Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الركوع
لا يتم على ما مر قريبًا أن من قال في ركوعه ثلاث مرات: (سبحان ربي العظيم)) فقد تم
ركوعه، وذلك أدناه. انتهى.
ولك أن تقول الذي يدل عليه الحديث بفرض أن حذيفة قال ذلك؛ لأن مثل
هذا التهديد الشديد والتغليظ البالغ لا نقوله عن حذيفة إلا عن توقيف وإلا في ترك
واجب، ومن ثم قلت في بعض الفتاوى في حديث: ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء
يهوديًّا أو نصرانيًّا)»(١): إنه حديث صحيح وإن ضعفه النووي؛ لأنه صح عن عمر، وهو
لا يقال من قبل الرأي فيكون في حكم المرفوع، فصحته عن عمر يستلزم صحته عن
النبي ◌َّه هو أن هذا الرجل ترك واجبًا من واجبات الركوع والسجود، وأما خصوص
ترك الطمأنينة فليس في الحديث ما يدل عليه أصلاً.
٨٨٥ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: (أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي
يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ)». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا
وَلَا سُجُودَهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ](٩).
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: أَسْوَأُ النَّاسِ) مبتدأ (سَرِقَةً) تمييز
(الَّذِي) خبره على حذف مضاف؛ أي: سرقة (يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله،
وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ) نزل فعله
للصلاة غير تامة الركوع والسجود منزلة أخذ إنسان مال غيره سرقة؛ إذ السرقة لغة:
أخذ شيء في خفاء.
وشرعًا: أخذ مال مخصوص من حرز مخصوص، ومعلوم ما فيها من القبح وعدم
(١) أخرجه بنحوه البيهقي (٨٤٤٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٥)، والدارمي (١٣٢٨)، وابن خزيمة (٦٦٣)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة
(١٩٣٣)، والطبراني في الكبير (٣٢٨٣)، وفي الأوسط (٨١٧٩)، وأبو نعيم في المعرفة من طريق
الحسن بن سفيان (٢٠٠٣)، والحاكم (٨٣٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي
(٣٨٠٩).

٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
النفع وخشية القطع، فكذا هنا قبح؛ أي: قبح وعدم نفع، وخشية القطيعة والطرد عن
جناب الحق وحضرته.
وإنما كان هذا أقبح؛ لأن غاية السارق قطع بعض أعضائه مع أنه يعود عليه نفع
دنيوي بما أخذه، وهذا غاية سرقته قتله حدًّا بتركه ذلك متعمدًا إن لم يستحل، وكفرًا
إن استحل، وقتله كفرًا مطلقًا على القول الآخر مع أنه لا نفع يعود عليه بوجه مما
سرقه وتركه، وفي الحديث من التشبيه البليغ المستدعي لكون السرقة نوعين متعارفًا
وغير متعارف ما لا يخفى على الذكي.
٨٨٦ - [وَعَنِ النُّعْمَانِ بنِ مَرَّةٌ عَ﴾: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: «مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ
وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ)). وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ، قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هُنَّ
فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأْ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ)) قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ
يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا)). رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَى التِّرْمِذِيّ
نَحْوَهُ](١).
(وَعَنِ التُّعْمَانِ بنِ مَرَّةٍ عليه: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ) للخمر
أو نحوها (وَالسَّارِقِ وَالَّانِي، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِم الحُدُودُ) أي: آياتها (قَالُوا: اللّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هُنَّ فَوَاحِشُ) وهي أعظم الكبائر (فِيهِنَّ عُقُوبَة) عظيمة، فتنوينها
للتعظيم (وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ. قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَى التَّرْمِذِيّ تَحْوَهُ) وفيه أشد توبيخ
وأعظم زجر وأبلغ ذم لمن لم يتم ركوعه أو سجوده، حيث وطئ له بتلك الفواحش،
وجعله مندرجًا في عداد أهلها ومساوئهم.
(١) أخرجه مالك (٤٠٦)، والبيهقي (١٧٣٥٦).

(باب السجود)
وهو لغة: الميل أو الخضوع.
وشرعًا: وضع الأعضاء الآتية مع رفع الأسافل، وهي العجيزة وما حولها على
الأعالي، وخص بالتكرار؛ لأنه أبلغ في التواضع، ولأنه لما ترقى بما قبله من الركوع إليه،
وأتى بنهاية الخدمة أذن له في الجلوس، وأمره بإعادته شكرًا له على استخلاصه إياه،
ولأن الشارع لما أمر بالدعاء فيه وأخبرنا به حقيق بالإجابة سجد ثانيًا شكرًا على ذلك
كما هو المعتاد فيمن سأل ملكًا شيئًا شيئًا، فأجابه. قاله القفال من أئمتنا.
(وفضله)
(الفصل الأول)
٨٨٧ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (وَ «أُمِرْتُ
أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَظْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا
نَكْفِتَ الثّيَّابَ وَالشَّعَرَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:(وَ أُمِرْت أَنْ
أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ) وهي ما بين الجبينين، وهما جانبا الرأس وقدمها؛
لشرفها ولحصول مقصود السجود بها الذي هو غاية التواضع والخضوع لمباشرة أشرف
ما في الإنسان لمواطئ الأقدام والنعال (وَالْيَدَيْنِ) أي: بطونهما؛ لخبر البيهقي: ((كان
رسول اللّه ◌َي﴾ إذا سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه، ويرفع مرفقيه
(١) أخرجه البخاري (٧٧٩)، ومسلم (٤٩٠)، وأبو داود (٨٨٩)، وعبد الرزاق (٢٩٧٢)، والطيالسي
(٢٦٠٣)، وابن أبي شيبة (٢٦٨٢)، والنسائي (١٠٩٧)، وابن ماجه (٨٨٣)، وأبو يعلى (٢٤٦٤)،
والديلمي (١٦٠١).
- ٢٣ -

٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
ويعتمد على راحتيه))"
(١).
(وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَظْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) واختلف قول الشافعي وأصحابه في الأمر هنا
في الأعضاء السبعة، فالذي عليه الأكثرون منهم وصححه النووي أنه للوجوب كما هو
القاعدة الأصولية، والذي عليه آخرون أنه فيما عدا الجبهة فقط كان في الحديث الأول
زيادة غير معارضة فوجب الأخذ بها، فعلى الأول الأصح يلزم القادر أن يضع على
مصلاه بعض جبهته ويلزمه كشفها كما مر أوائل كتاب صفة الصّلاة؛ لأن مقصود
السجود المذكور لا يتم إلا بكشفها وبعض ركبته، وبعض بطن كفيه سواء بعض
الراحة، وبعض الأصابع فلا يكفي وضع بعض ظاهرهما وحرفهما ورؤوسهما، وبعض
بطن أصابع قدميه، ولا يجب كشف هذا؛ لأنه لو لم يشكهم خبر الرمضاء في الجبهة
وشكاهم في غيرها لخبر ابن ماجه: «إنه صلى في مسجد بني الأشهل وعليه كساء ملفع
به يضع يديه عليه يقيه الحصى))(٢) نعم يكره ستر ذلك.
وأخذ أئمتنا من الاقتصار على هذه السبعة أنه لا يجب وضع الأنف، وأجابوا
عن الأحاديث الظاهرة في وجوب وضعه الذي قال به جمع من المجتهدين كخبر:
(أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة والأنف واليدين ... إلى آخره)(٣).
وكالخبر الصحيح: ((كان ◌َّه إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض))(٤).
وكرواية الصحيحين الأخرى: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة
والأنف واليدين .. إلى آخره))(٥).
والخبر الصحيح: ((كان ◌َّ إذا سجد مكن جبهته وأشار بيده إلى أنفه))(٦).
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٥)، والبيهقي (٢٧٨٢)، وابن خزيمة (٦٧٦).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه الطبراني (١٦٥٦٣)، وابن خزيمة (٦١٥).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه بنحوه ابن حبان (١٩٥٩)، وأبو عوانة (١٤٨١).

٢٥
تتمة كتاب الصّلاة/ باب السجود
وفيه نظر لما مرآنفًا أن هذه زيادة يجب الأخذ بها، نعم خبر: ((لا صلاة لمن لا
يصيب أنفه من الأرض شيء)»(١) مرسل ورفعه لم يثبت (وَلَّا نَكفت) أي: نكف،
وفي رواية: ((وإلا كف))(٢).
(القّيَابَ وَالشَّعَر) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يكره باتفاق العلماء تنزيهًا ضم شعره
وثيابه في الصّلاة، وإن لم يتعمد ذلك بأن كان قبل الصّلاة لشغل مثلاً وصلى على حاله
خلافًا لمالك ﴾، ومن كف الشعر أن یعقصه، أو یضمه تحت عمامته، أو یشمر ثوبه أو
كمه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته، وحكمة النهي عن ذلك: منعه من أن يسجد معه
کذا قالوه.
وأقول: من حكمته أيضًا: منافاة ذلك للخشوع إن فعله في الصّلاة أو كهيئة
الخاشع الذليل إن لم يفعله فيها، ويدل على فضول ما قالوه من الحكمة قولهم: لا تختص
الكراهة بالسجود، بل سائر أحوال الصّلاة كذلك، وحينئذ اتجه أنه لا فرق في الكراهة
بين صلاة الجنازة وغيرها، واستنبطوا اختصاص الكراهة في ضم الشعر بالرجل دون
المرأة والخنثى؛ لما في أمرها بنقض الضفائر من المشقة والتغير لهيئتها المنافية للتحمل
المقصود منها باعتبار ما من شأنها، فلا فرق بين الحلية والمروحة.
قال بعض أئمتنا: ويسن لمن رأى مصليًّا ضامًّا ذلك أن يزيله عنه، ويدل له
تحويله والر لمن وقف على يساره، ومنه يؤخذ صحة قول ذلك الإمام، ويقاس بذلك من
رأى إنسانًا مساويًا لإمامه، أو متوركًا في التشهد الأول، أو مقعيًا، ولا يتوقف على إذن
المصلي؛ لأنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر، والمصلي مشغول عنه؛ أي: ومحله إن لم
يخش من المصلي نحو فتنة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وجمع فيه بين بعض من الواجبات وبعض من
المندوبات على ما مر، وبعض المكروهات إشارة إلى أن الكمال لا يحصل إلا بفعل جميع
المأمورات وتجنب جميع المكروهات.
(١) أخرجه الطبراني (١٢٠)، والديلمي (٦١٢).
(٢) لم أقف عليه.

٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
٨٨٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَّا
يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(وَعَنْ أَفَس ◌َّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ) ظاهرًا: بأن تأتوا
به على وفق الأفعال الواردة عن النبي وَ له فيه، وباطنًا: بأن تكون قلوبكم فيه حاضرة
مع الله تعالى، شاهدة لعظيم خضوعها وافتقارها إليه، وإنها لا قدرة لها على شيء ألبتة،
وعطف على الاعتدال بعض ما يخل به؛ لمزيد الاعتناء به فقال: (وَلَا يَبْسُط أَحَدُكُمْ
ذِرَاعَيْهِ) فينبسطان (انْبِسَاطَ الْكَلْبِ) فيكره ذلك؛ لقبح هيئته المنافية للخشوع
والأدب إلا لمن أطال السجود حتى شق عليه اعتماد كفيه، فله وضع ساعديه على
ركبتيه لخبر: «شكا أصحاب رسول الله وٍَّ﴾ مشقة السجود عليهم فقَالَ: استعينوا
بالركب»(٢) رواه جماعة موصولاً، وروي مرسلاً وهو الأصح كما قال البخاري
والترمذي (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٨٨٩ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله .
((إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٣).
وَشـ
(وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِذَا
سَجَدْتِ فَضَعْ كَفَّيْك) أي: على الأرض معتمدًا عليها، مكشوفتين حذاء المنكبين
كما كان يفعله ◌َ له وقيل: حيال الأذنين (وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك) أي: مجافيًا لهما عن جنبيك،
ولبطنك عن فخذيك كما صح عنه ◌َ﴾ من طرق (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(١) أخرجه البخاري (٧٨٨)، ومسلم (٤٩٣)، وأحمد (١٢١٧٠)، وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (١١١٠)، وابن ماجه (٨٩٢)، وابن حبان (١٩٢٦)، والبيهقي
(٢٥٣١).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦) وقال: غريب. والحاكم (٨٣٤) وقال: صحيح على
شرط مسلم. وابن حبان (١٩١٨).
(٣) أخرجه مسلم (٤٩٤)، وأحمد (١٨٥١٤)، والطيالسي (٧٤٨)، وابن خزيمة (٦٥٦)، وأبو عوانة
(١٨٦٨)، والبيهقي (٢٥٣٠)، والديلمي (١١٠٤).

٢٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
٨٩٠ - [وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ: ((إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ
يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ)) هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ كما صرح به
في (شرح السنة)) بإسناده، ولمسلم بِمَعْنَاه قَالَتْ: «كَانَ الشَّبِي ◌َِّ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ
بَهْمَةُ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّت))](١).
(وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ
أَنَّ بَهْمَةً) بفتح أوله، وهي: ولد الغنم الذكر أو الأنثى، وهي المراد هنا بدليل قوله: (أَرَادَتْ
أَنْ تَمُرَّ) ونظيره ما وقع لأبي حنيفة وهو غلام لما دخل قتادة الكوفة، فقال: سلوني عما
شئتم، فقيل له: نملة سليمان ذكر أو أنثى؟ فأفحم فقال: أنثى بدليل: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾
[النمل: ١٨] أي: لأنها كالحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى وتاؤها للوحدة،
والتمييز بينها إنما يكون بنحو وصف لنملة ذكر، أو ضمير كهو أو هي.
واعترض ابن الحاجب ما ذكر عن أبي حنيفة بأنه وهم؛ لجواز أن يكون مذكرًا
حقيقيًّا، والتأنيث لفظي كـ: ((جاءت ظلمة)) ورد بوضوح الفرق بين نملة وظلمة؛ لأن
الأول مشترك لفظي يقع على النوعين وتاؤه للوحدة، فلا بدَّ في تعيّن أحدهما من قرينة
كـ ((قالت)) أو ((قال)) وكـ ((نملة)) ذكر أو أنثى، وكـ ((هذا)) أو ((هذه)، والظلمة ليست
كذلك فلا يحتاج لقرينة، وكلام ابن السكيت من أئمة اللغة مؤيد لذلك.
(تَحْتَ يَدَيْهِ) أي: بينهما (مَرَّتْ، هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّح بِهِ في («شَرْحِ
السُّنَّةِ) بِإِسْنَادِهِ وَلِمُسْلِم) ما لفظه (بِمَعْنَاه) وهو (قَالَتْ: كَانَ السَّبِي ◌َّهِ إِذَا سَجَدَ لَوْ
شَاءَتْ بَهْمَةً أَنْ تَمْرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّت).
٨٩١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَالِك ابْنِ بُحَيْنَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ
بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَیَاضُ إِبْطَيْهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَالِك) اسم أبيه، فلا يكتب الألف قبل ابن (ابْنِ مُحَيْنَةَ)
(١) أخرجه أبو داود (٨٩٨)، ومسلم (١١٣٥)، والدرامي (١٣٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٠)، ومسلم (١١٣٣)، وأحمد (٢٣٦٢٧)، والنسائي (١١١٤).

٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
اسم أمه فتكتب الألف (﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو)
أي: يظهر (بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ومنه كالذي قبله أخذ أئمتنا أنه يسن أن يرفع
بطنه عن فخذيه، وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه ما أمكنه، ومحله في الذكر المستور
العورة، أمَّا المرأة والخنثى والعاري ولو في الخلوة فيسن لهم ضم الفخذين إلى البطن،
والمرفقين إلى الجنب في سائر صلواتهم مبالغة في الستر المطلوب منهم.
تنبيه:
أخذ الطبري وآخرون من الشافعية من هذا الحديث، وحديث أنس المتفق عليه
أيضًا: إنه وَليو كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، أن من خصائصه
وَالو بياض إبطه حقيقة.
قال القرطبي: وكان لا شعر عليه، واعترض ذلك الحافظ العراقي في ((شرح
تقريب الأسانيد)) بأنه لم يثبت، بل لم يرد في كتاب معتمد، والخصائص لا تثبت
بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه ألَّا يكون له شعر، فإنه إذا نتف
بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، وكذلك ورد في حديث أخرجه جمع وحسنه
الترمذي: ((كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد))(١).
والعفرة: بياض ليس بالناصع كلون عفرة الأرض؛ أي: وجهها، وهو يدل على أن
آثار الشعر هو الذي جعل المحل أعفر؛ إذ لو خلى عنه جملة لم يكن أعفر، نعم الذي
يعتقد فيه ولو أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا طيب الرائحة كما ذكر
في الصحيح؛ أعني: ووجود الشعر مع عدم الرائحة أبلغ في الكرامة كما لا يخفى.
٨٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي
ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٢).
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٦٦٣٦)، والدارمي (١٧٢٢)، والبيهقي (٢٠٩٧٧).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣٣٠/٨)، وابن خزيمة (٦٧٢)،
وابن حبان (١٩٣١)، والبيهقي (٢٥١٨)، والديلمي (١٩٤٤).

