال ما أرويه (فَأَنَا جُنْدَبُ) هو اسم أبي ذر (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا) صلاة (بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ. رَوَاهُ أَحْمَد وَرَزِيْن) ومر أن سنده ضعيف وأنه مع ذلك مؤيد لحديث: ((يا بني عبد مناف)) السابق ومبطل لما مر نقله من تأويل الصّلاة بالدعاء والطواف بدخول المسجد وغير ذلك. (١) أخرجه أحمد (٢١٥٠٠)، والدارقطني (٤٢٥/١)، والطبراني في الأوسط (٨٤٧)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٥٩/٩)، والبيهقي (٤٢٠٧). (٢) أخرجه أحمد (٦٥١٩)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٦٥)، والترمذي (٣٨٠١) وقال: حسن. وابن ماجه (١٥٦)، وابن سعد (٢٢٨/٤)، والحاكم (٥٤٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١٧٢/٤) وقال: غريب. (باب) حكم (الجماعة وفضلها) قضية استدلال أصحابنا لمشروعيتها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة .. ﴾ [النساء: ١٠٢] مع كون السورة مدنية لم يجب بمكة وكأن حكمته أنهم لم يكونوا متمكنين من إظهار شعارها؛ لغلبة الكفار وتظاهرهم عليهم، ولا ينافيه أن جبريل أمَّ النبي ◌َّ عند باب الكعبة صبيحة الإسراء؛ لأنه إنما ينافي المشروعية دون الوجوب الذي الكلام فيه. (الفصل الأول) ١٠٥٢ - [َعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَعدِلُ صَلاةَ الْفَذّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً](١). (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَعدلُ صَلاةَ الْفَذِّ) بالمعجمة؛ أي: المنفرد (بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً). وفي رواية لهما: ((أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة))(٢) وهما صريحان في أن الجماعة لمن لا عذر له ليست شرطًا لصحة الصّلاة ولا فرض عين خلافًا لمن قال بهما، وإلا لم يحصل له درجة واحدة فلا مفاضلة، فإن قلت: يمكن تأويله بأنها بين الفذ المعذور وغيره، قلت: يرده أن صرائح السنة قاضية بحصول الجميع للمعذور (١) أخرجه بلفظ: ((تفضل)) بدل: ((تعدل)) مالك (٢٨٨)، وأحمد (٥٣٣٢)، والبخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٨٣٧)، وابن ماجه (٧٨٩)، وابن حبان (٢٠٥٢). (٢) لم أقف عليه. - ٣٢٥ - ٣٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع الذي لولا العذر لجاء إليهما، وبفرض عدمه هو تأويل بعيد لا يصرح به خبر فلا يقبل، واستدل به أبو حنيفة ومالك - رضي الله عنهما - على سنيتها وهو وجه عندنا، كذا رجحه كثيرون والأصح عند الأكثرين: إنها فرض كفاية للخبر الآتي ((ما مر ثلاثة ... إلى آخره)). قال الشارح: وما يقنع بدرجة واحدة ويترك درجات كثيرة مع سهولة تحصيلها إلا غير مصدق بذلك أو سفيه لا يهتدي لطريق التجارة الرابحة. انتهى ملخصًا. وعلم مما مر أن السبعة والعشرين في جماعة المسجد الحرام مضاعفة في مائة ألف ألف ألف صلاة الحاصلة للمصلي منفردًا، وهذا ثواب يعجز عنه الحصر وكرم الله أوسع من ذلك، فليتفطن لذلك العقلاء العالمون أو التجار الرابحون لم ذكر ذلك لا ينافيه خبر أبي هريرة: ((بخمس وعشرين درجة))(١) وفي رواية: ((ضعفها)) وفي رواية: ((جزء)). قال النووي: القليل لا ينافي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين؛ أي: أكثرهم أو أنه أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله بالزيادة للفضل فأخبر بها، أو أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين، والصّلاة بحسب كمال الصّلاة، ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك، واعتمد جمع الثاني ووفقوا به بين كل حديثين بينهما تنافٍ من حيث الثواب؛ لأنه تعالى مازال يمن على نبيه وله بزيادة كمالاته وكمالات أمته حتى أتاه اليقين وأطلعه على أحوال الأولين والآخرين. وقول بعضهم: لا منافاة؛ لأنه عبر في الأول بـ((درجة)) وفي الثاني بـ(جزء)) وهو أعظم من الدرجة فـ((خمسة وعشرون)) جزء وأقدر (سبعة وعشرون)) درجة بحكم صرف على أن رواية مسلم التعبير بدرجة في الخمس والعشرين أيضًا فبطل ما قاله من (١) أخرجه البخاري (٦١٩)، وأحمد (١١٥٣٨)، وابن ماجه (٧٨٨)، وأبو يعلى (١٣٦١). ٣٢٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها