Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه
أصحابنا الثواب على الذكر مع الغفلة عن مدلوله، ونظر فيه بعضهم وفي أفعال صلاته
قال بعضهم: ويكره التفكر في دنياه أو مسألة فقهية، واختلفوا في التفكر في الذنوب
وأمور الآخرة، والأصح أن ذلك مخل بالخشوع ومعدود من حديث النفس.
وفي حديث: ((لا صلاة لمن لا يحضر قلبه)(١) وحملوا قول عمر السابق على أنه
يحتمل أنه اضطر لذلك، واختلفوا أيضًا في أن عدم الخشوع هل يخل بأصل الثواب أو
بكماله؟ وقضية الحديث الصحيح: ((إن الرجل ليصلي الصَّلاة ولا يكون له منها إلا
عشرها إلا تسعها ... إلى آخره)(٢).
والحديث الصحيح أيضًا: ((منكم من يصلي الصَّلاة كاملة ومنكم من يصلي
النصف ومنكم من يصلي الثلث وهكذا إلى العشر أنه لا يكتب له شيء)(٣).
ويؤيده حديث: ((ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل)) (٤).
٩٨٨ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ نَابَهُ شَيْءُ فِي
صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، وَفِي رِوايَةٍ: فَإِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقَ
لِلنَّسَاءِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥).
(وَعَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((مَنْ نَابَهُ) من الرجال (شَيْءُ
فِي صَلَاتِهِ) من النوب وهو رجوع الشيء المرة بعد الأخرى ثم كثر حتى استعمل في كل
ما يصيب الإنسان (فَلْيُسَبِّحْ) ولا يصفق (فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) لا للرجال فإنه بعد
أن غلب في النساء صارلا يليق بشهامة الرجال.
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٤٠٧)، وأبو نعيم (٤٦٥٢)، وأبو يعلى (٦٤٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٢٩٧٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٥٦١)، والنسائي (٦١٣)، وابن قانع (٣٧٦/٢)، والبيهقي (٣٣٤٢).
(٤) ذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤٤٤/١).
(٥) أخرجه والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (٤٢١)، مالك (٣٩٠)، والشافعي (٥٤/١)، وأحمد (٢٢٩١٤)، وأبو
داود (٩٤٠)، والنسائي (٨٥٩).

٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَفِي رِوايَةٍ: فَإِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ).
وفي أخرى: ((فإذا سبح التفت إليه))(١).
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفي أخرى للبخاري: ((فليقل: سبحان الله))(٢) ومنه أخذ أئمتنا
قولهم: إذا ناب للمصلي أمر كتنبيه مصلٍّ آخر إمام أو غيره وإذنه لداخل وإنذاره
المشرف على هلاك كأعمى قرب من الوقوع في بئر سبح الذكر وصفقت الأنثى والخنثى،
ثم التنبيه فيما ذكر يكون ندبًا إن كان لمندوب كما إذا هم إمامه بترك سنة كالتشهد
الأول ومباحًا لمباح، كإذنه لداخل وواجب الواجب كإنذاره مشرفًا على هلاك تعين
عليه إنقاذه، فعلم أن المنقسم لذلك هو التنبيه نفسه، وأمَّا آلته من تسبيح أو تصفيق،
فالتسبيح للرجل والتصفيق لغيره هو السنة في كل من الأقسام المذكورة.
ووقع في كلام النووي خلافه، ويتعين تأويله ولو صفق الرجل وسبح غيره
فخلاف السنة، وقيل: مكروه ولو تكرر تصفيق المرأة ثلاثًا متوالية، أو نوى المصلي
بالتسبيح هنا أو المبلغ إذا كان إمامًا أو مبلغًا وبنحو قوله لمستأذنه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامِ
آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أو ﴿يَا يَحْتَى خُذِ الكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] التنبيه وحده أو أطلق
بطلت صلاتهما على المتعمد فيهما، والأولى في التصفيق كونه ببطن كف على ظهر
أخرى أو عكسه لا ببطنهما، بل تبطل الصّلاة به إن قصد به اللعب لكل فعل قليل،
وجد في الصّلاة مع قصد اللعب.
(الفصل الثاني)
٩٨٩ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُو فِي
الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ
فَوَجَدتُه يُصَلِّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَم يَرَدَّ عَلَّ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: ((إِنَّ الله يُحْدِثُ
(١) انظر التخريج السابق.
(٢) أخرجه البخاري (١١٧٧)، والنسائي (٧٨٤).

٢٢٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه
مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَّ السَّلَامَ)](١).
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهُ وَهُو ◌ِي الصَّلَاةِ).
وفي رواية للنسائي: ((كنا نتكلم في الصّلاة ونأمر بالحاجة))(٢).
(قَبْلَ أَنْ نَأْتِي أَرْضَ الْحَبَشَةِ) مهاجرين إليها من مكة لشدة إيذاء أهلها بالنار
وعدم محل تلجأ إليه غيرها من العرب؛ إذ ذاك من الكفر وإيذاء النبي ◌َّله وأصحابه
كانت الهجرة إلى أرض الحبشة وقعت مرتين:
الأولى: سنة خمس من النبوة لما اشتد أذى أهل مكة للمسلمين مع قلتهم وكانوا
أحد عشر، أو اثني عشر رجلاً وأربع نسوة أو خمس أو اثنتين وأميرهم عثمان بن
مظعون الجمعي.
وقال الزهري: لم يكن لهم أمير خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة
بنصف دينار، وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع زوجته رقية بنت رسول الله
وَيّ، ولما أبطأ عليه ﴿﴿ خبرهما أخبرته امرأة قدمت أنها رأته حاملاً لها على حمار،
فقال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط، ولما وصلوا للحبشة أكرمهم النجاشي
فأرسلت له قریش عمرو بن العاص وغيره بهدیة لیردهم فأبى ورد عليهم هدیتهم، ولما
قرأ ◌َلي سورة النجم وسجد معه كفار قريش لتوهمهم أنه مدح آلهتهم أشيع بأرض
الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فقدم نفر من المهاجرين فبلغهم بطلان ما أشيع فلم
يدخل أحد منهم مكة إلا بجوار أو مستخفيًا.
ثم زاد إيذاء أهل مكة للمؤمنين، فهاجر ثانيًا لأرض الحبشة قبل استكمال
عشر سنين من النبوة اثنان أو ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة، منهم أبو
(١) جامع الأحاديث - (ج ٨/ص٢٥٤)، أخرجه الشافعي (١٨٣/١)، والطيالسي (٢٤٥)، وعبد الرزاق
(٣٥٩٤)، وأحمد (٤١٤٥)، وابن أبي شيبة (٤٨٠٣)، وأبو داود (٩٢٤)، والنسائي
(١٢٢١)، والبيهقي (٣١٦١)، والحميدي (٩٤)، وابن حبان (٢٢٤٣)، والطبراني (١٠١٢٠).
(٢) تقدم تخريجه.

٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بكر، ثم رجع في جوار ابن الدعية، ثم بعد هجرته يه إلى المدينة هاجروا إليه إلى أن
قدم جعفر ﴾ بمن بقي معه في غزوة خيبر سنة سبع.
(فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) السلام (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْتِهِ فَوَجَدتُه يُصَلِّى
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) استصحابًا لما كان من حل الكلام في الصّلاة (فَلَم يَرد عَلَيَّ حَتَّى إِذَا
قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ).
وفي رواية للنسائي: قلت: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: ((لا)(١) (إِنَّ اللّه يُحْدِثُ
مِنْ أَمْرِهِ) أي: قدره (مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا) نسخ حل الكلام في الصّلاة بقوله
ناهيًا عنه: أن (تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَّ السَّلَامَ) باللفظ، ومنه أخذ أئمتنا كما مر
سن الرد بعد السلام باللفظ حيث لم يرد عقب السلام بالإشارة الذي هو أفضل كما
هو ظاهر؛ لأن حديثه أصح؛ ولأن المسلم قد يذهب فربما يشوش من عدم الرد
بالإشارة.
فإن قلت: كيف وقع الرد بعد ((إن الله يحدث ... إلى آخره)) وهذا كلام طويل
أجنبي عن غرض الرد، وشرط إجزاء الرد ألّا يتخلل بينه وبين السلام كلام من الراد
أجنبي وإن قل؟ قلت: هذا إنما ذكروه في الرد الواجب خارج الصّلاة ولا يلزم أن
يكون الرد المسنون بعدها كذلك؛ لأنه لما سومح بالفاصل فيه لم يفرق بين ما فيها
وغيره، وإن أمكن الفرق بأن ذلك ضروري دون هذا وبفرض تأثير هذا الفاصل في
المسنون هنا.
فينبغي أن محله ما لم يكن ما هو أهم منه وإلا كما هنا؛ إذ الإعلام
بالنسخ المحتاج إليه ابن مسعود فورًا خشية من وجود شاغل عنه أهم من
رد السلام، وأيضًا فالبيان واجب والرد سنة، والواجب مقدم على السنة فلذا قدمه
٩٩٠ - [وَقَالَ: إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللهِ، فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٤٠٧).

٢٢٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
ذَلِكَ شَأْنَكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَقَالَ: إِنَّمَا الصَّلَاةُ) موضوعة (لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ الله) الشامل لدعائه، ولكل
قربة لفظية لا تعليق فيها ولا خطاب كما مر (فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ)
أي: حالك المهم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) والنسائي وسندها صحيح.
قالوا: وما اقتضاه هذا من النهي عن الكلام مطلقًا، إمّا منسوخ لتقدم هذا بمكة
اتفاقًا وتأخير خبر ذي اليدين الآتي الدال على اعتقاده من الساهي ونحوه بالمدينة سنة
سبع كما يأتي، أو هذا محمول على العامد جمعًا بين الروايات. انتهى.
والأخير أولى؛ إذ لا يصار للنسخ إلا بعد العجز عن الجمع، ثم حكاية الاتفاق
على وقوع خبر ابن مسعود بمكة ينافيها خبر مسلم عن زيد بن أرقم المار أول الفصل
الأول، الصريح في أن تحريم الكلام إنما كان بالمدينة بل في أواخر الأمر؛ لما مر أن زيدًا
هذا كان في أول الهجرة صبيًّا، فإن صح ذلك الاتفاق لم يمكن الجمع إلا بدعوى أنه
كان مباحًا أول النبوة ثم حرم بمكة ثم أبيح بالمدينة ثم حرم وفيه ما فيه.
وأقرب منه أن يقال: لا نسلم ذلك الاتفاق ولا دلالة خبر ابن مسعود عليه
لاحتمال أن ابن مسعود دال على حرمة الكلام بمكة، بل لو فرضت دلالته على هذا
تعين صرفه عن ظاهره؛ ليلتئم مع خبر زيد بن أرقم الصريح صراحة لا تقبل التأويل
في تحريم الكلام بالمدينة، ثم رأيت بعضهم أطال في هذه المسألة ولم يعثر على الجمع
الأول الذي ذكرته من تكرر الحل والتحريم، بل على الاختيار الذي ذكرته بعد ذلك
الجمع.
وحاصل عبارته: إن في الجمع بين الحديثين ثلاثة طرق:
أحدها: تصحيح حديث ابن مسعود وتأويل حديث زيد بأن مراده بـ«كنا
معشر المسلمين)) وإن لم يكن معهم فيكون لمسلمي مكة وهذا بعيد جدًّا، ومما يبطله
الآية التي في حديث زيد بن أرقم فإنها من البقرة وهي مدنية كلها.
ثانيها: رد حديث ابن مسعود إلى حديث زيد بناء على أنه لم يأت من الحبشة إلا

