Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
والحاصل أن ابن الصباغ من أئمتنا حكى الإجماع على أن العمل اليسير
مغتفر لدفع المار بين يديه، وأمَّا الفعل الكثير مع التعمد والاختيار فمبطل إجماعًا،
إلا في صورة هي سبق الحديث في الحديث الآتي على الأثر، فيغتفر له فيها من
الكلام والفعل ما لا بد له منه في تحصيل الطهارة، والكثير مع السهو مبطل على الأصح
عندنا وعند الحنابلة وكذا المالكية والحنفية على تباين في فروعهم، وقال
بعض أصحابنا: لا يبطل، وهو قوي لظواهر الأحاديث ومن ثم قال النووي: تأويلها
صعب.
١٠٠٦ - [وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلىّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي
الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وروى التِّرْمِذِيّ مَعَ زِيَادَةً
وَنُقْصَانٍ)(١).
(وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ
فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأُ)).
وفي رواية: ((وليتوضأ))(٢).
(وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَرَوَى التَّرْمِذِيّ) نحوه وحسنه لكن (مع زيادة
ونقصان) وبه أخذ الشافعي ﴾ في الجديد فقال: ((إذا سبقه الحدث وهو في الصّلاة من
غير اختياره بطلت صلاته» ووجهه أن الخطاب في الشروط والأسباب والموانع من باب
خطاب الوضع وهو لا يؤثر فيه جهل ولا نسيان ولا إكراه، ألا ترى أنه لو عصرت بطن
المصلي قهرًا عليه فأحدث بطلت صلاته، ولو صلى بنجاسته لا يعلمها ثم علمها لزمته
الإعادة.
ومن ثم قال أصحابنا في قوله { له في الحديث الحسن بل الصحيح: ((رفع عن
(١) أخرجه أحمد (٦٥٥)، وأبو داود (٢٠٥)، والترمذي (١١٦٤) وقال: حسن. والنسائي في الكبرى
(٩٠٢٦)، وابن حبان (٤٢٠١)، والبيهقي (٣١٩٧).
(٢) أخرجه البغوي في شرح السنة للبغوي (٤٠/٢).

٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(١) المراد رفع الإثم وحكم الخطأ لا رفع
ضمان نحو الائتلاف؛ لأن الأول في خطاب التكليف، والثاني من خطاب الوضع الأول
يؤثر فيه کل من الثلاثة، والثاني لا يؤثر فيه واحد منها.
وأمَّا خبر: ((من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على
صلاته ما لم يتكلم))(٤) فهو مرسل على ما قاله إمام الحرمين وضعيف اتفاقًا كما قاله
غيره، وعلى كلٍ فلا حجة فيه للشافعي في ((القديم)) وأحمد في رواية ولأبي حنيفة ومالك
في جواز النبأ وبشرط مذكور في الفروع.
١٠٠٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ:((إِذَا أَحْدَثَ
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لْيَنْصَرِفْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](٣).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّه عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا أَحْدَثَ
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لْيَنْصَرِفْ))) وبه أخذ أئمتنا وغيرهم فقالوا:
يسن لمن سبقه الحدث أو تذكره وهو في الصّلاة أن يجعل يده على أنفه إيهامًا للناس
أنه رعف سترًا على نفسه، ووقاية لهم من عيبته وتنقيصه وهدي إلى ذلك لهذين؛
ولئلا يمنعه الحياء وخوف الوقيعة في غرضه من قطع صلاته فيستمر فيها مع الحدث،
ومن هنا يؤخذ أنه يسن لكل من أن يكتب ما هو محق فيه في نفس الأمر وظاهره
معترض أن يستره على نفسه صونًا للناس عن الوقوع في عرضه بما هو بريء
منه.
ثم رأيت ابن العماد صرح بذلك وروى فيه حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يقف في مواقف التهم)»(٤) ثم ساق حديث الباب ثم قال: ويقاس بذلك كل
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي في الكبرى (٦٥٢)، والديلمي (١٢١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١١١٤)، وابن ماجه (١٢٢٢)، وابن حبان (٢٢٣٨)، والحاكم (٦٥٥) وقال:
صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. والبيهقي (٥٦٤١)، والدارقطني (١٥٨/١).
(٤) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (٢١٨/١).

٢٤٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
فعل فعله المكلف لدفع مفسدة أو جلب مصلحة وأوهم الناس خلافه، فإنه لا يكون
من الرياء بل من الدين. انتهى.
وليس في ذلك شيء من الكذب؛ لأنه من باب المعاريض الفعلية وهي كالقولية،
وقد قال ◌َله في الحديث الحسن: ((إن في المعاريض مندوحة عن الكذب)(١) ولا من
الرياء وإنما هو من باب التحمل وإخفاء ما يستحي من إظهاره جريًا على ما هو الأدب
من إخفاء القبح والتورية بما هو أحسن منه، وقد عدوا من الرياء المباح تنظيف
الثياب ليقول الناس: إنه نظيف فيفرض أنه لم يجعل يده على أنفه إلا ليقول الناس:
إنه رعف لا ليقيهم من الوقيعة يكون من الرياء المباح، على أن ظاهر كلام أصحابنا
أنه سنة مطلقًا وإن قصد به ما ذکر.
ويوجه بأن من لازم هذا الفعل صونهم عن الوقيعة وإن لم يقصد ذلك بخلاف
مجرد النظافة، ويسن لمن خرقه ريح أو بول قطع الصّلاة لحديث فيه، ثم إن كان هناك
أحد وضع يده على أنفه ندبًا وإلا فلا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، ثم نقل عن
الصير في من أئمة أصحابنا الفقهاء والأصوليين أن كل من أفتى من أئمة المسلمين
بالحيل إنما أخذ ذلك من هذا الحدیث. انتهى.
وحصره ممنوع بل حديث جبير المشهور وهو: ((نهيه وَير عن بيع صاعي تمر
رديء بصاع جيد)(٢) الذي كانوا يفعلونه، ثم تعليمه الحيلة في ذلك بأن يبيع الرديء
بدراهم ثم يشتري بها الجيد الشامل لبيعه من صاحب الجيد، وغيره أصرح في جواز
الحيلة في الأموال ونحوها من هذا.
١٠٠٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ:
((إِذَا أَحْدَثَ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرٍ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ)). رَوَاهُ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٠٩٦)، وهناد في الزهد (١٣٧٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٥٧).
(٢) أخرجه بنحوه الطيالسي (٢١٨٩)، وأحمد (١١٤٧٥)، والنسائي (٤٥٥٦)، وابن حبان (٥٠٢٤).

٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثَّ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((إِذَا
أَحْدَثَ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرٍ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وقَالَ: هَذَا حَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بِالقويٍ وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَاده) لروايته على أوجه
متفاوتة، وقد يقع الاضطراب في المتن وهو فيهما، وقد يقع من راوٍ أو أكثر والمضطرب
ضعيف لإشعار الاضطراب بعدم الضبط، ومن ثم كان هذا ضعيفًا اتفاقًا فلا حجة فيه
لمن قال بقضيته كما قدمت الكلام عليه مبسوطًا في أحاديث السلام في باب الدعاء
بعد التشهد، ووجه مناسبته هذا الباب أنه وجد منه حديث في الصّلاة ولم يبطلها مع
أن من شأنه إبطالها.
(الفصل الثالث)
١٠٠٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ
وَأَوْمَأَ أَنْ كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّ صَلَّى قَالَ:
((إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ)). رَوَاهُ أَحْمَدِ)(٢).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ) للإحرام (انْصَرَفَ)
أي: خرج من صلاته (وَأَوْمَأ) أي: أشار إليهم ولتضمن هذا المعنى للقول فسره بقوله:
(أَنْ) كونوا بعد ذهابي في صلاتكم لا تخرجون منها ولا تتمنون لأنفسكم، ويصح
کونها مصدریة؛ أي: أوما إلیھم بالکون علی حالهم (گَمَا گُنْتُمْ) کذلك قبل ذهابي.
(ثُمَّ خَرَجٌ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) الماء (فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّ صَلَّ) أي: فرغ
من صلاته (قَالَ: (إِنَّ كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ)). رَوَاهُ أَحْمَد).
١٠١٠ - [وَرَوَى مَالِك عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارَ مُرسَل].
(وَرَوَى مَالك) مثله (عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارَ مُرسَل) يؤخذ منه أن صلاة المأمومين
(١) أخرجه الترمذي (٤٠٨)، والطيالسي (٢٢٥٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٠٠٣٩)، والدارقطني (١٣٧٧)، والبيهقي (٤٢٣٨).

٢٤٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه
لا تبطل بتبيين بطلان صلاة الإمام، وهذا كبعض ما بعده هو الداعي لذكر هذا
الحديث في هذا الباب، وأن الصّلاة خلف الجنب ومثله المحدث بل أولى لمن لم يعلم
محدثه صحيحة ومنعقدة جماعة.
وألحقنا بها من عليه نجاسة، لكن بشرط كونها خفية على الأصح بألا يطلع
عليها المأموم غالبًا لكونها في باطن ثوبه أو عمامته، بخلاف الظاهرة لتقصيره بعدم
تأمل ثياب إمامه بخلاف المؤتم بالمحدث أو الجنب وذي النجاسة الخفيفة أنه لا
تقصير منه ألبتة، فصحت الصّلاة خلفه جماعة حتى يكتب له ثوابها لما تقرر من
عدم تقصیره، ومن ثم لو علم بحدثه ثم نسي فاقتدى به لم تصح صلاته؛ لأنه ينسب
هنا إلی نوع تقصیر.
ويؤخذ منه أيضًا أن نية المصلي منفردًا الإقتداء في صلاته جائزة؛ لأنه وإلا لما
خرج من صلاته انقطعت القدوة لاستحالة وجوبها مع بطلان صلاة الإمام، ثم لما
جاء وأحرم لم يمكنهم متابعته من غير نية بل بها وهم في صلاتهم فتح وجودها منهم
في صلاتهم، وأقرهم ◌َّ عليها فلذا قلنا بجوازها لكننا كرهناه لما فيه من الخلاف.
فإن قلت: القاعدة أن الخلاف لا يراعى إذا خالف سنة صحيحة فلما راعيتموه
هنا قلت: لعذر المانع فإنه يحتمل أنه خرج قبل إحرامهم لكنه بعيد بل مدفوع بما
جاء أنه كان بعد إحرامهم، وأن الإمام إذا خرج من الصّلاة لا يلزمه الاستخلاف ولا
يتوقف على فعله له، وأنه إذا تذكر مبطلاً يلزمه الخروج من الصّلاة فورًا وليحذر من
منع الحيالة من الناس من ذلك فإن الصّلاة مع الحدث كفر مطلقًا عند بعضهم،
وعلى الأصح بشرط الاستحلال وأنه إذا خرج يسن له أن يذكر عذره لهم بعد ذلك.
ولم يفعل ه بالحيلة السابقة وهي وضع اليد على الأنف؛ لأنه لما تذكر الجنابة
أراد أن يبين للناس حكم هذه الواقعة ولو فعل يده على أنفه لم تفطن الناس لها ولم
يعلموا حكمها، وأن النسيان وغيره من العوارض البشرية كالإغماء لا الجنون نحو
العماء من كل ما فيه تنقيص جائز على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ومن

٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ثم قال سير على ما يأتي تحريره في قصة ذي اليدين أن مالكًا رواه بلاغًا، وأنهم فتشوا
عليه فلم يجدوه: ((إني لا أنسى من قبل نفسي وإنما أنسى - أي: من قبل الله تعالى -
لأسن)) (١) أي: لأبين للأمة الأحكام المتعلقة بالناس، فالذي تميز به عن غيره هو هذه
العلة، وبها يندفع ما قد يقال: لِم نسي ◌َ﴿ كونه جنبًا وبعض العارفين أطلعه الله على
جنابة غيره.
فقد حكى اليافعي أن إمام الحرمين أبا المعالي ابن الإمام أبي محمد الجويني جلس
بها يدرس في المسجد بعد صلاة الصبح، فمر عليه بعض شيوخ الصوفية ومعه
أصحابه إلى دعوة فقال الإمام في نفسه: ما شغل هؤلاء إلا الأكل والرقص، فلما رجع
الشيخ من الدعوة مر عليه وقال: يا فقيه ما تقول فيمن صلى الصبح وهو جنب ويقعد
في المسجد ويدرس العلم ويغتاب الناس؟ فذكر إمام الحرمين أنه كان عليه غسل ثم
حسن اعتقاده بعد ذلك في الصوفية.
ووقع لبعض الصالحين أيضًا أنه أنكر عليه قارئ في مسجد وبين يديه
مصحف على هيئة حسنة فقال: يا هذا كيف تنكر عليّ وأنت جنب نهارك كله، فتذكر
المنكر جنابته من الليل وخجل من إنكاره عليه، فالاطلاع هنا كرامة كما أن عدمه
في حقه * كرامة لما يترتب عليها من بيان الأحكام وهداية الأنام.
١٠١١ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَ فَآخُذُ قَبْضَةً
مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا ◌ِبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى
النَّسَائِيّ نَحوَه](٢).
(وَعَنْ جَابِرِ عَ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِّ الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللّه ◌ِ فَآَخُذُ) عبر به عن
أخذت الذي هو مقتضى الحال قصد الحكاية الحال الماضية؛ ليكون ذلك أبلغ في
تصورها وأدعى لاستحضارها (قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا ◌ِجَبْهَتِي أَسْجُدُ
(١) أخرجه بنحوه مالك (٢٢٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٩)، والحاكم (٦٦٠)، والنسائي (١٠٨٠).

٢٤٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
عَلَيْهَا) بدل من أضعها الذي هو نعت لقبضة أو حال منها لتخصيصها.
(لِشِدَّةِ الْحَرِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى النَّسَائِيّ ◌َحَوَه) ويؤخذ منه اغتفار هذا الفعل
في الصّلاة؛ لأن ظاهر السياق أنه * اطلع عليه وأقره وأن نحو ذلك قليل؛ لأنه أخذه
واحدة باليد منقطعة عن وضعها بقدر ما يرد الحصى في يده وزمنه فاطلع للتوالي؛ لأنه
يقطع نسبة كل عما قبلها على أنهما لو تواليا لم يؤثر عندنا؛ لأنه قليل بل قضية قول
أصحابنا في الحك: إن ذهاب اليد ورجوعها مرة واحدة إن أخذها ووضعها مرة واحدة
إلا أن يفرق بما هو لائح، وأن الجبهة لا يجوز تغطيتها عند السجود ولو لشدة الحر
والألم بأحر الحصى، ويصنع به ذلك ويؤيده ما مر أنهم شكوا إليه وتسيير حر الرمضاء في
جباههم لم يزل شكواهم.
١٠١٢ - [وَعَنْ أَّبِي الدَّرْدَاءِ ﴿ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللهِ
مِنْكَ)). ثُمَّ قَالَ: (أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله)) ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ
الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ
ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي
وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ الثَّامَّةِ، فَلَمْ
يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَالله لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًّا
يَلْعَبُ بِهِ، وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(وَعَنْ أَبِ الدَّرْدَاءِ بَ﴾ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ)))
إظهارًا لغاية الخوف والافتقار إلى الله تعالى والاحتياج إلى دوام فضله وعصمته
(ثُمَّ قَالَ: (أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله))) إياك؛ أي: أسأل الله أن يلعنك بلعنته المخصوصة لك
التي لا يوازيها لعنة، أو أبعدك عني بإبعاد الله لك فالباء للتعدية أو للآلة أو
للتشبه.
(ثَلَافًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله،
(١) أخرجه مسلم (٥٤٢)، والنسائي (١٢١٥)، والبيهقي (٣٢٣٨).

٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ،
قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللّه إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ) أي: شعلة (مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ:
أَعُوذُ بِالله مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ) عليك أبد الآبدين
المخصوصة بك من بين سائر المعذبين (فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: قلت له ذلك
ثلاث مرات فلم يتأخر عني لإرادته إذا بتي.
(ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَالله لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينًا) معشر الأنبياء (سُلَيْمَانَ) الَنْهُ: وهي
كما مرآنفًا مبسوطًا ﴿وَهَبْ لِي مُلْكَّا لَّا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥].
(لأَصْبَحَ مُوثَقًا) أي: مربوطًا (يَلْعَبُ بِهِ، وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخذ
منه جماعة من محققي المتأخرين من أئمتنا أنه يستثنى من بطلان الصّلاة بالدعاء أو
الذكر الذي فيه خطاب لغير الله ورسوله دعا فيه خطاب لما لا يعقل كـ((أعوذ بالله من
شرك الأرض)) وكـ((ربي وربك الله)) للهلال، أو للشيطان كـ((أعوذ بالله منك وألعنك
بلعنة الله)) قالوا: فهذا كله مندوب؛ لأنه ◌َلّ قاله في الصّلاة وكذا لو قال لميت:
((رحمك الله)) لأنه لا يعد خطابًا. انتهى.
ومفهوم كلام المتقدمين خلافه وهو المعتمد من حيث المذهب، وإن كان ما قاله
أولئك ظاهرًا من حيث الدليل لولا ما ذكره النووي في (شرح مسلم)) من أنه منسوخ
فإنه لما ذكر عن عياض استدلاله بالحديث على جواز الدعاء بالمخاطبة قال: والأحاديث
السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا، فيتناول هذا
الحديث أو يحمل على أنه قبل تحريم الكلام في الصّلاة أو غير ذلك. انتهى.
وتأويل الحديث بعيد وغير ذلك الذي ذكره منه احتمال الخصوصية لكنه بعيد
أيضًا؛ لأن احتمالها لا يثبتها ولك أن تقول: ينبغي أن تبقي الحديث على حاله؛ لأنه لا
يقبل تأويلاً مقبولاً، والخصوصية لا تثبت بالاحتمال والنسخ لا بد فيه من تحقيق
تأخير النسخ وعدم إمكان الجمع بينهما، وهنا لم يتحقق تأخير أحاديث السلام التي
ذكرها عن هذا وحينئذٍ فيختص جواز الخطاب بإبليس عند تعرضه للمصلي بالوسوسة؛

