Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
والإكرام)(١) كما في الحديث الآتي، وأُجيب بأنه كان حينًا يجلس يسيرًا، وحينًا يقوم
عقب سلامه.
وما قيل من كراهة وثوب الإمام عقب سلامه كالبعير إذا حلَّ ليس في محله
لصحته من فعله وَل﴿ ومن فعل أبي بكر وعمر وغيرهما، بل في حديث: "إذا لم يقم
إمامكم فانحبسوا))(٤) نعم! يستثنى من ذلك؛ أعني: قيامه عقب سلامه بعد الصبح لما صح
(إنه وَيّ كان يجلس عقبها في مصلاه إلى طلوع الشمس))(٣) ويأتي أنه مندوب عقبها
والمصلي ثانٍ رجله ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) عشرًا وكذا بعد العصر والمغرب.
(وسنذكر حديث جابر بن سمرة في باب الضحك إن شاء الله تعالى)
(الفصل الثاني)
٩٤٩ - [عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ﴾ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللهِنَّهِ فَقَالَ: إِنِّ لُأُحِبُّكَ
يَا مُعَاذُ، فَقُلتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ الله، قال: فَلَا تَدع أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: ربّ
أَعِنِي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك. رَوَاهُ أَحمد وأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ، إلّا أن أبا
داود لم يذكر: قال معاذ: وأنا أحبك] (٤).
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَّهِ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللهِ وَهِ فَقَالَ: إِنَّ لِأُحِبُّكَ يَا
مُعَاذُ) توطئة وبعث له على امتثال ما يأمره به، وسبق قبيل باب التشهد نظير ذلك
لعلي كرم الله وجهه، لكن بزيادة: (يا علي، إني لأحب لك ما أحب لنفسي) (٥)
(١) أخرجه أحمد (٢٤٣٨٣)، وأبو داود (١٥١٢)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (١٣٣٨)، وابن ماجه
(٩٢٤).
(٢) لم أقف عليه هكذا، وأخرجه بنحوه مسلم (١٣٦٣)، وابن ماجه (٩٧٧)، والنسائي (١٠١٩٩).
(٣) أخرجه ابن حبان (٣٧٦).
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي في الكبرى (٩٩٣٧)، وابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠)،
والحاكم (١٠١٠).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٣٦)، والبيهقي (٥٥٨١)، والطيالسي (١٨٢)، وأحمد (١٢٤٣)، والترمذي
(٢٨٢).

١٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فرقًا بين مقاميهما.
(فَقُلتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ الله) فيه أنه لما صدق محبته له وَله جازاه بأعلى من
محبته جريًا على عادة الكرام ولا أكرم منه ( 18 ولهذا أكد ◌َالر باللام التي هي لام
الابتداء عند البصريين أو لام القسم عند جمع آخرین ولم يؤكد به معاذ.
(قَالَ: فَلَا تَدعِ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرٍ) أي: عقب (كُلِّ صَلاةٍ: ربّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ)
بتيسير أسبابه وفتح أبوابه والوصول لغاياته المؤدية إلى قطع العلائق ونسيان الخلائق
ودوام الشهود والخروج عن الوجود، وفي هذا مشرب وملمح من مشارب موسى الكمية
التي تضمنها قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] إلى أن
قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ کَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤].
(وَشُكْرِكَ) بتفرغي له عن كل شاغل وتيقظي لمواقع أسبابه المزيلة لكل حال
حائل، أو وصف دني أو ليس لغايته من طائل.
(وَحُسْنِ عِبَادَتِك) المشار إليه بقول أعظم أخصائك وواسطة عقد أنبيائك
الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فالأول يستدعي كمال
التفرغ عن الأغيار، والثاني يستدعي دوام استفراغ الجهد في العبادات والأذكار
بتصفيتها عن الشوائب وتطهيرها عن المعائب.
وبما تقرر علم أنه وتدبير جمع في هذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة،
وجعل الشكر وسطًا لتكفله بمصالح الدنيا والآخرة بنص قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] أي: مما أنتم فيه من نعم الدارين، ولعزة مقام الشكر وعظيم
خطره؛ إذ هو اصطلاحًا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من حواسه الظاهرة
والباطنة إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه في سائر أزمنته.
قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَّ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] فجعل القليل من أخصائه
وأوليائه كما أفادته الإضافة إليه لا من مطلق العباد إشارة إلى تقليل أولئك القليل
وإلى أن مرتبة الشكر الكاملة لا تحصل لكل مقرب، وإنما هي لخواص المقربين وجعل

