Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ يَقُلْ بَأْسًا؟) مفعول به؛ أي: لم ينطق بمحذور أو مطلقًا لم يقل قولاً إثمًا (فَقَالَ رَجُلُ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ رَِّ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكَّا يَبْتَدِرُونَهَا) أي: يستبقون إليها (أَيُّهُمْ) مبتدأ خبره (يَرْفَعُهَا) أول لما يعلمون من عظيم ثوابها والحامل بشرف محموله والجملة في محل نصب (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه دلالة على عظيم هذه الكلمات هنا كما أن فيما مرَّ أنه * رأى نظير ذلك فيمن قالها في اعتداله دلالة على عظيم فضلها في الاعتدال أيضًا. (الفصل الثاني) ٨١٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَّهَ غَيْرُكَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ) منصوب على المصدرية؛ أي: نزهتك؛ أي: اعتقدت براءتك من السوى ونزاهتك عما لا ينبغي لجلال ذاتك وكمال صفاتك (اللَّهُمَّ وَ) زائدة فالباء بمعنى: مع أو معديه؛ أي: أسبحك مع الثناء عليك أو به أو الواو للحال أو عاطفة لفعليه على مثلها، فهي سببية أو للملابسة متعلقة بمحذوف؛ أي: و(بِحَمْدِكَ) سبحانك؛ أي: اعتقدت نزاهتك حال كوني ملتبسًا بالثناء عليك، أو وبسبب ثنائي الجميل عليك اعتقدت نزاهتك، ويصح أن يكون صلة لمصدر محذوف؛ أي: أنزهك تنزيهًا وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك؛ إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقًا الهناء، ومن ثَمَّ روي عن داود - على نبينا وعليه أفضل الصّلاة والسلام: يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أقوم بشكر نعمتك إلا بنعمتك. (تَبَارَكَ) تعاظم (اسْمُكَ) أي: ذاتك أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت (١) أخرجه أبو داود (٧٧٦)، والترمذي (٢٤٤)، وابن ماجه (٨٥٥)، والدارقطني (١١٦١)، والبيهقي في «سننه» (٢٤٤٣). ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث لأسمائه فأولى لذاته ونظير ذلك ما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] أي: نزه اسمه فلا تسمه إلا بما يليق به ولا يسمه غيرك إلا بما جاء عنك؛ لأنك دون غيرك العالم بما يليق بذاته تعالى من الأسماء. وقيل: اسم زائد وهو بعيد جدًّا لما يلزم على وجوده من هذه الفائدة الجليلة (وَتَعَالَى جَدُّكَ) أي: عظمتك أو غناك عن أن ينقصه إنفاق أو يحتاج إلى معين أو نصير (وَلَا إِلَّهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ). ٨١٦ - [َوَرَوَهُ ابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا عَنْ حَارِتَة، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ]. (وَرَوَاهُ ابْن مَاجَّه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ عَنْ حَارِقَة) ابن أبي الرحال (قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) أي: لكونه لم يوجد فيه شرط الاحتجاج وهو الحفظ إن حدث من غير كتاب وإلا فالضبط من مع معرفة ما يختل به المعنى أن روي به وقع ذلك هو حجة هنا؛ لأن ما نحن فيه من الفضائل فلا يؤثر فيه ذلك، على أن الترمذي لم يضعفه من حيث هذا المتن بل من حيث بعض أسانيده، ولا يلزم من تضعيف إسناد تضعيف المتن كما هنا لروايته من طريق أخرى محتج بها فما أوهمه كلام المؤلف مما يخالف ذلك معترض كما بسطه الشارح قال: وقد رواه أبو داود بإسناد حسن. انتهى. وفيما ذكره نظر فإن الذي صرح به الحفاظ والمرجع إليهم في ذلك أن طرقه كلها ضعيفة، وصح عن عمره وأخذ به ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة وهذا يقوي أن لهم فيه أسوة ومن ثم اختاره للاستفتاح به أبو حنيفة وغيره، وذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان وأحمد وإسحاق