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
والنبي ◌َّ بالمدينة لما ذكره ابن الجوزي: إنه لما رجع من الحبشة لمكة رجع إليها ثانيًا، ثم
قدم المدينة قبيل بدر فشهدها، ومما يصرح بذلك قوله الذي صححه البيهقي: ((معنا
رسول الله ﴿4﴾ ونحن ثمانون رجلاً ومعنا جعفر)) وفي آخره: ((فجاء ابن مسعود فبادر
فشهد بدرًا)) وفي هذا نظر أيضًا لما صح أنه كان حاضرًا بمكة حالة الجن. انتهى.
ويدفع هذا النظر ما قدمته أنه رجع بعد الهجرة الأولى وثبت بما تقرر أنه هاجر
الهجرة الثانية فلا نظر حينئذٍ، وقول ابن مسعود: ((ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)) لا
ينافي ذلك؛ لأن رجوعه لمكة من الهجرة الأولى كان بعد إسلام عمر.
ثالثها: تضعيف خبر ابن مسعود الذي صرح فيه بتحريم الكلام عند الرجوع
من الحبشة؛ لأن في حفظ راويه شيئًا والشيخان لم يخرجا له إلا في المتابعات، وحديثها
السابق آنفًا فيه تعين القدوم من الحبشة دون تحريم الكلام، بل ظاهره أنه ولهم إنما ترك
جوابه ندبًا لقوله: ((إن في الصَّلَاة شغلاً)(١).
وأخرج النسائي حديثه الذي فيه التصريح بالكلام عرفًا عن التقييد بالرجوع
عن الحبشة وفيه: ((إن الله تعالى أحدث في الصَّلَاة ألا تكلموا إلا بذكر الله ولا ينبغي
لكم وأن تقوموا لله قانتين))(٢) وظاهر هذه الرواية أن هذا وابن مسعود في المدينة؛ لأن
الآية المشار إليها مدنیة کما مر، وحينئذٍ اتفق مع حدیث زید.
والحاصل أن ابن مسعود وقع له هذا معه وآله مرتين مرة بمكة عقب قدومه من
الحبشة ولم يصرح له وليه بتحريم الكلام، فلذا سلم ثانيًا بالمدينة فصرح له بالنسخ بعد
الهجرة بيسر كما قاله الخطابي، فبعض رواة ابن مسعود حفظ القصة الأولى وبعضهم
حفظ الثانية، وبعضهم جمع بينهما لظنه أنهما قصة واحدة فخلط فيه لسوء حفظه،
وهذه الطريق هي اختيار ابن عبد البر وهي أقرب من اللتين قبلها ولا يخلو عن نظر
أيضًا.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه النسائي (١٢٢٠).

٢٢٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
وتسليم أن النسخ وقع بالمدينة هو لم يتأخر إلى قصة ذي اليدين؛ لأنها بعد
خيبر كما يأتي، وتحريم الكلام قبل ذلك لخبر جابر الصريح في تحريم الكلام قبل غزوة
بني المصطلق وهي سنة خمس أو ست، ولفظه عند مسلم: أرسلني النبي وَلّ وهو
منطلق إلى بني المصطلق فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته فقال بيده هكذا ثم كلمته
فقال لي هكذا وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ((ما فعلت في الذي
أرسلتك له فإنه لم يمنعني أنني أكلمك إلا أنني كنت أصلي)»(١) فكيف مع ذلك يقال:
إن حديث ذي اليدين كان قبل تحريم الكلام.
وما روي عن ابن عمر أن إسلام أبي هريرة إنما كان بعد موت ذي اليدين
ضعيف، وقد تكلم وملي في صلاته ناسيًا قبل موته بشهرين كما يصرح به حديث
معاوية بن حديج الآتي آخر سجود السهو.
٩٩١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قُلْتُ لِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ السَّبِيُّ
وَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ
التِّزْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَةٍ للنِّسَائِي تَحَوَهُ، وَعَوَضَ بِلَالِ صُهَيب](٢).
(وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رضي الله عنهما - قَالَ: قُلْتُ لِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَِّيُّ ◌َِّ يَرُدُّ
عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَفِي
رِوَايَةٍ للنسَائِي تَحَوَهُ، وَعَوَضَ بِلَال صُهَيب) ولا مانع أنه سأل كلاً منهما وأجابه بذلك،
ومنه كالذي قبله علم ندب الرد جاء لا بالإشارة باليد وإلا فبالرأس فإن لم يرد وبهذا
فباللفظ بعد الفراغ وإن ذهب المسلم، ويوجه بأن القصد الدعاء له فاستوى حضوره
وغيبته.
٩٩٢ - [وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُول اللّهِ وَلِّ فَعَطَسْتُ
فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُنَا وَيَرْضَى،
(١) أخرجه مسلم (١٢٣٤)، وأحمد (١٤٧١٨)، وأبو داود (٩٢٧)، والبيهقي (٣٥٣١).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٩)، وأحمد (٢٤٦١٠)، والنسائي (١١٩٥)، وابن ماجه (١٠٧٠).