١٦٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
الذكر وحسن العبادة مبدأ ومنتهى؛ لأنهما لما تمحضا للمصالح الأخروية والمعارف
الربانية استحقا أن يبدأ بأحدهما ويختم بالآخر إشارة إلى أن الآخرة وشهودها وما
يؤدي إليهما هو المقصود في البداية والنهاية.
(رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ، إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لمَ يَذَكُرْ، قَالَ مُعَاذَ: وَأَنَا
أُحبكَ).
فإن قلت: لِم ذكر له هنا لمعاذ الغايات فقط، ولم يذكر له شيئًا من البدايات،
وفي باب السجود لمن سأله مرافقته في الجنة البدايات فقط من إعانته له بكثرة
السجود؟ قلت: لأنه ﴾ كان الطبيب الأكبر والحكيم الأبر فأعطى كلاً من الرجلين ما
يناسب داءه من الأدوية، وما يقدر عليه من الأغذية.
ولقد أشار إلى ذلك بتصديره الكلام مع معاذ بأنه وَالله يحبه ونتيجة محبته
المخصوصة تستدعي حيازة الغايات وبلوغ النهايات، وبتصديره الكلام مع ذلك الرجل
بقوله: ((أو غير ذلك)) إشارة لعجزه عما سأله من المرافقة، ثم بقوله: ((أعني على نفسك
بكثرة السجود)) إشارة إلى أن له نفسًا يحتاج لمجاهدتها باستعمال الأدوية الحادة حتى
يزيل جميع موادها، ويستخرج سائر مكامنها إلى أن يتأهل لتلك الموافقة المستلزمة
لكمال الموافقة.
٩٥٠ . [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴿ أَنّ رَسُولَ الله ◌ِ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ
السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يرى بَيَاضُ خَدِّهِ الأيمن، وعَنْ يَسَارِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَر. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والتّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ، ولم يذكر
التِّرْمِذِيّ: حَتَّى يرى بَيَاضُ خَدِّهِ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ يُسَلِّمُ) من صلاته حال
كونه ملتفتًا بجده (عَنْ يَمِينِهِ) قائلاً: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله) ولا يزال ملتفتًا
بخده مع سلامه كذلك (حَتَّى يرى بَيَاضُ خَدِّهِ الأيمن و) كان يسلم ملتفتًا بخده (عَنْ
(١) تقدم تخريجه.

١٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
يَسَارِهِ) قائلاً: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله) ولا يزال ملتفتًا بخده مع سلامه كذلك
(حَتَّى يرى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَر).
ومر الكلام على ذلك قريبًا، ومنه أن الالتفات المذكور سنة، وكذا أصل الالتفات
وكذا السلام مرتين، وكذا الاقتصار على ((ورحمة الله)) دون ((وبركاته)) على ما مر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّزْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلَم يَذْكُرِ التِّرْمِذِيّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهٍ).
٩٥١ - [ورواه ابْن مَاجَه عَنْ عَمَار بن یَاسِر].
(وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه عَنْ عَمَار بن يَاسِ).
٩٥٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ وَهُ مِنْ صَلاتِهِ
إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّة)](١).
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ ◌َّهُ مِنْ صَلاتِهِ إِلَى
شِقِّهِ الأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ) لا يعارض ما مر من أن السنة الانصراف لصوب الجميع
حيث لا حاجة له؛ لإمكان حمل هذا الحديث على أنه كان كثيرًا ما يحتاج لحجرته
فينصرف إليها وهي على يسار المصلى في محرابه ◌ٍَّ (رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْح
السُّنَّةٍ)).
٩٥٣ - [وَعَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ: ((لَا
يُصَلِّي الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وقَالَ: عَطَاءُ
الْخُرَاسَانِيُّ لَم يُدرِكِ المُغِيَرة](٢).
(وَعَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِي عَنِ الْمُغِيرَةِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (لَا يُصَلِّ
الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ) أي: ينتقل إلى موضع.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وقَالَ: عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ لَم يُدرِك المُغِيَرة) فهو منقطع؛ أي:
وضعيف، وفي حديث ضعيف أيضًا: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر عن يمينه
(١) أخرجه أحمد (٤٤٧١)، والبغوي في شرح السنة (٥/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٦١٦)، وابن ماجه (١٤٢٨)، والبيهقي (٢٨٦٤).

١٦٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
أو عن شماله في الصَّلاة)(١) أي: النافلة، ويوافقهما خبر مسلم: («أمرنا رسول الله
أَلَّا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج))(٢).
وسام
ومن ذلك أخذ أئمتنا قولهم: يسن لمن أراد تنفلاً بعد فرضه أن يفصله بكلام
الإنسان، وأفضل منه أن ينتقل من موضع فرضه إلى موضع آخر للخبر الثاني، ولما فيه
من تكثير مواضع السجود؛ فإنها تشهد له ومقتضى تقيدهم لما بعد الفرض أنه لا يسن
الانتقال فيما قبله، والمعتمد أنه لا فرق، لكن بشرط ألَّ يفوت الانتقال إليه نحو
فضيلة القرب من الإمام أو فضيلة الصف الأول.
واعترض تعليلهم بشهادة البقاع بأن البقعة الواحدة تشهد له أيضًا بما عمل
فيها متكررًا، وبأن العلة الصحيحة ما في ذلك من إحياء البقاع بالعبادة، وهو مردود
بأن لتعدد الشهود موقعًا ليس لشاهد واحد تكررت شهادته.
ومر أن الأفضل للإمام عقب سلامه أن يقوم من مصلاه وينتقل إلى محل آخر
يجلس فيه للذكر والدعاء للإتباع الثابت عنه في الأحاديث الصحيحة.
وكان بعض المالكية أخذ من نهي الإمام الذي في الحديث الأول قوله: يحرم
جلوس الإمام في المحراب؛ لأنه أفضل بقعة في المسجد فجلوسه هو أو غيره فيه يمنع
الناس من الصّلاة فيه؛ ولأنه يكون أمام المصلين يشوش عليهم.
ونقله عنهم بعض الشافعية معتمدًا له ثم قال: وإذا صلى الإمام في غير المسجد
سن له الجلوس في مصلاه، أو فيه سن له القيام والجلوس آخره أو الانصراف، فإن كان
ضيقًا على المصلین بعده وجوب الانصراف. انتهى.
وهو غلط واضح؛ إذ كيف يكون المحراب أفضل بقاع المسجد مع كونه
بدعة، وكثيرون يقولون بكراهته وعلى التنزل، فالإمام له حق فيه حتى يفرغ من
(١) أخرجه أحمد (٩٤٩٢)، ابن أبي شيبة (٦٠١١)، وأبو داود (١٠٠٦)، وابن ماجه (١٤٢٧)، والديلمي
(١٥٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٧٩)، والبيهقي (٣١٧١)، وعبد الرزاق (٣٩١٦)، وابن أبي شيبة (٥٤٢٧).

١٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الدعاء والذكر المطلوبين عقب الصّلاة حيث لم يرد الأفضل السابق من قيامه عقب
السلام، وكونه أمام المصلين لا يقتضي الحرمة وما ذكره من سن القيام والجلوس آخر
المسجد يناقض ما قدم من وجوب القيام، وما ذكره من وجوب الانصراف محتمل إن لم
يكن له حاجة واحتاج غيره للصلاة في موضعه.
٩٥٤ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ
انْصِرَافِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ حَضَّهُمْ) أي: حثهم (عَلَى) ملازمة (الصَّلَاة)
والإ كثار منها.
(وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه دليل لقول إمام الحرمين
من أئمتنا وتبعوه: إلا حث ألَّا ينصرف الرجال إلا مع الإمام أو بعده، وقال غيره:
يسن له إذا ثبت أمامه أن يثبت معه قليلاً لاحتمال أن يذكر سهوًا فيتابعه،
وخرج بالرجال النساء والخناثاء فالأحب انصرافهن عقب سلامه ثم الخناثاء
عقبهن.
(الفصل الثالث)
٩٥٥ - [عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسِ ﴾ قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ وَِّ يَقُولُ فِي صَلاتِهِ: اللهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ
عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًّا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا
تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَرَوَى أَحْمَد نَحَوُه](٢).
(عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسِ ﴾ قَالَ: كان رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ فِي صَلاتِهِ) أي: في
(١) أخرجه أبو داود (٦٢٤)، والبيهقي (٣١٨٠)، والحاكم (٧٤٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٥٥)، والنسائي (١٣٠٤)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٥٨)، وابن حبان (١٩٧٤)،
والطبراني (٧١٣٥)، والحاكم (١٨٧٢) وقال: صحيح على شرط مسلم. وأبو نعيم في الحلية (٦/
٧٧).

١٦٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الدعاء في التشهد
آخرها وفي رواية لأحمد: ((فيها أو دبرها)»(١).
(اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ) كان المراد بسؤال التثبت والتأمل
الصادق في جميع الأمور حتى لا يبرز شيء منها إلا وهو في غاية الكمال والإتقان
أو أن يثبت ويدوم على كل أمر فعله من الطاعات، أو أن يكون له في الأمر
المزعج المقلق ثبات على تجزع نوائبه ويصبر، بل رضي على عدم التأثر بمحنه
ومصائبه.
(وَالْعَزِيمَةَ) هي كالعزم قصد القلب وتصميمه (عَلَى الرُّشْدِ) هو کالرشاد ضد
الغي، وبما قررته يعرف أن في هذا الأسلوب تدليًا؛ لأن هذا وسيلة لحقيقة الثبات على
الأمر مجمیع معانیه التي ذكرتها.
وحكمة هذا التدلي: الإشارة بالتقديم الأعلى الذي هو المقصود لتلك الوسيلة إلى
أنه السابق في الرتبة والمقصود بالذات، وإن كان متأخر الوجود ونظيره ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ
القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤] قدم تعليم القرآن المتأخر في
الوجود على الخلق وتعليم ما يبين به عن مراده المقدمين، فيه إشارة إلى أنه الغاية
المقدمة في الرتبة المقصودة بالذات.
(وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ) بالقيام بأوامرك واجتناب نواهيك.
(وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ) بدوام مراقبتك.
(وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا) من كل شرك خفي وعقيدة فاسدة وخلق مذموم ككبر،
وميل لعاجل وبسلامته لكونه كالسلطان المدبر لمملكة البدن والجوارح كالخدم له
ينشط الإنسان للعبادات الصالحة على وجهها الأكمل ويحرز العلوم والمعارف على
حقيقتها.
(وَلِسَانًا صَادِقًا) بألا يبرز عنه إلا الحق المطابق للواقع بإسناد الصدق إليه مع
أنه حقيقة من صفات صاحبه، مجاز أو استعارة مكنية بأن شبهه به بكثرة صدوره
(١) أخرجه أحمد (١٧٥٩٧).

١٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
عنه، ثم حذف المشبه به وأداة التشبيه وجعله من جهة المشبه به ادعاء مبالغة وتخيلاً
بأنه هو، ثم أثبت له بما هو من لوازم المشبه به وهو الصدق ونسبه إليه قرينة على عدم
إرادة الحقيقة.
(وَأَسْأَلُكَ مِنْ) زائدة على مذهب من يجيز زيادتها في الإثبات أو بيانية لمحذوف؛
أي: أسألك شيئًا هو خير ما عندك، أو تبعيضية إشارة إلى أنه لا يستحق إلا يسيرًا من
ذلك الخير هضمًا للنفس وتسجيلاً عليها بأنها لم تقم من حق الخدمة بما تستحق به
الجائزة.
(خَيْرِ مَا) أي: شيء أو الفضل الذي (تَعْلَمُ).
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ) أسند كالخير لعلمه تعالى إشارة إلى أنه المحيط
بحقيقة الخير والشر دون عباده، كما أشار إليه بقوله عز قائلاً: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٢١٦].
(وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ) مني من المخالفات التي فعلتها والنقائص التي اقترفتها
والتخلف عن الكمالات التي ألفته، والميل إلى الدعة والشهوات التي أحببته (رَوَاهُ
النَّسَائِيّ وَرَوَى أَحْمَد تَحَوُه).
٩٥٦ - [وعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ:
أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ◌َّهِ- رَوَاهُ النَّسَائِيّ](١).
(وعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: أَحْسَنُ
الْكَلَامِ كَلَامُ الله وَأَحْسَنُ الْهَدْي) أي: الأفعال والأحوال التي يهتدي ويقتدي
بها.
(هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَلِّهِ- رَوَاهُ النَّسَائِيّ) وهو مشكل على من يرى بطلان الصّلاة بالنطق
بغير الذكر والدعاء؛ لأن هذا ليس بدعاء ولا متضمن له ولا ذكر؛ لأنه ما تعبدنا بذكره،
(١) أخرجه النسائي (١٣١٠).

١٦٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الدعاء في التشهد
وهذا ليس منه؛ لأنا إنما تعبدنا باعتقاده لا بذكره، ويجاب بأنا لا نسلم انحصار الذكر
فيما ذكر، بل هو كل ما تعبدنا الله بذكره؛ إذ لو اخترع ما هو بمعنى الذكر الوارد أو ما
يؤول إليه لم تبطل، وهذا من ذلك؛ لأن مدح كلام الله ورسوله کمدح الله، فهو في
معنى التسبيح ونحوه.
ومما يؤيد ذلك قول أصحابنا بقربة متوقفة على القول من غير خطاب ولا تعليق
كوقت كذا أو أعتقته أو نذرت كذا أو رضيت به لفلان لم تبطل صلاته؛ لأنه نطق
بقربه.
٩٥٧ - [وفِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ
يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ شيئًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](١).
(وفِيهِ) وفي نسخة صحيحة، وعن عائشة (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ يُسَلِّمُ فِي
الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي: يبتدئها وهو مستقبل القبلة.
(ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ شيئًا) يسيرًا حتی یری بیاض خده الأيمن كما
صرحت به الروايات السابقة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ).
وفيه أنه يسن ابتداء السلام حال الاستقبال، أو أنه يسن الالتفات كما ذكر وأنه
يجوز الاقتصار على تسليمة واحدة ومر ذلك كله.
٩٥٨ - [وَعَن سَمُرَةَ عَ﴾ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﴿ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ، وَنَتَحَابَّ
وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ(٤).
(وَعَن سَمُرَةَ ﴾، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ) فيسن لمن على
يمين الإمام أن ينوي الرد عليه بالتسليمة الثانية، ولمن على يساره؛ أي: إذا صبر
بسلامه كما هو السنة حتى يسلم الإمام التسليمتين أن يرد عليه بالأولى، فإن لم يصبر
لما ذكر رد عليه بالثانية، ولمن خلفه أن ينويه بالأولى وهو الأفضل أو بالثانية.
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٧)، والدارقطني (١٣٨٦)، والبيهقي (٣١٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٠٣)، والبيهقي (٣١١٤)، والحاكم (٩٤٥).

١٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(وَ) أن (نَتَحَابَّ) أي: يفعل كل منا مع بقية المؤمنين من الأخلاق الحسنة
والأفعال الصالحة والأقوال الصادقة والنصائح الخالصة ما يؤدي إلى المحبة
والود.
(وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) مطلقًا فيكون من عطف الخاص على العام أو
((في الصّلاة)) كما رواه البزار ولفظه: ((وأن نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض
في الصَّلَاة)(١) وكأن حكمة التقييد بها دفع ما يتوهم أن الاشتغال بالصّلاة تمنع
التخاطب فيمنع من نية الرد من بعض المأمومين على بعض، فنفى قبل ذلك بالتنصيص
عليه: ((في الصّلاة)) واكتفى عما يطلب خارجها من السلام بالأحاديث الكثيرة الشهيرة
الواردة فيه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وإسناده حسن أو صحيح وروى أحمد والترمذي وحسنه عن
علي كرم الله وجهه: ((كان ◌َيه يصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا، وقبل العصر أربعًا
يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين، ومن معهم من
المؤمنين))(٢) ومنه مع رواية البزار المذكورة أخذ أئمتنا أنه يسن لكل مصلٍّ منفرد أو
إمام أو مأموم أن ينوي ابتداء السلام على من على يمينه في الأولى، وعلى من عن يساره
من ملائكة سوى الحفظة وغيرهم، ومؤمني إنس وجن وأن ينويه الإمام على من
خلفه بأي سلاميه شاء، والأولى أولى وأن ينويه كلاً من المأمومين الرد على من سلم
عليه من إمام كما مر، ومن مأموم إذا التفت إليه فينويه من على يمين المسلم
بالتسليمة الثانية، ومن يساره بالأولى ومن خلفه وأمامه بأي تسليمتيه شاء والأولى
أولی.
واعترض قولهم: ((ينوي السلام على من ذكر)) بأنه لا معنى له، فإن الخطاب كاف
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٧٥)، والدار قطني (١٣٧٣)، والبيهقي (٣١١٥) إلى قوله: ((على بعض)) ولم أقف
عليه عند البزار.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩٧).