٢٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي) مر
الكلام على نظيره في دعاء الافتتاح فراجعه (كُلَّهُ، دِقَّهُ) صغيره، وقدم سلوكًا للترقي في
السؤال الدال على التدريج في ترجي الإجابة، أو إشارة إلى أن الكبائر إنما تنشأ غالبًا عن
الصغائر، أو الإصرار عليها وعدم المبالاة بها، فهي وسيلة، والوسيلة من حقها التقدم
(وَجِلَّهُ) كبيره (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمُ) فيسن لنا ذلك اتباعًا له وَلَه
بل أولى؛ لاستحالة الذنب الحقيقي في حقه هدية لعصمته حتى من الصغائر سهوًا قبل
النبوة، ومع ذلك سأل ذلك إظهارًا لعظيم افتقاره إلى الله تعالى وخضوعه بين يديه، وأنه
بمنزلة المذنب المقصر في خدمة سيده الطالب لعفوه ورضاه عنه، ومن ثم قال لهم: ((أنا
أعلمكم بالله وأشدكم خشية منه)(١).
٨٩٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِوَ لَيْلَةً مِنَ
الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَظْنٍ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ
وَهُوَ يَقُولُ: («اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ
مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ لَيْلَةً مِنَ
الْفِرَاشِ) أي: استيقظت فلم أجده بجنبي على فراشه (فَالْتَمَسْتُهُ) أي: طلبته (فَوَقَعَتْ
يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ) ليس فيه أن لمس الأجنبية لا ينقض؛ لأنها واقعة حال فعليه،
مكتملة؛ لأن يكون بين يدها وقدميه حائل فلا يعارض صريح ما دل عليه قوله تعالى:
﴿أَوْ لا مَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] كما قرئ به في السبع من نقض لمس الأجنبية
الوضوء (وَهُوَ فِي الْسَجْدَةِ).
(١) أخرجه مسلم (٧٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٦)، وأحمد (٢٥٦٩٦)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩٣) وقال: حسن.
والنسائي (١١٣٠)، وابن ماجه (٣٨٤١)، وإسحاق بن راهويه (٥٤٤)، وابن خزيمة (٦٧١)، وابن
حبان (١٩٣٢)، والبيهقي (٦٠٨).

٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وفي نسخة: ((المسجد))(١) وما في صحيح مسلم وغيره، والأولى في بعض نسخ
((المصابيح)).
وفي بعضها: ((السجود))(٢) والذي في أكثرها ما في ((مسلم)).
(وَهُمَا مَنْصُوبَتَانٍ) فيه أن السنة في القدمين أن يكونا منصوبتين في السجود،
وبه صرح أئمتنا فقالوا: ويسن أن يفرق بين قدميه بشبر، وأن يكونا منصوبتين، وأن
يكون رؤوس أصابعهما إلى القبلة للاتباع. رواه البخاري.
قالو: ولا يحصل توجيه أصابعهما للقبلة إلا إذا كان معتمدًا على بطونهما (وَهُوَ
يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ) أي: أعتصم وأتحفظ (بِرِضَاكَ) عني فيمن تضمن لسؤال الرضا
عنه (مِنْ) وقوع (سَخَطِكَ) علي (وَ) أعوذ (بِمُعَافَاتِكَ) أي: بعفوك عن ذنبي
وتقصيري، وأتى بالمقابلة مبالغة، وصرح بهذا مع تضمن الأول؛ لأن الإطناب في مقام
الدعاء محمود، ولأن المطابقة أقوى من التضمن على أن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو
لحق الغير، فكان التصريح بذلك لا بد منه (مِنْ عُقُوبَتِكَ) لي، وهذا من باب التدلي من
صفات الذات إلى صفات الأفعال.
وفي رواية عكسه؛ ليكون من باب الترقي؛ إذ صفات الذات أجل وأفخم، وإنما
استفاد بصفات الرحمة لسبقها وطهورها من صفات الغضب حتى لا يناله شيء من
آثارها، ثم ترك النظر لكل من النوعين لازدياده وقصر نظره على الذات الأعلى، فترقى
بالاعتصام بها عن أن يناله من أنواع تجليها بالقهر المناسب لجبروته ما يكون سببًا
لإعدامه واضمحلاله فقال: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) إذ لا يملك أحد معك شيئًا فلا يعيد
منك إلا أنت، ثم لما تم قرنه بشهوده الذات وحدها استحى من الإتيان في هذا المقام
لولا لاعج الخوف المزعج لباطنه والمخرج لكامنه بلفظ الإعادة، فانتقل إلى غاية الثناء
وهي الاعتراف بالعجز بالقصور عن إحصاء أدنى ذرة منه فقال: (لَا أَحْصِي) أي: لا
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٨٣)، وابن أبي شيبة (٢٩١٤٠).
(٢) لم أقف عليه.