أصله، ورجح ابن دقيق العيد أن الدرجة بمعنى: الصّلاة؛ لأنه ورد مبينًا في رواية، ومن ثم قال الزركشي: صلاة واحدة في جماعة أفضل من فعلها وحده خمسًا وعشرون مرة. انتهى. ولذا كان المزني صاحب الشافعي - رضي الله عنهما - إذا فاتته الجماعة أعاد خمسًا وعشرين مرة، وهو من اجتهاده، وإلا فمذهبنا أنه لا تجوز الإعادة مع الانفراد بل مع الجماعة وأنها لا تعاد معها إلا مرة واحدة على الأصح، وحكمة السبع والعشرين أن أقل الجميع ثلاثة والحسنة بعشر فواحدة أصل وتسعة تضعيف يضرب في ثلاثة عدد الجماعة بتسعة وعشرين، وأعطى الاثنان ذلك فضلاً، وأفسده ابن العماد مع جزم شيخه البلقيني به في ((فتاويه)) بأن الصّلاة مع الانفراد بعشر: واحدة أصل وتسعة تضعيف، فالزيادة سبعة عشر لا سبعة وعشرين. ووجهها الحليمي بأن السبع والعشرين عدد ركعات الخمس وروايتها المؤكدة فكأنه قيل للمكلف: صلاتك مكتوبة في جماعة تعدل الخمس، وروايتها مع الانفراد ويوافقه ما مر أن المراد بالدرجة: الصّلاة وبأن فيها سبعًا وعشرين من غير الفوائد وعددها منها: أمن السهو وإظهار شعار الدين، وكثرة العمل وانتظار الصّلاة، والمشي إليها والاجتماع بجماعة المسلمين، وتفقد أحوالهم وإفشاء السلام بينهم، وسؤال بعضهم عن بعض والحمل على إنشاء المساجد وعمارة مستهدمها، ونصب مؤذن وإمام وتشبيه صلاتهم بالجمعة التي هي أكمل الصلوات، وإيقاع الصّلاة أول الوقت غالبًا وغيظ الكفار بشهادتهم اجتماع المسلمين واهتمامهم بأمر دينهم. وشبههم بالملائكة القائلين: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وبالمجاهدين الذين مدحهم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَقًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانُ مَّرْصُوصُ﴾ [الصف: ٤] والبعد عن التحييز باقتداء بعضهم ببعض، والإعانة على البر بتعليم الجاهل والدعاء للنفس وللقوم، وإظهار الاحتياج للغير ليصلي معه فيقو لما به والتشبه بالحج وبالصوم، فإن المسلمين يحجون ويصومون معًا فناسب ٣٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع أن يصلوا معًا والتسبب لجهر الإمام الذي هو زيادة في الخير، ونصرة في الحاضرة حتى لو وقع خوف حرس بعضهم بعضًا. وصلاة الانفراد خذلان وحسنه، وأبدى غيره فوائد أخرى ومن ثم اعتبر أن المراد المبالغة لا الحصر؛ لأن التسع تستعمل عند العرب لإزادتها كما أشار إليه خبر مسلم بقوله فيه عقب التسع: ((وذلك إن أحدهم إن توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصَّلاة فلم يخطُ خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد ... )(١). وفيه أنه يكتب له أجر المصلي مادام ينتظر الصّلاة، وأن الملائكة تدعو له مادام كذلك، ففي هذه الخصال تنبيه على ما سواها، وأنها تزيد على السبع وعشرين بكثير. ولما كان في الاجتماع من الفوائد الجليلة ما ذكر طلب الشارع اجتماع أهل الخطط والمحال في مساجدهم في كل يوم خمس مرات، واجتماع أهل البدع في الجمعة مرة واحدة في المسجد الجامع، واجتماع أهل القرى معهم في السنة الواحدة مرتين في العيدين، واجتماع أهل الأمصار والأقاليم في السنة مرة واحدة في موقف عرفة، والشبه بالموقف الأكبر يوم القيامة. تنبيه: قد يستثنى من هذا الحديث من صلى في فلاة منفردًا بأذان وإقامة، فإن مقتضى الأحاديث أن صلاته تفضل صلاة الجماعة في غير الفلاة بشيء كثير، ونقله الحافظ أبو داود وغيره عن بعض العلماء وكان الخياطي من أصحابنا المتقدمين تبعهم فإنه أفتى بأن من حلف ليصلين في جماعة بر بصلاته وحده بفلاة. قال: لأن الملائكة تصلي خلفه صفوفًا فمن تلك الأحاديث الحديث الصحيح: (١) أخرجه الترمذي (٦٠٣) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٢٨١). ٣٢٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها ((الصَّلَاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة»(١). والحديث الصحيح أيضًا: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسًا وعشرين درجة، فإذا صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها وسجودها بلغت صلاته خمسين درجة))(٢). وفي حديث عبد الرزاق: ((إن من بالفلاة إن أقام الصَّلاة صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه)(٣). وفي