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ انْصَرَفَ قَالَ: ((مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ) فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدُّ، ثُمَّ قَالَهَا
الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدُ، قَالَهَا الثّالثَة فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَِّيُّ: وَّـ
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةً وَثَلاثُونَ مَلَكَّا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ](١).
(وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ لَيْ فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ:
الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ) مر شرح ذلك في دعاء الافتتاح
وذكر الاعتدال والضمير المجرور بـ((في)) و((على)) للحمد والفرق بينهما:
إن الأولى: لزيادة ذات الحمد ونموها لمستلزمه لزيادة ثوابه ونموه.
والثانية: لزيادة آثاره التي تقاس عليه ثم على قائليه من حضرة الحق.
(كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى) أي: حمدًا موصوفًا بما ذكر وبأنه مماثل للحمد الذي
يحبه الله ويثيب عليه الثواب الجزيل (فَلَمَّ صَلَى النَّبِيُّ :﴿ِ انْصَرَفَ) أي: سلم أو
انصرف بعد السلام من محله (قَالَ: (مَنِ الْمُتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ)) فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدٌ) خوفًا
عليّ لظنهم أني أتيت بما لا ينبغي وأن الاستفهام للإنكار، ومن ثم اتضح وجه التفريع
عليه بـ((الفاء)) في قوله: ((فلم يتكلم أحد)).
(ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدُ، قَالَهَا الثَّالثَة فَقَالَ رِفَاعَةُ) لما ظهر له أن
الاستفهام لغير الإنكار، أو مع كونه له حتى يعلم حكم الله فيما قاله، وتوقفه أولاً
كان لغلبة الخوف ثم تجلت عنه وعزم على الإخبار إيثارًا للتعلم وإن حصل ما حصل
وقضية السياق فقلت وعدل عنها للبيان والإيضاح (أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبيُّ: وَّ
(وَالَّذِي نَفْسِي) أي: إيجادها وإمدادها (بِيَدِهِ) أي: قدرته، والإقسام لتأكيد ما يتعلق
بالطاعات طاعة مندوبة.
(لَقَدِ ابْتَدَرَهَا) أي: لتسبق إليها (بِصْعَةُ وَثَلاثُونَ مَلَكًا) ينظرون)). (أَيُّهُمْ يَصْعَدُ
(١) أخرجه الترمذي (٤٠٦)، وأبو داود (٧٧٣)، والنسائي (٩٣٠)، وأبو نعيم (٢٣٩٥).

٢٢٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه
بِهَا) قبل أصحابه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ) ومنه يؤخذ أنه يسن للمصلي إذا
عطس أن يقول ذلك، وإن اقتصر الأئمة على قولهم: ((يسن له أن يحمد ويسمع نفسه)).
ووقع في («الإحياء)) وغيره: «إنه يحمد في نفسه ولا يحرك به لسانه» وهذا الحديث
أبلغ شاهد لردّ هذه المقالة؛ لأن رفاعة قال ما ذكر بلفظ حتى سمعه وَّه ثم أخبره
بذلك الثواب الجزيل المقتضي لاستباق الملائكة إلى الصعود به؛ ليحظى السابق بمزيد
قرب ورضا لمحبيه [بتحفه؛ أي: تحفه، واللائق بواسع الفضل تميز الجالي بالتحف على
(١)
غيره]
٩٩٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((التََّاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ
الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. وَفِي أُخْرَى لَه
وَلَابْنِ مَاجَه: فَلْيَكْظِمْ يَدَهُ عَلَى فِیهِ](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه: «التَّقَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ
الشَّيْطَانِ))) التقييد بالصّلاة ليس للتخصيص بل؛ لأن الفتح فيها أكثر؛ لأن معنى
كونه ((من الشيطان)» أن أسبابه من الامتلاء والثقل وقسوة القلب هي التي من
الشيطان كما مر، وهذا يوجب كونه منه في الصّلاة وخارجها، ومن ثم قال النووي
وغيره بكثرة التثاؤب بالأذكار في الصّلاة وخارجها.
(فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) مر شرح ذلك مستوفى (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ) وسنده صحيح (وَفِي) رواية (أُخْرَى لَه وَلابْن مَاجَه) بدل ((فليكظم ... إلى
آخرە».
(فَلْيَكْظِمْ یَدَهُ علَى فِیهِ) ومنه أخذ أئمتنا: إنه یسن للمتثائب وضع يده على فيه،
ويوجه بأنه قد لا يقدر على كظمه فينظر إلى فتح بعض فيه، فسن له تغطيته بيده منعًا
للشيطان من دخوله.
(١) هكذا في الأصل.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧٠) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (٢٣٥٩)، وابن خزيمة (٩٢٠).

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وبحث بعض أئمتنا: إنه يسن أن يضع يده اليسرى لا اليمنى، ووجهه بأن
التثاؤب من الشيطان فهو قذر واليمنى لما شرف، ويرد بأن القذر هنا معنوي لا حسي
والذي يباشر باليسرى لا غير هو القذر الحسي، وأيضًا فالقذر ليس في الفم ولا في
فتحه وإنما هو فيما ينشأ عنه الفتح من ثقل البدن وقساوة القلب؛ إذ هذا هو الذي
من الشيطان كما مر فاندفع ما ذكره ووجب الأخذ بقضية الحديث.
وكلام الأئمة من أنه لا فرق في هذا بين اليمين واليسار ولا بين وضع كفها
وظهرها على الفم، بل لو قيل: إن اليمين أولى بذلك من اليسار؛ لأن القصد بوضع اليد
طرده فوضعها للشرف لا للخسة، وكفى بهذا مرجحًا لها لم يكن بعيدًا، ويكره وضع
اليد في الفم في الصّلاة إلا التثاؤب أو خبثًا، وألحق بهذا الريح الكريهة في الفم.
٩٩٤ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ:((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ
فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والدَّارِمِيّ](١).
(وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ
فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) بأن أحسن واجباته وآدابه (ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا) أي: قاصدًا (إِلَى
الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والدَّارِمِيّ)
وأخذ منه بعض أئمتنا: إنه يكره لمن توضأ وذهب إلى المسجد أن يشبك بين أصابعه؛
أي: يدخل بعضها بين بعض، وألحق به تفقيعها لما في كل منهما من العبث الذي لا
يليق بقاصد الصّلاة.
قال أئمتنا: واختلفت الأحاديث في التشبيك؛ أي: في غير هذه الحالة فبعضها
يقتضي كراهته وبعضها يقتضي عدمها، ويجمع بينها بحمل الكراهة على ما إذا كان
جالسًا بالمسجد ينتظر الصّلاة؛ أي: لأنه حينئذٍ بمنزلة من هو في الصّلاة، والمصلي
(١) أخرجه أحمد (١٨١٢٨)، وأبو داود (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦)، والطبراني (٣٣٤)، والبيهقي
(٥٦٧٣)، وابن حبان (٢٠٣٦)، والدارمي (١٤٥٥).

