Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
(وَليسَ قَولُ أَبِي صَالح ... إِلَى آخِرهُ إِلَّا عِندَ مُسلم، وَفِي رِوَايِةٍ للبُخَارِي: تُسَبِّحُونَ
في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ عَشرًا، وَحْمَدُونَ عَشرًّا، وَتُكَبرونَ عَشرًا بَدَل ثلاثًا) نصب على
الحكاية (وَثَلَائِينَ) وبها يحصل أصل السنة أيضًا.
٩٦٦ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((مُعَقِّبَاتُ لَا يَخِيبُ
قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثُ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثْ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً،
وَأَرْبَعُّ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً)) . رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ) كلمات (مُعَقِّبَاتُ) أي:
يعقب بعضها بعضًا، وأصل ذلك في الإبل الناظرة من يقدمهن إلى الحوض حتى يفرغن
فيدخلن مكانهن (لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ) صفة أو خبر ومسوغ الابتداء ما
قدرته؛ أي: لا تخسر ولا تحرم من الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى لقائلهن (دُبُرَ)
ظرف لـ((قائل)) أو (فاعل)» أو صفة بعد صفة أو خبر بعد خبر.
(كلِّ صلاةٍ) أي: عقبها (ثَلَاثُ وَثَلاثُونَ) خبر أول أو ثالث أو خبر مبتدأ
محذوف والجملة للبيان (تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثُ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعُ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً.
رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٩٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ سَبَّحَ اللّه فِي دُبُرٍ
كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَحَمِدَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ
تِسْعَةُ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إِلَّهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرً، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(٢).
(١) أخرجه ومسلم (٥٩٦)، والترمذي (٣٤١٢) وقال: حسن. والنسائي (١٣٤٩)، وابن حبان (٢٠١٩)،
وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٢)، والطيالسي (١٠٦٠)، وعبد الرزاق (٣١٩٣)، والطبراني (٢٦٣)، والبيهقي
في الكبرى (٢٨٤٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٧)، وأحمد (٨٨٢٠)، وابن حبان (٢٠١٦)، والبيهقي (٢٨٤٨).
١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: مَنْ سَبَّحَ الله فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ
ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَحَمِدَ الله) أي: في دبر كل صلاة، وحذفه في هذا وما بعده للعلم به من
الأول (ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) فائدته مع كونه
عرف التوطئة لما بعده الذي هو تمام المائة، وعلم الجملة كما علم التفصيل ليحاط به
من جهتین، فیتأکد العلم؛ إذ علمان خیر من علم.
(وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) أي: صغائره المتعلقة بالله (وإن كانت مثل زبد
البحر) الذي لا نهاية لكثرته (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
واعلم أن في كل من تلك الكلمات الثلاث روايات مختلفة ذكر بعضها، ویذکر
باقيها فنقول: ورد التسبيح ثلاثًا وثلاثين وخمسًا وعشرين وإحدى عشرة عشرة ثلاثًا،
ومرة واحدة وسبعين ومائة، وورد التحميد ثلاثًا وثلاثين وخمسًا وعشرين وإحدى
عشرة وعشرة ومائة، وورد التهليل عشرة وخمسًا وعشرين ومائة.
قال الحافظ الزين العراقي: وكل ذلك حسن وما زاد فهو أحب إلى الله
تعالی.
وجمع البغوي بأنه يحتمل صدور ذلك في أوقات متعددة، وأن يكون على سبيل
التخيير أو يفترق بافتراق الأحوال.
وظاهر كلام العراقي السابق ترجيح الثاني، ونقل عن بعض مشايخه أن هذه
الأعداد وغيرها مما ورد له عدد مخصوص مع ثواب مخصوص لا يحصل ذلك الثواب لمن
زاد في أعدادها عمدًا، فلعله لحكمة تفوت بمجاوزتها، ونظر فيه بأنه قد أتى بها فلا
يكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله.
وقد صح ما يدل لذلك كحديث: ((من قال حين يصبح وحين يمسي:
سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال
١٨٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصلاة
مثل ما قال أو زاد علیه)(١). انتهى.
وبحث غيره التفرقة بين أن ينوي عند الانتهاء إليه الامتثال، ثم يزيد فيثاب
وبين أن يزيد بغير نية بأن يكون الثواب على عشرة فيرتبه هو مائة فيتجه عدم
الثواب، ومثله بعضهم بالدواء يضر الزيادة فيه، وبالمفتاح إذا زيد في أسنانه لا يفتح،
ومن ثم بالغ القرافي وقال: إن الزيادة مكروهة ولا ثواب عند الزيادة أو النقص، ورده
بعض أئمتنا وبالغ في تزييفه، وأنه لا يحل اعتقاده ثم ساق أحاديث، وقال: إنها تدل على
الثواب مطلقًا، وأن القصد الإتيان بهذه الأنواع الثلاثة من الذكر.
ولك أن تقول: من نفى الثواب أراد الثواب من حيث كونه عقب الصّلاة لا
مطلق الذكر، ومن أثبته أراد من حيث كونه مطلق ذكر لا من حيث كونه عقب
الصّلاة، فآل الخلاف إلى ذلك الخاص فحسب فلا اعتراض على القرافي.
