Indexed OCR Text
Pages 401-420
-
٤٠١
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة
من
جميع نهاره مستحضرًا لصفات الجلال والكبرياء المتولد عن استحضارها اشتغال نار
الخوف المانع عن اقتراف ما لا ينبغي.
ومن ثَمَّ سنَّ بعد فراغ الركعتين، وقيل: القيام لصلاة الصبح ضجعة على الجنب
الأيمن كضجعة الميت في القبر ليكون استحضار المصير إليه كذلك باعثًا على
اكتساب صالح الأعمال وزاجرًا؛ أي: زاجر عن اقتراف فاسد الأحوال.
واستحسن الغزالي فيهما سورتي ﴿أَلَمْ نَشْرَعْ﴾ [الشرح:١] في الأولى و﴿أَلَمْ تَرَ
كَيْفَ﴾ [الفيل: ١] في الثانية وقال: إنه يدفع شر ذلك اليوم وهو ظاهر إن ورد ما يدل
على ذلك وإلا ففيه نظر لما عرف من الحديثين المذکورین.
فإن قيل: يقرأ هذين مع ما في أحد الحديثين أو كلاهما قلنا: يلزم تطويلهما بغير
الوارد وهو خلاف السنة؛ لأنه سي كان يبالغ في التجوز فيهما ما أمكنه ويسن قراءة
سورتي ((الإخلاص)) أيضًا في سنة المغرب كما يأتي والطواف والاستخارة والإحرام،
وكذا في صبح المسافر لحديث ضعيف فيه.
وما في حديث ((إِنَّه ﴿ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ بِالمُعُوذَتين)) قال بعض
أئمتنا: ولا يختص التخفيف في السفر بالصبح بل يعم سائر الصلوات؛ لأن السفر
مظنة التخفيف.
(الفصل الثاني)
٨٤٤ - [َعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َل﴿ يَفْتَتِحُ
صَلَاتَهُ بِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ
بِذَاكَ].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ
بـ ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثُ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ)
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٦).
٤٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
القوي ولا يؤثر تضعيف له فيما اتفق عليه أئمتنا من أن البسملة آية من الفاتحة
عملاً وظنًا لا قطعًا لصحة أحاديث أُخر فيها:
منها: (إِنَّهِ وَ قَرَأَهَا ثُمَّ الفَاتَحَة وَعَدَّها آيَةَ مِنْهَا))(١) صححه الدارقطني وابن
خزيمة والحاكم وقال: إن رجاله على شرط الشيخين.
ومنها: قوله {وَ ل﴾: ((إِذَا قَرَأْتُمْ فَاتِحِة الكِتَابِ فَاقْرَؤُوا ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
فَإِنْهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي و﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَى آيَاتِهَا)(٢) رواه
الدارقطني بإسناد صحيح نازع فيه ابن الجوزي بما ليس في محله.
ومنها: ما صحَّ عن ابن عباس من غير مطعن أنه فسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] بالفاتحة فقيل: له أين السابعة؟ فقال: البسملة
ومثل هذا التفسير لا يكون من قبل الرأي فله حكم المرفوع كما هو القاعدة
الأصولية.
ومنها: ما صحَّ عن أَبي وسمرة - رضي الله عنهما - قالا: «كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَه
سَكْتَتَان سَكْتَةٍ إِذَا قَرَّأَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١] وَسَكْتَةٍ إِذَا فَرَغَ مِنَ
القِرَاءةِ»(٣) ثم مذهبنا الذي اتفق عليه أئمتنا أيضًا أنه يجهر بالبسملة فيما يجهر
بالفاتحة وعليه أكثر أهل العلم للإتباع، رواه أحمد وعشرون صحابيًّا بطرق ثابتة كما
قاله ابن عبد البر وصح عن أنس وأبي هريرة فعلاً، ورواية من طرق بعضها على شرط
الشيخين ومن ثم اختاره الأئمة الحفاظ وصنفوا فيه كمحمد بن نصر المروزي وابني
خزيمة وحبان والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وغيرهم.
وأما خبر عبد الله بن مغفل: سمعني أبي وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
(١) أخرجه الحاكم (٨١٣)، والبيهقي في ((السنن)) (٢٤٨١) وفي ((الشعب)) (٢٢٣٤)، وابن خزيمة في
((صحیحە) (٤٧٥).
(٢) أخرجه الدارقطني (٣١٢/١)، والبيهقي (٢٢١٩)، والديلمي (١٠٤٣).
(٣) تقدم تخريجه.
٤٠٣
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة
[الفاتحة: ١] فقال: أي بني، إياك والحديث فإني صليت مع النبي ◌َّ وأبي بكر وعمر
وعثمان فلم أسمع رجلاً منهم يقوله، فإذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾
[الفاتحة: ٢](١) فضعيف كما قاله جماعة من الحفاظ وردوا تحسين الترمذي له بابن
عبد البر رواية مجهول.
وخبر ابن مسعود: «مَا جَهَرَ وَّهُ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ بِبِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلا أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ)) (٢) فضعيف منقطع على أنه نفي، فيتقدم الإثبات عليه وإن
صحّ.
وقول ابن جبير: إنه منسوخ لا حجة فيه للمخالف لأنه مرسل، والمتصل منه
عن ابن عباس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] فسمع
المشركون فيهزؤون ﴿وَلَّا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عن أصحابك فلا تسمعهم
﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠].
وفي رواية: «فَخَفَضَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)» المراد بها: الخفض
عن الجهر المنهي عنه، وهو الشديد بدليل الأمر بالتوسط كما تقرر، وقول بعض
التابعين: الجهر بدعة لا حجة فيه؛ لأنه رأى له نشأ عن عدم إحاطته بالسنة فلا
يقضي به على غیره لا سيما وهم الأكثرون.