٢٤٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
لأنه لمصلحة الصّلاة ويحتاج إليه، وقد عهدنا فيها اعتقاد المحتاج إليه وكذا ما هو من
مصلحتها عند جمع.
وأمَّا غير الشيطان مما ذكر وغيره فليس مثله في ذلك؛ لأنه لا يحتاج لخطابه ولا
مصلحة فيه للصلاة، فلم يتضح قياس عياض ولا قياس أصحابنا المتأخرين، وإذا لم
يتضح لك بعين الاقتصار على الوارد وعدم إلحاق غيره به، وهذا بحمد الله أعدل الآراء
وأحقها بالاعتماد كما لا يخفى على متأمل.
١٠١٣ - [ وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - رَضِي الله عَنهُمَا - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ
وَهُوَ يُصَلِّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللّه بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَّهُ: إِذَا
سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّ فَلَا يَتَكَلَّمْ وَيُشِرْ بِيَدِهِ](١).
(وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ
يُصْلِّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ) لينكر عليه الكلام
في الصّلاة لما استقر عليه الإجماع أنه مبطل لها (فَقَّالَ لَهُ: إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ
يُصَلِّ فَلَا يَتَكَلَّمْ) بالرد لبطلان الصّلاة به إن وقع باللفظ (وَيُشِرْ) ندبًا (بِيَدِهِ) وإلا
فبرأسه ولو جمع بين الإشارة حالاً والرد لفظًا بعد السلام لكان أفضل، ومر الكلام على
ذلك مبسوطًا.
(١) أخرجه مالك (٤١٠)، والبيهقي (٣٥٣٨).

(باب السهو)
أي: حکمه من السجود له وغيره.
وهو لغة: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، ذكره الأزهري وغيره،
وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان وهو كذلك، وزعم الفرق بينهما وأن السهو
جائز في الصّلاة على الأنبياء؛ لأنه مجرد شغل بخلاف النسيان؛ لأنه غفلة وآفة فكان
45* يشغله عن حركات الصّلاة ما في الصّلاة شغلاً بها لا غفلة عنها مردود لغة كما
مر.
وحديثا لحديث ((الصحيحين)): ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون))(١) وفرق في
((النهاية)) بين السهو في الشيء، وعنه بأن الأول تركه عن غير علم، والثاني تركه مع
العلم أو لسبب هو مفرط فيه وهو المراد بقوله تعالى: ﴿عَنِ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
[الماعون: ٥].
وشرعًا: هنا الغفلة عن شيء مخصوص في شيء مخصوص.
وإضافة السجود للسهو إنما هي باعتبار الأصل، وإلا فهو سنة للعمد أيضًا، وهل
شرع جبرًا للسهو أو إرغامًا للشيطان الذي أطلقه أصحابنا الأول؟ ويدل له بعض
الأحاديث الآتية لكن الثاني يدل له أكثرها والتحقيق عندي أنه إن كان لترك مأمور
كأحد الأبغاض التي هي عندنا ترك القنوت لغير النازلة أو قيامه إن لم يحسنه، وإن
تركه تبعًا لإمامه الحنفي فيسجد للسهو بعد سلام إمامه والتشهد الأول وتعدده إن لم
يحسنه، والصّلاة على النبي قل في كل منهما، والصّلاة على آله في التشهد الأخير، وترك
هذه عمدًا أو سهوًا فيسجد فيهما، وهو جائز، ويلزمه إرغام الشيطان؛ لأنه أراد إدخال
النقص علیه.
(١) أخرجه أحمد (٤١٧٤)، وأبو داود (١٠٢٠)، والنسائي (١٢٤٤)، وابن ماجه (١٢٠٣).
- ٢٥٠ -