قال الزين العراقي أيضًا: وفي قوله {وَلير: ((إذا صليتم فقولو))(٢) ما يدل على أن
الشروع في الذكر يكون عقب التسليم؛ فإن فصل يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا عن
الإتيان به أو كثيرًا ناسيًّا، فالظاهر أنه لا يصير بخلاف ما إذا تعمد، فإنه لا يحصل له
السنة المشروعة وإن أثيب عليه من حيث الذكر، ثم قال: ولا يضر طول الفصل بين
التسبيح ونحوه بغيره من الواردات.
والمراد بالتكلم فيما ورد أنه يقوله وهو ثانٍ رجله قبل التكلم بأجنبي لا تعلق له
بالمشروع، ولا فرق بين البداءة بالتسبيح أو التحميد أو التهليل أو التكبير للعطف
بالواو في الروايات، بل صح تقديم ذكر التکبیر على الحمد بالواو، وفي حديث فیه ذکر
الباقيات الصالحات: ((لا يضرك بأيهن بدأت))(٣) لكن الظاهر أن السنة الإتيان بكل
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٢)، وأحمد (٨٨٢١)، وأبو داود (٥٠٩١)، والترمذي (٣٤٦٩) وقال: حسن
صحيح غريب. وابن حبان (٨٦٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٤١٠) وقال: حسن غريب. والنسائي (١٣٥٣)، والطبراني (١٢٠٣١).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٣٧)، وأحمد (٢٠١١٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٦٨)، وابن حبان (٨٣٥)، (٥٨٣٨)،
-
١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
نوع من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل على حده.
وأمَّا ما وقع في ((الصحيح)) عن أبي صالح قال: يقول: ((الله أكبر وسبحان الله
والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة)(١) فإن الرواية الثابتة عن غير أبي صالح ظاهرها أنه يأتي
بالعدد من کل نوع على حده.
قال القاضي عياض وهو أولى من تأويل أبي صالح، وأفتى السبكي بأن الأولى أن
يستحضر معنى التسبيح وما بعده إجمالاً، ولا يحتاج لتفضيل الصفات التي يسبح عنها
أو يحمد عليها أو يكبر عنها؛ لورود ذلك مطلقًا في الكتاب والسنة، وليتناول الجمع
إلا في نحو: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠].
﴿ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولأن ذلك أحقر من أن يستحضر في القلب مع
الرب، وبما يستحضر على وجه كلي لضرورة التسبيح عنه، واختلفوا في الذكر باللسان
مع غفلة القلب، فقال جمع: لا ثواب فيه.
وقال الجلال البلقيني: وهو حق لا شك فيه. انتهى.
ومقتضى كلام الأفكار أن فيه ثوابًا، وإنما هو مفضول بالنسبة لذكر القلب
وحده، قيل: والتسبيح أفضل من التوحيد، ورد بأن ذلك يتوقف على وروده من الشارع
ولم يرد فيه شيء و((لا إله إلا الله)) أفضل من الحمد أيضًا لحديث: (أفضل الذكر: لا إله
إلا الله وأفضل الدعاء: الحمد لله)(٢) دل بمنطوقه على أن كلاً من الكلمتين أفضل نوعه،
وبمفهومه على أن «لا إله إلا الله)) أفضل، وقد يعكر عليه حديث: ((لا إله إلا الله بعشر
حسنات والحمد لله بثلاثين))(٣) إلا أن يجاب بأن العشر قد يكون بحسب عظم
والطبراني (٦٧٩١)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠١).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣) وقال: حسن غريب. والنسائي في الكبرى (١٠٦٦٧)، وابن ماجه
(٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤) وقال: صحيح الإسناد. والديلمي (١٤١٤).
(٣) لم أقف عليه.
١٨٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
أجزائها أكمل من الثلاثين ليست أجزاؤها كذلك.
وصح (أنه مَّ كان يعقد التسبيح بيمينه)»(١).
وورد أنه قال: ((واعقدوه بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات)»(٤) وهذا يشمل
أنامل كل من اليمين والشمال، فإمَّا أن يحمل ليوافق الأول على أنامل اليمين أو ذاك
لبيان الأفضل، وهذا البيان ما يحصل به أصل السنة، بل كمالها إن لم يعرف غيره،
ويؤيده ما جاء بسند ضعيف عن علي # مرفوعًا: ((نعم الذكر المسبحة))(٣).
وعن أبي هريرة : ((إنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به))(٤).
وفي رواية: ((كان يسبح بالنوى والحصى))(٥) كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات
المؤمنين، بل رآها وَي﴾ بالحصى وأقرها عليه، قيل: وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من
المسبحة. وقيل: إن أمن الغلط فهو أولى وإلا فهي أولى. انتهى.
هذا هو الأقرب لبعده عن مواطن الرياء.
(الفصل الثاني)
٩٦٨ - [عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ:
((جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَْتُوبَاتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ] (٦).
(عَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: قيل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟) أي: أيّ أوقاته
يكون الدعاء فيه أسرع إجابة؟ (قَالَ: ((جَوْفَ اللَّيْلِ) أو التقدير: أيّ الدعاء أقرب أو
أسرع إجابة؟ قال: دعاء جوف الليل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه،
(١) أخرجه أبو داود (١٥٠٤)، والبيهقي (٣٤٩٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١٣٤)، وابن سعد (٣١٠/٨)، والطبراني (١٨٠)، وعبد بن حميد (١٥٧٠)، وأبو داود
(١٥٠١)، والترمذي (٣٥٨٣) وقال: غريب.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٨٣/١).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩) وقال: حسن. والنسائي في الكبرى (٩٩٣٦).
١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وروي بنصب جوف؛ أي: الدعاء جوف الليل؛ أي: فيه.
