Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصلاة على النبي وَيهر وفضلها
أولى، بل صرح ابن عباس وابن مسعود وغيرهما بأنه وَ ل﴾ مات شهيدًا، وعن الحسن
البصري مرفوعًا: ((لا تأكل الأرض جسد من كلم روح القدس)»(١) وهو مرسل حسن.
٩٢٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ◌َّهِ رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ
عَلَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ
أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](٢).
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ﴿ رَغِمَ) بفتح المعجمة وكسرها (أَنْفُ رَجُلٍ) أي:
لصق بالدغام وهو التراب، هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف
والانقياد على كره، وعبر بعضهم عن ذلك بقوله: لصق أنفه بالتراب ذلاً وهوانًا، وقيل:
معناه اضطرب.
(ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ) كان
وجه الإتيان بها هنا أن بين ابتداء رمضان وبين انقضائه مهملة طويلة، بخلاف سماع
ذكره وَلله والصّلاة عليه، فإنها تطلب عقب السماع من غير مهملة، وكذلك بر
الوالدين، فإنه يتأكد عقب احتياجهما المكني عنه بالكسر، ولِمّ لم يحط الشارح
بذلك تكلف له، فقال: ((ثم)) هذه استبعادية كما في قولك لصاحبك تأديبًا له: بئس ما
فعلت وجدت تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، وكذا الفاءان في قوله: ((فلم يصل علي)) و((فلم
یدخلاه الجنة)).
ويؤيده ورود هذا الحديث في بعض روايات صحيح مسلم بلفظ ((ثم)) بدل الفاء
في قوله ((فلم يدخلاه الجنة)) ونظير وقوع الفاء موقع ((ثم) الاستبعادية قوله تعالى في
سورة الكهف: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتٍ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧].
وفي سورة السجدة: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] انتهى.
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد (٧٤٤٤)، والترمذي (٣٥٤٥) وقال: حسن غريب. وابن حبان (٩٠٨)، والحاكم
(٢٠١٦).

١٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
فإن قلت: فعلى ما ذكرته من أن الفاء على بابها و((ثم)) على بابها هل لرواية مسلم
المصرحة ثم في الأخيرين وبالفاء في الأولى وجه؟
قلت: نعم وأي وجه؛ لأن بين بر الأبوين ودخول الجنة تراخيًا؛ أي: تراخ وهو
يصح أن يراد به حقيقة، عبر بثم، وعند إرادة مجازه عبر عنه بالفاء.
وأمَّا انسلاخ رمضان فمتراخ عند ابتدائه ولا تحتمل غیر ذلك؛ فلذا أتی فیه بثم
في جميع الروايات والصلات عقب السماع مطلوبة، ولا يحتمل خلاف ذلك، فلذا أتى
فيه بالفاء في جميع الروايات، فتأمل هذا فإنه أظهر وأوضح مما قاله الشارح، بل وفيه من
الدقة والتنبيه على تلك الحكم التي أشرت إليها مما يعلن بعظيم بلاغته رؤية ما ليس
في الذي ذكره الشارح وتكلفه، والإتيان لا شاهد له فيهما لما ذكره بل الفاء، وثم كل
منها على حقيقتها تنبيهًا على أن من الإفهام من يصل إلى حقيقة المسموع بمجرد
سماعه فیبادر مع ذلك إلى الإعراض عنه.
ومنها: من لا يفهمه إلا بعد مزيد تأمل فيه، ومضي زمن طويل لذلك، ثم يغلب
عليه العناد مع ذلك فيعرض فوقعت الفاء في محلها الأنسب بها، وكذلك ((ثم)) فتأمل
ذلك فإنه الحق إن شاء الله تعالى وبه يظهر لك سر تعبيره # بالانسلاخ ويقبل،
وتأخير أن يغفر له وعدوله عن مقتضى السياق، وهو دخل عليه رمضان فلم يغفر له.
(افْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) أي: لسوء ما انطوى عليه من رياء ونحوه أبطله عمله
المقتضي للمغفرة (وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلِ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرِ أَو أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ
الْجَنَّةَ) بعدم برهما والإحسان إليهما (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وطرقه كثيرة بعضها صحيح
وبعضها حسن وبعضها ضعيف.
فمن الصحيح حديث كعب بن عجرة﴾ قال: قال لنا رسول الله خلال﴾: ((أحضروا
المنبر)) فحضرنا فلما ارتقى درجة قَالَ: ((آمين)) ثم ارتقى الثانية فقَالَ: ((آمين)) ثم ارتقى
الثالثة فقَالَ: ((آمين)) فلما نزل قلنا: يَا رَسُولَ الله، قد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا
نسمعه، فقَالَ: ((إن جبريل عرض لي فقال بَعُدَ؛ أي: بالضم عن الخبر وبالكسر هلك