٣١
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
أطيق أن أعد وأحصر، وأصل الإحصاء: العد بالحصى؛ لأنهم كانوا يعتمدون في عدهم
عليه كاعتمادنا فيه على الأصابع.
(ثَنَاءً عَلَيْكَ) تستحقه؛ أي: فردًا من أفراد الثناء الواجب لك علي في كل لحظة
وذرة؛ إذ لا تخلو لمحة قط من وصول إحسان منك إلي، وكل ذرة من تلك الذرات لو
أرادت أن أحصي ما في طيها من النعم لعجزت لكثرتها جدًّا ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا
تُخْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فأنا المقصر في شكر نعمك، العاجز عن القيام بشيء من
حقوقك، فأسألك رضاك وعفوك.
(أَنْتَ) الباقي الدائم المستمر (كَمَا) أي: على الأوصاف العلية الجليلة التي
(أَثْنَيْتَ) بها (عَلَى نَفْسِكَ) بقولك: ﴿فَاللَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ
العَالَمِينَ * وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]
وما أشبهه من الآيات والأحاديث القدسية التي حمدت بها ذاتك العلي، وما شرحت به
هذه الجملة؛ أعني: أنت كما أثنيت على نفسك رأيت بعد ذلك في كلام الشارح ما
يخالفه، وحاصله: إن ((ما)) تحتمل أن تكون موصولة وموصوفة، والكاف بمعنى: مثل،
كهي في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧].
مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب؛ أي: أنت الذات التي لها صفات الجلال
والإكرام والعلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم بالعلم الشامل صفات جلالك
وإكرامك، وتقدر بقدرتك الكاملة أن تحصى ثناء نفسك، فنفى في قوله: ((لا أحصي ثناء
عليك)) العلم والقدرة عن نفسه عجزًا واعترافًا بالقصور، وأثبتهما في قوله: ((أنت كما
أثنيت على نفسك)) لله مت إعظامًا وإجلالاً له، وذلك أن صفات الجلال والإكرام لا
نهاية لها، فلا تدرك ولا تطاق إلا بعلم وقدرة لا نهاية لهما، وهذا الثناء يجوز أن
يكون بالقول كما في: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
[الفاتحة: ٢-٤].

٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وبالفعل كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨].
قالوا: ما أثنى الله على نفسه تعالى، فهو في الحقيقة إظهار فعله محمدة لنفسه من
بث الآية، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله أعلى، وفي جعله الكاف بمعنى: مثل، وأنه
زائد، وأن ((ما)) مع ذلك يجوز كونها موصوفة أو موصولة بعد أي بعد، وتكلف
أي تكلف، وما ذكره من تفسير ((أثنيت)) بقوله: ((أنت الذات ... إلى آخره)) لا يطابق
اللفظ كما هو جلي فالأظهر ما ذكرته كما لا يخفى على من له تأمل صادق (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
٨٩٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ
وَهُوَ سَاجِدَ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ﴿ قَالَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ) أي:
أقرب أكوانه وأحواله (مِنْ رَبِّهِ) أي: من رضاه وعطفه وعطائه (وَهُوَ سَاجِدٌ) حال
سدت مسد الخبر كما في: ضربي زيد لقائمًا، وكما في حديث البخاري: ((عهدي بالماء
أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف))(٢) فخلوف سد مسد خبر؛ أي: متروكون، وكالقراءة
الشاذة: ((ونحن عصبة)) بالنصب؛ أي: ونحن معه عصبة، كما في حديث: ((كانوا يصلون
مع النبي (18 وهم عاقدي أزرهم))(٢) أي: وهم مؤتزرون عاقدي أزرهم، نعم ذلك كله
شاذ إن صلحت الحال للخبر كما في غير المثال الأول، ومثله أكثر شربي السويق
ملتوتًا.
فلما لم يحسن جعل الحال خبرًا كان حسنًا منقاسًا، ومن ثم التزمته العرب
وجعلت المبتدأ عاملاً في مفسر صاحب الحال، وتقديره: ضربي زيدًا إذا كان؛ أي: وجد،
(١) أخرجه مسلم (٤٨٢)، وأحمد (٩٤٤٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (١١٣٧)، وابن حبان (١٩٢٨)،
والبيهقي (٢٥١٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤)، وأحمد (٢٠٤٣٣)، وابن حبان (١٢١)، والبيهقي (١٠٨٥)، وابن خزيمة
(١١٣).
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٢)، ومسلم (١٠١٥)، وأحمد (٢٣٥٠٣).