والأصح عند أئمتنا أن البسملة آية كاملة ظنًا لا قطعًا من أول كل سورة سوى
﴿بَرَاءَةٌ﴾ [التوبة: ١] إجماعًا لخبر مسلم: (أَنْزِلَتْ عَلَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَّأَ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ ﴿إِنَّ أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] .. إلى آخرها))(٣).
وخبر البخاري: أن أنسًا سئل عن قراءة النبيِ رَله فقال: «كَانَتْ مَدَّا، ثُمَّ قَرَأَ:
(١) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٨٦٤).
(٢) ذكره الزيلعي في («نصب الراية)) (٢٦٠/١) وقال: هذا حديث لا تقوم به حجة لكنه شاهد لغيره
من الأحاديث.
(٣) أخرجه مسلم (٩٢١)، وأبو داود (٧٨٤)، وأحمد (١٢٣٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٢٣٣).
٤٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِمَدِّ بِسْمِ الله وَبِمَدِّ الرَّحْمَنِ وَبِمَدِّ الرَّحِيمِ)(١).
وأخرج جماعة بأسانيد صحيحة بعضها على شرط مسلم، خلافًا لمن نازع فيه
غفله عن ذلك أن معاوية # صلى وهو خليفة بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فتركه
من أول السورة فناداه المهاجرون والأنصار أسرقت الصّلاة أم نسيت؟ فلم يصل بعد
إلا قرأها فلولا أنها مجمع عليها لم ينكروا عليه؛ إذ المسائل الاجتهادية لا إنكار فيها
ولا إجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور بسوى ﴿بَرَاءَةٌ﴾ لأنه
وَلو لم يأمر بذلك، كما يؤخذ من حديث عند الحاكم دون الأعشار وتراجم السور
والتعوذ والتأمين، مع أنه صح الأمر بهما وثبوتها فيه مما ابتدعه الحجاج على أنه ميزها؛
إذ لم يثبتها تعلمه ولا بسواده.
فلو لم تكن البسملة قرآنًا لما أجازوا إثباتها في المصحف كذلك؛ لأنه تعزير
بالمسلمين؛ أي: تعزير؛ إذ يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنًا، وذلك لا يجوز
اعتقاده في الصحابة.
قال أصحابنا: وهذا أقوى أدلتنا في إثباتها، ووجهه البيهقي بأنهم قصدوا بكتابة
المصحف نفي الخلاف عن القرآن فكيف يتوهم عليهم أنهم أثبتوا مائة وثلاث عشرة
آية ليست من القرآن لا يقال: لعلها ثبتت للفصل؛ لأنا نقول يلزم عليه ما ذكر من
التعزير وغيره وعذر الفضل أو أنها أثبتت للتبرك لا يجوز ذلك التعزير وأن يكتب
أول ﴿بَرَاءَةٌ﴾ [التوبة: ١] ولا يكتب أول ((الفاتحة).
والفصل كان ممكنًا بتراجم السور كأول براءة وأيضا فقد صح: إنه ◌ّ بسمل لما
قرأ («الكوثر)) كما مر ولم يبسمل لما تلا آيات الإفك وهي أولى بالتبرك لما سر به هو
وأصحابه ولا يدل للفصل خبر ((المستدرك»: كان ◌َله لا يعلمه ختم السورة حتى ينزل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] لأن معناه لا يعلم الشروع في صورة أخرى إلا
(١) أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، وأحمد (١٣٣٩١) والدارقطني (١١٨٩) والبيهقي في («سننه» (٢٤٨٩)
والحاكم (٨١٧).
٤٠٥
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة
بالبسملة، فإنها لا تنزل إلا في أول السورة على أنه دليل لنا؛ لأنه أخبر بنزولها وهذه
صفة كل القرآن.
وتأويل الباقلاني له: بأنها كانت تنزل وليست قرآنًا؛ إذ ليس كل منزل قرآنًا رده
الغزالي: بأنه ما من منصف إلا ويسترده ويضعفه.
فإن قلت: القرآن إنما يثبت بالتواتر.
قلنا: هذا فيما يثبت قرآنًا قطعًا، أما ما يثبت قرآنًا حكمًا وظنًّا فيكفي في ثبوته
الآحاد كما يكفي في كل ظني خلافًا للباقلاني، وزعم أنها قطعية.
قال الإمام: عبارة عظيمة وبأن الآحاد قد يحفه قرائن تلحقه بالمتواتر ولكونها
ظنية كما تقرر ولم يكفر إجماعًا جاحدها ولا مثبتها؛ إذ التكفير لا يكون بالظنيات
بل وإن قلنا بالقطع لشبهة الخلاف كما أن ابن مسعود ه بإنكار قرآنية ((المعوذتين))
على ما جاء عنه.
وقول النووي: إنه كذب عليه رد بأنه صح عنه لكنه مأول بأنه لم ينكر أصل
القرآنية بل إثباتهما بالمصحف؛ لأنه يشترط فيما يثبت فيه وذلك يجزي فيما صح عنه
أيضًا من إسقاطه ((الفاتحة)) من مصحفه.
ولا ينافي ذلك ما صح عنه ◌َ له: ((إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ
لِصَاحِبِهَا (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾)»(١) لأن الشافع منها غير البسملة لوجودها في
غيرها من السور، فلذا أطلق السورة على ما عداها إشارة لذلك على أنه يحتمل تأخر
نزول البسملة عن ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] ومما يؤيد تأويله أن رواية أبا
هريرة ممن يرى إثبات البسملة فلولا أنه مأول عنده بنحو ما قلناه لعمل به.
ومرَّ في حديث: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ))(٢) المقتضي لإسقاط
البسملة أجوبة عنه وكذا في حديث أنس فراجعهما.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩١٨)، وابن حبان (٧٨٨)، والنسائي (١١٦١٢).
(٢) تقدم تخريجه.