رواية له: ((صلت معه أربعة آلاف ملك وأربعة آلاف ألف من الملائكة))(٤) وقال ابن المسيب: صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة. هذا جملة ما احتج به أولئك وما قالوه محتمل لكن ظاهر كلام أكثر العلماء العمل بحديث الصحيحين السابق من تفضيل صلاة الجماعة في غير فلاة على صلاة المنفرد في صلاة وإن أذن وأقام، وما ذكر من زيادة التفضل ليس من حسبة الانفراد، بل من حيث ما انضم إلى صلاته من الأذان والإقامة وحضور الملائكة واقتدائهم على ما يأتي، ونيله لبركتهم وكون ندائه سببًا لحضورهم وصلاتهم، وإتمامه للركوع والسجود، وحينئذٍ لم يفضل صلاة منفرد صلاة جماعة، وإنما فضلت صلاة انضمت إليها فضائل متعددة لم ينضم إليها إلا بعض تلك الفضائل حتى لو فرض أن تلك الفضائل وجدت في صلاة الجماعة كانت أفضل، فالصحيح بقاء حديث ((الصحيح)) على إطلاقه، وأن ما في تلك الأحاديث لا يعارضه. - (١) أخرجه أبو داود (٥٦٠)، والحاكم (٧٥٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. (٢) أخرجه عبد بن حميد (٩٧٦)، وأبو يعلى (١٠١١)، وابن حبان (٢٠٥٥)، والحاكم (٧٥٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٣١)، وابن أبي شيبة (٨٣٩٠). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٥)، والطبراني (٦١٢٠). (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥١). ٣٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع ألا ترى أن صلاة المنفرد بالمسجد الحرام المكي بألف ألف ألف صلاة كما بينته في ((حاشية إيضاح النووي)) بذكر الأحاديث الدالة عليه، فليلزم أولئك أن يقولوا: إن من صلاته منفردًا أفضل ممن صلى خارجًا بجماعة بناء على اختصاص التضعيف به؛ لأن صلاة المنفرد حينئذٍ أكثر ثوابًا من صلاة الجماعة، وبهذا قال بعض أئمتنا لكنه ضعيف على الصّلاة في الجماعة أفضل من حيث الجماعة وإن كانت صلاة المنفرد أكثر مضاعفة، فکذا يقال فيما مر. ومما يؤيد ذلك ((إنه سي ترك يوم النحر في حجة الوداع صلاة الظهر بمكة))(١) على بعض الروايات الصحيحة وأخرها إلى أن صلاها بمنى إمامًا بأصحابه، فآثر هذه الجماعة على التضعيف، وقد يكون في المفضول مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل، هذا كله إن سلم لأولئك أن تلك الأحاديث تدل لمدعاهم وليست دلالتها له بواضحة كما بينته في شرح. وحاصله: إنه لا يتم لهم ذلك إلا إن صح أن الملائكة يقتدون به فيها فرض مماثل لفرضه، وهذا إن لم يصح فيهما شيء فيما علمت، ووجه ذلك أنه إذا انتفى اقتداؤهم به فواضح أو مماثلة صلاتهم لصلاته كانت الجماعة غير مطلوبة بل نافلة على قول، وظهر أن ما أخذه أولئك من هذه الأحاديث لمهتم لهم. ١٠٥٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ﴾ قَالَ: رَسُولُ اللهِ وَِّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِخَطَبٍ فَيَحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاة فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَشْهَدُونَ - فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ولِمُسْلِمِ نَحِوَهُ] (٢). (١) لم أقف عليه. (٢) أخرجه مالك (٢٩٠)، والبخاري (٦١٨)، والنسائي (٨٤٨)، والشافعي (٥٢/١)، وابن حبان (٢٠٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٥٤). ٣٣١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: رَسُولُ اللهِ وَّهُ: وَالَّذِي نَفْسِي) أي: إيجادها وبقاؤها (بِيَدِهِ) أي: قدرته (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِخَطَبٍ فَيَحْطَبَ) كذا هو في الأصول الصحيحة من الكتب الستة وغيرها، وهو صحيح؛ لأنه من حطب يخطب كضرب يضرب وأحطب بمعناه وهو جمع ذكره في ((القاموس)). (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاة فَيُؤَذِّنَ لَهَا) يحتمل أنها العشاء لما يقتضيه آخر الحديث، والصريح به الآتي في خبر مسلم ويحتمل بقاؤه على عمومه، لكن إنما يأتي إن تعددت القضية (ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ) فيه دليل على جواز استخلاف الإمام وانصرافه العذر (ثُمَّ أَخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) من خالفني إلى كذا إذا قصدت