٢٣١
تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
يكره له ذلك؛ لأنه عبث لا يليق به، وحمل عدمها على ما إذا لم يكن كذلك، ووجه
مناسبة ذكر هذا بيان أن خارج الصّلاة لكونه وسيلة إليها قد تنزل منزلتها فيكره فيه
ما يكره فيها.
٩٩٥ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: ((لَا يَزَالُ اللهِ وَتَ مُقْبِلاً عَلَى
الْعَبْدِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْه)). رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُد
والنَّسَائِيّ والدَّارِمِيّ](١).
(وَعَنْ أَبِي ذَرّ ◌َّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَزَالُ اللهِ رَتَ مُقْبِلاً) بلطفه
ورحمته ورضاه ومحبته (على الْعَبْدِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ) بوجهه عن القبلة يمينًا
أو شمالاً (فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْه))) فينصرف عنه ذلك اللطف والرضا، وكفى بهذا
عقابًا للملتفت (رَوَاهُ أَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيِّ والدَّارِمِيّ).
وأخذ منه الحليمي من أصحابنا حرمة الالتفات لمن تعمده، وعلم بهذا الخبر
ولا دليل فيه بعد تسليم صحته، فإن الكراهة قد تفيد ذلك للانصراف المكني به عن
عدم مواجهة الرحمة والرضاء ولو استدل الحليمي بالخبر الصحيح الآتي: ((إنه أهلكه))
لكان أولى؛ لأنه أقرب لمراده وأصح من هذا، إلا أن في آخره ما هو صريح في جوازه وهو
الإذن فيه في التطوع، ولو كان حرامًا لم يفترقا فيه.
فإن قلت: هما لا يفترقان في المكروه أيضًا فكيف إذن فيه في النقل؟ قلت: هو
لم يأذن فيه على جهة الأمر به وأنه غير مكروه بل على جهة التنزل وإرخاء العنان كما
يعلم مما سأقرره قريبًا.
٩٩٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَا أَنَسُ، اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ)).
رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي ((سُنَّهِ الكُبرَى)) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن عَنْ أَفَسِ](٢).
(١) أخرجه أحمد (٢١٥٤٧)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (١١٩٥)، والدارمي (١٤٢٣)، وابن خزيمة
(٤٨٢)، والحاكم (٨٦٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٣٣٤٧)، وابن المبارك (١١٨٦).
(٢) أخرجه البيهقي (٣٣٦٠).

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ أَنَسِ عَ﴿هُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (يَا أَنَسُ، اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ)). رَوَاهُ
البَيْهَفِي فِي ((سُنَنَهِ الكُبَرَى)) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَن عَنْ أَفَسٍ) وله طرق تقتضي حسنه، ومنه
أخذ أئمتنا: ((إنه يسن للمصلي ألا يجاوز بصره محل سجوده في سائر صلاته حتى ركوعه
وسجوده)» خلافًا لمن زعم أنه في السجود بنظر لأنفه، وفي الركوع لظهر قدميه، وفي
التشهد إلى حجره.
وجزم الشارح بهذا غلط فاحش، نعم يستثنى على الأول حالة قوله: ((إلا الله»
في التشهد فلا يجاوز بصره سبابته ما دامت مرتفعة كما مر بدليله وذلك؛ لأنه أليق
بالأدب وأجمع للقلب، وأدعى إلى الخشوع وأمنع للفكر والوساوس.
وزعم الماوردي والروياني من متقدمي أصحابنا أنه يسن لمن بالمسجد الحرام أن
ينظر إلى الكعبة؛ لأنه عبادة، ورده أئمة المتأخرين بوجوه:
منها: إن هذا استثناء لم ينقل فكان في خير الطرح لمخالفته للحديث وكلام
العلماء.
ومنها: إنه يلهي عن الخشوع ولا يأمن أن يعرض له ما يلهيه.
ومنها: إنه صح عن عائشة («عجبًا للمسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره
قبل السقف يدع ذلك إجلالاً لله، دخلها رسول الله { ل# ما خلف بصره موضع سجوده
حتى خرج منها)) ثبت أنه ولو نظر في صلاته فيها لمحل سجوده فكذا خارجها؛ إذ لا
قائل بالفرق. انتهى.
فالمعتمد أنه لا فرق؛ لأن محل كون نظرها عبادة إنما هو في غير الصّلاة لا فيها؛
لأنه يلهي ويفرق البصر والقلب؛ ولذا سن للطائف ألّا يجاوز بصره محل مشيه؛ لأنه
الأدب الذي يحصل به اجتماع القلب عدم اشتغاله بغير ما هو فيه.
ويسن للأعمى ومن في ظلمة وغيرها أن يكون حالتهما حالة الناظر إلى محل
سجوده، ويستثنى من ذلك من في صلاة الخوف والعدو أمامه فنظره إلى جهته أولى؛
لئلا يبعثهم، ويؤخذ من الحديث أيضًا أن فتح البصر أولى من تغميضه وهو كذلك ما