٤٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وإجماع أهل العد على أنها لا تعد آية لا دليل فيه؛ لأنهم ليسوا كل الأمة بل
فرقة منهم على أنه يحتمل أنهم ممن يرى نفي قرآنيتها، أو أنهم يرونها بعض آية على أنهم
معارضون بما جاء عن ابن عباس وغيره: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ مِائَة وَثَلَاث عَشْرَة
آيَة))(١) ومن زعم أن أهل المدينة أجمعوا على نفيها فقد وهم بل اختلفوا كغيرهم، بل مر
في قصة معاوية ما يدل على أنهم أو أكثرهم على إثباتها، ويؤيده أن الأئمة السبعة منهم
من يراها بلا خلاف عنه.
ومنهم: من روي عنه الأمران وليس منهم من لم يبسمل بلا خلاف عنه ثم
كل من رويت عنه منهم ذكرت بلفظ الجهر بها إلا روايات شاذة عن حمزة، نعم لا يلزم
منه قرآنية ولا عدمها فإن بعض من يرى الجهر يرى أنها سنة كالتأمين وبعض من
يثبت قرآنيتها يسر بها، وقد صرح ابن عبد البر: بأن أهل مكة لم يختلفوا في ثبوتها
أول ((الفاتحة)) ولو فرض ثبوت إجماع أهل المدينة لم يكن حجة مع وجود الخلاف
لغیرهم.
قال ابن الجوزي: والصواب أنها آية من القرآن في بعض القراءات وهي قراءة
الذين يفضلون بها بين السورتين وليست آية في قراءة من لم يفصل بها، ويؤيده قول
بعض المفسرين والحفاظ من المحدثين من القراء الذين تواترت قراءتهم عن النبي (49
من قرأها آية من الفاتحة وهم: حمزة وعاصم والكسائي وابن كثير وغيرهم من الصحابة
والتابعين.
ومنهم: من لم يعدها آية منها كابن عامر وأبي عمرو ونافع في رواية عنه؛
فالخلاف فيها كهو من في: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البروج:١١] في سورة
((التوبة)) قال: فكل من إثباتها ونفيها صحيح لا مطعن فيه؛ لأنه والم فعل كلا منهما
وهذا مما يدل على بطلان قول من لم تجعلها من الفاتحة وقوله: إن الاختلاف لا يثبت
(١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٢٢٥٣).
:
٤٠٧
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة
معه قرآن. انتهى.
وقوله: وهذا إلى آخره يناقض قوله قبله فكل من إثباتها ونفيها صحيح.
فإن قلت: كيف يتأتى النفي والإثبات فيما طريقه التواتر لمن في الآية
المذكور؟
قلت: التواتر قد يكون عند قوم فيثبتون دون قوم فينفون، فلكل وجه وأطلق
القرآنية على ما هذا شأنه وينبغي امتناعه، وإنما يفيد فيه فيقال: قرآن عند من بلغهم
تواتره دون غيرهم وكذا البسملة على ما علم من اختلاف القراء السبعة فيها المجتمع
على تواتره قراءة كل منهم.
٨٤٥ - [وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ قَرَأَ (غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقَالَ: «آمِينَ)) وَهَذَّ بِهَا صَوْتَهُ(١). رَوَاهُ
التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ وابْن مَاجَه].
(وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَرَأْ: «غَيْرِ المَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: ((آمِينَ)) وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ
وابْن مَاجَه) وهو حديث صحيح وإسلام وائل إنما كان آخر الأمر فبطلت دعوى نسخ
ذلك.
وفي رواية عنه من طرق كثيرة صحيحة: ((وَرَفَع بِهَا صَوْتَهُ))(٢).
وقول شعبة عنه: ((خَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ))(٣).
قال البخاري: خطأ منه وإنما هو جهر بها کما رواه الأكثرون، ومن ثم قال غیر
البخاري: خطأ باتفاق الحفاظ.
وفي رواية لابن ماجه: ((قَالَ: آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ فَيَرْتَجُ
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٩)، وأبو داود بنحوه (٩٣٥)، والدارقطني (١٢٨٤)، والطبراني (١٧٥٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٣٣)، والطبراني (١٧٥٠٢)، والبيهقي في (سننه)) (٢٥٤٥).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٤٩)، والطبراني (١٧٤٧٢)، والطيالسي (١١٠٦).
٤٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
بِهَا الْمَسْجِدُ))(١).
وصحَّ عن عطاء: (أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَمَّنَ مَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً))(٤).
وروى البيهقي وابن حبان في ((ثقاته)) عنه قال: أدركت مائتين من الصحابة إذا
قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] رفعوا أصواتهم بآمين(٣). ومن ذلك كله أخذ
أئمتنا أنه يسن الجهر بآمين في الجهرية للإمام والمأموم.
٨٤٦ - [وَعَنْ أَبِي زُهَيْرِ النُّمَيْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ذَاتَ لَيْلَةٍ
فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ، فَقَالَ رَجُلُ مِنَ
الْقَوْمِ: بِأَِّّ شَيْءٍ يَخْتِمُ؟ قَالَ: بِآمِينَ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَبِي زُهَيْرِ التُّمَيْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَتَيْنَا عَلَى
رَجُلٍ قَدْ أَلَعَّ فِي الْمَسْأَلَةِ) أي: كرر السؤال المرة بعد المرة والإلحاح في الدعاء محبوب
لخبر أن الله يحب الملحين في الدعاء (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: أَوْجَبَ) أي: لنفسه الجنة أو
الإجابة لدعوة أو مثله نظير ما مرَّ في خبر: ((قسمت الصّلاة)(٥) (إِنْ خَتَمَ) والتعبير
بالإيجاب لا ينافي المقرر في العقائد أنه لا يجب على الله تعالى شيء؛ لأن ذلك إنما هو
بمحض الفضل والوعد الذي لا يخلف كما أخبر تعالى به، وإن جاز له تعذيب الطابع
وإثابة العاصي.