(الآخِر) نعت لجوف، ففيه الرفع والنصب؛ أي: لأن فيه التجلي الأكبر كما يأتي
أحاديثه في مبحث الدعاء في الليل (وَدُبُرَ) بالرفع والنصب على ما تقرر في جوف
(الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))) لا يحصل بواسطتها من القرب إلى حضرة الحق المتكفل
بالإجابة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وسنده صحيح وظاهره ككلام الأكثرين استحباب الدعاء
مطلقًا، ويؤيده حديث: ((الدعاء هو العبادة))(١).
وفي رواية: ((الدعاء مخ العبادة)(٩).
وفي أخرى: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) (٣).
ومن ثم قال الغزالي: الدعاء أفضل العبادات والحج القربات، وأسنى الطاعات.
وقيل: السكوت عن الدعاء أفضل رضا بما سبق به القدر.
وقيل: يدعو بلسانه ويرضى بقلبه فيأتي بالأمرين جميعًا.
قال القشيري: والأولى أن يقال: الأوقات مختلفة، ففي بعض الدعاء أفضل بأن
يجد في قلبه إشارة إليه وهو الأدب، وفي بعض السكوت أفضل بأن يجد ذلك وهو
الأدب أيضًا، قال: ويصح أن يقال ما للمسلمين فيه نصيب أو لله سبحانه فيه حق،
فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان لنفس الداعي فيه حظ فالسكوت أتم.
انتهى.
ويتجه أن محله إن كان الباعث عليه غرض النفس الدنيوي وإلا فالدعاء أفضل
للأحاديث السابقة، وأن الاشتغال بالذكر أفضل منه للحديث الصحيح: ((من شغله
(١) أخرجه أحمد (١٨٤١٥)، وابن أبي شيبة (٢٩١٦٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٤)، وأبو داود
(١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (١١٤٦٤)، وابن ماجه
(٣٨٢٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١٨٠٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب
الإيمان (١١٠٥)، والطبراني في الصغير (١٠٤١)، والقضاعي (٢٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وقال: غريب. والحكيم (١١٣/٢)، والديلمي (٣٠٨٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣).
١٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
ذكري عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين»(١).
٩٦٩ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴿ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ أَفْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي
دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ رَوَاهُ أَحمد وأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ وَالْبَيِهَقِي فِي (الدَّعَوَات الكَبِيرِ))](٢).
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ) أي:
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] والمعوذتين، وعليهما عليها لكونها أكثر.
وفي رواية الاقتصار عليهما قال النووي: فينبغي ضمها إليهما؛ أي: لأنها زيادة
ثقة لم تناف فيجب قبولها، ووقع للشارح هنا ما يحذر فاجتنبه.
(فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاة. رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ وَالبَيْهَقِي فِي ((الدَّعَوَاتِ الكَبِير)))
وفيه ندب قراءة السور الثلاث بعد الصّلاة.
٩٧٠ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةُ:(لأَنْ أَفْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله
تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَقَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ
إِسْمَاعِيلَ؛ وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ
أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً)](٣).
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ والله (لأَنْ أَفْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله
تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً) معرفة وجه
التخصيص بالأربع بيننا متوقفة على توقيفه مثله، وجوز بعضهم أنه يحتمل أن وجهه أن
العمل الموعود عليه بذلك، ينقسم إلى أربعة: ذكر الله تعالى، والقعود له، والاجتماع
عليه، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس. انتهى.
وأقول: يحتمل أن وجهه أن الإنسان مشتمل على طبائع أربعة، ولكل واحد منهما
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٨٧٩)، وأبو داود (١٥٢٥)، ولم أقف عليه عند البيهقي بهذا اللفظ.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٦١)، والضياء (٢٤١٨)، وأبو نعيم في
الحلية (٣٥/٣)، والطبراني في الأوسط (٦٠٢٢).
١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
دعاية إلى شر مخصوص، فإذا شغل بالذكر هذين الوقتين اللذين يكثر فيهما الأشغال،
واللهو والدعاية من النفس إلى البطالة والراحة فيهما، ومن ثم كانت الصّلاة الوسطى
العصر أو الصبح، وبقية الأقوال فيها ضعيفة جدًّا كان حقيقيًّا بأن يكون قد ظهر
جميع طبائعه وأخلاطه عن الشر، فكانت حقيقيًّا بأن يجب لما فيه من ذلك التطهير
الذي لا يوجد في العتق أكثر من عتق أربعة في كل منهما.
(مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وجه التخصيص بالعرب أنهم أفضل أصناف الأمم
وأرجحهم مروءة ووفاء، وسماحة وحسبًا وشجاعة وفهمًا وفصاحة، وعفة ونزاهة
وإغضاء وجودًا، ثم بولد إسماعيل أنهم أرجح العرب في هذه السجايا الكريمة
والأخلاق العظيمة لا سيما وهو ◌َّ﴾ منهم.
وفيه أوضح دليل للشافعي على أنه يجوز ضرب الرق على العرب؛ إذ لو امتنع رقهم
لم يقل ◌َل﴾: ((إن هذا أحب إليه من عتقهم)) وتأويله بأن التقدير ((من عتقهم)) لو تصور
خلاف الظاهر فيحتاج إلى دليل.