١٢٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّار وفضلها
من أدرك رمضان، فلم يغفر له قلت: آمين، فلما رقيت؛ أي: بكسر القاف في الماضي
وفتحها في المضارع ضد الرقية فيهما الثانية قَالَ: بعد من ذكرت عنده فلم يصل
عليك قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما
فلم يدخلاه الجنة قلت: آمين))(١).
ومنه أيضًا لكن في سنده من اختلف في توثيقه: ((صعد ◌َ﴾ المنبر فلما رقي
عتبة قال آمين، ثم رقي أخرى فقَالَ: آمين، ثم رقي ثالثة فقَالَ: آمين، ثم قال أتاني
جبريل فقَالَ: يا محمد، من أدرك رمضان فلم يغفر له بعده الله فقلت: آمين، قَالَ:
ومن أدرك والديه فدخل النار فأبعده الله قلت: آمين، قَالَ: ومن ذكرت عنده فلم
يصل عليك فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين))(٢).
وفي هذه الرواية أوضح إشارة إلى أنه ينبغي ترك الانتصار للنفس؛ لأنه ◌َله في
الأولين بادر للتأمين من غير أمر؛ لأن الحق لله تعالى، وفي الثالثة التي هي حقه لم يقله
حتى أمر به، ومن الحسن رقى وَله المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال: آمين، الحديث
بمعنى الذي قبله إلا أنه عبر في كل من الثلاث بقوله: شقي عبد.
ومنه أيضًا: ((صعد ﴿ المنبر فقَالَ: آمين آمين آمين، فلما نزل سئل عن ذلك
فقال أتاني جبريل ... )(٣) بمعنى الذي قبله أيضًا إلا أن فيه ((رغم أنف امرئ)) في الثلاث.
ومنه أيضًا: ((دخل ﴿ المسجد وصعد المنبر فقَالَ: آمين آمين آمين ... )) كالذي
قبله إلا أن فيه في الدعاء في كل من الثلاث: ((فأبعده الله ثم أبعده الله))(٤).
ومن الضعيف إلا أن له شواهد كما يرى: ((ارتقى ◌َ﴾ المنبر درجة فقَالَ: آمين،
ثم ارتقى درجة فقَالَ: آمين، ثم ارتقى الثالثة فقَالَ: آمين، ثم استوى فجلس فقال
(١) أخرجه الحاكم (٧٣٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٣٤).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤١٠).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥١)، والبيهقي (٨٧٦٧).
(٤) أخرجه الطبراني (١٩٩٠)، وابن حبان (٩٠٩).

١٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
أصحابه: أي نبي الله على ما أمنت؟ قَالَ: أتاني جبريل ... ))(١) بمعنى ما سبق.
وفي رواية للبيهقي: «لما بنى * المنبر جعل له ثلاث عتبات، فلما صعد العتبة
الأولى قَالَ: آمين، ثم صعد العتبة الثانية فقَالَ: آمين، حتى إذا صعد العتبة الثالثة
فَقَالَ: آمين، فقال المسلمون: يَا رَسُولَ الله، رأيناك تقول آمين آمين ولا نرى أحدًا،
فقال ◌َله: إن جبريل القليه صعد قبلي العتبة الأولى فقَالَ: يا محمد، فقلت: لبيك
وسعديك، قَالَ: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله قل: آمين، فقلت:
آمين، فلما صعد العتبة الثانية قَالَ: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك قَالَ: من أدرك
شهر رمضان فصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل:
آمين، فقلت: آمين، فلما صعد العتبة الثالثة قَالَ: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قَالَ:
من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات، ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل:
آمين، فقلت: آمين))(٢).
وفي رواية: ((شقي امرؤ أو تعس امرؤ)) (٣) في الثلاثة.
وفي الأخرى في الأبوين: ((ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل
النار فأبعده الله قل: آمين))(٤).
وفي رواية بسند ضعيف: ((من ذكرت عنده فلم يصل عليّ)).
وفي أخرى: ((من ذكرت عنده فنسي الصَّلاة عليّ) أي: تركها عمدًا على حد:
﴿فَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
﴿كَذَلِكَ أَتَنْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦].
﴿الَّوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤].
(١) أخرجه البيهقي (٨٢٨٧).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٦٩).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه ابن حبان (٩٠٧)، وأبو يعلى (٥٩٢٢).

١٢٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي رَّةٍ وفضلها
وفي رواية: ((فلم يصل علي، فقد خطئ طريق الجنة))(١).
وفي أخرى: ((من ذكرت عنده فنسي الصَّلاة علي، خطئ طريق الجنة))(٢) ولهذا
الحديث طرق كثيرة يبلغ بها درجة الحسن، وخطئ بفتح فكسر ثم همز يقال خطئ:
أثم وأخطأ سلك سبيل الخطأ ولو سهوًا وخطئ؛ بمعنى: أخطأ، وقيل: خطئ إذا تعمد،
وأخطأ إذا لم يتعمد.
وروى الديلمي: ((من ذكرت عنده فلم يصل علي دخل النار))(٣).
وفي رواية صحيحة مرسلة: ((من الجفاء أن أذكر عند رجل مسلم فلم يصل
علي))(٤) والجفاء بفتح الجيم وبالمد أصله: البعد، ويطلق على غلظ الطبع، والمراد به هنا:
ترك البر والصلة.
وفي أخرى: ((بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي»(٥).
وفي أخرى: ((البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)) (٦) وطرق الحديث
مستكثرة جدًّا وسيأتي ذلك في الفصل الثالث.
(تنبيه):
لا يتم الالتئام بين أحاديث تلك الخصال الثلاث إلا بادعاء الواقعة متعددة، أو
أن بعضهم روى باللفظ والباقين بالمعنى، ووجه الدعاء على من فرط في هذه الثلاث
بالبعد: أُمَّا في الأولى؛ فلأن الصّلاة عليه وَل﴾. كناية عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظمه
عظمه الله ورفع قدره، ومن لا أذله وأهانه؛ لتهاونه بأمر الواسطة الكريمة من غير
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٣٥).
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٣)، والطبراني (١٢٨١٩).
(٣) أخرجه ابن حبان (٩٠٧)، وأبو يعلى (٥٩٢٢).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣١٢١).
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٢٥).
(٦) أخرجه أحمد (١٧٣٦)، والنسائي في الكبرى (٨١٠٠)، وأبو يعلى (٦٧٧٦)، وابن حبان (٩٠٩)،
والطبراني (٢٨٨٥)، والحاكم (٢٠١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٦٦)، والضياء (٤٢٤).

١٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
مشقة أصلاً يحصل له لو صلى عليه، وتضييعه ما أعده الله بين صلاته عليه في مقابلة
الواحدة عشرًا، بل سبعين، بل ألفًا، وكذا ملائكته كما مر مع عشر حسنات ومحو
عشر سيئات ورفع عشر درجات وثواب عتق عشر رقاب، فمن فوَّت هذه الموانح
حقيق بأن يضرب عليه الذلة والهوان، وأن يبوء بغضب الله ومقته وطرده.
قيل: ويخشى على الكاتب إذا رمز للصلاة بصورة ((صلعم)) أن يندرج في هذا
القبيل لتهاونه وقلة أدبه.
وأمَّا في الثانية: فلأن رمضان شهر الله المعظم وسيد الشهور كما في: ﴿أَنزِلَ فِيهِ
القُرْآنُ﴾ الذي هو ﴿هُدَّى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمن
وجد فرصة إدراكه فعظمه وأخلص فيه وقام فيه إيمانًا واحتسابًا عظمه الله، ومن لا
أذله الله.
وأمَّا في الثالثة: فلأن أولى الناس بالبر والإحسان والداه اللذان كانا سببًا لوجوده
وتربيته، وبذلا نفوسهما دون نفسه، ومن ثم قرن تعالى برهما والإحسان إليهما
بتوحيده وعبادته في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّ إِيَّهُ .. ﴾ [الإسراء: ٢٣]
وأمر ببرهما ومصاحبتهما بالمعروف مع مجاهدتهما له على الإشراك به وعبادة غيره
بقوله تعالى: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي .. ﴾ [لقمان: ١٥] فمن قام بذلك لا سيما في
حال هرمهما وانقطاع كسبهما وانحصار كفالتهما والقيام بأودهما فيه فقد عظم الله
وأمره، ومن لا فقد أعرض عن الله وكفر أنعمه، فجدير بأن يهينه ويذله، فإن قلت: ما
وجه المناسبة بين جمع هذه الثلاثة في هذا السياق؟
قلت: هو أنه ◌َّ﴿ اجتمع فيه سيادة الخلق أجمعين وأبوة الشفقة والرحمة للأمة؛
لأنه أشفق بهم من آبائهم وأمهاتهم، فناسب أن يذكر مع التفريط في حقه حكم
التفريط في حقه حكم التفريط في سيد الشهداء، وحكم التفريط في باب القلب،
فكان بين تلك الثلاثة تمام المناسبة، فافهم.
وفي (شرف المصطفى)) لأبي سعيد الواعظ أن عائشة - رضي الله عنها - كانت

١٢٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها
تخيط شيئًا في السحر فضلت الإبرة وطفئ السراج، فدخل النبي وله فأضاء البيت
بضوئه ووجدت الإبرة فقالت: ما أضوأً وجهك يا رسول الله، قال: «ويلُّ لمن لا يراني
يوم القيامة)) قلت: ومن لا يراك؟ قال: ((البخيل)) قلت: ومن البخيل قال: ((الذي لا
يصلي علي إذا سمع اسمي))(١).
وروى أبو نعيم أنه مربه و 85* رجل ومعه ظبي اصطاده فقالت: يا رسول الله، إن
لي أولاد أرضعهم وهم جياع فأمر هذا أن يخليني حتى أذهب فأرضعهم وأعود، قال:
((فإن لم تعودين)) قالت: إن لم أعد فلعنني الله كمن تذكر بين يديه فلا يصلي عليك،
أو كنت كمن ولم يدع فقال: ﴿5﴾ ((أطلقها وأنا ضامنها)) فذهبت الظبية ثم عادت،
فنزل جبريل وقال: يا محمد، الله يقرئك السلام ويقول لك: ((وعزتي وجلالي؛ لأنا أرحم
بأمتك من هذه الظبية بأولادها، وأنا أردهم إليك كما رجعت الظبية إليك ◌َل))(٢).
وفي (شرف المصطفى)) أيضًا: إنه ولي قال: «ألا أدلكم على خير الناس، وشر
الناس، وأبخل الناس، وأكسل الناس، وألأم الناس، وأسرق الناس، قيل: يَا رَسُولَ الله
بلى، قَالَ: خير الناس من انتفع به الناس، وشر الناس من يسعى بأخيه المسلم، وأكسل
الناس من أرق في ليلة فلم يذكر الله بلسانه وجوارحه، وألأم الناس من إذا ذكرت
عنده فلم يصلّ علي، وأبخل الناس من بخل بالتسليم على الناس، وأسرق الناس من
سرق صلاته، قيل: يَا رَسُولَ الله، كيف يسرق صلاته؟ قَالَ: لا يتم ركوعها ولا
سجودها».
وصح خبر: ((بحسب المرء من البخل أن أذكر عنده، فلا يصلي علي»(٣).
وفي لفظ: («كفى به شحًّا أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي»(٤).
(١) لم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٧٠١).

١٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وصح أن: (أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي))(١).
وصح أيضًا: (ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيه وَيّ
إلا كان عليه ترة يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم))(٢) والترة: بكسر
الفوقية وتخفيف الراء المفتوحة: الحسرة، كما في رواية: ((إلا كان عليهم حسرة إلى يوم
القيامة))(٣) وقيل: الترة النار، وقيل: الذنب، وقيل: النقص، وقيل: التبعة وهاؤها عوض
عن الواو كعدة، ويجوز رفعها ونصبها على اسم كان وخبرها.
وفي أخرى صحيحة: ((إلا قاموا عن أنتن جيفة))(٤).
وصح أيضًا: ((ما جلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه على رسول الله وليه إلا كان
عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب))(9) أي: فتجسرهم على ترك
الصّلاة عليه # الذي فاتهم بسببه ما يشاهدونه من عظيم ثوابها يكون عند وزن
الأعمال ورؤية جزائها لا في الجنة؛ لأنه لا حسرة فيها.
٩٢٨ - [وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ
فَقَالَ: ((إِنَّهُ جَاءَتِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَكَ يَقُول: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدٌ أَلَّا يُصَلِّ عَلَيْكَ
أَحَدُّ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمَ عَلَيْكَ أَحَدُّ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ
عَلَيْهِ عَشْرًا)). رَوَاهُ النَّسَائِيّ والدَّارِمِيّ](٦).
(وَعَنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري (﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي
(١) أخرجه الحارث في مسنده (٥١).
(٢) أخرجه البيهقي (٥٥٦٣)، وابن المبارك (٩٦٢).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٢٤٢)، والبغوي في الجعديات (٧٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان
(١٥٧١).
(٤) أخرجه الطيالسي (١٨٥٤).
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٢٤٢)، والبغوي في الجعديات (٧٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان
(١٥٧١).
(٦) أخرجه النسائي (١٣٠٣)، والدارِيي (٢٧٧٣).

١٢٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّ وفضلها
وَجْهِهِ) جعل ظرفًا ومكانًا له إعلامًا بتمكنه وعظمة وقعه، ومن ثم جاء في رواية أنه
رأى عنده ◌َل من طيب النفس وظهور السرور والبشر ورق الأسارير ما لم ير مثله،
فسأله عن ذلك (فَقَالَ: ((إِنَّهُ جَاءَفِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَكَ يَقُول: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدٌ)
أي: فإننا وعدناك بأننا سوف نعطيك ما ترضى، فقلت: إذا لا أرضى وأحد من أمتي في
النار، فكان رضاك فيما يعود لأمتك من مزايا فضلنا وعطايا كرمنا وجودنا، فمن ثم
أعطيناك فيهم أيضًا.
(أَلَّا يُصَلَّ عَلَيْكَ أَحَدُ مِنْ أُمَّتِكَ، إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْكَ
أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا) فلیتم بشرك ولیردد ثناؤك وشكرك، فإننا
أعطيناك فيهم ما لم نعطه رسولًا في أمته كل ذلك بواسطة التفاتك إليهم واعتنائك
ورأفتك ورحمتك بهم فليديموا الصّلاة عليك قيامًا بشكرك، وإظهارًا لعظيم تفضلك
عليهم حتى يجازوا بما لم يجازيهم غيرهم (رَوَاهُ) أحمد و(النَّسَائِيّ والدَّارِمِيّ) والحاكم
وابن حبان وصححاه وطرقه كثيرة منتشرة.
ففي لفظ في سنده ضعف أتاني آت من ربي، فقال: ((من صلى عليك من أمتك
واحدة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر
درجات»(١) ورد عليه مثلها.
وفي أخرى: «أتاني الآن آت من ربي فأخبرني أنه لن يصلي علي أحد من أمتي إلَّا
ردها الله عليه عشر أمثالها)»(٢).
في أخرى: «وما يمنعني أن أطيب نفسًا، وإنما خرج جبريل التكفير آنفًا فأخبرني
أنه من صلى عليَّ صلاة كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات))(٣) ورد
علیه مثل ما قال.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٦١).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٣١/٨).

١٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وفي أخرى: ((وما يمنعني وهذا جبريل قد خرج من عندي آنفا، فقال: قال الله
تعالى: من صلى عليك صلاة صليت عليه بها عشرًا ومحوت بها عنه عشر سيئات
وكتبت له عشر حسنات))(١).
وفي أخرى: ((وما يمنعني أتاني جبريل العَئها فقال: بشر أمتك أن من صلى عليك
صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، وكفّر عنه بها عشر سيئات ورفع له بها عشر
درجات ورد الله عليه لك مثل قوله وعرضت عليه يوم القيامة))(٢).
وفي أُخر: ((وكيف لا تطيب نفسي ويظهر بشري؟ وإنما فارقني جبريل القي
الساعة فقال: أبشر يا محمد، من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر
حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات ورفعه بها عشر درجات، وقال له الملك مثل ما
قال لك. قلت: يا جبريل، وما ذلك الملك قال: إن الله ثمت وكل ملكً منذ خلقك إلى أن
يبعثك لا يصلي عليك أحد من أمتك إلَّا قال: وأنت صلى الله عليك))(٣).
وفي أُخرى: يا نبي الله، مازلت حسنًا وجهك ولم أرك أحسن وجهًا منك اليوم،
وإني لأظن أن جبريل أتاك اليوم ببعض البشارة، قال: ((نعم، انطلق من عندي فأخبرني
أن الله يقول: ما من مسلم يصلي عليك صلاة واحدة))(٤).
وفي رواية: ((خرج جبريل الثليها من عندي آنفا يخبرني عن ربه لك ما على الأرض
مسلم صلى عليك واحدة إلَّا صليت عليه أنا وملائكتي عشرًا، فأكثروا من الصّلاة
علي يوم الجمعة، فإذا صليتم علي فصلوا على المرسلين فإني رجل من المرسلين))(٥).
وفي رواية زيادة: ((ولا يكون لصلاته منتهى دون العرش لا تمر بملك إلَّا قال:
(١) أخرجه بنحوه الطبراني (٤٧١٩).
(٢) أخرجه الطبراني (٤٧٢١).
(٣) أخرجه الطبراني (٤٧٢٠).
(٤) لم اقف عليه.
(٥) لم اقف عليه.