(فَقَالَ رَجُلُ مِنَ الْقَوْمِ: بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمْ؟ قَالَ: بِآمِينَ. رَوَاءُ أَبُو دَاوُد) وفيه مزيد
فضل آمين عقب كل دعاء لتوقف استجابة الدعاء عليها، ومن ثم كانت طابع الدعاء
كما مرَّ، نعم إن دعا إنسان لجماعة كفى تأمينهم.
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٥٥٥). اللجة: الصوت.
(٣) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٢٥٥٦)، وابن حبان في ((الثقات)) (٧٦٦٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٩٣٩)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨٢٠٧).
(٥) تقدم تخريجه.
٤٠٩
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة
وروى البيهقي مرفوعًا: «حَسَدَنَا التَّهُودُ عَلَى القِبْلَةِ الَّتِي هُدينًا إِلَيْهَا وَضِلُّوا عَنْهَا،
وَعَلَى الْجُمْعَةِ، وَعَلَى قُولِنَا خَلْفِ الإِمَامِ: آمِينَ))(١).
وفي رواية للطبراني: ((إِنَّهُم لَم يَحسدُوا المسْلِمِينَ عَلَى أَفْضَلِ مِنْ ثَلَاثٍ: رَدُّ السَّلَامِ،
وَإِقَامَة الصُّفُوفِ، وَقُولهُمْ خَلْفِ إِمَامِهِم فِي المَكْتُوبَةِ: آمِينَ))(٢).
وفي أخرى لابن عدي: (حَسَدُ وَكُمْ عَلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِقَامَةُ الصَّفِّ وَآمِين))(٣).
وفي أخرى أخرجهما جماعة حفاظ: ((أُعْطِيتُ ثَلَاث خِصَالِ: أُعْطِيتُ صَلَاةٍ فِي
الصُّفُوفِ، وَأُعْطِيتُ السَّلَامِ وَهُوَ تَحِية أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأُعْطِيتُ آمِين وَلَم يُعْطِهَا أَحْدِ مِنْ
كَانَ قَبْلَكُم))(٤) إلا أن يكون الله أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن
هارون.
٨٤٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه صَلَى الْمَغْرِبَ
بِسُورَةِ((الْأَعْرَافِ)) فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ(٥) . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَى الْمَغْرِبَ بِسُورَةٍ
(الْأَعْرَافٍ))) أي: على خلاف الأكثر من تجوزه فيهما (فَرَّقَّهَا فِي رَكْعَتَيْنِ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ)
وفيه بناء على ضيق وقتها وهو واضح، وكذا على امتداده إلى مغيب الشفق الأحمر نظرًا
إلى أنه سي كان يكثر التدبر، والثاني في قراءته وقراءة الأعراف كذلك يستغرق وقت
المغرب غالبًا، أوضح دليل لمذهبنا أنه يجوز لمن دخل في الصّلاة أول وقتها مثلاً أن
يمدها بالقراءة، وكذا غيرها قياسًا عليها بجامع أنه ما دام في الصّلاة هو في عبادة إلى
أن يخرج الوقت وإن لم يوقع فيه ركعة منها فهي قضاء لا إثم فيه.
(١) أخرجه البيهقى في ((الشعب)) (٢٩٦٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٩١٠) وفي (الشاميين)) (١٨٦٩).
(٣) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٥٠/٣).
(٤) أخرجه الحارث في ((مسنده)) (١٦٨).
(٥) أخرجه النسائي (٩٩٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٢٠٨).
٤١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وعلل ذلك أبو بكر عه لما فعله في الصبح فقيل له: يا خليفة رسول الله كادت
الشمس أن تطلع فقال: إنها إن طلعت لم تجدنا غافلين، وبما قررته في الحديث يندفع
قول الخطابي فيه إشكال؛ لأنه وديه إذا قرأها على الثاني دخل وقت العشاء، فيفوت أداء
المغرب وتأويله أنه ﴾. قرأ في أولاها قليلاً ليدرك ركعة في الوقت، فيكون إذا تم باقيها
في الثانية ويحتمل أن يراد بالسورة بعضها. انتهى.
ووجه اندفاعه أن الظاهر أنه مد لبيان جواز المد فيها وفي غيرها بالأولى
لاتساع وقتها اتفاقًا، ولبيان أنه لا يشترط في جواز المد وقوع ركعة في الوقت؛ لأن
القصد كما ذكرناه عن الصديق من الصّلاة إحياء بعض الوقت فكيف بإحيائه
كله؟ فلما وجد ذلك المقصود وزيادة في المد لم يتوقف على إيقاع ركعة في الوقت،
فالتأويل البعيد الذي ذكره الخطابي واحتماله الأخير في غاية البعد، فلا يلتفت إليه
ويمنع مد الجمعة إلى خروج شيء منها ولو السلام عن الوقت؛ لأنها به تنقلب ظهرًا،
ومرَّ عن بعض أئمتنا أن تفريق السورة الطويلة لا القصيرة في ركعتين لعذر كمرض
وكتعليم كما هنا يحصل ثواب السورة الكاملة.
٨٤٨ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ ذَاقَتَهُ فِي
السَّفَرِ، فَقَالَ لِي: أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ فَعَلَّمَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
[الفلق: ١] وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] قَالَ: فَلَمْ يَرَبِي سُرِرْتُ جِدًّا، فَلَمَّا نَزَلَ
لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عُقْبَةُ
كَيْفَ رَأَيْتَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ الله ◌ِ نَاقَتَهُ فِي السَّفَرِ) يؤخذ
منه استحباب خدمة الكبير وتمكينه من خدمته من أرادها ليعود عليه منه لحظ أو
علم، وكان سبب الاحتياج لقودها صعوبة تلك الطريق أو اختلاف الطرق أو صعوبة
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٣٠)، والنسائي (٥٤٣٦)، والطبراني (٩٢٦)، والحاكم (٨٧٧)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٢٥٦١)، وأبو داود (١٤٦٢)، وابن خزيمة (٥٣٥).