١٧١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الدعاء في التشهد
في الصرف إليهم فأي معنى للتنبيه، والصريح لا يحتاج للنية، وبأن كلام جمع يقتضي
حصول السنة بالخطاب من غيرنية، كما لا يحتاج المسلم خارج الصّلاة إلى نية في
أداء السنة، ولك رده بأن له معنى واضحًا، فإن السلام هنا جزء من الصّلاة حقيقة
بالنسبة للتسليمة الأولى أو تبعًا بالنسبة للثانية، فلم يصلح للتخاطب العادي به
فاحتيج في صرفه لذلك إلى نية وبه فارق السلام خارج الصّلاة.

(باب الذكر بعد الصّلاة)
(الفصل الأول)
٩٥٩ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضي الله عَنْهُمَا - قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ
رَسُولُ اللهِوَّهِ بِالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةٍ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ بِالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وهو بمعنى روايتهما؛ أعني: الشيخين عنه أيضًا
أنه قال: ((إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد
رسول الله وَ له)(٢) فأراد بالتكبير في الأول مطلق الذكر بقرينة الحديث الآتي وعليه؛
لأنه نتيجة سلب النقائص بالتسبيح وإثبات الكمالات بالتحميد والتهليل؛ إذ من
سلب عنه كل نقص وثبت له كل كمال هو المستحق لنهاية الكبرياء والعظمة أو لأن
رفع الصوت عنده كان أعلى منه عند البقية أو لأنه آلة الإعلام بأفعال الإمام في
الصّلاة فليكن آلة بالإعلام بفراغه منها.
وحمل الشافعي جهره ◌َ له بالأذكار والدعاء عقب الصّلاة على أنه كان لأجل
تعلم المأمومين، فمن ثم قال: ويجهر لتعليمهم فإذا تعلموا أسر لقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا .. ﴾ [الإسراء:١١٠] نزلت في الدعاء كما في (الصحيحين)).
واستدل البيهقي وغيره لطلب الإسرار بخبر ((الصحيحين): إنه ◌َّ﴾ أمرهم بترك
ما كانوا عليه من رفع الصوت بالتهليل والتكبير، وقَالَ: ((إنكم لا تدعون أصم ولا
غائبًا إنه معكم إنه سميع قريب)» (٣). انتهى.
(١) أخرجه البخاري (٨٤٢)، ومسلم (١٣٤٥)، وأحمد (١٩٦١) وأبو داود (١٠٠٤) والنسائي (١٣٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨١)، ومسلم (١٣٤٦)، وأحمد (٣٥٤٢)، وأبو داود (١٠٠٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (٢٧٠٤)، وأبو داود (١٥٢٦)، وأحمد (١٩٥٣٨)، والنسائي في
الكبرى (٧٦٧٩)، وأبو يعلى (٧٢٥٢)، وابن أبي عاصم (٦١٨).
- ١٧٢ -

١٧٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصلاة
وبه يرد على بعض المتأخرين في منازعته في ذلك بأن ظاهر الحديث ندب الجهر
بالذكر دائمًا وليس كما قال؛ لأنه ولو كان لا يخلو ممن يرد عليه، فيسلم أو يكون
قريب الإسلام، فكان جهره لتعليمهم فمن أين للمنازع أنه جهر لا للتعليم وجهره من
الوقائع الفعلية، وقد يطرق إليها ذلك الاحتمال الظاهر فتعين الأخذ به، ويسن الإسرار
في سائر الأذكار أيضًا إلا في التلبية والقنوت للإمام وتكبير ليلتي العيد، وعند رؤية
الأنعام في عشر الحجة وبين كل سورتين من الضحى إلى آخر القرآن، وذكر السوق
الوارد وعند صعود الهضبات والنزول من الشرفات.
٩٦٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ إِذَا لَمْ يَفْعُدْ
إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ)).
رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ إِذَا لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا
مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) أي: المسلم لمن شئت من عبادك من النقائص
والمخاوف أو السالم من كل نقص واحتياج وعيب وفناء.
كما مر في التشهد بقاء السلام على معناه المصدري للمبالغة في سلامته تعالى
من ذلك، وألَّا يحل بجنابه الأقدس شائبة تنافي الكمال الأعظم، وإفادة تعريف الجزءين
أنه تعالی مختص بذلك لا شرکة فیه غیره.
(وَمِنْكَ السَّلَامُ) فيه بمقتضى تقدم الظرف حصر أيضًا؛ أي: ما سواك في معرض
النقص والافتقار إلى السلامة من عصيانك والأمن من مقتك وغضبك
(تَبَارَكْتَ) تعاظمت عما لا يليق بكمالك الأقدس (يَا ذَا الْجَلَالِ) المقتضي لذل الخلق
بين يديك ورهبتهم من سطوتك وانتقامك، وإن حلَّت مراتبهم وقضيت
مآربهم (وَالإِكْرَامِ))) على عبيدك بمحض فضلك عليهم بما لا يبلغ أعمالهم [ .... ]
لاستحقاقه.
(١) أخرجه مسلم (١٣٦٣)، وابن ماجه (٩٧٧)، والنسائي (١٠١٩٩).

١٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) واستفيد منه ندب هذا الذكر عقب السلام وقولها: ((إنه وَّ كان
لا يقعد عقب السلام إلا قدر ذلك)) مر أنه كان يفعله في بعض الأحيان، وفي بعضها
كان يقوم عقب سلامه، فمن ثم قلنا: السنة الكاملة للإمام أن يقوم عقب سلامه، ثم
يجلس بمحل آخر للذكر والدعاء، فإن لم يرد هذا الأكمل وجلس، فليكن سرًّا بقدر
ذلك الذكر فإن لم يرد هذا أيضًا جعل يمينه إليهم ويساره للمحراب.
ومر أيضًا أنه يستثنى من ندب قيامه ما بعد صلاة الصبح؛ لأنه وال# كان يجلس
فيه إلى طلوع الشمس، وحض على أن كل أحد يقول عشرًا قبل أن يثني رجله: ((لا إله
إلا الله وحده لا شريك له ... إلى آخره)(١) وكذا بعد العصر والمغرب.
٩٦١ - [وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َلَّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ
ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكِ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(٩).
(وَعَنْ تَوْبَانَ عَ﴾ قَالَ: كَانَّ رَسُولُ الله ◌ِ إِذَا انْصَرَفَ) أي: سلم (مِنْ صَلَاتِهِ
اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) وحكمته إظهار هضم النفس، وأنها لم تقم بحق الصّلاة ولم تأتِ بما
ينبغي لها فكانت في غاية التقصير والمقصر يستغفر لعل أن يتجاوز عن تقصيره، وكان
هذا هو سبب قول النووي: ينبغي أن يقدم الاستغفار على سائر أنواع الذكر الوارد عقب
السلام.
قال غيره: ثم ((اللَّهُمَّ أنت السلام إلى الإكرام لا إله إلا الله وحده لا شريك له
إلى قدير)) ثم رتب كثيرًا من الأذكار الماضية والآتية كما بينته في ((شرح
العباب)).
(وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكِ السَّلَامُ) وزاد بعضهم: ((وإليك يرجع
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٧٥)، وعبد الرزاق (٣١٩٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢١).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٦٢)، والنسائي (١٣٣٦)، وابن حبان (٢٠٣٧)، والطبراني في مسند الشاميين
(١٠٥٨).

١٧٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
السلام)»(١) ورد بأنه ليس في الروايات، وبفرضه فمعناه أنه كالذي قبله بيان لـ((أنت
السلام)) أي: ليست سلامتك من النقائص والحوادث والغير ناشئة عن غيرك، بل ذلك
ثبت لك لذاتك من حيث هي لا بواسطة أحد، كيف وأنت الذي تسلم غيرك من
مخاوفه، وإليك يرجع جميع سلام المسلمين؛ إذ ليس منه إلا صورة، وأما حقيقة
فصادرة منك وراجعة إليك (تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٩٦٢ - [وعن الْمُغِيرَة بن شُعْبَة ◌َ﴾: إِنّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ
مكتوبة: لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌّ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أُعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وعن الْمُغِيرَة بن شُعْبَة عَهُ: إِنّ النَِّيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلُّ صَلاةٍ مكتوبة:
لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء والاهتمام بمقام
التوحيد، ونفي الشريك (لَهُ) دون غيره كما أفاده تقديم الظرف (الْمُلْكُ) إيجادًا
وإمدادًا وحكمًا وتصرفًا وإحياءً وإماتةً وإعطاءً ومنعًا وغير ذلك.
(وَلَهُ) دون غيره أيضًا (الْحَمْدُ) أي: كل فرد من أفراد الثناء الحسن؛ إذ لا
يستحق أحد من ذلك شيئًا بالحقيقة؛ لأنه المعطي والمانع والضار والنافع وليس لمن
سواه من ذلك الأسماء والصور (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) شاءه وأراده (قَدِيرٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ
لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) أي: صاحب الغنى
والحظ والمال عندك غناه ونحوه، وإنما ينفعه لطفك وعفوك ورضاك وتوفيقك كما مر
ذلك وغيره مبسوطًا في أذكار الاعتدال (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢٣٣٣/٢) وقال: لا أصل له أي في كونه حديثًا، وإلا فهو كلام
صحيح المعنى والمبنى.
(٢) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (١٣٦٦)، وأحمد (١٨٦٤٩)، والنسائي (١٣٥٠)، والترمذي
(٣٠٠).

١٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
٩٦٣ - [وَعَنْ عَبْد الله بن الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله
ويتـ
إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
الْخَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَلَا نَعْبُدُ إِلَّ
◌ِيَّاهُ، لَهُ النَّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَّهَ إِلَّ الله ◌ُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْكَرِةٍ
الْكَافِرُونَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا
سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى) لتعليم أصحابه كما مر بسطه (لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرُ، لَا حَوْلَ) أي: تحول
عن المعصية والمخالفة (وَلَا قُوَّةَ) أي: على الطاعة.
(إِلَّا بِالله) أي: بمعونته وإرادته وإقداره وإلهامه، ولما كانت هذه الكلمة مع
غاية اختصارها مشتملة على التفويض الكلي وسلب الحول والقوة المستلزم لعدم
رؤية الأعمال وعدها، وأنه ليس له شيء يستحق عليه ثوابًا أو عطاء، وأن الكل من
محض فضل الله فحسب كانت كنزًا، وأيّ كنز من كنوز الجنة كما أخبر به
منكلآه؟
رسام
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّ إِيَّاهُ لَهُ التّعْمَةُ) وهي كل ما يصل إليك مما يلائمك،
وتحمد عاقبته ومن ثم قيل: لا نعمة لله على كافر، وإنما ملاذه استدراج وتقديم الظرف
يؤذن بالحصر و((أل)) للجنس أو الاستغراق؛ أي: ما من نعمة دقيقة وجليلة إلا وهي
من الله تعالى، وإن كانت على أيدي وسائط كثيرين؛ لأنهم ليس لهم إلا الصورة والاسم
فقط، وأما الحقيقة فهي لله وحده (وَلَهُ الْفَضْلُ) أي: التفضل على عباده بما لا
يستحقونه.
(وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) فهو تعالى يستحقه على عباده بطريق الذات لا بواسطة نعمة
ولا غيرها، بل وإن انتقم (لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ) حال من فاعل يقول الدال عليه:
(١) أخرجه مسلم (١٣٧١)، وأحمد (١٦٥٣٤)، والنسائي (١٣٤٨).