٣٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
فهي تامة قائمًا، فهو حال من ضميرها، ولهذا وقعت الجملة الاسمية المقترنة بواو الحال
موقع الخبر في الحديث، فالمبتدأ فيه مؤول بمصدر يفسره صاحب الحال؛ أي: أقرب
كون العبد كونه ساجدًا؛ أي: وجود حال كونه ساجدًا، والمفضل عليه محذوف،
وإسناد الأقربية إلى الوقت مجاز وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: كونه ساجدًا
وكونه غير ساجد، فهو في حالة السجود أقرب إلى ربه من نفسه في غير حالة السجود،
وتفضیل الشيء على نفسه باعتبارین کثیر شائع.
(فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) فيه، فإن ذلك القرب الأعظم، يحصل كل مسؤول ويوصل إلى
كل مأمول (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٨٩٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ اعْتَزَلَ
الشَّيْطَانُ يَبْكِى يَقُولُ يَا وَيْلَتِي أَمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ
بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: إِذَا قَرَأْ ابْنُ آدَمَ) ذكر تلميحًا لقصة أبيه آدم مع
الشيطان التي هي سبب العداوة والتسليط، وتمكينه من إغوائه وإضلاله (السَّجْدَةَ)
أي: آيتها (فَسَجَدَ) امتثالاً لأمر الله ورغبة في طاعته (اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ) أي: مكان
الساجد وأبعد عنه؛ لتحليه بذلك القرب وتحلى الشيطان بأقبح اللعن والطرد فلم
يقدر على مقابلته، وكل من عدل لجانب فهو معتزل، ومن ثم سميت المعتزلة معتزلة؛
لاعتزال أوائلهم الحسن البصري لما سمعوه يقرر خلاف معتقدهم الفاسد إلى ناحية
من المسجد يقرءون عقيدهم فقال: من المعتزلة، وفي رواية: اعتزلوا عنا، فسموا بذلك
من حينئذ.
(يَبْكِي) على ما فرط منه حيث لا ينفعه البكاء؛ لتكبره بحضرة الحق وإبائه عن
(١) أخرجه مسلم (٨١)، وأحمد (٩٧١١)، وابن ماجه (١٠٥٢)، وابن حبان (٢٧٥٩)، والبيهقي (٣٥١٦)،
وابن خزيمة (٥٤٩)، وأبو عوانة (١٩٤٥).

٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
امتثال أمره حسدًا وبغيًا [ ... ](١) حالان من فاعل اعتزل، ويصح فيها التداخل (يَقُولُ:
يَا وَيْلَتِي) الويل: الحزن والهلاك، وكل من وقع في هلكة دعى بالويل، ومعنى ندائه
بإهلاكه أحضر فهذا وقتك، ناداه تحسرًا على ما فاته من الكرامة، وحصل له من الطرد
واللعن وخسارة الأبد وعلى ما حصل لآدم التقنيه ولنبيه من كرامة الأبد.
(أَمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ) تكبرًا عن
امتثال أمر الله واستحقارًا لآدم عن أن يسجد إليه؛ أي: يجعل قبلة للسجود؛ إذ هو لم
يكن بوضع جبهة، بل انحناء أو وضع جبهة، لكن لله وحده، وأمَّا آدم فإنما جعل
قبلة فقط كالكعبة (فَلِيَ النَّارُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٨٩٦ - [وَعَنْ رَبِيعَةَ ﴿ه قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ
وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: ((سَلْ)). فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: (أَوَغَيْرَ ذَلِكَ)). قُلْتُ:
هُوَ ذَاكَ. قَالَ: ((فَأَعِّ عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
(وَعَنْ رَبِيعَة ◌َ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه) أي: إِمَّا في السفر أو في
الحضر، والمراد بالمعية: القرب منه بحيث يسمع نداءه لقضاء حاجته (فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ)
أي: مائه الذي يتوضأ منه (وَحَاجَتِهِ) أي: ما يحتاجه من لباس أو غيره، ومن هذا ونحوه
أخذ أئمتنا أنه لا بأس بالاستعانة بالغير في الوضوء لإحضار الماء بخلافها في الصب أو
غسل الأعضاء كما مرَّ.
(فَقَالَ لِي: سَلْ) مني حاجة أتحفك بها في مقابلة خدمتك لي؛ لأن هذا هو شأن
الکرام، ولا أکرم منه پڼ وفیہ یمکن العالم الناس من خدمته لیخطر منه بإمداد أو
تعليم، ومقابلة الإحسان بالخدمة، بالإحسان، بالتعليم والإتحاف، ويؤخذ من إطلاقه
* الأمر بالسواك أن الله تعالى مكنه من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن ثم
(١) بياض في الأصل.
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٩)، وأحمد (١٦٦٢٨)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (١١٣٨)، وأبو عوانة
(١٨٦١).

٣٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
عد أئمتنا من خصائصه وله: إنه يخص من شاء بما شاء لجعله شهادة خزيمة بن ثابت
بشهادتين(١). رواه البخاري، وكترخيصه في النياحة لأم عطية في آل فلان خاصة، رواه
مسلم.
قال النووي: للشارع أن يخص من العموم ما شاء، ومن التضحية بالعناق
لأبي بردة بن نيار، وكذا لأربعة أو خمسة غيره على كلام في ذلك ليس هذا محل
بسطه.
وذكر ابن سبع في ((خصائصه)) وغيره: إن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها
ما شاء لمن شاء (فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ) أي: أن أكون معك فيها قريبًا
منك ومتمتعًا بنظرك وقربك حتى لا أفارقك (قَالَ: أَوَ) تسأل (غَيْرَ ذَلِكَ) لأنه أهون،
فـ ((أو)) عاطفة ويصح فتح الواو، فالهمزة للاستفهام داخلة على فعل دل عليه السياق؛
أي: أترجع عن سؤال هذا؛ لأنه مشق لا تطيقه، وتسأل غير ذلك مما هو أهون منه
(قُلْتُ: هُوَ) أي: مسؤولي (ذَاكَ) الذي ذكرته لا غيره، فلا أرجع عنه وإن كان مشقًا.
وأتى وَسيه بذلك الذي هو للمشار إليه البعيد؛ ليدله على بعد هذه المرتبة وعزتها،
وأنها لا تحصل بالهوينا، فعدل عنها السائل إلى ذلك الدالة على القرب أو التوسط؛
ليعلم بأنه مصمم على مسؤوله غير مستبعد له؛ لعزمه على امتثال كل ما يؤمر به لأجله،
فلما علم صدقه وقوة عزمه (قَالَ) له: مُلوّحًا إلى إباء نفسه عليه، ومصادفتها لعدوه،
فهي أعدى العدوين وأخبث الخبيثين (فَأَعِنِّي) حينئذ (عَلَى نَفْسِكَ) المتخلقة بطبعها
على السعي في نيل رتب المعالي؛ لميلها إلى الدعة والرفاهية والشهوات والبطالات.
وفي قوله: ((أعني)) إشارة إلى أنه ◌َله مجتهد؛ أي: اجتهاد في إصلاحه كغيره، وأنه
الطبيب الساعي في شفائه، والطبيب يحتاج لمساعدة المريض بتعاطيه ما يصفه له،
فالشفاء من الطبيب لكن بواسطة امتثال العليل (بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) المحصل لنيل
مرتبة القرب، المطهر للنفس عن خبائئها، والمخرج لها عن شهواتها وعاداتها،
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، وعبد الرزاق (١٥٥٦٨).

٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
وبالانسلاخ عن هذه النقائص المؤدي إلى دوام المراقبة والموافقة يحصل الرقي إلى درجة
المجاورة والمرافقة.
فإن قلت: مرتبته ◌َله في الجنة الوسيلة، وهي أعلى درجة فيها، فكيف سأل ربيعة
المرافقة؟
قلت: قد أشرت لذلك آنفًا إنه لم يسأل أن يكون معه في منزلته؛ لاستحالة
ذلك حتى على بقية الأنبياء فضلاً عن غيرهم، وإنما الناس متقربون في القرب إليه
بحسب تفاوتهم في محبته ومتابعته، فسأل ربيعة أن يحصل له مرتبة من مراتب القرب
التام إليه، وكنى عنه بالمرافقة؛ مبالغة في توسيع الرجاء، لا سيما بعد أن أذن له في أن
يسأل ما يشاء فأجابه لمسؤوله، ووصف له دواءً سهلاً يحصل له به تلك المرتبة الكاملة
تفضلاً عليه ولطفًا به.
ثم رأيت في تفسير: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾
[النساء: ٦٩] ما يؤيد ما ذكرته، ومما يوافقه قوله: ((بعضهم) في حديث أحمد: ((من
أحبني وأحب هذين - أي: الحسن والحسين وأباهما وأمهما - كان معي في درجتي
يوم القيامة))(١) وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام، بل من جهة رفع
الحجاب، ثم المراد بالكثرة فيما يظهر، والله أعلم بمراد نبيه: أن تكون الصّلاة
أكثر أحواله كما هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾
[الأحزاب: ٣٥].
فمن كثرت أوقات سجوده حصلت له تلك الدرجة العلية التي لا يطمع في
الوصول إليها إلا بمزيد الزلفى عند الله في الدنيا بكثرة السجود المومئ إليه بقوله عز
قائلاً: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ومرَّ أن كل سجدة فيها قرب مخصوص؛ لتكفلها
بالرقي إلى درجة من درجات القرب، وهكذا حتى ينتهي إلى درجة المرافقة لحبيبه
فنتج من هذا الذي هو على منوال قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي
أخرجه أحمد (٥٨٦)، والترمذي (٤٠٩٨).

٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب السجود
يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أن القرب من رسول الله ولي لا يكون إلا بالقرب
من الله تعالى، وأن القرب من الله تعالى لا يُنال إلا بالقرب من رسول الله وكلهم
فالقربان متلازمان للانفكاك الذي عن الآخر ألبتة، ومن ثم أوقع تعالى في الآية متابعة
رسوله بين تينك المحبتين؛ ليعلمنا أن محبة العبد له ومحبته للعبد متوقفان على متابعة
رسوله (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٨٩٧ - [وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقُلْتُ:
أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلِنِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِئَةَ
فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلهِ، فَإِنَّكَ لَا
تَسْجُدُ لِلهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَظّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً)). قَالَ مَعْدَانُ ثُمَّ
لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ] .
(وَعَنْ مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةً قَالَ: لَقِيتُ تَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي
بِعَمَلِ أَعْمَلُهُ) بالجزم: جوابًا للأمر وما بعده بدل منه، وبالرفع: صفة وما بعده الجواب،
وهذا هو الأوضح (يُدْخِلِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ) كأنه ليستبين رغبته لحظر هذا
المسؤول (ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِشَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّه ◌َِِّ
فَقَالَ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لله سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً)
أية درجة (وَحَظّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً) أية خطيئة (قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ
فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي تَوْبَانُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه كالذي قبله عظيم فضل
السجود، والحث على إكثاره والمداومة عليه رجاء للفوز بغاياته والظفر بثمراته،
وفقنا الله لذلك آمين.
الفصل الثانى
١٩٠ [عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ
أخرجه مسلم (١١٢١).

٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ](١).
(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ
يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ).
٨٩٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ
كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيّ، قَالَ أَبُو
سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتَ مِنْ هَذَا وَقِيلَ: هو مَنْسُوخٌ)(٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا
يَيْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) لا تنافي بين النهي والأمر، وإن كان البعير يضع
اليدين قبل الرجلين؛ لأن الركبة من الإنسان في الرجلین، ومن ذوات الأربع في الیدین،
فالنهي عن وضع الركبة قبل اليد والأمر بضد ذلك (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيّ)
وسنده جید.
(قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَائِيُّ) من أئمتنا (حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتَ مِنْ هَذَا،
وَقِيلَ: هو) أي: الثاني (مَنْسُوءٌ) ووجه كون الأول أثبت: إن جماعة من الحفاظ
صححوه ولا يقدح فيه أن في سنده شريكًا القاضي وليس بالقوي؛ لأن مسلمًا روى
له فهو على شرطه على أن له طريقين آخرين فيتخير بهما، ووجه كون الثاني منسوخًا:
التصريح به في خبر: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل
اليدين)»(٣) واعترض بأنه ضعيف.
فإن قلت: يؤيد النسخ أن إسلام وائل متأخر عن إسلام أبي هريرة، وقد نقل
وائل أنه شاهد النبي وَله يضع الركبتين قبل اليدين على أن المعارضة في حديثيهما بين
الفعل والقول، والفعل أقوى فتعین تقديمه.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٩)، وأبو داود (٨٣٨)، والنسائي (١١٥٣)، والدارمي (١٣٧٠).
(٢) أخرجه أحمد (٨٩٤٢)، وأبو داود (٨٤٠)، والنسائي (١٠٩١)، والبيهقي (٢٤٦٥)، والدارمي (١٣٢١).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٨)، والبيهقي (٢٧٤٣).

٣٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب السجود
قلت: تأخر إسلام وائل لا يقضي بتقدم مروي أبي هريرة؛ لاحتمال أنه سمعه
بعد إسلام وائل، ورؤيته للفعل المعارض له فلم يتحقق التأخر حتى يسوغ دعوى
النسخ على أنه بفرض تحققه يحتمل أن فعله لتقديم الركبتين لبيان جوازه فلا حجة
فيه، وإطلاق تقديم الفعل غير مطرد، بل لا بد من مرجح وإلا فالوقف.
والحاصل: إن مذهبنا العمل بالحديث الأول، ومذهب مالك العمل بالحديث
الثاني ولكل وجه، ولما تكافأ الحديثان في أصل الصحة، قال النووي: لم يظهر لي ترجيح
أحد المذهبين من حيث السنة. انتهى.
وفيه نظر؛ لأنا وإن لم نقل بالنسخ الأول أصح فقدم على أنه الذي قال به أكثر
العلماء، وأيضًا فهو أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين.
والسنة في الوجه والأنف: أن يوضعا معًا للاتباع، رواه أبو داود وغيره، ومراد
وضع الأنف سنة، وقيل: واجب، وهو قوي، هذا ما يتعلق بشطر الحديث، وأمَّا شطره
الثاني فاختلف العلماء فيه أيضًا.
فمنهم: من صححه کالحاكم وغيره.
ومنهم: من ضعفه كالنووي، فإنه بيَّن ضعفه أتم بيان، ومن ثم لم يأخذ أحد
من أصحابنا بقضيته، بل مذهبنا الذي اتفق عليه أصحابنا: إنه يسن للمصلي
الرجل والمرأة، القوي والضعيف إذا نهض للقيام من سجود أو قعود من جلسة
الاستراحة أو غيرها كالتشهد الأول أن يعتمد في قيامه على بطن راحتيه وأصابعه
مبسوطة على الأرض للاتباع، رواه البخاري في: القيام من السجود، ويقاس به
القيام من القعود، ولأنه أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي، والنهي عن ذلك
ضعيف.
وكذا خبر: (كان النبي ◌َلجه ينهض في الصَّلاة على صدور قدميه))(١).
وكذا خبر علي كرم الله وجهه: ((من السنة ألّا يعتمد بيديه إلا الشيخ الكبير
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٩)، والبيهقي (٢٣١).

٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع
الذي لا يستطيع))(١).
وكذا قول عطية العوفي: رأيت جماعة من الصحابة وغيرهم يقومون على صدور
أقدامهم في الصّلاة؛ لأن عطية هذا ضعيف، ولا ينافي ذلك قول بعضهم من أئمتنا
أخذًا من قول ابن الأثير: المراد بالعاجز في الخبر الآتي: عاجن الخبز كالعاجن بالنون؛
لأن معناه التشبه به في شدة الاعتماد عند وضع اليدين لا في كيفية ضم أصابعهما
كما توهمه كثيرون من العامة وغيرهم، والخبر المشار إليه وقع في ((وسيط)) الغزالي
وغيره، وهو: ((كان ◌َّ إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن))(٢).
وقد قال ابن الصلاح: إنه حديث لا يعرف ولا يصح.
وقال النووي: إنه ضعيف أو باطل ولو صح كان معناه ما مر، وحمل أصحابنا
الشطر الثاني بناء على صحته.
وكذا رواية أبي داود أيضًا: ((كان ◌َّ إذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على
فخذيه))(٣) على ما إذا لم يأت المصلي بسنة الاعتماد باليدين على الأرض، فحينئذ السنة
له تقديم رفع اليدين والاعتماد بهما على الفخذين.
وقال الحافظ الزين العراقي: ورواية أبي داود موافقة لما قبلها؛ لأنه إذا رفع يديه
تعين نهوضه على ركبتيه إذا لم يبق ما يعتمد عليه غيرهما، وقوله: ((واعتمد على فخذه)
أي: اعتمد بيده على فخذه يستعين بذلك على النهوض.
٩٠٠ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ بَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِ وَاهْدِنِي وَعَافِي وَارْزُقْنِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ](٤).
(١) أخرجه البيهقي (٢٦٣٧).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٦)، والبيهقي (٢٧٣٥)، والطبراني في الأوسط (٦٠٧٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٥).