٢٣٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
لم يخف ضررًا، وقال العبدري من أصحابنا: يكره التغميض؛ لأنه فعل اليهود. انتهى.
ويرده أنه يجمع الخشوع وحضور القلب ويمنع من إرسال النظر وتفريق الذهن،
والحديث الذي في النهي عنه، قال البيهقي: ليس بشيء نعم، استند الطبراني عنده خبر:
((إذا قام أحدكم في الصَّلاة فلا يغمض عينيه)(١) تفرد به حذيفة، قال الأذرعي: يحتمل
أن يكون هو الذي أشار إليه البيهقي بقوله: ليس بشيء، ويحتمل أنه غيره. انتهى.
وروى الديلمي حديثًا فيه النهي عن التغميض في السجود، ومن ثم قال في
(العوارف): (ينبغي فتح العين في السجود ليسجد البصر)) نعم، يسن التغميض في
السجود لمن صلى وعنده ما يلهيه كجدار وسجادة من رق أو رجل أو زوجة تستقبله
بوجهها، ويجب إن كان أمامه امرؤ حسن لا ينصرف عن رؤيته إلا بالتغميض كما لو
ظن لحوق ضرر له به.
٩٩٧ . [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَله: ((يَا بُنَيَّ، إِيَّكَ وَالإِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ
فَإِنَّ الإِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِنِيّ](٢).
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ: ((يَا بُنَيَّ))) خاطبه لصغر سنه وصدقه في
خدمته ومحبته (إِيَّاكَ وَالإِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الإِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ) أظهره مع إخفاء
الإضمار الأليق بالسياق لمزيد الإيضاح والبيان في مقام التحذير الأحق بهما من غيره.
(هَلَكَةُ) أي: هلكة لما يترتب عليه من إعراض الله عنه بالمعنى السابق، ومن
فرح الشيطان وشماتته به؛ إذ فاته الكمال الأعظم الحاصل من إقبال الله تعالى عليه
قبل التفاته؛ فالهلكة بمعنى افتقاد الشيء ووجوده عند غيره نحو: ﴿هَلَكَ عَنّي
سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أو بمعنى إحالة الشيء وعدم إصلاحه، أو بمعنى يموت الشيء
وعدم حياته، والكل صحيح هنا خلافًا لمن عين الثاني؛ لأن بوجود الالتفات في الصّلاة
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩٥٦)، وفي الأوسط (٢٢١٨)، وفي الصغير (٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٧٨)، والطبراني في الأوسط (٦١٨٥).

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
يفتقد كمالها ويحال موضوعها ويصير كالميت في عدم الغناء والنفع الكلي.
(فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ) لكن من فعله وأبيت إلا تفويت ذلك الكمال (فَـ) ليكن
((فِي التَّطَوُّعْ لَا فِي الْفَرِيضَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) ومر أنه صحيح وذلك؛ لأنه يحتاط لها
لمزيد ثوابها وثمراتها وفوائدها ما لا يحتاط للنفل، فليس ذلك إذنًا مقتضيًا لعدم
كراهته في النفل بل حثًا على عدم فعله في الفرض، وبيانًا لكون الاحتياط به أليق،
وتنزلاً مع مزيد تفويت الكمال على نفسه، إلى أنه وإن رضي بتفويته في النفل لا ينبغي
له أن يرضى بتفويته في الفرض.
٩٩٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ
يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالاً وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
والنَّسَائِيّ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَلْحَظُ فِي
الصَّلاةِ) الشاملة للفرض والنفل بطرف عينه (يَمِينًا وَشِمَالاً وَلَّا يَلْوِي) أي: يميل
(عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) أي: إلى جهة الخلف، ومنه يؤخذ ضبط الالتفات بأنه ما كان فيه
التواء العنق التواء يظهر في الحس واللمح بأنه ما كان فيه أدنى التواء لا يظهر
كذلك.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ) وسنده صحيح، ومنه أخذ أصحابنا أنه لا بأس بلمح
العين من غير التفات، قالوا: لكن الأولى تركه؛ أي: وفعله ويليه له يحمل على بيان
الجواز؛ لأن من شأنه أنه يلهي ويمنع الخشوع، فلم يكن فعله له إلا لبيان جوازه لا
غير.
فإن قيل: يحتمل أنه كان لحاجة، قلنا: الحاجة مانعة لكراهة الالتفات نفسه،
فأولى هذا على أنها خلاف الأصل فلا بدَّ من دليل يعينها، وحيث لا يعين لها يتعين
حمله على بيان الجواز كما تقرر، ثم رأيت الشارح قال: لعل هذا الالتفات صدر عنه
(١) أخرجه الترمذي (٥٩٠)، والنسائي (١٢٠٩).

٢٣٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
وَ ليره في التطوع لما مر في الحديث السابق، فإن زوال الكمال من التطوع الذي هو تمهيد
للفريضة أسهل وأهون. انتهى.
وليس في محله لما تقرر أنه لبيان أن ذلك اللمح لا بأس به والفرض أولى بشأن
ذلك من النفل، ثم لما وقع البیان یثاب علیه ثواب الواجب فلم یفت به عنه کمال بل
ثبت له به غاية الكمال.
٩٩٩ - [وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: ((الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ
وَالثََّاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْخَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ] (١).
(وَعَنْ عَدِيٌّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ) إلى النبيِّ وبين بقوله:
((رفعه)) أن الحديث ليس موقوفًا على الصحابي حتى يسقط عن درجة الاستدلال به، بل
هو من كلام النبي ◌َل﴾.
(قَالَ) قال النبي ◌َّهِ: (الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْخَيْضُ وَالْقَيْءُ
وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ) لتزينها سببها الأعظم الذي هو الشره في الأكل المتولد عنه ثقل
البدن المقتضي للنعاس والتثاؤب وكثرة العطاس، ولا ينافيه الخبر السابق: ((إن الله
يحب العطاس))(٢) لأن محله في العطاس المعتدل وهو الذي لا يبلغ الثلاث على التوالي
بدليل سن تسميته حينئذٍ بـ((عافاك الله وشفاك)) الدال على أن ذلك مرض، والابتلاء
المقتضي لكثرة دم الحيض ومبادرة القيء والرعاف، وبحصول أحد هذه الست في
الصّلاة بناء على أن قوله: ((في الصّلاة)) لا يختص بما قبله بل يجري فيما بعده ويكون
من باب الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه بفرح الشيطان؛ لاقتضاء الثلاثة الأخيرة
بطلانها والثلاثة الأول فوات كمالها بتفويتها لخشوعها والإقبال فيها على مناجاة الحق،
واستجلاء الفضاء وشهوده على ما ينبغي.
أمَّا على ظاهر الحديث من اختصاص القيد بأوليه فوجهه أن يفرح في الثلاثة
(١) أخرجه الترمذي (٢٧٤٨)، والطبراني (٩٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٧٧).
(٢) تقدم تخريجه.