٤١١
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة
رأسها أو شدة الظلام أو نحو ذلك (فَقَّالَ لِي: أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ فَعَلَّمَنِي
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ))) يؤخذ منه أنه ينبغي للعالم إذا
خدمه بعض أصحابه أن يتحفه بما ينفع سيما في الحالة الراهنة؛ لأن عقبه كان في
السفر الذي مظنة المشقة والخوف وتمرد الجن وإضرارهم بالمسافر.
ومن ثم قال ◌ََّ: ((المسَافِرُ وَحْدَهُ شَيْطَانُ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثّلَاثَةُ رَكْبٌ))(١)
أي: لتحافظهم من وعثاء السفر فإن الأولى فيما يتحفه به أن يكون مما لا يجده عند
غيره ليعظم الإتحاف، ويحمل خبريتها المطلقة هنا على ماعدا ((الفاتحة)) و(الإخلاص))
ونحوهما مما ثبت له من الفضل في الأحاديث الصحيحة ما لم يثبت لذينك.
(فَلَمْ یرفی سُرِرْتُ چِدًّا) أي: أصلاً وسرورًا کثیرًا، وكان وجه عدم سروره كذلك
أنه قام بنفسه أنهما لم يشملا من معالم التوحيد والتنزيه، وصفات الكمال المطلق على
ما اشتمل عليه سواهما، فكيف ثبت لهما تلك الخيرية المطلقة على ما سواهما من بقية
سور القرآن ولم يدر التأويل الذي ذكرناه بحمل تلك الخيرية على ما مر؟ أو أن الخيرية
من مواهب الحق التي يجعلها فيمن يشاء لعلمه بما فيه من الأسرار التي لا تدركها
العقول.
(فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ) من صلاته
(الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عُقْبَةُ كَيْفَ رَأَيْتَ؟) أي: علمت ووحدت مصداق خيريتهما وهو
إيثارهما على ما سواهما في صلاة الصبح التي هي الوسطى عند قوم، مع أن المطلوب
فيها عند كثيرين من العلماء التطويل مطلقًا، فتركه إلى التقصير بهذين إعلامًا
بخيريتهما، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم إذا ألقى على بعض تلامذته شيئًا فظهرت عليه
مخائل عدم فهمه أو عدم تسليمه، ثم ترك البحث معه تأدبًا مع أستاذه أن يزيد في
البيان والاستدلال بالقول والفعل إلى أن يتضح له ذلك الأمر ويزول ما عنده فيه من
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في («مصنفه)) (٣٣٦٤٣)، وتمام في «فوائده)» (٨٨٣). الرَّكْبُ: الراكبون
للسفر وغيره.
٤١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الإشكال.
هذا ما ظهر لي في تقرير هذا الحديث، ثم رأيت بعضهم حمل الخيرية فيه على
الخيرية الخاصة؛ أي: خير سورتين قرئتا للتعوذ بهما قال: دلت الإضافة على أن القرآن
لو يقضي من أوله إلى آخره سورتين سورتين لم يوجد في باب الاستعاذة خير منهما.
انتهى.
وهو عجيب لما فيه من الإيهام وعدم المطابقة للحديث لتصريحه بأنه لا خير
منهما بالاعتبار الأول والثاني، وإيهام ما ذكر أنه يوجد في باب الاستعاذة مساوٍ لهما في
ذلك وليس كذلك، فكان صواب العبارة لم يوجد في باب الاستعاذة إلا ما هما خير منه
لينتفي إيهام المساواة وبعضهم قال: أشار سي1 إلى الخيرية في الحالة التي كان عقبه
عليها؛ لأنه كان في سفر وقد أظلم عليه الليل ورآه مفتقرًا إلى العلم بما يدفع به شر
الليل وشر ما أظل عليه الليل.
تعين السورتين لما فيهما من وجازة اللفظ والاشتمال على المعنى الجامع مع
سهولة حفظهما، ولم يفهم عقبة المعنى الذي أراده * من التخصيص فظن أن الخيرية
إنما تقع على مقدار طول السورة وقصرها، ولهذا قال: فلم يرني سررت بهما جدًّا وإنما
وَلّه بهما ليعرفه أن قراءتهما في الحال المنصوص عليها، والزمان المشار إليه أمثل وأولى
من قراءة غيرهما وبين له أنهما يسدان مسد الطويلتين. انتهى.
وهو محتمل إن ورد ما بنى عليه كلامه هذا من أن عقبة أظلم عليه الليل ورآه
مفتقرًا إلى ما ذكر، وهذا وإن دل عليه السياق إلا أن في الجزم به نظرًا فالأولى التردد في
السبب كما فعلته وقوله: ولم يفهم عقبة ... إلى آخره يضعف ما جزم به من السبب؛ إذ
لو قام به فزع أو خوف لفهم الخيرية الخاصة من أول وهلة لظهورها حينئذٍ لمن هو
دون عقبة، وبتسليم ما ذكره فقراءتهما في الصّلاة المقصود بها تفهيم عقبه خيرتهما لا
دليل فيها لذلك فتأمله؛ ولهذا لما تبعه غيره على ذلك قال: لم يسر ابتداء؛ لأنه لم
يكشف له خيريتهما، وما زال عنه ما كان فيه من الفزع، ولما صلى كوشف له ذلك
٤١٣
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة
المعنى بترك الصّلاة وزال ذلك الخوف وأنت في هذا وما قبله من وراء التأمل الصادق
فعليك به (رَوَاهُ أحمد وأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ).
٨٤٩ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾(١). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))].
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَِّيُّ ◌َ يَقْرَأْ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْجِ السُّنَّةِ))).