ووالله (وَلَأَنْ أَفْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ الله مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً) نكرة ليفيد أن الأربعة هنا غير الأربعة، ثم بني على
الأشهر أن إعادة النكرة بعينها تقتضي المغايرة بخلاف المعرفة ويشهد له قوله { له في:
﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] ((لن يغلب عسر يسرين))
فأفاد اتحاد العسر؛ لأنه أعيد معرفًا وتعدد اليسر؛ لأنه أعيد منكرًا ولم يقل هنا: ((من
ولد إسماعيل)) فيحتمل أنه مراد، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
ويحتمل أنه غير مراد وأن الفرق أن أوائل النهار أحق بأن يستغرق بالذكر؛ لأن
النشاط فيها أكثر، ويؤيده أنه صح فيه في الحديث الآتي أن إحياءه بالذكر كأجر حجة
وعمرة لم يرد نظير ذلك فيما بعد العصر.
٩٧١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: ((مَنْ صَلَّى الفَجَرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ
يَذْكُرُ اللهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ)). قَالَ: قَالَ
١٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
النَّبِيُّ ◌َّهِ: (تَامَّةِ تَامَّةٍ تَامَّةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](١).
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ صَلَّى الفَجَرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ) بعد طلوعها وإن لم ترتفع كرمح.
(صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) صلاة الإشراق، وهي غير صلاة الضحى خلافًا لمن وهم فيه أو
من الضحى بناء على دخول وقتها بالطلوع وعليه جماعة من أئمتنا، أما على الأصح أن
وقت الضحى لا يدخل إلا بعد ارتفاعها كرمح فلا يصليهما من الضحى إلا بعد
ارتفاعها كذلك، والحديث لا ينافي هذا؛ لأن العطف فيه بـ((ثم)) المقتضية لتراخي
صلاة الركعتين عن الطلوع، وليس تعرض لصلاة الإشراق إلا لو كان العطف بالفاء،
ومشينا على الأصح أن وقت الضحى لا يدخل إلا بالارتفاع، بل لورود ذلك لم تتضح
دلالته عليهما أيضًا؛ لأن التعقيب في كل شيء يحبسه، كشروح قوله له، والارتفاع
قريب من الطلوع، فلا يؤخذ من هذا الحديث ندب صلاة الإشراق أصلاً.
(كَانَتْ) هذه الحالة المركبة من تلك الأوصاف كلها (لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ).
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َه) أعاده؛ لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكريره من قول أنس
(تَامَّةٍ) نعت لكل منهما (تَامَّةٍ تَامَّةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) شبه ذلك بالتسکین، ثم کرر
الوصف بالتمام مبالغة وترغيبًا للعاملين في المحافظة على هذا العمل لا سيما، وفيه ما
قدمته من تطهير النفس من مساوئها الناشئة عن أخلاطها أو طبائعها، فاستحق أن
يلحق حقًّا عليه بما هو أكمل منه إيهامًا لتسويته به أو فضله عليه من النسكين
الثَّامَّين، وأن يكون أحب من عتق أربعة من ولد إسماعيل.
(الفصل الثالث)
٩٧٢ - [عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّ بِنَا إِمَامُ لَنَا يُكَتَّى: أَبَا رِمْئَةَ، قَالَ:
صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَوْ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلاَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ هِ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
(١) أخرجه الترمذي (٥٨٦) وقال: حسن غريب.
١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلُّ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ،
فَصَلَّى نَبِيُّ اللّهِ وَهِ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَذَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ
كَانْفِتَالٍ أَبِي رِمْتَةَ؛ يَعْنِي: نَفْسَهُ، فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ
فَوَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ فَهَزَّهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ
لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ فَصْلٌّ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ تَهَ بَصَرَهُ فَقَالَ: «أَصَابَ الله بِكَ يَا ابْنَ
الْخَطَّابِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامُ لَنَا يُكَنَّى: أَبَا رِمْئَةَ، قَالَ) أبو رمثة:
(صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ) الإشارة هنا ليست للخارج؛ لأن عين المشار إليه الواقع في
الخارج لم يصله معه 8* وإنما الذي صلاه معه نظيره فتعينت الإشارة للحقيقة
الذهنية الموجودة في ضمن هذه الخارجية وغيرها فتأمله.
(أَوْ) للشك (مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ) وهذه لا إشكال فيها (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ)
أبو رمثة: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ) ذكره لذلك
استطراد؛ إذ لا يتعلق بالفرض المسبوق له القصة، وفيه إفادة الحث على أنه يسن تحري
الصف الأول ثم تحرى يمين الإمام؛ لأنه أفضل.
(وَكَانَ رَجُلُ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ) أي: تكبيرة التحريم ووجه
ذكرها مزيد بيان أن مدركها، إنما قام عقب صلاته لصلاة الشبه لا لكونه مسبوقًا بقي
عليه شيء يقوم لإكماله (فَصَلَّ نَبِيُّ اللّه ◌ِ ﴿ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا
بَيَاضَ خَدَّيْهِ) أي: خده الأيمن في الأولى والأيسر في الثانية كما مر.
(ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْئَةَ؛ یَعْنِي: نَفْسَهُ) أي: کانفتالي هذا فوضع موضعه أبي
رمثة بمزيد اللسان واستحضار الهيئة التي شاهدوها منه، ومن أن الأكثر من أحواله
أنه كان يقوم بعد السلام، وأنه كان ربما جلس فجعل يمينه للمأمومين ويساره للقبلة،
(١) أخرجه أبو داود (١٠٠٧)، والطبراني (٧٢٨)، والحاكم (٩٩٦) وقال: صحيح على شرط
مسلم.
١٩١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
ومن ثم كان عندنا سنة، ولكن الأولى أفضل.
(فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ) أي: يأتي بصلاة
أخرى من الشفع وهو ضم الشيء إلى الشيء (فَوَقَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ فَهَزَّهُ) أي:
حركه بعنف زجرًا له عن تركه السنة الثانية عنه 3 18 من تقديمه الأذكار عقب الصّلاة
على روايتها سواء صلاها في المسجد أم في بيته، وهو الأفضل لقوله ◌َله في الحديث
الصحيح: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)(١).
(فَقَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ) أي: الشأن (لَنْ يَهْلِكَ) هو ماض معنى وأدخلت ((لن))
عليه لتدل على استمراره في جميع الأزمنة، ويصح فتح أوله من ((هلك)) بمعنى أهلك
كما قاله الجوهري وضمه واضح (أُهْلُ الْكِتَابِ) لشيء فعلوه عقب صلاتهم، وإنما
قدرت المستثنى منه كذلك خلافًا لمن قدره عامًّا بسائر أحواله؛ لأنهم هلكوا بأشياء
کثیرة غیر هذا فتعین رعایة خصوص ما قدرته.
(إِلَّا أَنَّهُ) أي: لأن الشأن (لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ) أي: صلواتهم؛ إذ (بين)) لا
تدخل إلا على متعدد (فَصْلٌ) يحتمل أنهم كانوا أمروا بالفصل ثم تركوه فهلكوا بسبب
المخالفة، ويحتمل أنهم لم يؤمروا به فاعتقدوا اتصال الصلوات وأنها صلاة واحدة
فصلوا أو أنهم لم يؤهلوا إلى ذكره تعالى عقب صلاتهم، فأدى بهم ذلك إلى قسوة
القلب المؤدية إلى الإعراض عن الله وأوامره، ويصح نصب ((أهل)) فالفاعل ما بعد
((إلا)) أي: لن يهلكهم شيء مما يفعلونه عقب صلاتهم إلا تركهم للفصل بين صلاتهم.
(فَرَفَعَ الَّبِيُّ ◌َ بَصَرَهُ فَقَالَ: (أَصَابَ اللهُ بِكَ) الحق (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ))) الهمزة
للتعدية والباء زائدة للتأكيد، والتقدير: أصابك الله الحق؛ أي: جعلك مصيبًا له في
سائر أقوالك وأفعالك، وبهذا الذي قررته يبين قول الشارح هذا من باب القلب؛ أي:
أصبت الرشد فيما فعلت بتوفيق الله وتسديده، وجاز أن يرى ((أصاب الله رأيك))
(١) أخرجه البخاري (٦٨٦٠)، ومسلم (٧٨١)، وأحمد (٢١٦٢٢)، وعبد بن حميد (٢٥٠)، والنسائي
(١٥٩٩).
١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
والأول هو الرواية في ((سنن) أبي داود و((جامع الأصول)) ونظيره قولهم: عرضت
الناقة على الحوض؛ أي: عرضت الحوض على الناقة، وهو باب واسع في البلاغة.
انتهى.
ووجه بُعده أن القلب بعيد غير مطرد فلا يصار إليه إلا لداع ومحسن ذكروه في
محله في نحو المثال الذي ذكره، وأمَّا ما نحن فيه فلا داعي إليه مع ما قررته، بل ولا
محسن له.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسكت عليه، فهو صالح للاستدلال به.
٩٧٣ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا
وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، فَأُنِيَ رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ مِنَ الأَنْصَارِ
فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ الله ◌ِ أَنْ تُسَبِّحُوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ كَذَا وَكَذَا، قَالَ الأَنْصَارِيُّ
فِي مَنَامِهِ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ،
فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((فَافْعَلُوا)). رَوَاهُ أحمد
والنَّسَائِيّ والدَّارِمِيّ](١).
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾﴾ قَالَ: أَمِرْنَا) مر أن قول الصحابي ذلك، إنما ينصرف إلى
(أَنْ فُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلٌّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَ) أن (نَحْمَدَ) في دبر كل صلاة
النبي
(ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، وَ) أن (نُكَبِّرَ) في دبر كل صلاة (ثَلَاثًا وَثَلَائِينَ، فَأَتِيَ رَجُلُ فِي الْمَنَامِ
مِنَ الأَنْصَارِ) أي: أتاه ملك الرؤيا أو غيره.
(فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَّكُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ تُسَبِّحُوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ كَذَا وَكَذَا، قَالَ
الأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ: نَعَمْ، قَالَ) إذا كنتم تأتون بمائة ولا بدَّ (فَاجْعَلُوه) من أنواع
أربعة ليزدادوا نوعًا رابعًا من الذكر، بل هو أعظمه وأفضله والعد باقٍ على حاله لا زيادة
عليه.
(خَمْسًا وَعِشْرِينَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) في كل من الثلاث (وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ)
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٢٢)، والنسائي (١٣٤٩)، والدارمي (١٤٠٥).
١٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
خمسًا وعشرين زيادة عليها لتكمل المائة من الأنواع الأربعة (فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدًا عَلَى
السَّبِيَّ ◌َالِه) أي: جاء إليه في الغدو؛ أي: أول النهار.
(فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ) إن رأيتم ذلك ولا بدَّ (فَافْعَلُوا. رَوَاهُ أحمد
والنَّسَائِيّ والدَّارِمِيّ) ومر ذلك على الخمس والعشرين من كل من الأربعة سنة، والحجة
على ذلك هي قوله وَ له: ((فافعلوا)) لا مجرد ذلك المنام؛ لأنه لا عبرة بخواطر من ليس
بمعصوم لا في اليقظة ولا في النوم، ومر نحو ذلك في رؤيا جمع الأذان.