١٣١
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي رَيّة وفضلها
صلوا على قائلها كما صلى على النبي (وَلات))(١).
٩٢٩ - [وَعَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ،
فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: ((مَا شِئْتَ)). قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ
فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قَالَ: النّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَالقُلُثَيْنِ.
قَالَ: ((مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا. قَالَ: ((إِذَّا يُكْفَى
هَمُّكَ وَيُكَفَّر لَكَ ذَنْبُكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](٢).
(وَعَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ) كان رسول الله وَّه إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال:
يا أيها الناس، اذكروا الله فإن الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه قال: إني (قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاقِي؟) أي: من
دعائي كما يؤخذ من الرواية الآتية لنفسي فاصرف من زمنه للصلاة عليك فأمرني به
(فَقَالَ: مَا شِئْتَ) لم يجد له تحديدًا، بل فوَّضه لمشيئته حقًا له على أنه لو صرف زمن
عادته لنفسه جمعه للصلاة عليه . لكان أحرى وأولى وخوفًا من أنه لو حد له بحد
لأغلق عليه باب المزید.
(قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ) وفي رواية وأن في الكل (فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.
قَالَ: النّصْفَ. قَالَ: ((مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ. قَالَ: ((مَا شِئْتَ
فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاقِي كُلَّهَا؟) أي أصرف للصلاة عليك
جميع الزمن الذي كنت أدعوا فيه لنفسي.
(قَالَ: إِذَّا يُكْفَى هَمُّكَ) المتعلق بالدنيا والآخرة كما يأتي التصريح به في الرواية
الآتية، ووجه كفاية هذه المهمات بصرف ذلك الزمن للصلاة عليه وسل* أنها مشتملة
على امتثال أمر الله رقمك وعلى ذكره وتعظيم رسوله.
(١) أخرجه الخطيب (٤٠/٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٢٧٩)، وعبد بن حميد (١٧٠)، والترمذي (٢٤٥٧)، والحاكم (٣٥٧٨)، والبيهقي
في شعب الإيمان (١٤٩٩)، والضياء (١١٨٥).

١٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وقد جاء في الحديث القدسي: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أُعطى السائلين)»(١) ففي الحقيقة من لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي، بل حصل
له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به لنفسه ومن ثم قيل:
كفاه من تعرضه الثناء
إذا أثنى عليك المرأ قولي
وحصل له أيضًا ما مر من صلاة الله عليه وملائكته قالوا: وعده عشرًا أو
سبعين أو ألفًا كما مر مع ما انضم لذلك من ذلك الثواب الذي لا يوازيه ثواب؛ فأي:
فائدة أعظم في هذه الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بأنفس من هذه الفوائد، وأنَّى يوازي
دعاؤه لنفسه، وأخذه من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته وله وشرف وكرم.
(وَيُكَفَّر لَكَ ذَنْبُكَ) لأنه يبارك على نفسك الواسطة الكريمة في وصول كل خير
إليك؛ إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين
الحق عليك، ومن رضى عنه لا يعذبه أبدًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وحسنه، وعن ابن حميد في
((مسنده) وأحمد بن منيع والروياني والحاكم وصححه.
وفي رواية: ((إذا ذهب ربع الليل))(9).
وفي أخرى: ((ثلث الليل))(٣) ويجمع بينها بأنه ◌َّ كان يختلف قيامه، فتارة يقدم
وتارة يؤخر.
وفي رواية سندها حسن: «قال رجل: يَا رَسُولَ الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها
عليك، قَالَ: إِذَّا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من دنياك وآخرتك))(٤).
وفي رواية: ((إِذَا يكفيك الله هم الدنيا والآخرة)(٥).
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٠٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٢).
(٢) أخرجه الحاكم (٣٥٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٤٧٣).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٤٦).
(٤) أخرجه أحمد (٢١٨٤٣).
(٥) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٣١١٤).