٨٥٠ - [وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه عَن ابْنِ عُمَرٍ إِلَّا أَنَّه لَم يَذْكِرْ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ].
(وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه عَنِ ابْنِ عُمَرٍ إِلَّا أَنَّه لَم يَذْكِرْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ) والحديث بذکر
ليلة الجمعة صحيح.
وصحَّ أيضًا: إنه ◌َّ كان يقرأ في عشائها سورتي الجمعة والمنافقين، ومن ذلك
أخذ غير واحد من أئمتنا أنه يسن في ليلتها أن يقرأ في المغرب بسورتي الإخلاص وفي
العشاء بالجمعة والمنافقين، ولما ولي شيخ الإسلام المحقق التاج السبكي إمامة الجامع
الأموي واظب على ذلك.
٨٥١ - [وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله
﴿ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١](٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: مَا) نافية (أُحْصِي) أعد؛ أي: ما أطيق أن
أعد (مَا) موصولة (سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله وَلَ يَقْرَاً) حال، والأصل ما سمعت قراءته
فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجعل المضاف حالاً نظير ما ذكره
((الكشاف)» في ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] أي: نداء المنادي
(فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾،
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٨٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٤٣٣)، وابن ماجه (١٢٢١)، والبيهقي في «سننه» (٥٠٧٣).
٤١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وَ﴿قل قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ).
٨٥٢ - [وَرَوَاهُ ابْن مَاجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ إِلَّا أَنَّه لَم يَذْكُرْ: ((بَعْدَ الْمَغْرِبِ))].
(وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ إِلَّا أَنَّه لَم يَذْكُرْ: (بَعْدَ الْمَغْرِبِ))) ولا يضر
ذلك أخذًا بالرواية الأولى، ومن ثم قال أئمتنا: يسن القراءة في كل من سنة المغرب
والفجر بما ذكر وحكمته أنهما اشتملتا على التوحيد المطلق والتفرد بصفات الجلال،
وقطع المثل والنظير وانحصار استحقاق العبادة فيه تعالى، فناسب أن يفتتح بهما النهار
ليكون ذلك باعثًا على القيام فيه بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأن يختم بهما
النهار ويفتتح بهما الليل ليتذكر فجأة الموت الذي هو أخو النوم فيستعد له بالنوم على
غاية من التفضل من الحقوق خوفًا من انتقام ذي الجلال والجبروت والتوحيد
والرهبوت.
٨٥٣ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ
أَشْبَهَ صَلَةً بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: صَلَّيِتُ خَلْفِهُ فَكَانَ يُطِيلُ
الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَئِيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَبَيْنِ، وَيُخْفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ
بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ(١).
رَوَاهُ النَّسَانِيُّ، وَرَوَى ابْن مَاجَه إِلَى: ((وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ))].
(وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ
صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ فُلانٍ) قيل: كان أميرًا بالمدينة.
وقيل: هو عمر بن عبد العزيز وهو غلط فإنه ولد سنة إحدى وستين وأبو
هريرة توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، نعم قال فيه ذلك أنس كما يأتي آخر
فصل الرکوع ووفاة أنس كانت سنة إحدى وتسعین.
(قَالَ سُلَيْمَانُ: صَلَّيْتُ خَلْفُهُ) أي: فلان الذي ذكره أبو هريرة (فَكَانَ يُطِيلُ
(١) أخرجه أحمد (٨٢١٢)، والنسائي (٩٨١)، وابن ماجه (٨٧٦)، وابن حبان (١٨٣٧).
٤١٥
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة
الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَبَيْنِ، وَيُخْفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ
بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ) ومرَّ أن أوله الحجرات، وطواله إلى ((عم)، وأوساطه إلى الضحى،
وقصاره إلى الآخر، وسمي مفصلاً لكثرة الفصول فيه بین سوره.
وقيل: لقلة المنسوخ فيه (وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأْ فِي الصُّبْحِ
بِطُوَالِ) بضم الطاء وكسرها (الْمُفَصَّلِ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْن مَاجَه إِلَى) قوله:
((وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ)).
وفي رواية النسائي أوضح شاهد لما قدمناه أن السنة عندنا لإمام من مر أن يقرأ
في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بقريب منه، وفي العصر والعشاء بأوساطه، وفي
المغرب بقصاره ومرَّ ما في ذلك مستوفي فراجعه.
٨٥٤ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي صَلَاةِ الْصُّبحِ،
فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ فَتَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ
إِمَّامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ
لَمْ يَقْرَأْ بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والتّرْمِذِيّ، وَللنسَائِيِّ مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِي دَاوُدٍ قَالَ: وَأَنَا
أَقُولُ مَا لِي يُنَازَعُنِي الْقُرْآنُ؟! لَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأَمِّ الْقُرْآنِ (١)].
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي صَلَاةِ الْصُّبْحِ، فَقَرَّأَ
رَسُولُ اللهِ وَيهِ فَتَقُلَتْ) أي: عسرت (عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ) يحتمل أن سبب الثقل ما حصل
من النقص الناشئ عن عدم إصغائهم لقراءته والكامل ربما يأثر بنقص من رواه، ألا
ترى أنه سي* افتتح مرة في صلاة الصبح بسورة الروم فغلط فيها، ثم بين أن ذلك من
قوم وراءه لا يحسنون الطهور، ويحتمل أن سببه سماعه لصوت القارئين خلفه حتى
شوشت عليه ومنعت استماع الباقين لقراءته.
(فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟) عدل إليها عن خلفي
(١) أخرجه أبو داود (٨٢٣ - ٨٢٤)، والترمذي (٣١٢)، وأحمد (٢٣٣٣٩)، وابن أبي شيبة (٣٧٥٦)
والبيهقي (٢١٩٣).