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الأول من حيث تفويتها لكمال الصّلاة كما تقرر، وفي الرابع من حيث منعه من
التأهل لها، وفي الأخيرين من حيث أداؤهما إلى زوال الصحة المقتضية للتخلف عن
مهمات العبادات وسوابق الخيرات، بل عن أهمها وهو الصّلاة على أنه يؤخذ مما مر في
التثاؤب أن التخصيص بالصّلاة فيما ذكر معه أيضًا إلا لكون فرح الشيطان به أكثر،
وإلا لكون سببها المذكور منه الذي اقتضى كونها منه يقتضي أنها منه في غير الصّلاة
أيضًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) ثم رأيت الشارح قال: إنما فصل بقوله: ((في الصّلاة)) بين
الخصال؛ لأن الثلاثة الأول مما لا تبطل الصّلاة بخلاف الأخيرة. انتهى.
وقضية ترجح الأول من الاحتمالين اللذين ذكرتهما، ولكن الثاني أظهر وأفود
کما علم مما قررته فيه.
١٠٠٠ . [وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشَّخِيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ
وَهُوَ يُصَلِّ وَلِقَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ. يَعنِي: يَبْكِي، وَفِي رِوَاية: قَالَ: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَفِي
صَدرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِن البُكَاءِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى النَّسَائِّيِّ الرِّوَاية الأُولَى وَأَبُو دَاوُد
الثَّانِية](١).
(وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ الشَّخِيرِ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ وَهُوَ
يُصَلِّي وَلِجَوفه أَزِيزٌ) أي: صوت من أنّه أزعجه وهيجه وأغراه ومنه قوله عز قائلاً:
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ [مريم: ٨٣].
(كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) أي: كصوت غليان القدر من حديث أو غيره، سمي
بذلك؛ لأنه إذا نصب كأنه أقيم على رجل (يَعنِي: يَبِكِي، وَفِي رِوَاية: قَالَ: رَأَيتُهُ يُصَلِّ وَفِي
صَدرِهِ أَزِيز كَأَزِيزِ الرَّحَا مِن البُكَاءِ) قيل: فيه دليل أن البكاء لا يبطل الصّلاة.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأن الصوت إنما سمع للجوف أو الصدر إلا للسان والمختلف في
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٥٥)، والنسائي (١٢٢٢)، وأبو داود (٩٠٤)، وأبو نعيم (٣٧٤٦).

٢٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
إبطاله إنما هو البكاء المشتمل على الحرف، والأصح عندنا أنه يبطل وإن كان للآخرة إن
ظهر منه حرفان، هذا إن لم يغلبه وإلا فالأصح أنه يبطل كثيره لا قليله.
وقال آخرون من أئمتنا: لا يبطل كثيره أيضًا، ويجري ذلك في التأوه والتأسف
والعطاس والسعال ونحوها كما مر، فإن قلت: قوله (يبكي)) ومن البكاء دليل على أنه كان
يخرج منه حروف قلت: ممنوع؛ لأن البكاء ينشأ عن خوف يزعج القلب ويقلقه، وبه
يتولد في الجوف ما ينشأ عنه صوت يسمع من داخله لشدة ما حصل للأعضاء الباطنة
من الاضطراب والقلق واستولى عليها من نار الجوف والحزن.
والحاصل أنه لا يلزم من البكاء وجود الحروف فلا حجة فيه لمن قال: لا يبطل
بكاء الآخرة، وإن ظهر منه حروف فتأمله، ثم رأيت بعضهم قال: الأزيز حنين الجوف
بالمعجمة وهو صوت البكاء هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء. انتهى.
وهو مؤيد لما ذكرته أنه لا يلزم من البكاء ظهور الحروف (رَوَاهُ أُحْمَد وَرَوَى
النَّسَائِيِّ الرَّوَايَةِ الأُولَى وَأَبُو دَاوُد الثَّانِية).
١٠٠١ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ،
فَلَا يَمْسَجِ الْخَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ)). رَوَاهُ أحمد والتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ وابْن
(١)
مَاجَه](١١.
(وَعَنْ أَبِي ذَرِّ عُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا
يَمْسَجِ).
وفي رواية: ((فلا يسوّ)(٩).
(الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ. رَوَاهُ أحمد والتَّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ وابْن
مَاجَه).
وروى أبو داود أيضًا بسند على شرط الشيخين: ((لا تمسح الحصى وأنت تصلي
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة تسوية للحصا)(١) ومنه كالحديث السابق في الفصل
الأول أخذ أئمتنا قولهم: ((يكره مسح نحو الحصى من حيث يسجد)) للنهي عنه؛ ولأنه
يخالف التواضع والخشوع.
قال بعضهم: والمعنى فيه أن الرحمة إذا واجهته وقعت على ما تواجه المصلي
وإصابته فندب له أن يدع ظاهر ما أصابته حتى يسجد عليه ويباشره بيديه؛ لأن
الرحمة إنما تباشر ظاهر الحصى دون باطنه، وهو بعيد بل لا يتصور؛ إذ رحمة الله تعالى
إما التفضل والإنعام بكل ما يلائم النفس وإما إرادة ذلك، ومع ذلك يتصور أن
الرحمة حسنة تباشر ظاهر الحصى، وإنما ذلك كناية عن إعطاء المصلي من سوابغ
الفضل ما يليق بعلمه وحاله ما لم يحصل منه سوء أدب كالعبث، فإذا حصل منه ذلك
عوقب بإمساك ذلك الفضل عنه؛ لأن هذا هو شأن من أساء الأدب في حضرة
الملوك.
١٠٠٢ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِي الله عنها - قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ ◌َ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ
لَهُ: أَفْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ فَقَالَ: ((يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ(؟).
(وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِي اللّه عَنها - قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ ◌َهِ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ:
أَقْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ فَقَالَ: ((يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ))) كناية عن عدم النفخ؛ لأنه يستلزم
علوق التراب بالوجه؛ أي: أفضله وهو الجهة وذلك غاية في التواضع، لكن يتشرط ألّا
يعلق منه بالجبهة ما يمنع مباشرة بشرتها لمحل السجود من التواضع وإظهار العاقة
والذلة لا يحصل إلا بذلك.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيّ) ومنه أخذ الشافعي وجماعة من الصحابة وغيرهم كراهة النفخ
ما لم يظهر منه حرفان وإلا أبطل الصّلاة.
١٠٠٣ - [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِي الله عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٨١)، وأبو نعيم (٩٨١).