١٧٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
((ولو كره)) أي: قولنا: الكافرون كذا.
قيل: وفيه تكلف والأولى جعله حالاً من فاعل ((نعبد)) المذكور؛ أي: لا
نعبد إلا إياه معتقدين اتصافه بهذه الأوصاف الجليلة ومخلصين.
(الدِّينَ) أي: العبادة له دون غيره فلا نقصد بها إلا ذاته، فإن أثابنا فمن فضله
وإن عاقبنا فبعد له، فله طرق للدين قدم عليه للاهتمام (وَلَوْ) غاية لمحذوف دل عليه
السياق؛ أي: يظهر ذلك ويعتقده ويدين به وإن (كَرِهِ) ذلك منا (الْكَافِرُونَ) لأنه
الحق الذي ستروه بعنادهم والصدق الذي لم يذعنوا له لضلالهم وفسادهم (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
٩٦٤ - [وَعَنْ سَعْد ﴿ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ الله
وَلِ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاة: اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ سَعْد عَّ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) الآتية (وَيَقُولُ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاة: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ) هو مقابل
الشجاعة التي هي الجود بالنفس (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ) هو مقابل السخاء الذي هو
الجود بالمال، سأل الجود نفسه وماله في الله واستعاذ عن ضدهما؛ لأنه يقطع عن
الوصول إلى الحضرة الإلهية، ويوجب الحرمان عن الظفر بشيء من معارفها الربانية.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ) أن أرد إلى (أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي: آخره الذي هو أردأه لاستلزامه
للهرم والعجز والخرف والعود إلى حال الطفولية المنافي لما خلق الإنسان له من العلم
والمعرفة، وأداء العبادات الباطنة والظاهرة على وجهها الأكمل، والتفكر في مصنوعات
الآية الموجب للشكر وأداته المراقبة أو الشهود، فليضيع الأرذل هذه الكمالات العلية
كانت الاستعاذة منه متأكدة لا سيما في آكد أوقات الإجابة.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) التي من شأنها أن تلهي عن الله وتقطع عن
(١) أخرجه البخاري (٢٨٢٢)، والترمذي (٣٩١٥).

١٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
عبادته، وأن تطمس القلب عن التطلع إلى شهود الآية ومصنوعاته (وَ) من (عَذَابٍ
الْقَبْرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
٩٦٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﴾ قَالَ: إِنَّ فُقِرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِلَّهِ فَقَالُوا:
قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّتُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ
كَمَا نُصَلِّ وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيَعْتِقُونَ وَلَا نَعْتِقٍ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ
بَعْدَكُمْ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
تُسبحونَ وَتُكَبِّرونَ وتَحْمَدونَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ مَرَّة، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ
فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إلى رسولِ الله وَّةٍ، فقالوا: سَمِعَ إخوَانُنا أَهْلُ الأُمْوالِ بِمَا فَعَلْنَا
فَفْعَلوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَليسَ
قَولُ أَبِي صَالح ... إِلى آخِرِهِ إِلَّا عِنَدَ مُسلمٍ، وَفِي رِوَايِةٍ للبُخَارِي: تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلٌّ
صلاةٍ عَشرًّا، وَحْمَدُونَ عَشرًّا، وتُكَبِرونَ عَشرًا بَدَل ثلاثًا}(١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: إِنَّ فُقْرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ الله ◌َِّ فَقَالُوا: قَدْ
ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ) جمع دثر بسكون المثلثة، وهو المال الكثير (بالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالتَّعِيمِ
المُقِيمِ) فضلاً عن العاجل، لكنا لا نتأسف على استبشارهم علينا به، فإنه قلما يصفو
عن شوائب الكدر، وإن فرض صفاؤه بطريق الندرة أو فعرض وقوع المحال، فهو
معرض لسرعة الانقضاء والزوال، والثاء هنا للمصاحبة؛ أي: ذهب ومضى أهل
الأموال الباذلين لها في الطاعات لسد الخلات والفاقات، مصاحبين وفائزين بدرجات
الجنة العالية ونعيمها الخاص بمن أتى المال على حبه، وأنفقه في وجوه الخير؛ ليتقرب به
إلى ربه، ولم يتركوا الناس من أسباب الفوز بتلك الدرجات شيئًا يختص به
عليهم.
(فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أي: وما سبب فوزهم وحيازتهم لها دونكم (قَالُوا) لأنهم
-
(١) أخرجه مسلم (٥٩٥)، والبيهقي (٢٨٤٧).