وأنت مولى عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] المعنى: أخالف ما أظهرت من إقامة الصّلاة واشتغال بعض الناس، وأقصد إلى ثبوت من أمرهم بالخروج عنها للصلاة فلم يخرجوا. (وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَشْهَدُونَ فَأَحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) لا دليل فيه لوجوب الجماعة عينًا الذي قال به أحمد وداود؛ لأنه وارد في قوم منافقين لا يشهدون الجماعة ولا يصلون فرادى والسياق يؤيده فإنه لم افتتح الحديث في رواية أخرى تأتي بقوله: ((إن أثقل الصَّلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر)(١) وما يصرح به ما صح كما يأتي عن ابن مسعود ﴾، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وكيف يظن بأدنى الصحابة - رضوان الله عليهم - أنه يؤثر أدنى عرض دنيوي على الصّلاة مع رسول الله له وجواز التحريق اللازم لهمه وقل به كان قبل تحريم المثلة. وقوله: ((لا یعذب بالنار إلا خالقها)»(٢) وترکه إمّا لكونه هم به اجتهادًا ثم نزل، (١) أخرجه البخاري (٦٢٦)، ومسلم (٦٥١)، وأحمد (٩٤٨٢)، وابن أبي شيبة (٣٣٥١)، وأبو داود (٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١)، وابن خزيمة (١٤٨٤). (٢) أخرجه بلفظ: ((رب النار)) بدل: ((خالقها)) أحمد (١٦٤٥٧)، وأبو داود (٢٦٧٣)، والبيهقي (١٨٥٢٦)، وأخرجه بلفظه ابن أبي شيبة (١٩٦). ٣٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وهي بالمنع أو بغير اجتهاده، وأخذ بعضهم من الحديث جواز تحريق المتخلف اليوم، ومن ثم قال النووي: قيل: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصّلاة والغال من الغنيمة. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) كرر الإقسام به مبالغة في التحريض على الاعتناء بالجماعة، وعلى تأكد شأنها والتحذير من تركها (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي: المتخلفين المنافقين (أَنَّهُ يَجِدُ عَزْقًا) بفتح فسكون؛ أي: عظمًا أخذ لحمه وجمعه عراق بالضم، وهو نادر (سَمِينًا) قيد به؛ لأن عظم السمين فيه دسومة قد يرغب في مصه لأجلها (أَوْ) يجد (مِرْمَاتَيْنٍ) تثنية مرماة بكسر أوله أو فتحه وهي ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها، وقيل: هي بالكسر سهم صغير يعلم به الرمي، وهو أحقر السهام (حَسَنَتَيْنِ) أي: جيدتين بدل من مرماتين أو صفة لهما؛ أي: ظلفين لا لحم عليهما أو ما بين ظلفين وظلفین آخرین أو سھمین صغیرین. (لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أي: وقتها أو صلاتها؛ أي لو علم أحدهم الدناءة همته وعدم فطنته أنه لو حضر وقتها أو صلاتها لحصل له أدنى حظ دنيوي فانٍ وإن حسن أو أجزأ، ومع ذلك لا يحضر اغتنام ذلك الثواب الدائم الذي لا يحاط حصره ولا يقدر قدره (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ولِمُسْلِم تَحِوَهُ). وفيه آكد حث وأبلغ تحريض على حضور الجماعات اغتنامًا لثوابها الجزيل، وجعل همة النفوس لتحصيل أغراضها الحقيرة، والفائتة مصروفة لتحصيل المعالي الشريفة الدائمة كما أرشد لذلك تكرير القسم لا سيما لخصوص المقسم به، وتكرير ((ثم) ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى مع التنبيه على بعد تلك المراتب وما بينهما، وإن ذلك لا ينال إلا بقهر النفوس وفطمها عن سفسافها، وإن نزلها من صفات المنافقين الموجبة لبعدهم عن مواطن الرحمة وارتباكهم في درك الهلاك والنقمة، واستخفافهم للتحريق بنيران القطيعة لما انطووا عليه من الأفعال القبيحة والأحوال القبيحة. ١٠٥٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: أَنَى النَِّيَّ ◌َ رَجُلُّ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي ٣٣٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها قَائِدٍ يَقُودِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُول اللَّهِ وَّ أَنْ يُرَخِّص لَهُ فَيُصَلِّ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعِ النّدَاءِ بِالصَّلَاة؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١). (وَعَنْه قَالَ: أَى النَّبِيَّ ◌َ﴿ رَجُلُّ أَعْمَى) قيل: هو ابن أم مكتوم كما جاء مصرحًا به في رواية أبي داود وغيره، وفيه نظر لاختلاف سياق الحديثين كما يعلم من هذه وروايته الآتية في الفصل الثالث، إلا أن يكون واقعته متعددة. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٍ يَقُودِنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُول اللَّه وَّ أَنْ يُرَخِّص لَهُ فَيُصَلِّ فِي بَيْته فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعِ الّدَاء بِالصَّلَاة؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ويوافقه خبر ابن أم مكتوم والآتي في الفصل الثالث، وليس فيهما دلالة على فرضية العين لإجماع المسلمين على أن الجماعة تسقط بالعذر؛ ولحديث الصحيحين ((إِنه ◌َ * رخص لعينان حين شكا بصره أن يصلي في بيته)»(٢) فمعنى «أجب)) أي: إن أردت كمال الفضيلة الأليق بك، ومعنى ((لا رخصة لك)» الآتي؛ أي: لا تلحقك بفضيلة من حضرها. فالحاصل: إنه سأل هل له رخصة في الصّلاة ببيته منفردًا يلحقه بفضيلة من صلى جماعة؟ فقال: لا وإنما أولناهما بذلك ليجتمعا مع خبر الصحيحين، والجمع بين الأحاديث متعين ما أمكن، وبفرض عدم إمكان الجمع خبر الصحيحين مقدم؛ لأنه أصح، وعلى فرض أن الحديث يدل على وجوبها عينا يجاب عن كونه رخص له ثم ألزمه بالحضور بأن الترخیص کان باجتهاد أو وحي، وعدمه الناسخ كان كذلك. وأمَّا خبر: ((من تخلف عن الجماعة لغير عذر لم تقبل صلاته))(٣) وخبر: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)»(٤) فضعيفان، فلا متمسك فيهما لكونها شرطًا (١) أخرجه مسلم (١٥١٨)، والنسائي (٨٥٨)، والبيهقي (٥١٤٣)، وأبو عوانة (٩٨٦). (٢) انظر التخريج السابق. (٣) لم أقف عليه. (٤) أخرجه الدار قطني (٤٢٠/١)، والبيهقي (٤٧٢٤)، والحاكم (٨٩٨). ٣٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع لصحة الصّلاة، على أن نفي القبول لا يستلزم نفي الصحة كما في قوله وتلجل: ((من أتى عرافًا لم تقبل صلاته أربعين صباحًا)(١). وخبر: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر))(٤) يحمل بقرينة ما مر من المفاضلة بين صلاة الفذ والجماعة نفي الكمال. ١٠٥٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنه أَذِّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحِ، ثُمَّ قَالَ: أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرْ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (وَعَنِ ابْنٍ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنه أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِیچ، ثُمَّ قَالَ) بعد فراغ الأذان كما هو السابق، وهو لبيان الأفضل؛ إذ لو قاله بعد الحيعلتين حصل أصل السنة (أَلا صَلُّوا فِي الرَّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّه ◌َ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ) وفي رواية للشافعي زيادة الريح (يَقُولُ: أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وهي الدور والمساكن والمنازل، ويوافقه خبر مسلم: خرجنا مع رسول الله ◌َ﴾ فمطرنا فقال: ((ليصل من شاء في رحله)(٤). وصح: «كنا مع رسول الله 184 زمن الحديبية فأصابنا مطر لم ينل أسفل نعالنا فنادى منادي رسول الله (وَل﴾: صلوا في رحالكم)(٥) ومن هذه الأحاديث كالخبر السابق: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر))(٦). أخذ أئمتنا أن العذر يسقط إثم ترك الجماعة على القول بوجوبها وكراهته على (١) أخرجه بنحوه مسلم (٥٩٥٧)، وأحمد (١٧٠٩٠). (٢) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، والطبراني (١٢٢٦٥)، والحاكم (٨٩٤)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والبيهقي (٥٣٧٥)، والضياء (٢٥٥)، والدار قطني (٤٢٠/١). (٣) أخرجه البخاري (٦٦٦)، ومسلم (١٦٣٢)، وأحمد (٥٩٣٤)، وأبو داود (١٠٦٥)، والنسائي (٦٦١). (٤) أخرجه مسلم (١٦٣٦)، وأحمد (١٤٧٢٠)، وأبو داود (١٠٦٧)، والبيهقي (٥٢٢١). (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٩٢٤)، والطبراني (٥٠٠). (٦) تقدم تخريجه. ٣٣٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها القول بندبها وأزمنة المطر والثلج والبرد ليلاً أو نهارًا وشدة الظلم ليلاً، قال الزركشي: أو نهارًا بالإجماع، والوحل