١٣٣
تتمة كتاب الصّلاة/ باب الصّلاة على النبي وَله وفضلها
وفي أخرى: ((إذًّا يكفيك الله أمر دنياك وآخرتك))(١).
وفي أخرى: ((أن أيوب بن بشير قال لرسول الله وَله: إني قد أجمعت أن أجعل
ثلث صلاتي دعاء لك ... ))(٢) وبفرض صحتها فلا مانع أن هذا وقع له ما وقع لأبي
رضي الله عنهما.
وفي رواية: ((قال رجل: يَا رَسُولَ الله، أجعل شطر دعائي لك ... )) (٣).
وقيل: المراد بالصّلاة في الحديث السابق حقيقتها، والتقدير: فكم أجعل لك
من ثوابها أو مثله، وفيه نظر بل السياق يرده، لا سيما تفريع ((فكم)) على ما قبله؛ إذ لا
يلتئم مع إرادة الصّلاة الحقيقة إلا بمزيد تعسف، وأيضًا فالثواب أمر يتفضل الله به
على من يشاء ويحرمه من يشاء؛ إذ لا يجب على الله لأحد شيء كائنًا من كان، وأيضًا
فمذهبنا ومذهب عامة العلماء إلا من شذ أنه لا يجوز التطوع عن أحد بعبادة بدنية
محضة كالصّلاة ولا إهداء ثوابها إليه بخلاف نحو القراءة، فكيف مع ذلك يحمل
الحديث عليه، ويخرج عن ظاهره لغير داع إليه.
تنبيه:
وقع خلاف بين المتأخرين من الشافعية في أنه هل يسوغ الدعاء له وَّ
بنحو: اللَّهُمَّ اجعل ثواب أو مثل ثواب ما قرأناه زيادة في شرفه، فمنعه بعضهم معللاً
بأنه ◌َّ كامل الشرف، فلا يحتاج للدعاء له بذلك، وبأن طلب الزيادة ربما أوهم نقصًا،
وسوغه بعضهم وهو الأصح كما بسطتُ الكلام عليه، وحققته في إفتاء طويل ومختصر
وهما مسطران في ((الفتاوى)) فلينظرهما من أراد تحقق ذلك.
وحاصله: إن ما علل به الأولون ممنوع بل عجيب؛ لأن كماله ◌َ لو لم ينته لحد
لا يزيد بل هو دائم الترقي حتى في القيام وما بعدها بدليل أنه لما سجد تحت العرش
(١) أخرجه أحمد (٢١٢٨٠)، وعبد بن حميد (١٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٩).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٥٨٠).
(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦/١١).

١٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
لطلب الشفاعة العظمى في فصل القضاء حين يلجأ إليه أهل الوقف بعد يأسهم من
غيره من المرسلين، يلهم الثناء على الله بمحامد لم يلهمها قبل ذلك كما في الحديث
الصحيح.
وزعم أن طلب الزيادة يوهم النقص باطل كيف والسنة للحاج عند رؤيته
الكعبة المشرفة - اللَّهُمَّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة - وقد قال
النووي في كتبه ﴿ ﴿ وزاده شرفًا وفضلاً لديه، وفي هذا الحديث الذي نحن فيه أوضح
دلالة لذلك حيث طلب وس* من أبي وغيره أن يجعل له صلاته كلها ووعده عليه كفاية
هموم الدنيا والآخرة مع كماله في الشرف المستغني عن صلاة أبي وغيره، فلولا أن
شرفه الكامل يزيد بذلك لما حث عليه.
وأيضًا فكل من أثيب من أمته على فعل طاعة يكون لمعلمه مثلها إلى أن
ينتهي الأمر إليه ◌َلة، فيكون له مثل ذلك العدد الحاصل بذلك التضعيف، فحينئذ
يحصل له وَل18 من طاعات أمته من زيادة الثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقول
الداعي: أجعل مثل ثواب ذلك زيادة في شرفه موافق للواقع بحسب ما تقرر، فكيف
یقال بمنعه.
٩٣٠ - [وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله ◌َ﴾ قَاعِدًا إِذْ دَخَلَ رَجُلُ
فَصَلَّى فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَقَالَ رَّ: ((عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّ، إِذَا صَلَّيْتَ
فَقَعَدْتَ فَاحْمَدِ الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَّ ثُمَّ ادْعُهُ)). قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ
ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِ: ((أَيُّهَا الْمُصَلِّ ادْعُ تُجَبْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ نَحَوُه](١).
(وَعَنْ فَضَالَةَ بن عُبَيْدٍ عَ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَاعِدًا إِذْ دَخَلَ
رَجُلْ فَصَلَّ، فَقَالَ) في صلاته: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِّ:
عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّ) أي: استعجلت بعدم صلاتك عليّ قبل دعائك في آخر صلاتك
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٦) وقال: حسن، والنسائي (١٢٨٤)، والطبراني (٧٩٢).

١٣٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َّيّة وفضلها
(إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ) للتشهد (فَاحْمَدِ اللّهَ) أي: أثنٍ عليه (بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وهو ما
علمه # لأصحابه من التشهد كما مر ففيه، أعظم الثناء وأفضله على الله
تعالی.
(وَصَلِّ عَلَّ) الواو بمعنى: ثم؛ لما مر أنه وَي كان يصلي على نفسه بعد التشهد، ثم
رأیت روایة صحیحة: «ثم صلِّ عليّ)» وبه يتضح ما ذکر.
(ثُمَّ ادْعُهُ ثُمَّ صَلَّی رَجُلٌ آخَرُ) قیل: لعله ابن مسعود؛ لحديثه الآتي عقب هذا
(بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ اللّه، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ ◌ََّ: أَيُّهَا الْمُصَلِّ ادْعُ تُجَبْ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وغيره ورجال سنده ثقات ورشيد ابن سعد منهم حديثه مقبول في
((الرقائق)).
(وَرَوَى أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيَّ تَحَوُه) عن فضالة أيضًا وهو: أنه ◌َّ﴾ سمع رجلاً يدعو
في صلاته لم يحمد الله ولم يصلِّ على النبي وَلّ فقال ◌َله: عجل هذا ثم دعاه فقال له أو
الغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، وليصلِّ على النبي
وليدعُ بعد بما شاء)»(١) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، وكذا صححه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: هو على شرط مسلم، وفي موضع آخر: هو على
شرطهما - أي: الشيخين - ولا أعرف له علة.
ولفظ النسائي فقال ◌َله: ((عجل هذا المصلي)) ثم أعلمهم وَل ثم سمع رجلاً
يصلي فحمد الله وصلى على النبي (وَل﴿ فقال: ((ادع الله يجب، سل تعطّ))(؟).
وفي رواية أخرى للترمذي: سمع النبي وَله رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلِّ على
النبي ◌َّ فقال ◌َّ: ((عجل هذا» ثم دعاه فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ
(١) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧) وقال: حسن صحيح. وابن السني (١١١)، وابن
حبان (١٩٦٠)، والطبراني (٧٩١)، والحاكم (٨٤٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه
الذهبي. والبيهقي (٢٦٧٦).
(٢) أخرجه النسائي (١٢٨٣)، والترمذي (٣٨١٤).

١٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصلِّ على النبي (وَ ل﴿ ثم ليدع بما شاء)(١).
ومر الكلام على هذا الحديث مستوفى أول الباب مع الرد الواضح على من زعم أن
قوله: ((فقعدت)) الصريح فيما قاله الشافعي من وجوب الصّلاة عليه وَلّ في الصّلاة ذات
الأركان بعد التشهد الأخير، يحتمل العطف على مقدر؛ أي: إذا صليت وفرغت
فقعدت للدعاء، فاحمد الله فإن هذا الحمد فاسد، فإنه لا دليل عليه ولا داع إليه، بل
الأدلة السابقة، ثم ترد على قائله أوضح رد وأبلغه فراجعه.
ومما يمنع ذلك التأويل قوله: ((سمع رجلاً يدعو في صلاته)) فقوله: ((يدعو في
صلاته)) أوضح صريح على أن المراد: الصّلاة ذات الأركان، وإلَّا لكان المعنى: يدعو في
دعائه، وهذا في غاية الركاكة والبعد.
٩٣١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِي وَالنَّبِيُّ ◌َِّ حَاضِرِ وَأَبُو
بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ ثُمَّ
دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ](٢).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَصَلِّ) أي: الصّلاة ذات الأركان،
بدليل قوله الآتي: فلما جلست (وَالنَّبيُّ) الواو للحال مغنية عن ضمير رابط (وَله
حَاضر) كما في نسخة صحيحة، وحذف من نسخة الشارح فقدره خبرًا.
(وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ) جملة معطوفة على الجملة الأولى التي هي حال من فاعل
أصلي كما تقرر.
(فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ الصَّلاَة عَلَى الشَِّيِّ ◌َّهِ ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي،
فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: سَلْ تُعْطَه) المسؤول الدال عليه سل على حد وإن تحقق هو؛ أي: العفو،
أقرب للتقوى، ويجوز أن تكون الهاء للسكت كـ((كتابيه وحسابيه)).
(سَلْ تُعْطَه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) بسند حسن أو صحيح ورواه أبو يعلى بلفظ:
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٩٦).

١٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي وَالله وفضلها
((كنت في المسجد أصلي فدخل رسول اللّه ◌َل﴾ فصلى ومعه أبو بكر وعمر - رضي الله
عنهما - فقرأت سورة النساء، فلما فرغت جلست فبدأت بالثناء على الله تعالى
والصَّلاة على النبيِِّ، ثم دعوت لنفسي فقال ◌َِّ: سل تعط))(١).
وقال: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا، فليقرأه كما يقرؤه ابن أم عبدٍ))(٢) قال:
فرجعت إلى منزلي فأتاني أبو بكر، قال: هل تحفظ مما كنت تدعو به؟ فقلت:
نعم، اللَّهُمَّ إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبينا محمد في أعلى جنة
الخلد، فأتى عمر عبد الله ليبشره فوجد أبا بكر خارجًا قد سبقه، فقال: إن فعلت إنك
لسباق بالخبر
وعن ابن مسعود أنه قال: ((يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي ◌َّر ثم يدعو))(٣)
أخرجه جماعة وسنده صحيح قوي وفيهما، أعني: قوله: ((ثم الصَّلَاة)).
وقوله: ((ثم يصلي)) دليل واضح على أن الصّلاة عليه وَله بعد التشهد الأخير،
وقبل السلام كانت من الأمر المشهور المعروف فيما بينهم، وبذلك يتأيد ما مر
عن الشافعي من القول بوجوبها في هذا المحل، وأن الصّلاة لا تصح إلا بها، وفي
هذا الحديث والذي قبله دلالة أيضًا على أن الدعاء موقوف قبوله على سبق الصّلاة
عليه وليه وأنه قبلها غير مقبول، وسيأتي التصريح بذلك في الأثر الآتي عن
عمر خ﴾.
(الفصل الثالث)
٩٣٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ
الأَوْقَى إِذَا صَلَى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلِّ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ النَّبِيِّ الأَفِّيّ
وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
(١) أخرجه أبو يعلى (١٦).
(٢) أخرجه أحمد (٤٣٤٣)، وابن ماجه (١٤٣)، وابن حبان (٥٤٣).
(٣) أخرجه الحاكم (٩٤١)، والبيهقي (٢٩٩٣)، وابن أبي شيبة (٣٠٢٦).

١٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَُّ: مَنْ) شرط جزاؤه إذا وجزاؤها؛ أي:
((فليصلِّ علينا أهل البيت)) قائلاً أو فليقل: ((مصليًّا علينا أهل البيت، اللَّهُمَّ ... إلى
آخره)) ويجوز جعل ((إذا)) ظرفية وعاملها (يقل) بناء على جواز عمل ما بعد فالجزاء فيما
قبلها.
(سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ) أي: الأجر والثواب كما دل عليه السياق، وقيل: الماء من
حوضه وَله ورد بأنه لا دليل لهذا الخصوص (بِالْمِكْيَالِ الأَوْقَى) فيه الإشارة إلى عظيم
الثواب؛ لأن التقدير بالمكيال لا سيما الأوفى إنما يكون غالبًا للأشياء الكثيرة
وبالميزان للأشياء القليلة ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْنَى﴾ [النجم:٤١].
(إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) منصوب على الاختصاص كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكما في خبر: ((نحن
معاشر الأنبياء)»(٤) ويجوز خبره بدلاً من فاء.
(فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ النَّبيّ) من النبوة، وهي الرفعة؛ لأنه مرفوع الرتبة
على غيره، أو من النبأ وهو الخبر؛ لأنه مخبر ومخبر عن الله تعالى، ويجوز فيه الهمز وتركه
كما قرئ بهما في السبع، والنهي عن الهمز كان قبل استقرار الشرع؛ لإيهامه في عرف
الجاهلية أنه لمن خرج وطرد عن وطنه، فلما استقر الشرع واتضحت الأدلة زال ذلك
العرف فزال ذلك الإيهام.
(الأُمِّيّ) بالتشديد نسبة إلى اللام، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب كأنه
على حالته حين ولدته أمه بالنسبة إلى الكتابة أو نسب إليها؛ لأنه على وصفها الغالب
في جنسها، وهو عدم الكتابة أو إلى أم القرى؛ لأنها بلده وممده وخلقت من طينته
الأولى أمته الغالب عليهم عدم الكتابة وهم العرب، أو إلى جميع أمته؛ لاهتمامه
(١) أخرجه أبو داود (٩٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٨٦)، وفي شعب الإيمان (١٥٠٤).
(٢) ذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١٣٥/٤).

١٣٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الصّلاة على النبي ◌َله وفضلها
بشأنهم وبذله أقصى ما [ما أُوتيه] في إصلاحهم وهدايتهم، أو إلى أمّ الكتاب؛ أي:
الفاتحة؛ لأنها لم تنزل على غيره؛ أي: باعتبار ما اشتملت عليه من جميع معاني القرآن
الكلية ومقاصده العالية، أو إلى الأمة؛ أي: القنة بالنسبة لسذاجتها قبل أن يعرف، وفي
أکثر هذه الأقوال نظر!
وعلى كل ففي هذا تمدح؛ أي: تمدح وتشرف؛ أي: تشرف بعدم الكتابة، ومن ثم
كان عدمها من معجزاته ليتم قهر من ناوأه أو عاداه بما أبهر الفصحاء وأعجز البلغاء
مما أوتيه من الآيات وأتحفه من المعارف والعلوم التي ليس لها غايات.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُظُهُ بِيَمِينِكَ إِذَّا لََّ رْتَابَ
المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأَنِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَ وزاده فضلاً
وشرفًا لدیه.
(وَأَزْوَاجِهِ) مر عدهن جمع زوج في الأفصح، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
(أُمهاتِ الْمُؤْمِنِينَ) في رواية حذف هذا القيد فيكون ذكره من باب تخصيص
بعض أفراد العام بالذكر، وهو لا يوجب تخصيصًا، ووجه العموم هنا أن أزواجه جمع
مضاف وهو المعلوم، وحينئذ فيدخل فيهن من طلقهن 8* قبل الدخول كما مر.
(وَذُرِّيَّتِهِ) يستفاد منه الرد على من زعم أن الأزواج والذرية لم يذكرا إلا في
حديث أبي حميد السابق.
(وَأَهْلِ بَيْتِهِ) عطف أعم لشمولهم لعلي - كرم الله وجهه - ولواثلة كما يشهد له
حديث الكساء السابق أول الباب.
(كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في ((سننه)) وعبد ابن
حميد في ((مسنده)) وأبو نعيم عن الطبراني، رواه مالك عن ابن مسعود، قال البخاري
وأبو حاتم وهو أصح.

١٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وفي رواية في سندها مجهول أو مختلط عن على، كرم الله وجهه: ((فليقل: اللُّهُمَّ
صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته
وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)(١).
وفي رواية عن علي مرفوعًا: ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقرأ هذه
الآية: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ
العَالَمِينَ﴾)) [الصافات: ١٨٠-١٨٢]).
٩٣٣ - [وَعَنْ عَلِيِّ ◌ُ وَكَرَّمَ وَجْهَه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ
عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرَواهُ أَحْمَد عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلَىّ - رضي الله
عنهما - وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٍ](٢).
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﴾ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:(وَهِ الْبَخِيلُ) أي: الكامل في
البخل الواصل لغايته كما يدل عليه رواية البخيل كل البخيل (مَنْ) وفي نسخة (الذي))
من وعليها فالموصول الثاني زائد للتأكيد كما في نظيره في قراءة شاذة، وأقول: يمكن
أن يكون ((من)) شرطية وجزاؤها ((فلم يصل علي)) والجملة صلة.
(ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَّ) لأنه بامتناعه من الصّلاة عليه ثبوت تلك الكنوز
التي يكتالها بالمكيال الأوفى من غير أدنى مشقة تلحقه، فلا أبخل من هذا كما يومئ
إليه ما جاء: ((ليس البخيل من بخل بمال نفسه، ولكن البخيل من بخل بمال غيره)(٣)
وأبلغ منه من أبغض الجود حتى لا يجب أن يجاد عليه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ أَحْمَدَ) والنسائي والبيهقي وابن أبي عاصم والطبراني وابن
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٣٦)، والترمذي (٣٨٩١)، والنسائي في الكبرى (٨١٠٠)، وأبو يعلى (٦٧٧٦)،
وابن حبان (٩٠٩)، والطبراني (٢٨٨٥)، والحاكم (٢٠١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٦٦)،
والضياء (٤٢٤).
(٣) ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٤٢٢/١٢).