٩٧٤ - [وَعَنْ عَلَيٍّ - كَرَّمَ الله وَجهَه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ وَلَ عَلَى أَعوَادِ هَذَا
المنِبرِ يَقُولُ: ((مَنْ قَرَأْ آيَة الكُرسِيّ فِي دُبرِ كلِّ صَلَاة لَم يَمِنَعهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّة إِلَّ
المَوت، وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللّه عَلَى دَارِهِ، وَدَارِ جَارِهِ وَأَهلِ دُوَيِّرَاتٍ
حَولَهُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي (شُعُبِ الإِيمَان)) وَقَالَ: إِسنَادُهُ ضَعِيف](١).
(وَعَنْ عَلَيٍّ - كَرَّمَ اللّه وَجْهَه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ عَلَى أَعْوَادِ هَذَا المنِبر)
كان حكمته بعد الدلالة به على مزيد البيان والاستحضار لتلك الواقعة التنبيه على
تأخر هذا الأمر عن وضع المنبر الخشب، فإنه ولو كان أولاً يخطب على الأرض حتى
عمل له منبر من خشب ((الطرفا» لما كثر المسلمون ليخطب عليهم ويسمعهم كلهم،
وكان عمله سنة ثمان من الهجرة عند جمع وعورض بأنه ذكر في قصة الإفك.
وقيل: في السابعة وعورض بأن من رواه حنين الجذع المقارن لأول صعوده وله
على المنبر العباس، وقدومه للمدينة سنة ثمان، وتميم الداري وإسلامه سنة
تسع.
وقيل: كان له منبر من طين يخطب عليه قبل المنبر الخشب، وعورض بأن
الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب، وقد يقال: لا تعارض بل
يجمع بين هذه الأقوال المتعارضة بأنه أولاً كان يخطب على الأرض، ثم جعل له منبر
قصير من طين فخطب عليه مدة وهو في هاتين الحالتين كان يبكي على الجذع، ثم لما
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٢٩٣).
١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
زادت كثرة المسلمين عمل له المنبر الخشب في الثامنة فخطب عليه، وعلى الجذع فحن
حتى نزل والتزمه، وبهذا تجمع هذه الأدلة.
(يَقُول: ((مَنْ قَرَأَ آيَة الكُرِي فِي دُبرِ كُلِّ صَلَاة لَم يَمنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّة) مانع
(إِلَّا الموت) فهو حاجز بينه وبين دخولها، فعقب وجوده يحصل للروح دخولها ببركة
ملازمته على تلك الآية التي هي أفضل آية في القرآن كما في الحديث؛ لاشتمالها من
تنزيه الحق تعالى عما لا يليق به، ومن إثبات صفات الكمال والعظمة له على ما لم
يشتمل عليه غيرها من الآيات لا سيما، وقد استحقت بالاسم الأعظم وهو الله عند
الجمهور أو الحي القيوم عند جمع محققين.
فإن قلت: قضية ما تقرر في شرح ((إلا الموت)) أنه سبب للدخول لا مانع له،
فكيف الاستثناء حينئذٍ؟ قلت: الموت يصح إطلاقه على الحياة القابلة له ﴿إِنَّكَ مَيِّثْ
وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] بناء على الأصح أن اسم الفاعل حقيقة في حال التلبس،
وهنا نزل القول للشيء منزلة الشيء وهذا غير مجاز الأول، فالحياة القابلة له مانعة من
دخول الجنة، وبوجود الموت تنتهي تلك الحياة ويحصل دخول الجنة، فصح ترتبه على
الموت بهذا الاعتبار فتأمله.
(وَمَنْ قَرَّأَهَا حِينَ يَأْخُذ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ الله) أي: آمن خوفه من كل مكروه (عَلَى)
ما في (دَارِهِ، وَدَارٍ جَارِهِ) نفسًا ومالاً وغيرهما (وَ) على (أَهَلِ دُوَيِّرَاتٍ حَولَهُ) وإن لم
يلاصق داره فأريد بالجار هنا حقيقته، وهو الملاصق وإن كان عرفًا يشمله وغيره إلى
أربعين دارًا من كل جهة من الجهات الأربع كما قرره أصحابنا في باب الوصية.
(رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي ((شُعُب الإِيمَان)) وَقَالَ: إِسنَادُهُ ضَعِيف) لكن له شاهد صحيح
عن أبي أمامة، رواه النسائي، وروى الطبراني أحاديث أخر في فضل آية الكرسي دبر
الصّلاة المكتوبة، لكن قال النووي: كلها ضعيفة.
وروى الطبراني: ((من قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ... ﴾ [الصافات:١٨٠]
١٩٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
دبر كل صلاة ثلاثًا فقد اكتال بالمكيال الأولى من الأجر)(١).
وابن السني وغيره حديثًا فيه ترغيب عظيم جدًّا في قراءة الفاتحة وآية الكرسي
و﴿شَهِدَ اللهُ ... ﴾ [آل عمران: ١٨] و﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] إلى
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧].
وأبو يعلى الترغيب في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾ عشرًا.
٩٧٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ
وَيَثْنِيّ رِجْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
الْحَمْدُ يُحْبِى وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ
وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا
مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ أَن يُدْرِكَهُ إِلَّ الشِّرْكَ، وَكَانَ
مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلاً إِلَّا رَجُلاً يَفْضُلُهُ بِقولٍ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ)). رَوَاهُ أحمد](٢).