بفتح الحاء ليلاً أو نهارًا، وشدة الظلمة ليلاً. ١٠٥٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُم فَابْدَؤوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعجَلْ حَتَى يَفرُغَ مِنْهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقامُ الصَّلاَةِ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهَ: إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ) جمع الضمير هو مثال والمراد طعام تتوق نفسه إليه وإن لم يكن غداء ولا عشاء (أَحْدَكُم فَابْدَؤُوا بِالعَشاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَى يَفرُغَ مَنَهُ) جمع الضمير أولاً وأفرده ثانيًا مع أن أحد لا يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث إلا في النفي دون الإثبات، نظرًا في الأول إلى كم الدال على جماعة المخاطبين، وفي الثاني إلى أحد؛ أي: إذا وضع عشاء أحدكم لكم فابدؤوا أنتم بالعشاء ولا یعجل هو حتى يفرغ معكم منه. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَع لَهُ الطَّعَامِ وَتُقَامُ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِيهَا حَتى يَفْرُغَ مِنْهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وسيأتي خبر مسلم: ((لا صلاة بحضرة طعام))(٢) ومنه أخذ أئمتنا أن من العذر شدة الجوع أو العطش بحيث يختل خشوعه، وإن لم يحضر الطعام ولا قرب حضوره والتوقان إليه لكن إن حضر كما في الحديث. قال ابن دقيق العيد: والتحقيق أن المتيسر حضوره عن قرب كالحاضر بخلاف ما يتراخى حضوره يوجب زيادة تشوف، وهذه الزيادة يمكن أن يكون الشارع اعتبرها في تقديم الطعام على الصّلاة فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها للقاعدة الأصولية: إن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يعتبر لم يلغ. انتهى. وحينئذٍ فيتخلف ندبًا، قال أكثر أصحابنا: تكسر شهوة الجوع بأن يأكل لقيمات بكسر سورته، والذي صوبه النووي في ((شروحه لمسلم)) وغيره أنه يكمل (١) أخرجه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٥٥٩)، وأحمد (٤٧٠٩)، وأبو داود (٣٧٥٧). (٢) أخرجه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩)، وأحمد (٢٤٢١٢)، وأبو يعلى (٤٨٠٤). ٣٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع حاجته من الأكل لخبر مسلم: ((ولا يعجلن حتى يفرغ))(١) واعترض عليه بعضهم بما فيه نظر، ويمكن الجمع بحمل الأول على من يتوفر خشوعه بكسر سورة جوعه، والثاني على من لا يتوفر خشوعه إلا بشبعه، ويدل لذلك قول أصحابنا: تكره الصّلاة في كل حالة تنافي الخشوع، هذا كله إن اتسع الوقت، وإلا بأن خرج بعض الصّلاة وإن قل عن وقتها لو تخلف للأكل لزمه تقديمها على الأكل، وإن لم يجز له أن يتخلف له. ١٠٥٧ - [وَعَن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - إنها قَالَتْ: سَمِعْت رَسُول اللّهِ وَل يَقُولُ: لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةٍ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُه الْأَخْبَثَانِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). (وَعَنِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - إنها قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ) أي: كاملة (بِحَضْرَةٍ طَعَامٍ ولا) صلاة كاملة وحذف اسمها وخبرها لدلالة ما قبلها عليها شائع سائغ خلافًا لمن قال: هذا التركيب لا أحققه (وَهُوَ) أي: والحال أنه (يُدَافِعُه) فيها (الْأَخْبَثان) فهو يدفعهما ليتم صلاته وهما يدفعانه عنها ليخرجا، فاندفع قول الأسنوي اعتراضًا على تعبير قول النووي كما في الحديث: صوابه الدفع، والأخبثان البول والغائط ومثله الريح، وقيس بذلك مدافعة كل خارج كدم ناصور وسلس نحو مذي وغلبة فيء، ويؤيده ما مر من كراهة الصّلاة مع كل حال ينافي الخشوع، ومن ثم ندب له أن يتخلف للتفرغ من ذلك وإن فاتته الجماعة. (رَوَاهُ مُسْلِمُ) ومنه أخذ أكثر أئمتنا كراهة الصّلاة مع مدافعة واحد مما ذكر، وإن خاف فوت الجماعة لوقوع نفسه، وقال جمع منهم: ونقل عن الشافعي بحرمة ذلك وفساد الصّلاة إن أدى إلى ذهاب خشوعه للخبر الصحيح: ((لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حاقن