٤١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
تنبيهًا على الوصف المقتضي لعدم القراءة؛ إذ من شأن الإمام اتباعه والإنصات له
وإتيانه بـ(لعل)) على الاحتمال الأول ظاهر، وكان وجه تجويزه أن ذلك الثقل نشأ من
قراءتهم دون غيرها حتى ذكرها بخصوصها أن المأموم يعز منه وجود نقص إلا فيما
يتعلق بإمامه وعدم متابعته، وعلى احتمال الثاني لأجل الستر عليهم والإغضاء عنهم
بصيغة الترجي لما فيها من عدم الزجر والتوبيخ الموجودين في ((أنكم تفرون ... إلى
آخره)».
ثم رأيت الشارح قال: لعلكم سؤال فيه معنى الاستفهام تقرر فعلهم، ولذلك
أجابوا بنعم كأنه ◌َل عسرت عليه القراءة ولم يدر السبب فسأل منهم يدل عليه قوله
((وَأَنَا أَقُولُ مَا لِي يُنَازَعُنِي الْقُرْآنُ))(١). انتهى وهو صحيح أيضًا.
وقال غيره: تعسر القراءة بسبب كثرة أصواتهم بها خلفه. انتهى وهو بعض ما
قدمته لكن الجزم لا ينبغي أنه لا يبقى معه الترجي کبیر موقع.
(قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا) أخذ منه أئمتنا أنه لا سورة للمأموم في
الجهرية، بل يستمع لقراءة إمامه؛ لأن القصد بها إسماع المأمومين ليتدبروا ويتعظوا،
ومن ثم لو لم يسمع قراءة إمامه أو سمع صوتًا لا يفهمه سنة له السورة؛ لأنها في حقه
حينئذٍ بمنزلة السرية (إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا) فيه أوضح
دلالة على وجوبها على المأموم في الجهرية فأولى السرية، وهو مذهبنا.
وذهب مالك وأحمد والشافعي في قول إلي أنها عليه في السرية فقط، ويكفيه
في الجهرية استماعه لقراءة الإمام، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقرؤها سرًّا ولا جهرًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ والتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنسَائِيٌّ مَعْنَاهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِي دَاوُد قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ
مَا لِي يُنَازَعُنِي الْقُرْآنُ؟) أي: لأنه بسبب ما مر كأنه يحادثه لعدم تسهله عليه فيعسر
ويثقل عليه (لَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأَمِّ الْقُرْآنِ) وهو حديث
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٨).
٤١٧
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة
صحيح وسنده لا مطعن فيه، وعنعنة راويه لا يضر؛ لأنه صرح بالتحديث في رواية
أخرى صحيحة أيضًا، وممن صححه: الترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي
والخطابي وغيرهم.
٨٥٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا
بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: هَلْ قَرَّأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدْ آنِفًا؟ فَقَالَ رَجُلُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنِّي
أَقُولُ: مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟! قَالَ: فَانْتَقَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ فِيمَا
جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ الله ◌ِّه بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَواتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ(١).
رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنِ مَاجَه تَحْوِهُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ،
فَقَالَ: هَلْ قَرَأْ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدُّ آنِفًا؟) أي: قريبًا (فَقَالَ رَجُلُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
إِنِّي أَقُولُ: مَا لِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ؟!) أي: أجاذبه نزل قراءتهم معه حال قراءته منزلة اثنين
يتجاذبان شيئًا (قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ
رَسُولُ اللهِ وَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَواتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ رَوَاهُ مَالِك
وَأَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ، وَرَوَى ابْنِ مَاجَه تَحْوهُ) وهو حديث ضعيف وإن
حسنه الترمذي كما بيَّنه البيهقي؛ لأن ابن أكيمة - بضم ففتح - تفرد به عن أبي
هريرة وهو مجهول.
قال: وقوله: ((فانتهى الناس ... إلى آخره)) من كلام الزهري الراوي عن ابن أكيمة
كما اتفق عليه الحفاظ، فحينئذٍ لا شاهد فيه لمن قال: لا قراءة على المأموم، وخبر: «مَنْ
صَلَّى خَلْفَ إِمَامٍ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةً(٢) ضعيف أيضًا، وكذا أخبر النهي عن
القراءة خلف الإمام وغيره من الأحاديث التي احتج بها المخالف؛ إذ لم يصح منها
(١) أخرجه مالك (١٩٣)، وأحمد (٨٢٢٨)، وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٣)، والنسائي (٩٢٧)،
وابن ماجه (٨٤٨)، وابن حبان (١٨٤٩).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٥٢٠)، والطبراني في «الأوسط)) (٨١٣٢).
٤١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
شيء كما بيَّنه البيهقي على أنه يمكن حملها على المسبوق أو قراءة السورة، ومرَّ أول
الفصل الأول ما له تعلُّق بذلك.
٨٥٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرِ وَالْبَيَاضِيِّ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾
إِنَّ الْمُصَلِّ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ(١).
رَوَاهُ أَحْمَد].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرِ وَالْبَيَاضِيّ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: إِنَّ
الْمُصَلِّ يُنَاجِي رَبَّهُ) أي: يحادثه ويكلمه، وهو كناية عن غاية قربه المعنوي من ربه
باعتبار أن حقيقة الصّلاة المستوفية بواجباتها ومكملاتها تؤدي إلى كشف أستار
الحجب ودرأ خلاف التجلي والقرب، واستغراق القلب في شهود الحق وقرة العين
بحصول كل مأمول ومرغوب (فَلْيَنْظُرْ) أي: فليتأمل ويتدبر (مَا) استفهامية أو
موصولة (يُنَاجِيهِ) أي: المصلي الرب تعالى (بِهِ) من الذكر أو القرآن فلا يتأتى به إلا على
غاية حضور القلب وخضوعه واعترافه بالتقصير والذلة والمسكنة، وسكون الجوارح
عما لا ينبغي في الصّلاة، ومباعدة كل أذى أو وسواس أو لهو يمنعه من كمال صلواته
أو ثوابها؛ إذ ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل كما في الحديث.