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَ)
قبل أن (يَثْنِيَ رِجْلَهُ) أي: يعطفهما ويردهما عن حالتهما التي هما عليها في التشهد
الأخير، وكان وجه الاحتياج إلى ذكر الانصراف بيان أن ما بعده لا يغني عنه بأن يراد
به الانصراف بالظاهر والباطن، وحينئذ فشرط هذا الثواب أن يأتي بهذا الذكر قبل أن
ينصرف عن الصّلاة بباطنه وظاهره، فمتى تكلم بأجنبي مثلاً لم يحصل له ذلك
الثواب، وإن لم يثنِ رجله.
(مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ) وفي رواية: ((من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان
رجله قبل أن يتكلم ويؤخذ منها تقييد ما هنا بعدم الكلام؛ أي: بأجنبي كما مر (لَا إِلَهَ
إِلَّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ) أي: في
قدرته أو بسببها كل خير وملائم للنفس، وكذا كل ما يضاد ذلك وحذف تأدبًا نظير ما
(١) أخرجه بنحوه الطبراني (٥١٢٤).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٠١٩).
١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مر في ((والشر ليس إليك))(١).
(وَهُو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ،
وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) وفرقت بين هذه والعشر حسنات
في أول الفصل الثاني من باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها (وَكَانَتْ حِرْزًا) له (مِنْ مُلِّ
مَكْرُوٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) أفرده مع أنه أشد المكروهات لبيان أن الحذر منه
ينبغي أن يكون أقوى من سائرها.
(وَلَمْ يَحِلَّ) أي: ينبغ كما في رواية (لِذَتْبِ أَن يُدْرِكَهُ) أي: يلحقه ويستأصله
بالإحاطة به من سائر جوانبه حتى يهلكه بالعقاب القائم عليه لحلوله بما قاله في حق
التوحيد إلا من حرمها ودخوله في ساحة الذكر المنيع سورها.
وفي رواية: ((ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم)»(٢) وعليها يحمل الإطلاق
هذا، ونظير حملنا الإدراك على ما تقرر حملنا معشر أهل السنة له على ذلك في قوله عز
قائلاً: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تحيط بحقيقته، فليس نفيًا للرؤية
خلافًا للمعتزلة - قبحهم الله - بل إثبات لها مع نفي ما لا يليق به تعالى.
(إِلَّ الشِّرْكَ) إن وقع منه فلكونه لا يكفر ولا يغفر ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] يحيط به ويستأصله بالعقاب الدائم
عليه لخروجه من ذلك الحصن الحصين ورضاه بموالاة الرحيم اللعين فحشر معه في
الدرك الأسفل من النار، وحق عليه الخسار والبوار، وفي استعمال الحل هنا استعارة
بالكناية يتبعها استعارة ترشيحية وتخييلية.
ونظير ذلك ما يقال لمن أخرج حرم قومه وعرضهم للهلاك: أنت محل لقومك
(١) أخرجه الطيالسي (١٥٢)، وعبد الرزاق (٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٩٩)، وأحمد (٧٢٩)، ومسلم
(٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١)، والنسائي (٨٩٧)، وابن خزيمة (٤٦٢)، والطحاوي
(١٩٩/١)، وابن الجارود (١٧٩)، وابن حبان (١٧٧٤)، والدارقطني (١)، والبيهقي (٢١٧٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٤) وقال: حسن غريب صحيح. والنسائي في الكبرى (٩٩٥٥).
١٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصلاة
شبههم بمحرم حل لجامع أنهم كانوا ممنوعين مما منهم فحلوا بالخروج منه، فكذا هنا
شبه المسلم بالحال في حرم آمن، والخارج عن الإسلام بمن خرج عن ذلك الأمن فأبيح
دمه وماله ولم يبق له حرمة قط، ثم حذف ذلك التشبيه وأثبت له ما هو من لوازم
المشبه والتشبيه به من الحل والإدراك ترشيحًا وتخييلاً.
(وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلاً إِلَّا رَجُلاً يَفْضُلُهُ بِقولٍ) بدل وبيان لما به الفضل.
(أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ) أن فضل أن شيئًا أفضل منه أو الأفضلية باعتبار الأكثرية؛
أي: يقول أكثر مما قال عن هذا الذكر أو غيره (رَوَاهُ أحمد).
٩٧٦ - [وروى التِّرْمِذِيّ نحوه عَنْ أَبِي ذَرِّ إِلَى قَوله: إِلَّ الشركَ وَلَم يذكُر صَلَاة
المَغِرِبَ وَلَا بَيَّن الخَبَرِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حَسن صَحِيحٍ غَرِيب].
(وَرَوَى التِّرْمِذِيّ نحوهِ عَنْ أَبِي ذَرِّ إِلَى قَولُه: إِلَّ الشِرِكَ وَلَم يذكر صَلَاة المَغرب
وَلَا بَيَّن الخَبَرِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حَسن صَحِيحٍ غَرِيب).
٩٧٧ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا
غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجُلُّ مِنَّا لَمْ يَخْرُجْ مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا
أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: (أَلَا أَدُلَّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً
وَأَفْضَلَ رَجْعَةً، قَوْمًا شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللهَ حَتَّى طَلَعَت
الشَّمْسُ فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدِ الرَّاوِي لَهَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ](١).