٢٥١
تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو
والأصل في السجود لهذا القسم الحديث الصحيح: ((السهو إلا في قيام عن
جلوس أو جلوس عن قيام))(١).
وخبر الصحيحين الآتي: ((إنه ◌َّلي ترك التشهد الأول من الظهر فلما قضى
صلاته سجد سجدتين للسهو ثم سلم)»(٤) وإن كان لفعل منهي عنه بأن فعل سهوًا ما
يبطل الصّلاة عمده لا سهوه، كالكلام أو الأكل القليل فهو مرغم لأنف الشيطان
ويلزمه الجبر لما دخل في صلاته من الحل.
ثم رأيت بعض المحققين صرح بما ذكرته فقال ما حاصله: دل سجوده
وَسَلام
للسهو في الأحاديث الآتية بعدما سلم وتكلم ومشى ساهيًا على أنه جابر لذلك، وأمَّا
في حالة الشك فحديث أبي سعيد الآتي يدل على أنه جابر لخلل الشك وزاجر مرغم
للشيطان عن وسوسته للمصلي، وهذا لكونه زجرًا لغير الفاعل ولا لمن هو كالفاعل
خارج عن قواعد الزواجر، فإنها إنما تزجر من قامت به عن أن يعود لمثلها، وقد يزجر
مثله كقتل القاتل وقاطع الطريق، فإنها زاجرة لمثل المحدود عن أن يفعل كفعله،
شرع الجابر لجلب المصالح وقد لا يكون فاعله إنما كان هنا وفي كفارة الخطأ
والزواجر لدرء المفاسد.
وجبر العادة: إمَّا بالبدن: كما هنا والتيمم عن بعض أعضاء الطهارة.
وإمَّا بالمال: كالجبران في الزكاة، وكالمد عن صوم نحو الهم.
وإمَّا بهذا تارة وهذا أخرى: ترتيبًا أو تخيرًا، كفدية النسك وكفدية من مات
وعليه صوم بناء على القديم الآتي في الصوم.
وإمَّا بهما: كما في الحامل والمرضع في بعض أحوالهما، وكما في مفسد نسكه أو
صومه جماع.
(١) أخرجه الحاكم (١٢١٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٣٦٦٩) وقال: هذا حديث ينفرد به
أبو بكر العنسي وهو مجهول. والدارقطني (٣٧٧/١).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (١٢٢٥)، وعبد الرزاق (٣٤٥١)، وابن أبي شيبة (٤٤٩٤).

٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ولا فرق عندنا وعند جمهور العلماء في مشروعية سجود السهو بين الفرض
والنفل خلافًا لابن سيرين وقتادة وهو قول قديم للشافعي: ((إن النفل لا سجود فيه
للسهو أصلاً)) ومأخذ الخلاف أن اسم الصّلاة الآتي في أحاديث سجود السهو، هل هو
متواطئ فيكون مشتركًا معنويًّا يدخل تحته كل صلاة لوجود القدر الجامع بين كل ما
يسمى صلاة من جميع الشروط، ولا الاستقبال في السفر وأكثر الأركان، أو هو مشترك
لفظي كالقدر لما بين صلاتي الفرض والنفل من التباين في نحو القيام والاستقبال؟
قولان للمتأخرين من الأصوليين ورجح الأول بأن الاشتراك اللفظي على خلاف
الأصل، فالتواطؤ خير منه فعليه يدخل في الأحاديث القسمان نصًّا كشمول الإنسان،
كأفراده من كل حيوان ناطق بخلافه على الثاني بناء على المشهور أنه لا عموم للمشترك
اللفظي لا على اختياره للشافعي: إنه يعم جميع مسمياته كاللفظ العام.
(الفصل الأول)
١٠١٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّ
جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَّا يَدْرِي كَمْ صَلَّ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَسْجُدْ بِسَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ) ذكره للغالب
(جَاءَهُ الشَّيْطَانُ) ((أل)) فيه يحمل أنها للجنس، ويحمل أنها للعهد الذهني وهو إبليس أو
الشيطان المسلط على المصلين من مردته وأعوانه.
(فَلَبَسَ عَلَيْهِ) بالتخفيف وقد يشدد للتكثير من لبست الأمر بالفتح ألبسه
بالكسر إذا خلطت بعضه ببعض ومنه: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩]
وإذا لبس على المصلي فخلط عليه الأمر، وأدخل عليه الفكر فما فعله أو يفعله
وأعمل مكائد الحيل والوسوسة حتى بلغت قلبه عن صلاته، ويشغله بتزيناته فإن
(١) أخرجه البخاري (١١٧٥)، ومسلم (٣٨٩)، ومالك (٢٢٤)، وأبو داود (١٠٣٠)، والنسائي (١٢٥٢)،
والبيهقي (٣٦١٧).

٢٥٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو
أعرض عنه وأقبل على ما هو فيه المرة بعد المرة دحر الشيطان عنه وأبعده وسلم من
عظائمه وبوائقه، وإن أصغى لشيء من وسوسته وتزينه وجد له مساغًا فيه فزاد في
التلبس عليه.
(حَتَّی لا یَدْرِي كُمْ صَلَّ) لاشتغال قلبه وتشتيت سره حتی یصیر کملقى في
لجة كثيرة الموج إذا مرت عليه واحدة جاءته أخرى وهكذا (فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ) الإضلال
عن العدد (أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ) ندبًا عندنا وعند المالكية مطلقًا وعنهم: ((يجب النقص
دون الزيادة)).
وعن الحنابلة: ((يجب لترك الواجب سهوًا وللسهو بزيادة فعل أو قول يبطلها
عمده)).
و((وجوبًا مطلقًا)) عند الحنفية، وهذا الحديث ونحوه دليل؛ لهم لأن الأمر
للوجوب حقيقة على الراجح في الأصول، واحتج أصحابنا بأنا أجمعنا على أن الصّلاة لا
تبطل بتركه وهذا شأن المندوبات لا الواجبات، فانصرف الأمر عن حقيقته عندنا
وعندهم، ويؤيد ذلك أيضًا أنه بدل ما ليس بواجب وهو لا يكون واجبًا، وبه فارق
جبران الحج، ثم رأيت الرواية الصحيحة الآتية عقب شفعها بهاتين السجدتين، وفيها
التصريح بأن سجود السهو نافلة وهو ظاهر أو صريح في عدم وجوبه.
(بِسَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسُ) كسجدتي الصّلاة في الأقل والأكمل الواجب
والمندوبات، فيسن فيهما من الذكر ما مر، وقيل: يسن أن يقول فيهما: ((سبحان من لا
يسهو ولا ينام)» وهو لائق بالحال وإن اعترض، ويسن أن يفترش فيهما وبعدهما بتورك،
وأفهم قوله: ((سجدتين)) أنه لا زيادة عليهما وإن سها بأمور متعددة، ولا نقص عنهما
فإن سجد واحدة بطلت صلاته إن نوى الاقتصار عليها أولاً؛ لأنه زاد في صلاته ما لم
يشرع فيها فإن لم ينوِ ذلك إلا بعد فعلها فاقتصر عليها لم تبطل صلاته؛ لأنها نافلة
وهي لا تجب بالشروع فيها.
وفي رواية صحيحة سالمة من الشذوذ خلافًا لمن وهم فيها بعد ((وهو جالس)):

٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
((قبل التسليم))(١).
وفي أخرى: ((قبل أن يسلم ثم يسلم)»(٤) وفيها دلالة واضحة لما يأتي عن مذهبنا
أنه قبل السلام، واختلفوا هل تجب لسجود السهو نية؟ والأصح نعم، وفارق سجدة
التلاوة بأن نية الصّلاة شملت القراءة؛ لأنها من سنن الصّلاة التي لا تخلو منها.
والقراءة مشتملة على السجود فكانت الصّلاة شاملة له فلم يحتج لنية ولا
كذلك سجود السهو؛ لأنه أمر قد يوجد سببه في الصّلاة وقد لا يوجد وهو الأكثر، فلم
يكن في النية شمولاً لها لا تبعًا ولا قصدًا، فاحتاج لنية تميزه عن العبث عملاً بعموم
خبر: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣).
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وشمل إطلاق الصّلاة فيه الفرض والنفل، فإذا وجد فيه مقتض
للسجود سن كالفرض بجامع احتياج كل منهما إلى الجبر وإرغام أنف الشيطان، وأفهم
قوله: ((وهو جالس)) أنه لو قام بعد التشهد وأتى بالسجود من قيام بطلت صلاته؛ لأنه
زاد في صلاته قيامًا غير مشروع فيها وزيادة ما هو من جنس الصّلاة فيها مبطل، إن
علم وتعمد وإن لم يكن عَمْده كثيرًا، وقضية قواعدنا أن صيرورته إلى القيام أقرب
كالقيام، وحكمة كونهما آخر الصّلاة أنهما جابرتان فجعلتا آخرًا لتجبرا كل ما
تقدمهما، ومن ثم لو بان أنهما في غير الإجراء كان خروج وقت الجمعة بعدهما وقبل
السلام أعيدتا آخر الظهر.
١٠١٥ - [وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا
(١) أخرجه البغوي في شرح السنة (١٨٥/١).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأحمد (١٦٨)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)،
والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وابن المبارك (١٨٨)، والحميدي (٢٨)، والبيهقي (١٨١)،
والطحاوي (٩٦/٣)، والطبراني في الأوسط (٤٠)، والخطيب (٢٤٤/٤)، وابن عساكر (١٦٦/٣٢)،
وابن منده في الإيمان (٢٠١)، وتمام في الفوائد (٤٨٣)، وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١)،
وأبو عوانة (٧٤٣٨)، والبزار (٢٥٧).

٢٥٥
تتمة کتاب الصّلاة/ باب السهو
شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَجِ الشَّكَّ، وَلْتَبْنِ عَلَى
مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ،
وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ وَرَوَّه مَالِكٌ عَنْ عَطَاء
مُرسَل، وَفِي رِوَايَةٍ: شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجِدَتَيِنِ](١).
(وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِذَا شَكَّ
أَحَدُكُمْ)) أي: تردد برجحان أو مساواة؛ إذ المراد بالشك عندنا في أكثر أبواب الفقه
مطلق التردد (في صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ) وهو في صلاة رباعية فرض أو نفل (كَمْ صَلَى ثَلَاثًا
أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَجِ الشَّكَّ) أي: المشكوك في فعله الشامل للمظنون فيه فلا يحسب
واحدًا منهما كما دل عليهما قوله (وَلْيَّيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ).
ومن هذا أخذ أئمتنا القاعدة المقررة عندهم العامة لهذا وغيره وهي «إن ما كان
الأصل عدمه وشك في وجوده أو عكسه يعمل غالبًا فيه بالأصل)) لقوته بكونه المتيقن
وضعف مقابله بالشك فيه، فلو شك قبل سلامه في ترك مأمور ومعين كالقنوت سجد
للسهو؛ لأن الأصل عدم فعله أو في ترك بعض غير معين أو في فعل نهي عنه ككلام
قليل لم يسجد؛ لأن الأصل عدم الترك والفعل المذكورين، ولو تيقن سهوًا وشك في
سببه أو هل سجد أو لا؟ سجد، أو هل سجد واحدة أو ثنتين؟ سجد أخرى، ولو شك
في جلوس تشهده الأخير هل زاد ركعة أو لا؟ لم يسجد للسهو؛ لأن الأصل عدم
الزيادة.
وظاهر إطلاقه الأمر بالبناء على اليقين أنه لا يأخذ بظنه واجتهاده ولا ينافيه
خبر الصحيحين فليتحرَّ الصواب؛ لأن المراد بتحريه تيقنه جمعًا بين الأدلة ولا يقول
غيره وإن كانوا جمعًا راقبوه وكثروا، ووجهه أنه تردد في فعل نفسه فلا يأخذ بقول غيره
فيه كالحاكم إذا نسي حكمه لا يأخذ بقول الشهود.
(١) أخرجه أحمد (١١٧٩٩)، ومسلم (٥٧١)، وابن أبي شيبة (٤٤٠٣)، وأبو داود (١٠٢٨)، والنسائي
(١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠)، ومالك (٢١٤)، وعبد الرزاق (٣٤٦٦).

٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وأمَّا مراجعته وليه للصحابة ثم عوده للصلاة في خبر ذي اليدين فمحمول إن
كان المخبرون له لم يبلغوا عدد التواتر لما يأتي على تذكر بعد مراجعته، وإلا فمعلوم أن
إخبارهم إنما يورث شكًا أو ظنًّا فقط وهو بعد السلام لا يؤثر، فكيف يرجع إليه؟ على
أن رواية أبي داود مصرحة بأنه لم يرجع لإخبارهم بل لإعلام الله له بذلك، وبه ينقطع
كل نزاع والكلام في الزيادة، أمَّا النقص فمتى أورثه الإخبار ولو من فاسق أدنى تردد فيه
يقبل السلام لزمه البناء على الأقل وإلا فلا، ولا أثر للإخبار بعد السلام مطلقًا نعم،
إن أورثه شكّاً ندبت له الإعادة.
قال جماعة من أصحابنا: والكلام أيضًا حيث لم يبلغ المخبرون عدد التواتر وإلا
لزمه الرجوع إليهم في الزيادة والنقص؛ لأن إخبارهم حيث توفرت فيهم شروط التواتر
تفيد العلم الضروري الذي لا يقدر المكلف على دفعه، وهذا أولى في الاكتفاء به من
مطلق اليقين المذكور في الحديث، وكذا يقال في ((الحاكم)) إذا نسي حكمه ويلحق
بذلك ما لو كثر المصلون بحيث لا تجوز العادة اتفاقهم على السهو فقاموا أو قعدوا على
خلاف فظنه فيلزمه موافقتهم؛ لأن فعله يفيد اليقين أيضًا.
قال بعض أئمتنا: وليس من الشك ألَّا يتذكر كيفية صلاته وإنما الشك إن
تعارض عنده احتمالان في شيء واحد، هل وجد أولاً؟
(ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) قال أبو حنيفة والثوري كجماعة من الصحابة والتابعين:
(بعد أن يسلم مطلقًا)) لخبر ابن مسعود وأبي هريرة الآتيين بعد هذا، والحديث الذي
نحن فيه يرد على إطلاقهم.
وقال مالك والشافعي في ((القديم)) وأحمد في رواية: إن سها بنقص فقبل السلام
أو بزيادة فبعده؛ لتخالف الأحاديث فجمعنا بينهما بذلك.
وقال أحمد: أخذ بكل ما في الأحاديث: ((ففي الشك في عدد الركعات يكون
قبله، وفي ترك شيء ثم تداركه يكون بعده وإن فعل ما لا نفل فيه فقبله)) قال: ((ولولا
السنة لقلت: إن الكل قبله؛ لأن من شأن ما في الصّلاة أن يكون قبل سلامها)).

٢٥٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو
وقال الشافعي في ((الجديد)) كستة من الصحابة وكثيرين من التابعين وأحمد في
رواية: ((يسجد قبله مطلقًا)) لقوله: (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) أي: بعد التشهد وقبل السلام
بحيث يقع عقبهما فلا يجوز فعله بعده سواء في الزيادة لقوله في هذا الخبر: ((فإن كان
صلى خمسًا))(١) والزيادة المتوهمة كالمحققة حتى عند المالكية على الأصح، والنقص لخبر
الصحيحين: ((إنه * صلى بهم الظهر فقام في الأوليين ولم يجلس فقام الناس معه
حتى إذا قضى الصَّلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن
يسلم ثم سلم)»(٢).
وصحح الترمذي خبر: ((فإن لم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبنٍ على واحدة وإن
لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثًا فليينِ على ثنتين وإن لم يدر أثلاثًا صلى أو أربعًا فليينِ على
ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم))(٣) ورواه الحاكم بزيادة قصة، وقال: إنه على
شرط مسلم واعترض بأن فيه مدلسًا هو ابن إسحاق، وقد أتى فيه بـ((عن)) وفيه
الاعتراض على تصحيح الترمذي أيضًا؛ لأن عنعنة المدلس لا تقبل.
وقد يجاب بأن هذه علة ظاهرة فلا يقع تصحيح الترمذي معها إلا وقد ثبت
عنده ما يجبرها، وكذا الحاكم؛ لأن رد قوله: ((على شرط مسلم)) لا يقتضي رد
تصحيحه من أصله، ويؤيد ذلك أن النووي تبعهما في تصحيحه.
قال الأزهري: وفعله قبل السلام هو آخر الأمرين في فعله وَلي، وأجابوا عن
سجوده بعده في خبر ذي اليدين بحمله على أنه لم يكن عن قصد وإن تكرر في وقائع
تأتي؛ لأن هذه الصّلاة وقع فيها السهو بأسباب كثيرة مع أنه لم يرد لبيان حكم
السجود للسهو، فوجب تأويله على وفق ما مر الوارد لبيانه الصريح الذي لا يمكن
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٩)، ومسلم (١٢٩٧)، ومالك (٢١٧)، وأحمد (٢٣٦٣١)، والنسائي (١٢٣٠)،
وأبو داود (١٠٣٦).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٩٨) وقال: حسن غريب صحيح، وأبو يعلى (٨٣٩).

٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
تأويله ولا يجوز رده، وأيضًا فالسجود فيها للنقص وهو بعد السلام، فيرد التفصيل
السابق.
وفيما نقلوه عن الزهري وأيدوه من الجزم بالسهو في قصة ذي اليدين وغيرها مع
تكررها نظر؛ أي: نظر؛ إذ كلام التابعي لا يعتد به في النسخ على أن عبارته لا تفيد
النسخ لم يقع التعارض في محل واحد، فالأحسن أن يترك ذكر هذين، ويوجه مذهبنا
بأنه ◌َ ل أمر به قبل السلام وفعله في بعض الصور بعده، وفعله يمكن تطرق السهو
إلیه ثم نبه عليه فورًا بخلاف أمره، فإنه معصوم فیه من السهو.
فتعين حمل فعله المحتمل على ما يوافق قوله الذي لا يحتمل لكن يعارضه قوله
الآتي: ((ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين)) إلا أن يجاب بأن ((ثم)) بمعنى الواو؛ لأن رواية:
((وليسجد سجدتين قبل السلام)) لا يمكن تأويلها، وهذه تأويلها يحمل ((ثم)) على معنى
الواو ممكن إذًا استعمالها بمعناها شائع سائغ نعم، جرى جمع من أصحابنا وابن
عبد البر على طريقة بها وإن كانت ضعيفة عند أكثرهم تجتمع الأحاديث جمعًا ظاهرًا
لا غبار عليه وبه تحصل السلامة من التكلفات التي سلكناها كبقية أرباب المذاهب
الثلاثة وغيرهم.
والقول بأن أقواها مذهب مالك وأحمد أو الشافعي لا يخلو عن نظر؛ أي: نظر ثم
رأيت البيهقي صوب هذه الطريقة وهي حقيقة بذلك وهي أنه لا خلاف بين الفقهاء.
قال النووي: يعني جمع العلماء في جوازه قبل السلام وبعده في الزيادة والنقص
وإنما الخلاف في المندوب، هل هو قبل السلام مطلقًا أو التفصيل بين الزيادة والنقص؟
والأصح عندنا أن الخلاف إنما هو في الجواز وعدمه كما مر.
(فَإِنْ) تعليل للأمر بالسجود (كَانَ صَلَى خَمْسًا شَفَعْنَ) أي: الركعة الخامسة
والسجدتان للرواية الصحيحة الآتية: ((كانت الركعة والسجدتان نافلة له)) (١) أي:
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٠٣).

٢٥٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب السهو
وصارت صلاته شفعًا باقيًا على حاله وفيه أوضح رد على من قال: يأتي بركعة سادسة
حتى تصير صلاته شفعًا، وتفسيري الضمير بما ذكر ثمة، والوجه ومعنى نسبة الشفع
إليهن أنهن لما كانتا قلتين صارتا مضمومتين للأربع، فصارت الصّلاة شفعًا لا وترًا.
ويصح بناء على أن أقل الجمع اثنان وعليه جمع وعلى مقابله وإطلاق الجمع
على الاثنين مجاز سائغ إسناد الشفع للسجدتين؛ ليوافق الرواية الآتية: ((شفعها
بهاتین».
وأمَّا قول الشارح: ((إنه للركعات الخمس)) يعني شفعت الخمس صلاة أحدكم
بالسجدتين يدل عليه قوله الآتي: ((شفعها بهاتين السجدتين)) أي: شفع المصلي
الركعات الخمس بالسجدتين وهو بالمحال أشبه، وكيف الوتر يصير نفسه شفعًا بسبب
أو بغير سبب، وإلى أن المصلي هو الذي شفع الخمس بالسجدتين، وهذا مناف لما قبله
كما يظهر ببادئ الرأي.
فالحق أن الخامسة والسجدتين لما وقعتا نافلة لعذره بزيادة الركعة مع جبره
لزيادتها السجدتين صارت الفريضة أربعًا حقيقة لا زيادة فيها أصلاً، وستأتي صورة
ومعنى الرواية الآتية: ((شفعها بهاتين السجدتين))(١). أن السجدتين تنزلان منزلة
سادسة فصارت بهما شفعًا، وهذا معنى آخر غير معنى: ((شفعن له)) وكل من المعنيين
صحیح باعتبار كما علم مما قررته فتأمله.
(لَهُ) أي: المصلي (صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِثْمَامًا لأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ)
أي: إيصالاً لأنفه إلى الرغام وهو التراب المكني به غاية الذل والهوان بسبب ما
جعله الله للمصلي من الجبر للنقص الذي سعى ذلك للمعين في إدخاله على صلاته،
والترغيم وإن كان في الأول أيضًا كما أن الجبر هنا أيضًا إلا أنه وَلّ ذكر في كل شق ما
هو المقصود منه بالذات وإن لزمه الآخر كما مر تقديره أول الباب آنفًا فراجعه فإنه
نفیس.
(١) تقدم تخريجه.

٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(رَوَاهُ مُسْلِمُ وَرَوَاه مَالك عَنْ عَطَاء مُرسَل) قال ابن عبد البر: الحديث متصل
بسند صحيح ولا يضر تقصير من أرسله؛ لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم.
وقال الماوردي: إرسال مالك غير قادح (وَفِي رِوَايَةٍ: شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجِدَتَينِ).
وفي رواية صحيحة لأبي داود: ((وإذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا
فليلقِ الشك وليبنٍ على اليقين ويسجد سجدتين قبل السلام فإن كانت صلاته تامة
كانت الركعة والسجدتان نافلة له وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا للصلاة
والسجدتان مرغمان أنف الشيطان)) وفيها التصريح بعدم وجوب سجود السهو كما هو
مذهبنا.
١٠١٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ صَلَى الظُّهْرَ خَمْسًّا،
فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ
مَا سَلَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرَّ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ
فَذَكِّرُوِ، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَزَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمّ
يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا) هذه أصح
من رواية: ((فزاد أو نقص))(٤) على الشك (فَقِيلَ لَهُ) بعد أن سلم (أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ:
((وَمَا ذَاكَ)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ).
وفي رواية: ((فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم))(٣) ولا ينافي
هذا مذهبنا أن السجود قبل السلام مطلقًا؛ لأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام
حيث سألوه: ((أزيد في الصّلاة؟» وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو
بعد السلام لتعذره قبله وتابعوه لتجويزهم الزيادة؛ لأن الزمان كان قابلاً لذلك.
(١) أخرجه البخاري (١٢٢٦)، ومسلم (١٣٠٩)، وأحمد (٤٣٢٤)، والترمذي (٣٩٤).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٩٩٥).
(٣) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (١٣٠٢)، وأحمد (٣٦٦٩)، والدارقطني (١٤٢٤).