٢٣٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه
(الإِخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))](١).
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الإِخْتِصَارُ)))
أي: وضع اليد على الخاصرة وهي الجنب (في الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ) أي: كهيئتهم التي
يفعلونها في النار توهمًا أن بها راحة لهم مما هم فيه، أو في الموقف لطول قيامهم فيه:
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] أو راحة اليهود في الدنيا الذين
هم في النار لمآلهم إليها، ومن ثم كره في الصّلاة وخارجها لما فيها من التشبيه بأهل
النار ويإبليس، لما روي أنه لما أهبط إلى الأرض كان كذلك (رَوَاهُ فِي ((شَرْح
السُّنَّةِ)).
١٠٠٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي
الصَّلَاةِ: الْخَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ)). رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ وَالنِّسَائِي مَعْنَاهُ](٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ
وَالْعَقْرَبَ)). رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُد والتِّزْمِذِيّ) وصححه (وَلِلنِّسَائِي مَعْنَاهُ) وأخذ منه
أئمتنا أنه يسن قتلهما في الصّلاة، وأنه لا يضر الانحناء لأجله إلى بلوغ حد الراكع، نعم
لا يغتفر له العمل الكثير إلا إن صال أحدهما عليه، وإلا اقتصر على القليل كضربتين
أو ثلاث غير متوالية، وقيل: يكره قتلهما في الصّلاة، وهو شاذ مخالف لهذا الحديث
الصحيح.
١٠٠٥ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي الله عَنهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َيُّهِ يُصَلِّ تَطَوعًا
وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقُّ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرتُ
أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُد والتِّزْمِذِيّ وَرَوَى النَّسَائِيِّ نَحَوَهُ](٣).
(١) أخرجه ابن خزيمة (٩٠٩)، وابن حبان (٢٢٨٦)، والبيهقي (٣٣٨٠)، ولم أقف عليه عند البغوي.
(٢) أخرجه أحمد (٧٥٨٢)، وابن أبي شيبة (٤٩٦٨)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠) وقال: حسن
صحيح. وابن حبان (٢٣٥٢)، والحاكم (٩٣٩) وقال: صحيح. والبيهقي (٣٢٥١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٦٢٤٧)، والنسائي (١٢٠٥) وأبو داود (٩٢٣)، والدارقطني (١٨٧٧) ولم أقف عليه
عند الترمذي.

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللّه عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِهِ يُصَلِّ تَطوعًا) قال
الشارح: فيه إشارة إلى أن أمر التطوع أسهل؛ انتهى.
وليس كما قال؛ لأن الفرض والنفل لم يقل أحد من الشافعية بافتراقهما فيما
نحن فيه فهو بیان للواقع فحسب.
(وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقُّ) فيه أنه ينبغي للكامل فضلاً عن غيره أن يجعل له محلاً
يخلو فيه من بيته؛ ليعود ما يحصل له فيه من فواتح وموانح الشهود على بغتة أوقاته بما
ينميها ويكملها (فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ) أي: طلبت منه الفتح، والظاهر أنها ظنت أنه
ليس في صلاة وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها وعلمها.
(فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرَتُ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ) فلم
يتحول ول عنها عند مجيئه إليه ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبه إلى خلف (رَوَاهُ
أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ وَرَوَى النَّسَائِيِّ تَحَوَهُ) وفي سنده مختلف فيه وبفرض صحته
استشكل به قولنا: تبطل الصّلاة بالأفعال التي من غير جنسها إذا كثرت يقينًا، فإن
كانت ثلاثًا وتوالت بألا تعد عرفًا كل منقطعة عما قبلها سواء كان عامدًا أم لا، جاهلاً
معذورًا أم لا، وكذلك ما يأتي في قصة ذي اليدين، فإنه والر مشى فيها كثيرًا ساهيًا، ولا
إشكال للقاعدة المقررة في الأصول: «إن وقائع الأحوال الفعلية إذا تطرق إليها الاحتمال
أسقط بها الاستدلال)).
وهنا تطرق إليها احتمال أنه مشي غير متوالٍ وليس ضد هذا بأولى منه، فلما
احتملت كل من تينك الواقعتين ذلك لم يكن فيهما دليل علينا، ثم رأيت بعض
أئمتنا أجاب بذلك عن نزوله وقل﴾ من أعلى درجة المنبر إلى الأرض في صلاته حتى
سجد، ثم عاد وطلع وبعضهم قال: لم تزد الأفعال على خطوتين. انتهى.
وهو بعيد ولا ينافي ذلك قولنا أيضًا: يكره تعمد الفعل الذي لا يبطل؛ لأن
محله حيث كان لغير حاجة وما هنا منه ◌َليو كان لحاجة، وبفرض عدمها هو لبيان
الجواز.