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ بَعَثَ بَعْثًا) أي: سرية تسمية للمفعول
بالمصدر مبالغة (قِبَلَ تَجْدٍ فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ) أي: الرجوع إلى
أوطانهم.
(فَقَالَ رَجُلُّ مِنَا) معشر الصحابة رضوان الله عليهم (لَمْ يَخْرُجْ مَا رَأَيْنَا بَعْثًا
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٦١).
١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا أَفْضَلَ) أي: أكثر أو أنفس (غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً) لبقاء هذه ودوامها وفناء تلك وسرعة انقضائها
(وَأَفْضَلَ رَجْعَةً؟) لأن أولئك رجعوا بحيازة دار المتاعب والمحن والمصائب والفتن،
وهؤلاء يرجعون بحيازة دار السرور والخلود والراحة في النعيم المقيم؛ أعني أو أمدح.
(قَوْمًا شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ) يحتمل حضروا جماعتها، ويحتمل أدركوا وقت
أدائها.
(ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللهَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأُولَئِكَ) فرع هذا مع علمه مما
سبق لمزيد الإيضاح والبيان (أَسْرَع رَجْعَةً) إلى أهليهم ومعائشهم لانتهاء عملهم
الموعود عليه بذلك الثواب العظيم بعد مضي نحو ساعة زمانية وأهل الجهاد لا ينتهي
عملهم غالبًا إلا بعد أيام كثيرة، وبهذا الذي قررته يتبين بعد قول الشارح قوله:
((أسرع رجعة)) سمي الفراغ من الصّلاة رجعة على طريقة المشاكلة، ويكون استعارة
شبه المصلي الذاكر وفراغه بالمسافر الذي رجع إلى أهله كما قيل: رجعنا من الجهاد
الأصغر إلى الجهاد الأكبر. انتهى.
ووجه بعده أنه حيث أمكن استعمال اللفظ في حقيقته لم يحسن إخراجه
عنها إلى مجازه، سيما إن كان فيه تكلف وخروج عن الظاهر من غير داع
لذلك.
(وَأَفْضَلِ غَنِيمَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ
الرَّاوِي لَهَ ضَعِيفٌ فِي) عرف أهل (الْحَدِيثِ) أو ضعيف في حديثه لنحو سوء حفظه أو
اختلاط لا في دینه.
وجاء في أحاديث أنه وَلّم قال: «واعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر
بعد صلاة الصبح))(١).
و((إنه كان إذا صلى الصبح قال وهو ثانٍ رجله: سبحان الله وبحمده
(١) لم أقف عليه.
١٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصلاة
وأستغفر الله إنه كان توابًا. سبعين مرة، ثم يقول: سبعون بسبعمائة، لا خير لمن كانت
له ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة، ثم يستقبل الناس بوجهه»(١).
وأنه قال: ((من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] بعد صلاة الصبح اثني
عشرة مرة، فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى))(٢).
وأنه قال: ((من قَالَ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي
ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، على إثر المغرب بعث الله له ملائكة
يحفظونه من الشيطان حتى يصبح وكتب له بها عشر حسنات موجبات))(٣) أي: للجنة
بوعد الله وفضله ومحي عنه عشر سيئات موبقات؛ أي: مهلكات، وكانت له بعدل
عشر رقاب مؤمنات، وأنه قال: ((من قال بعد صلاة الصبح: أشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له إلهًا واحدًا أحدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوا أحد
كتب له أربعين ألف حسنة)»(٤).
(١) أخرجه الطبراني (٨١٤٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٦٩٩).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٥٢٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٣٤) وقال: حسن غريب. والنسائي في الكبرى (١٠٤١٣).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٩٩٣)، والترمذي (٣٤٧٣) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والطبراني
(١٢٧٨).
(باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه)
(الفصل الأول)
٩٧٨ - [عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﴾ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ يهِ إِذْ
عَطَسَ رَجُلُ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهِ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاتُكْلَ
أُمِّيَاهْ، مَا شَأَنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ
يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّ صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ
وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَالله مَا كَهَرَبِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا
يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) أَوْ كَمَا
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنا الله
بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُمَّانَ، قَالَ: ((فَلَا تَأْتِهِمْ)) قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ،
ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي أنفُسهم فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ)) قَالَ: وَمِنَّا رِجَالَّ يَخُطُونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ مِنَ
الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ قَولُهُ: لَكني سَكَتُّ هَكَذَا وَجَدْتُ فِي
((صَحِيحِ مُسلِمٍ) وَ(كِتَاب)) الحُمَيدِي، وَصَحِحَ فِي ((جَامِعِ الأُصُول)) بِلَفِظِ كَذَا فَوقَ
لكني)(١).
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) السلمي (*، قَالَ: بَيْنَا) أصله ((بين)) أشبعت الفتحة
ألفًا كما مر بزيادة.
(أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ) وأنا في الصّلاة
(يَرْحَمُكَ الله، فَرَمَانِي) استعارة من رمي السهم إشارة إلى حدة نظرهم شزرًا.
(الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) أي: أسرعوا في الالتفات إلي ونفوذها في زجر إلي عن هذه
الكلمة؛ أي: لاشتمالها على خطاب الآدمي، وهو مبطل للصلاة وإن كان في ذكر ثم رميهم
(١) أخرجه أحمد (٢٣٨١٣)، ومسلم (٢٣٧)، وأبو داود (٩٣٠)، والنسائي (١٢١٨).
- ٢٠٠ -