١٧٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الذكر بعد الصّلاة
(يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّ وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَ) يزيدون علينا بأنهم (يَتَصَدَّقُونَ وَ) نحن
(لَا نَتَصَدَّقُ وَيَعْتِقُونَ) الرقاب (وَ) نحن (لَا نَعْتِقِ، قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: أَفَلَا) الاستفهام
فيه للتقرير والتشويق والحث على المبادرة لحفظهم ما يلقيه عليهم (أَعَلِّمُكُمْ شَيْئًا
تُدْرِكُونَ بِهِ) نوعًا من كمال (مَنْ سَبَقَكُمْ) من متقدمي الإسلام عليكم من هذه
الأمة، أو تدركون به جميع كمال من سبقكم من الأمم.
(وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ) من متأخري الإسلام عنكم أو الوجود عن
عصركم (وَلَا يَكُونُ أَحَدُّ) من الأغنياء وغيرهم في زمن من الأزمنة (أَفْضَلَ مِنْكُمْ)
أي: ولا مساويًا لكم (إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم) فإنه الذي يساويكم في ثواب
ذلك العمل، واحتيج إليه لبيان أن من عمل من غير الصحابة مثل عملهم أثيب مثل
ثوابهم، وإن امتازوا على غيرهم بفضيلة الصحبة والمشاهدة له وَي التي لا يوازيها عمل
آخر، فلولا ذلك الاستثناء لربما توهم أن بقية أعمالهم لا تلحق أيضًا، وإنما قدرت
المستثنى منه محذوفًا لتعذر صحة الاستثناء من المذكور إلا بتكلف سلكه الشارح فيه
ما فیہ کما یعلم.
(قَالُوا: بَلَى) علمنا ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: تُسبحونَ وتُكَبِّرونَ وتَحْمَدونَ دُبُرَ
كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ مَرَّة) أي: كل واحدة ثلاثًا وثلاثين أو المجموع ذلك، فيكون
كل واحدة إحدى عشرة، وأكثر الروايات إن التسبيح ثلاث وثلاثون وكذا التحميد
وكذا التكبير ويختم المائة بـ«لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلى آخره)».
وفي روايات: إن الأولين كذلك، والتكبير أربع وثلاثون وسيأتي ذلك، وأمَّا
الإحدى عشرة من كل فهو من رواية، ويجمع بحمل هذه على حصول أصل السنة
وإحدى الأوليين على كمالها، وسيأتي قبيل الفصل أن ما أفهمه ظاهر هذه الرواية من
أنه يأتي بالثلاث والثلاثين مختلطات لا بكل نوع على حدته غير معمول به بالنسبة
للأکمل؛ إذ هو أن يأتي بكل عدد كل نوع على حدته.
(قَالَ أَبُو صَالِح) في روايته: (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلى رسولِ الله وَّ، فقالوا:

١٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
سَمِعَ إِخوَانُنا) أي: فلم يقل ذلك حسدًا لهم على ما تميزوا به عنا من الأموال، بل
لنعوض ما يخبر بذلك التميز؛ لأن التنافس في أمور الآخرة محبوب، قال تعالى: ﴿وَفِي
ذَلِكَ﴾ أي: نعيم الجنة ﴿فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
(أَهْلُ الأُمْوالِ) بدل، وعبروا بأهل الدثور، وثانيًا بأهل الأموال تفننًا (بِما) عدى
(سمع)) بـ(الباء)) لأنه ضمن معنى الإخبار؛ أي: أخبروا بما (فَعَلْنَا) أي: قلنا من الذكر
المذكور، وإطلاق الفعل على القول سائغ شائع، وقيل: يشترط كون القول دائمًا مستمرًا
راسخًا رسوخ الفعل. انتهى.
ويرد بأن المسوغ ليس المشابه بينهما التي عنها مشترط ذلك، بل أن القول فعل
الشأن، فحينئذٍ لا يشترط ذلك (فَفعَلوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ذلك) أي: غير
سابقة الزائدة من الثواب الذي حصل لهم على الجود بأموالهم منضمًا إلى فعلهم مثلما
فعله الفقراء.
(فَضَلُ الله) أي: عطاؤه من غير سابقة استحقاق (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) من عباده،
فعليكم التسليم لقضائه والرضا بقسمته، وفي هذا أوضح شاهدًا لتفضيل الغني
الشاكر على الفقير الصابر؛ لأنه يفعل مثل فعله من الطاعات القولية والفعلية ويزيد
بالعبادات المالية، ثم رأيت الشارح ذكر ذلك، ثم بورك عليه بأن الغني لا يخلو من
أنواع الخطر وللفقر أمن منه. انتهى.
ويجاب بأن هذا إنما يتأتى في غني عنده بقايا التفات إلى ما في يده واشتغال به
وتنميته حتى يتمتع به هو أو وارثه، وليس الكلام في مثل هذا الغني، بل فقير صابر
أفضل من ألوف من مثل هذا بخلاف الغني الشاكر، وهو الذي انتزع حب الدنيا والنظر
إليها وعدها شيئًا من قلبه لامتلائه بالنظر إلى ربه وما يرد عليه من فضله، وخروجه
عن كل ما في ملكه حتى يصير كالخازن المأمور حتمًا بالإنفاق في وجوه الخير كل وقت،
فهذا مادام بوصف الشكر المتضمن لذلك الكمال لا يخاف عليه من خطر من حيث
المال أصلاً، فبطل ما بورك به، وبأن أنه في غير ما نحن فيه فتأمله (مُتَّفَقَ عَلَيهِ).