ولما كانت مرتبة المناجي كذلك يأتي أن يقع من صاحبها، لا سيما في حال
مناجاته لربه أدنى أدى للغير عقب ذلك بقوله: (وَلَا يَجْهَرْ) في الصّلاة وخارجها
(بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) مصل أو نائم أو قارئ أو ذاكر؛ أي: لا يغلب ولا يشوش عليه
(بِالْقُرْآنِ) فضلاً عن غيره فإن ذلك يؤذي والإيذاء ليس من شأن المسلمين فضلاً عن
المصلين فضلاً عن المقربين، فعلم إيضاح وجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها، وقد
أجمعت الأمة على أنه يكره للمأموم الجهر وإن لم يسمع قراءة إمامه.
قال بعض أئمتنا: ولا يحرم وإن أذى جاره، وينبغي حمله على أذى خفيف يحتمل
(١) أخرجه مالك (١٧٧)، وأحمد (١٩٥٣٨).
١١٩
كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة
عادة، أمَّا أذى شديدة لا يحتمل عادة فينبغي تحريمه كما يدل عليه الحديث؛ إذ هو نهي
والنهي أصله التحريم إلا الدليل (رَوَاهُ أَحْمَد).
٨٥٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأْ فَأَنْصِتُوا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيّ وابْن مَاجَهُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْثَمَّ بِهِ) أي:
ليتبع ويقتدى به في الأقوال والأفعال، ومن ثم فرع عليه قوله: (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)
عقبه لا معه ولا قبله وجوبًا في تكبيرة الإحرام؛ لأنه لا يمكن الانعقاد للتابع من
حيث هو تابع قبل متبوعه، وندبًا في باقي التكبيرات؛ لأنه لا يترتب على المقارنة
والتقدم فيها ما يخل بنظم التبعية من أصلها.
(وَإِذَا قَرَأَ) الفاتحة أو السورة وسمعتم قراءته وميزتم حروفها كما مرَّ (فَأَنْصِتُوا)
عن قراءة غير الفاتحة؛ لأن قراءتكم مع تفوت سماعه المقصود من قراءته وهذا هو
السبب في تغير أسلوب هذا عما قبله؛ إذ قياسه: وإذا قرأتم فاقرؤوا وعلم مما ذكرته
أيضًا الفرق بين القراءة وغيرها من الأقوال؛ لأن مشروعية جهر الإمام بقراءته إنما هو
ليسمعها المأموم ويتأملها فيعود عليه ببركة التدبر والخشوع ولا كذلك بقية الأذكار
القولية، ولذا لم يسن الجهر بها إلا التكبير لأمر آخر، هو إعلام المأموم بأفعال الإمام
فتأمله.
أمَّا الفاتحة فيجب قراءتها وإن كان يسمع قراءة إمامه كما مر في الحديث
الصحيح (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ وابْن مَاجَه).
٨٥٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْقَى ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: إِنِّي
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ الله
وَالْحَمْدُ لِله وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله،
(١) أخرجه أبو داود (٦٠٤)، وأحمد (٩٦٧٨)، والنسائي (٩٢٩)، وابن ماجه (٨٩٥).
٤٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
هَذَا لِلهِ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ
وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ،
وَانْتَهَتْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ عِنْدَ قَولِهِ: إِلا بِالله].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِيِ أَوْقَى عَلِ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ فَقَالَ: إِنَّ لَا أَسْتَطِيعُ
أَنْ آخُذَ) أي: أحفظ (مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا) أقرأه في صلاتي (فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ) فيه دلالة
ظاهرة عند من يرى أن الإجزاء إثباتًا ونفيًا إنما يستعمل في الواجب على أن مراده: تعلمني
في صلاتي ما يجزئني عن القراءة، وكذا عند من يرى استعماله في المندوب أيضًا؛ لأن
خارجها غير الحافظ لشيء من القرآن لا يخاطب بشيء منه، ولا بدَّ له حينئذٍ حتى
يخاطب به ويقول: يعلمني ما يجزئني، فاقتضى ظاهر السياق أن المراد علمني ما يجزئني
عوض القرآن في صلاتي، فحمل الشارح الحديث على ما يعم الصّلاة وخارجها فيه نظر،
واستدلاله له لا يجزي عند التأمل، وبتسليمه فهو حجة لنا أيضًا على ما يأتي من وجوب
القرآن، فالذكر على العاجز عن الفاتحة في الأول والقرآن في الثاني.
(قَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ الله) يؤخذ من ترتيبه الأمر بالذكر على عدم إحسانه شيئًا
من القرآن أنه لو أحسن منه قدر الفاتحة أو بعضها أو توقفت قراءته لذلك على نحو
شراء مصحف أو إجارته أو سراج لظلمة لزمه وإن لم يمكنه التوصل لقراءة الفاتحة،
وعرف قرآنًا لزمه تسع آيات أو أكثر متفرقة أو متوالية، ويجب ألَّا ينقص حروف
البدل عن حروفها، ولا تجوز الترجمة عن القرآن بغير العربية؛ لأنها تفوت المقصود
الأعظم من القرآن وهو: الإعجاز المختص بنظمه العربي.
ومعنى ما ورد عن سلمان من كتبه الفاتحة بالعجمية أنه كتب تفسيرها ويقينه
خبر ((الصحيحين)): ((إن عمر كتب هشامًا عه لما سمعه يقرأ غير ما علمه ولم ينكر
عليه وقل))(٢) ولو جازت الترجمة لأنكر عليه؛ لأنه لم يغير المعنى.
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٢)، وأحمد (١٩٦٢٧)، والنسائي (٩٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٥٠) بلفظ: ((أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ
=