حتى يتخفف)) (٣). قال الأذرعي: لم يرد هذه الصيغة في موضع إلا حكم العلماء فيه بالتحريم فيما (١) أخرجه مسلم (١٢٧٢). ـسـ (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه بنحوه البيهقي (٥١٣٢). ٣٣٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها أعلم، وحمله الأولون على ما إذا اشتد به الحال وظن أنه يضره فحبسه حينئذٍ حرام، وظاهر الحديث أنه لا فرق في كراهة المدافعة أو حرمتها بأن يقارن بحرمة الصّلاة أو يحدث فيها، والأول ظاهر والثاني فيه نظر والذي يتجه كما حررته في غير هذا المحل أنه حيث لم يشتد به الحال ولم يخش ضررًا، ولم يضق الوقت كان الاستمرار في حقه أفضل بل واجبًا إن كانت الصّلاة فرضًا، وإلا وجب القطع وإن ضاق الوقت. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة فَلَا ١٠٥٨ صَلَةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: إِذَا أَقِيمَتِ الصَّلاة) المكتوبة جماعة (فَلَا صَلَاةَ) كاملة حينئذٍ (إِلَّا) تلك (الْمَكْتُوبَةُ) معهم. (رَوَاهُ مُسْلِمُ) ومنه أخذ الشافعي ﴾ وغيره أنه يكره لكل من أراد الفرض مع الجماعة المشروعة أن يشرع بعد ابتداء الإقامة في صلاة أخرى كنافلة ولو سنة الصبح بلا خلاف عندنا، وإن أمكن التحلل منها قبل إحرام الإمام لعموم الحديث والعلة، وهي ثبوت إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ويجب جمع أنه يلحق بذلك الشروع قبل الإقامة إذا قرب وقتها، ولا سيما إذا كان المؤذن سريعها وتفوته بذلك أول الصّلاة. ١٠٥٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ: إِذَا اسْتَأْذَنَت امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (وَعَنِ ابْنِ عُمَرٍ رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ) زوجها في الذهاب (إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وهو محمول عندنا (١) أخرجه مسلم (٧١٠)، عبد الرزاق (٣٩٨٧)، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي (٨٦٥)، وابن ماجه (١١٥١). (٢) أخرجه البخاري (٤٩٤٠)، ومسلم (٤٤٢)، وأحمد (٤٥٢٢)، والنسائي (٧٠٦)، وابن خزيمة (١٦٧٧)، وابن حبان (٢٢١٣)، والدارمي (٤٤٢)، وأبو عوانة (١٤٣٨)، والبيهقي (٥١٤٩)، والحميدي (٦١٢). ٣٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع على عجوز غير مشتهاة ألبتة لم تخرج بطيب ولا زينة ولا بنحو خلاخل يسمع صوتها، ولم يخش من خروجها مفسدة عليها ولا على غيرها في المسجد أو الطريق، ولم تختلط بالرجال للخبر المتفق عليه عن عائشة، رضي الله عنها: (لو أن رسول الله و له رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما صنع بنو إسرائيل)) أشارت بذلك إلى ما أحدثته من الفتن بالتطيب واللباس عند خروجهن وإلى ((إنه وَله إنما نهى عن منعهن لأمن الفتنة علیھن وعلى غیرهن في زمنه)). ومن ثم قال ابن مسعود # كما في ((سنن)) البيهقي: ((نهي النساء عن الخروج إلا عجوزًا في منقلها)) أي: ثياب بذلتها، وأصل المنقل بفتح الميم في الأشهر الخف، وقيل: الخف الخلق، وهذا من الصحابي في حكم المرفوع فيختص به عموم النهي هذا الخبر، وخبر مسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))(١) على أن أبا داود عقبه بالإسناد على شرط الشيخين: ((ولكن ليخرجن وهن تفلات))(٤) غير عطرات وتفلات بفتح المثلثة وكسر الفاء تاركات للطيب. ومن ثم قال النووي في ((شرح المهذب)): إذا أرادت حضور المسجد كره لها أن تمس طيبًا وأن تلبس ثيابًا فاخرة لهذا الحديث، وقال في ((شرح مسلم)): النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة، قال: وإنما كان النهي للتنزيه مع وجود تلك الشروط؛ لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب فلا يترك الفضيلة، فعلم أنه لا يحرم على الحليل الزوج أو السيد منعها مطلقًا. قال البيهقي: وبه قال كافة العلماء: نعم من ليس حليل ولا ولي أولها أحدهما وأذن ووجدت تلك الشروط حرم على الإمام ونائبه المنع، بخلاف ما إذا فقد شرط من (١) أخرجه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٤٤٢)، وأحمد (٤٦٥٥)، وابن حبان (٢٢٠٩). (٢) أخرجه أحمد (٩٦٤٣)، وأبو داود (٥٦٥)، والبيهقي (٥١٦٠)، وابن خزيمة (١٦٧٩)، والشافعي (١٧١/١)، والدارمي (١٢٧٩)، وابن الجارود (٣٣٢). ٣٣٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب حكم الجماعة وفضلها ذلك فإنه يسن له المنع من خروجهن لغير ضرورة حافة، ومن دخولهن المسجد أو غيره من أمكنة الجماعة ولو للطواف إلا للنسك، فيؤمر الحليل بالخروج ولو في خلوة كما حررت ذلك في ((شرح العباب)). وقضية كلام النووي في ((تحقيقه)) والزركشي في ((أحكام المساجد)) أنه حيث كان في خروجهن اختلاط بالرجال في المسجد أو طريقه، أو قويت خشية الفتنة عليهن بتزينهن وتبهرجهن حرم عليهن الخروج، وعلى الحليل الإذن لهن فيه ووجب على الإمام أو نائبه منعهن من ذلك. وعلم مما تقرر أن تلك الشروط إذا وجدت ندبت الجماعة لها وندب الحليل الإذن لها فيها لخبر مسلم: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن)(١) وأشار بـ(الليل إلى المسجد فأذنوا لهن)) وأشار بـ((الليل)) وبقوله فيما مر: ((وهن تفلات))(٢) وبكونها عجوزًا في ثياب منقلها إلى جميع الشروط التي ذكرناها، وأنه يجب على الإمام أو نائبه منع ما حدث الآن بالمسجد الحرام من اجتماع النساء الشابات المزينات بأنواع من الزينة والحلي فيه وطوافهن مع الرجال مختلطات بهم؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد التي لا تخفى على ذي دين وتقوى، ولا تغتر بمن صنف في حرمة منعهن وإطالة بما لا يجدي، ويأتي ذلك كله في خروجهن في الجمعة والعيد وغيرهما. ١٠٦٠ - [وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله بن مسعود ﴾ قَالَتْ لنا: قَالَ رَسُولُ الله وَُّ : إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣). (وَعَنْ زَيْتَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ الله بن مسعود ﴾ قَالَتْ لنا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ) ذكره ليعلم غيره بالأولى؛ أي: إذا كان هذا شأن المسجد (١) أخرجه البخاري (٨٢٧)، ومسلم (٤٤٢)، وابن حبان (٢٢٠٨)، وأبو عوانة (١٤٤٦)، والبيهقي (٥١٥١)، وأبو يعلى (٥٤٤٣). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم (١٠٢٥)، وابن خزيمة (١٥٨٨)، والطبراني (٢٠١٨١)، وابن أبي عاصم (٢٨٥٢). ٣٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع في حقها مع كون أنه يسن للرجال التطيب إذا شهدوه فما بالكم بغيره (فَلَا تَمَسَّ طِيبًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١٠٦١ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ تَخُورًا فَلا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ تَخُورًا فَلا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الذي قبله تصريح بأنه لا فرق في كراهة تطيب مريدة الخروج للمسجد بين الليل والنهار، فذكر الليل في خبر مسلم السابق: ((إذا استأذنكم)(٢) و((العشاء الآخرة)) في هذا ليس للتقييد؛ لأن ذكر بعض أفراد العام وهو ((لا تمس طيبًا)) لا يخصصه، وحكمة ذكره وقوع الفتنة فيه أقرب وأغلب. (الفصل الثاني) ١٠٦٢ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لا تَمْنَعُوا إِمَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٣). (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: لا تَمْنَعُوا إِمَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ) مر الكلام عليه (وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) يؤخذ منه مع خبر ابن مسعود: ((نهى النساء عن الخروج ... )) (٤) صحة قول أئمتنا: يكره لنسائه ولو بثياب رثة وعجوز عليها نحو ثوب زينة وقد أمنت الفتنة حضور جماعة الرجال في مسجد أو غيره وإن تعذرت الجماعة في بيتها، ويكره تمكينها من ذلك والإذن لهما فيه إمَّا مع ظن الفتنة فذلك حرام كما هو ظاهر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصححه الحاكم على شرط (١) أخرجه مسلم (٤٤٤)، وأحمد (٨٠٢٢)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي (٥٢٦٣)، وأبو عوانة (١٣٠٠)، والبيهقي (٥١٥٧). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه أحمد (٥٤٦٨)، وأبو داود (٥٦٧)، والطبراني (١٣٢٥٥)، والحاكم (٧٥٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٥١٤٢)، وابن خزيمة (١٦٨٤). (٤) لم أقف عليه.