وغيرهم. ٨١٧ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﴿ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ وَلِ يُصَلِّ صَلاَةً وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَالْحَمْدُ ٣٦٣ كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ لله كَثِيرًا، وَسَبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلَاثًا - أَعْوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ(١). وَقَالَ عُمَرُ ﴾: نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْتُهُ الشِّعْرُ، وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ]. (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ◌ُه أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ◌َِّ يُصَلِّ صَلاَةً وَقَالَ) عقب تكبيرة الإحرام: (اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا) حال مؤكدة (وَالْحَمْدُ لله كَثِيرًا وَالْحَمْدُ لله كَثِيرًا وَالْحَمْدُ لله كَثِيرًا) أي: حمدًا كثيرًا (وَسَبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلاً) أي: أسبحه في سائر الأزمنة على حد: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] أراد دوام الرزق ووروده. وقيل: خصًّا لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما (ثَلَاثًا) كالذي قبله، وفي حديث مسلم إنه ◌َّ قال عقب هذه الكلمات: ((عَجِبْتُ لَهَا فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ))(٢). (أَعْوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) وهي - أعني: الرجيم - زيادة ثقة لم تعارض المزيد عليه فتقبل وذكر في آخره (مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) وهي؛ أعني: الرجيم زيادة فيعمل بها (وَقَالَ عُمَرُ له: نَفْخُهُ الْكِبْرُ) أي: لأنه ينفع في الإنسان بوسوسته فيعظمه في غير نفسه ويحقر غيره عنده فيزدريه ويتعاظم عليه (وَنَفْتُهُ الشِّعْرُ) أي: لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية قيل: إن كان هذا التفسير من متن هذا الحديث فلا كلام، وإلا فالأنسب تفسيره بالسحر لقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. انتهى. وفيه نظر؛ إذ السحر لا يتوقف على قول وإن وجد في بعض أفراده، وحينئذٍ فلا شاهد له في الآية، والمراد الشعر؛ أي: المذموم لخبر أبي داود: ((إِنَّ مِنَ الشّعْرِ حُكْمًا))(٣) (١) أخرجه البيهقي (٢٤٤٩)، وأحمد (١٧١٩٤)، وابن حبان (٨٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٥٤٧). (٢) أخرجه مسلم (١٣٨٦)، والترمذي (٣٩٤١)، وأحمد (٤٧٢٩)، والنسائي (٨٩٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٣٥٩). (٣) أخرجه الترمذي (٢٨٤٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٧٦١)، وأبو داود (٥٠١١)، والطبراني - ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث أي: مواعظ وأمثالاً لا يتعظ بها الناس ومفهوم ((من)) التبعيضية أن منه ما ليس كذلك، وفي البخاري: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً»(١) أي: قولاً صادقًا مطابقًا للحق. وروى البخاري أيضًا لكن في (الأدب): ((إنه ◌َّ استنشد من الشريدي شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مائة قافية)) وردوا بهذا على من كره الشعر مطلقًا واحتجاجه بقول ابن مسعود: الشعر من أمير الشيطان. ويخبر أن إبليس لما هبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا قال: قرآنك الشعر مردود بأن الحديث ضعيف، وبفرض صحته هو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه (وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ) بضم الميم وفتح الفوقية وهو نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال غفله كالسكران. وقيل: ويحتمل أن يراد بهمزه: وسوسته؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧] فسرت بأنهم يحثون أولياؤهم ويغرونهم على المعاصي كما نهمز الواهنة من الدواب بالمهماز حثّ لها على المشي. وقال أبو عبيدة: الموتة الجنون سماها همزًا؛ لأنه حصل من الهمز والنخس وكل شيء دفعته فقد همزته، واستفيد من هذا الحديث كالذي قبله أن السنة للمصلي مسافرًا وذكرًا وإمامًا، وضد كل بعد وهي مراد من غير تعقب بحرمه بفرض أو نفل راتب أو مطلق وإن كان يصلي مومئًا أن يأتي بدعاء الافتتاح، ونفى مالك له ندبه لعدم ذكره في خبر المشي صلاته. ولخبر: «كَانَ رَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمر يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ = (١١٧٥٨)، والطيالسي (٢٦٧٠)، وأبو يعلى (٢٣٣٢)، وابن حبان (٥٧٨٠)، والخطيب (٣٤٨/١٠). (١) أخرجه البخاري (٥٧٩٣)، وأحمد (٢١١٩٢)، والترمذي (٢٨٤٤) وقال: غريب، وأبو نعيم في («الحلية)) (٣٠٩/٨)، والدارمي (٢٧٠٤)، وابن ماجه (٣٧٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٦٠٠٥)، وأبو داود (٥٠١٠)، والدار قطني في (الأفراد)) (٦٠٦). ٣٦٥ كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ الْعَالَمِينَ﴾(١)) عجيب؛ إذ لا جواب له عن أحد من تلك الأحاديث، وخبر المشي لم يذكر إلا الفرائض أو وبعض النوافل، ومعنى الخبر: كانوا يفتتحون قراءة الصّلاة كما صرحت به الرواية السابقة، بل لو صرح صحابي بنفیه لکان محجوجًا بإثبات غيره. واستثنى أئمتنا من ندبه صلاة الجنازة لطلب التخفيف فيها، ومن ثم سن لمن يصلي على قبر أو غائب على ما بحثه بعضهم، وما إذا ظن المأموم أنه لو اشتغل به فأتته الفاتحة أو بعضها قبل ركوع إمامه، وكذا إذا أدى إلى خروج الوقت أو أحرم المسبوق والإمام فيما بعد القيام؛ لأنه في غير محله نعم إن سلم قبل قعوده أتى به لبقاء محله وأفضل أدعية الافتتاح: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي ... إلى آخره)(٤) فيسن تقديمه ثم ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ ... إلى آخره)(٣) هذا ما في ((مجموع)» النووي. وجرى في ((الروضة)) تبعًا لجمع على أنه يقدم: ((سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك)) لخبر البيهقي «كَانَ رَّهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ بِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَّهَ غَيْرُكَ وَجَّهْتُ وَجْهِي ... إلى آخره)»(٤) ورد بأن طرقه كلها ضعيفة وظاهر كلام الأذكار أنه يقدم ((الله أكبر كبيرًا ... إلى آخره)) ثم ((وجهت وجهي ... إلى آخره)) ثم «الله باعد بيني وبين خطاياي ... إلى آخره)) واعترض ما مرَّ عن المجموع بأن الأول في ((مسلم)) والثاني في (الصحيحين)) وبأن الثاني يتضمن الثناء والسؤال، وبأنه ورد في الفرض والأول ورد في قيام الليل ورد بمنع أن كلاً من هذه الثلاثة يقتضي أفضلية الثاني وبأن الأول امتاز بأمره تعالى لنبيه في كتابه العزيز بأن يقوله، وإذا أتى به فإن (١) أخرجه البخاري (٧٤٣). (٢) أخرجه مسلم (١٨٤٩)، وأحمد (٧٤٠)، والنسائي (٨٩٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٤٤٦)، وابن حبان (١٧٧٣). (٣) أخرجه مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١)، والنسائي (٨٩٧)، والطيالسي (١٥٢)، وعبد الرزاق (٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٩٩)، وأحمد (٧٢٩)، وابن خزيمة (٤٦٢)، وابن حبان (١٧٧٤)، والدار قطني (١)، والبيهقي (٢١٧٢). (٤) تقدم تخريجه. ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث كان إمام غير محصورين اقتصر عليه وإلا أتى بجميع ما مرَّ، وما يأتي إلا المأموم الذي يسمع قراءة إمامه فيقتصر على وجهت وجهي ... إلى آخره، ويسرع فيه حتى يسمع قراءة إمامه. ولا ينافي ما تقرر قول الشافعي: تلك الأدعية شيء عن السلف، بل يأتي بكل مرة يرده أن الأصل الإتيان والتأسي بجميع ما ورد حتى يقوم دليل على خلافه ولم يوجد، وكذا يقال في كل محل وردت فيه أذكار متعددة، ثم بعد الافتتاح يسن في غير صلاة العيد، وفيه بعد تكبيراته التعوذ للمتمكن منه فيستثنى هنا ما مر، ثم إلا صلاة الجنازة ويكره تركه لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة وأخذ جمع من السلف بظاهرها شاذ كنفي مالك لندبيته نظير ما مر في دعاء الافتتاح والحديث المذكور عن ابن ماجه وإن لم يثبت يعمل به؛ لأنه في الفضائل ويسر بها كل مصل ولو في الجهرية. وتحصل السنة بكل ما اشتمل عليه التعوذ من الشيطان وأفضلها: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ثم ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)) ثم ((أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي)) وقال بعض أئمتنا: الأفضل بعد الأول ما مرَّ في الحديث وهو: ((أَعُوذُ بالله مِن الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَمْزِهٍ وَنَفْخِهِ وَنَفْشِهِ»(١) وهو وجيه؛ لأنه كذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحيهما. ثم ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همز إلى أخره)) لأنه ورد هكذا أيضًا لكن بسند صحيح ثم هو بدونها ويفوت الافتتاح بالشروع في القراءة. ٨١٨ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ أَنَّهُ حَفِظَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) أخرجه أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٥٦)، وأحمد (١١٧٨٤)، والطبراني (١٥٤٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٠٠٦)، وابن حبان (١٨٠٩). ٣٦٧ كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ [الفاتحة:٧] فَصَدَّقَهُ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وابْن مَاجَه نَحْوِه]. (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﴾ِ أَنَّهُ حَفِظَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ْ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ) أي: للإِحرام (وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَصَدَقَهُ أُبِيُّ بْنُ گَعْبٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن بل صحيح. وفي رواية عنه («كَانَ لَرَسُولِ اللهِ وَهِ سَكْتَتَانِ سَكْتَةُ إِذَا قَرَّأَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))(٢) أي: أراد قراءتها بدليل سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من القراءة كلها. وفي أخرى: ((إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع)»(٣) ولا يخالفه بينهما بل يحصل من مجموعها إثبات ثلاث سكتات بعد الإحرام وبعد الفاتحة وبعد السورة وقد أخذ بالأولى. (وَرَوَى الدَّارِييُّ وابْن مَاجَه تَحْوه) كل من أثبت دعاء الافتتاح وحكمتها خوف التباس الافتتاح بالتكبير لو وصل، واختلفوا في الثانية فكرهها مالك وأبو حنيفة واستحبها الشافعي وأحمد لصريح هذا الحديث وغيره خوف الالتباس هنا أيضًا. ومن ثم استحب أئمتنا أيضًا سكتة بين الافتتاح والتعوذ وبين التعوذ والفاتحة وبين آمين والسورة وبين السورة وتكبيرة الركوع، وكلها سكتات خفيفة بقدر سبحان الله كما قال الغزالي في بعضها، وقياسه الباقي إلا التي بين آمين والسورة وبين السورة وتكبيرة الركوع وكلها سكتات خفيفة بقدر سبحان الله كما قاله الغزالي في بعضها وقياسه الباقي إلا التي بين آمين والسورة بالنسبة للإمام، فإن السنة أن يشتغل فيها بذكر أو قرآن بقدر سكوته، وهو قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ليسمع الإمام ويراد على ذلك ما لو فرغ فاتحته قبل إمامه في الثالثة والرابعة، أو تشهده الأول قبل تشهد إمامه لكن الأقرب أنه يشتغل في الأولى بقراءة السورة وفي الثانية بالدعاء وما لو لم (١) أخرجه أبو داود (٧٧٩). (٢) أخرجه الدارقطني (١١٩٤). (٣) أخرجه أحمد (٢٠٦٩٩)، والبيهقي (١٩٦/٢). ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث يسمع قراءة الإمام، فإن السنة له أن يسكت بقدر قراءة الإمام الفاتحة، الأقرب حينئذٍ أنه يشتغل بالدعاء لا بالقراءة لكراهة تقديم السورة على الفاتحة. ٨١٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَلَمْ يَسْكُتْ(١). هَكَذَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) وَذَكَرَهُ الْحَمِيدِي فِي إِفْرَادِهِ وَكَذَا صَاحِب ((الْجَامِعِ)) عَنْ مُسْلِم وَحَدهُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َّهَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) أي: بالسورة التي أولها ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾ كما مرَّ بدليله (وَلَمْ يَسْكُتْ. هَكَذَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِم)) وَذَكَرَهُ الحَمِيدِي فِي إِفْرَادِهِ وَكَذَا) ذكره ابن الأثير (صَاحِب ((الجَامِعِ)) عَنْ مُسْلِمٍ وَحدهُ) ولا منافاة فيه لمذهبنا كما تقرر. (الفصل الثالث) ٨٢٠ - [عَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِي سَيِّىَ الْأَعْمَالِ وَسَيِّىَ الْأَخْلَاقِ لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ(٢). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. (عَنْ جَابِرٍ عَّ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ وَّهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَتَحْيَايَ وَمَمَاِي للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ) ومر أنه ﴿ ﴿ كان يقول هذا تارة «وأنا من المسلمين)» أخرى وأن غيره لا يقول إلا هذا وإلا كان كاذبًا ما لم يرد لفظ الآية (اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ وَسَيِّيَّ الْأَخْلَاقِ لَا (١) أخرجه مسلم (١٣٨٤)، والبيهقي في «سننه» (٣٢٠٧)، وابن حبان (٢٦٣). (٢) أخرجه النسائي (٨٩٥). ٣٦٩ كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ يَقِي سَيَِّهَا إِلَّا أَنْتَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وفيه مع ما مرَّ دليل على أن هذا يحصل به أصل سنة الافتتاح، وينبغي أن يؤخذ منه ندب زيادة أحسن الأعمال لمن أتى بحديث «وجهت وجهي)) السابق بطوله. ٨٢١ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِي تَطَوُّعًا قَالَ: اللّهُ أَكْبَرُ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِن الْمُشْرِكِينَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثل حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا أَنْ قَالَ: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، ثُمَّ يَقْرً(١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّ تَطَوُّعًا قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِن الْمُشْرِكِينَ، وَذَكَرَ الحَدِيثَ مِثل حَدِيثٍ جَابِرٍ إِلَّا أَنْ قَالَ: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلََّّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَيْدِكَ، ثُمَّ يَقْرَأً . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ومرَّ ما فيه. (١) أخرجه النسائي (٨٩٧). (باب القراءة في الصَّلاة) (الفصل الأول) ٨٢٢ - [عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِأُمّ الْقُرْآنِ (٢)]. (عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا صَلَاةَ) مجزية بدليل الرواية الأخرى الصحيحة الآتية (لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))(٣). (لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) عدي يقرأ بالباء مع تعديته بنفسه لتضمنه يبدأ على معنى لمن يبدأ بالقراءة إلا بها، كذا قاله الشارح ويلزمه فساد على مذهبه لانحلاله إلى نفي الحقيقة عمن ابتدأ القراءة بغير الفاتحة. ثم ختم بالفاتحة ولا قائل به من الشافعية فيما يعلم، فالصواب أنها زيدت للتأكيد وسميت فاتحة الكتاب لافتتاحه بها والفاتحة لذلك ولافتتاح الصّلاة بها، وأم القرآن لاشتمالها على مقاصده من إثبات ما يجب لله تعالى وما يستحيل عليه وما يمكن في حقه ولأنبيائه كذلك، وعلى أحوال المعاش والمعاد وعلى الخبر وعلى الطلب وعلى القصص وعلى مدح المهتدين وذم ضدهم وانقسامهم إلى مغضوب عليهم وضالين، وعلى غير ذلك مما يستخرجه الذوق الصحيح ومقاصد القرآن لا تخرج عن (١) أخرجه الشافعي (٣٦/١)، والبخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤)، والترمذي (٢٤٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٢٧٢٩)، وابن أبي شيبة (٣٦١٨)، والدارمي (١٢٤٢)، والنسائي (٩١٠)، وابن ماجه (٨٣٧)، وابن خزيمة (١٥٨١)، وابن حبان (١٧٨٥)، والدار قطني (٣٢١/١). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٢٣)، ومسلم (٣٩٤)، وأبو داود (٨٢٢)، والنسائي (٩٢٠)، وابن حبان (١٧٩٣)، وأحمد (٢٢٨٠١)، وأبو عوانة (١٦٦٥)، والبيهقي (٣٧٦٥). (٣) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠)، وابن حبان (١٧٨٩)، والبيهقي في ((القراءة خلف الإمام)) (٦٢)، والدارقطني (٣٢١/١). ٣٧٠ ٠ ٣٧١ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة ذلك كما لا يخفى على متأملها. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) لا صلاة (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأَمِّ الْقُرْآنِ) أي: فما زاد عليها وهو منصوب على الحال تقديره لم يقرأ بأم القرآن في حال كون قراءته صاعدًا؛ أي: زائدًا عليها، وحينئذٍ ففي هذه الرواية يقتضي حملنا النفي على نفي الحقيقة كما هو موضوعه لا على نفي الكمال؛ لأنه مجاز لا بد له من دليل ولا دليل، بل الأدلة الصحيحة صريحة في حمله على حقيقته من أنه لنفي الحقيقة دليل للقائلين بوجوب السورة، لكن مرَّ الجواب عنه في حديث المسمى صلاته من رواية رفاعة. وحينئذٍ فتكون لا صلاة مستعملاً في حقيقته بالنسبة لوجوب الفاتحة لعدم قيام ما يصرفه عن حقيقته وفي مجازه، وهو نفي الكمال بالنسبة لقراءة السورة لوجود ما صرفه عنها مما دل على ندبها فتأمله فإني لم أرض أصرح به. ثم رأيت بعضهم أشار إلى جواب آخر وهو أن القائلين بوجوب القراءة في الصّلاة، اختلفوا في أن الفاتحة متعينة أم لا، لكن لم يقل أحد أن الفاتحة مع غيرها واجبة، قال: فدل هذا الحديث على وجوب الفاتحة لا على الزائد عليها كأنه قيل: الفاتحة مع غيرها واجبة في حال كونها مقرونة بشيء مما هو غير واجب. انتهى. وهو مبني على زعمه ما بعد لكن وليس بصحيح فالصواب ما أجبتُ به. ٨٢٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: مَنْ صَلَى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تَمَاٍ، فَقِيلَ لأَّبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: [قَسَمْتُ](١) الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قَالَ: أَثْنَى عَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) سقط من الأصل. ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث [الفاتحة: ٤] قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) سميت بذلك لما قدمته، أو لأنها أعظم سورة فيه كما في حديث البخاري، أو لأنها أوله وأصله كما سميت مكة ((أم القرى)) لأنها أول الأرض وأصلها؛ لأنها منها دحيت وفيه رد على قوم كرهوا تسميتها بذلك (فَهِيَ خِدَاجُ - ثَلاثًا) مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ناقصة أو بمعنى ذات خداج من خدجت الناقة أخرجت ولدها قبل أوان خروجه وإن كل خلقه فهي مخدجة أو ذات خداج. (غَيْرُ تَمَامٍ) بدل من خداج أو عطف بيان له، والمراد بذلك أنها غير صحيحة وينفي لا صلاة نفي صحتها؛ لأنها موضوعة كما مر ودليل ذلك أحاديث صحيحة صريحة لا تقبل تأويلاً منها ما صحَّ عن أبي سعيد: «أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ))(٢) والأمر في مثل هذا إنما ينصرف إلى النبي وله كما هو مقرر في الأصول وهو للوجوب، فدل على وجوب الفاتحة بل والسورة لولا ما قدمته من الجواب عنه، ومنه: أخبر أبي خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا ◌ُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»(٣) رواه الدارقطني بإسناد حسن. وقال النووي: رواته كلهم ثقات. (١) أخرجه مسلم (٣٩٥)، وأبو داود (٨٢١)، والترمذي (٢٩٥٣)، وأحمد (٧٨٢٣)، والنسائي (٩٠٩)، وابن ماجه (٨٣٨)، وابن حبان (٧٧٦)، وعبد الرزاق (٢٧٤٤)، وأبو عوانة (١٦٧٣)، والبيهقي (٢١٩٦). (٢) أخرجه أبو داود (٨١٨)، وأحمد (١١٢٩٠)، وابن حبان (٩٢/٥)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٦٩/٢). (٣) تقدم تخريجه. ٣٧٣ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة فإن قلت: الإجراء عندكم تستعمل نفيًا وإثباتًا في غير الواجب. قلت: محل ذلك ما لم تنف فيه العبارة بانتفاء بعضها وإلا كان لوجوبها، وبتسليم الإطلاق فهو حجة على المخالف؛ لأنه إثباتًا ونفيًا لا تستعمل عنده إلا في الواجب. ومنها: ما صحَّ أيضًا أنه وَِّ قال للمسيء صلاته: (ثُمَّ اقْرَأْ بِأَمِّ الْقُرْآنِ)) وقال له: (ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكِ كُلَّهَ)(١). ومنها: مداومته ◌َّي على قراءتها في صلاته كما في ((مسلم)) مع خبر البخاري: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوِنِي أُصَلِّ(٢). وأما خبر: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))(٣) فضعيف على أن معناه أقل مجزئ الفاتحة كصم ولو يومًا. وما ورد عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - ما يقتضي عدم وجوب القراءة من أصلها ضعيف أيضًا، وقول زيد بن ثابت # القراءة سنة؛ أي: طريقة متبعة وإن خالفت مقاييس العربية. وروى مسلم أنه يمثل؛ لأن تقرأ الفاتحة في القصرين في الركعات كلها، وهو مقدم على ما جاء عن ابن عباس أنه لم يكن يقرأ فيهما؛ لأنه نفي على أن رواة الأول وما بمعناه أكبر منه سنًّا وأقدم صحبة وأكثر اختلاطًا، وأيضًا فقد صح عنه أنه شك في ذلك فقال: لا أدري أكان يقرأ في الظهر والعصر أم لا. وغيره مع كثرتهم جزموا بالقراءة فكانوا أحق بالتقديم، وخبر: «إِنَّه قَرَّأَ فِي (١) أخرجه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٩٦٣٣)، والنسائي (٨٨٤)، وابن حبان (١٨٩٠)، وابن أبي شيبة (٢٥٢٦)، وأبو يعلى (٦٥٧٧)، وابن خزيمة (٤٦١)، وأبو عوانة (١٦٠٩). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه أبو داود (٨١٩)، وابن حبان (١٧٩١)، وإسحاق بن راهويه (١٢٦). ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الأولیین وَسَبَّحَ في الأخریین) ضعيف. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] فوارد في قيام الليل لا في قدر القراءة، أو محمول مع خبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن على الفاتحة بدليل قوله وَّ﴾ في الحديث الصحيح كما مرَّ للمسيء صلواته: ((ثُمَّ اقْرَأُ بِأَمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكِ كُلَّهَا)»(١) أو على العاجز عنها جمعًا بين الأدلة. (فَقِيلَ لأَّبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ) أي: فهلا تقرأ أم لا (قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِهِ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى) استدلال منه ظه على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ووجهه أن المراد بالصّلاة الفاتحة كما يأتي، وقد شرط المعاينون لإطلاق الكل على الجزء أن يكون ذلك الجزء وأعظم الأجزاء كما في «الحَجّ عَرَفَةُ))(٢) وحينئذٍ فقضية الحديث أن الفاتحة أعظم أجزاء الصّلاة فتوقفت صحتها عليها من غير فرق بين المأموم وغيره في ذلك، وفيه خفاء وأظهر منه ما صحَّ بسند لا مطعن فيه كما يأتي في الفصل الثاني: (لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفِي)) قلنا: نعم، قال: ((لا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)(٣). وخبر مسلم: ((وَإِذَا قَرَأْ فَأَنْصِتُو))(٤) محمول على السورة جمعًا بين الأدلة. وخبر أبي هريرة المخالف لذلك يأتي الجواب عنه. ثم (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ) أي: للفاتحة كما يدل عليه قوله: ((فإذا قال العبد ... إلى آخره» وسميت بذلك لتوقف صحة الصّلاة أو كمالها عليه، فهو على الأول كخبر: (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد (١٨٧٩٦)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠٤٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والحاكم (٣١٠٠)، والبيهقي (٩٥٩٣)، والطيالسي (١٣٠٩)، وابن أبي شيبة (١٣٦٨٣)، والدارقطني (٢٤٠/٢)، والديلمي (٢٧٥٩). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٥٦)، وأحمد (٢٢٧٢٣)، وأبو داود (٨٢٣)، والبيهقي (٢١٩٣). (٤) أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، وعبد الرزاق (٣٠٦٥)، وأحمد (١٩٥٢٢)، والنسائي (١٠٦٤)، وابن ماجه (٩٠١)، وابن حبان (٢١٦٧). ٣٧٥ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصّلاة ((الْجُّ عَرَفَةُ)»(١) (بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) أي: باعتبار أن بعض آياتها تعود عليه منه أظهر فائدة ونفع دنيوي وأخروي راجعًا إلى الله تعالى بهذا الاعتبار، كما أن ذاك راجع إلى العبد بذلك الاعتبار وإن كان الكل يرجع إلى العبد باعتبار التعبد وإلى الله تعالى باعتبار الإعظام والإجلال (نِصْفَيْنِ) لا ينافي كونها سبع آيات بناءً على عدم البسملة آية منها؛ لأن ثلاثًا منها ثناء. وآخرها: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وثلاثًا فيها مسألة وأولها ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخرها والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] نصفها الأول ثناء والآخر دعاء، فصحت القسمة على التضعيف الحقيقي، وفيه دليل لعدم وجوب المسألة. وأجاب أصحابنا بأنها ذكرت في رواية لكنها ضعيفة فلعلها لم تنزل؛ إذ ذاك وإن كان بعيد إلا بالنسبة لكونها لم تذكر أول سورة ﴿اقْرأْ﴾ [العلق:١] التي هي أول ما نزل من القرآن على الصحيح وذلك لكون الراوي أبا هريرة، وهو إنما أسلم سنة سبع إلا أن يكون روى الحديث عن غيره عن النبي ◌َل﴾ وروى أول ما أنزل علي: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وهو غير ثابت وبأنها إنما لم تذكر لاندراجها في معنى الآيتين بعدها، أو لعدم اختصاصها بالفاتحة مع استقلالها فلا يرد ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لأنه لم يذكر في غير الفاتحة أنها مستقلة وبأن النصف فيه محمول؛ أي: الأحاديث الصحيحة الآتية المصرحة بأنها آية منها على النصف كما في خبر: (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ)(٢) أي: صنف منه على أحد الأقوال، وحينئذٍ فلا يرد علينا أنه يلزم على جعلها آية أن له تعالى أربعًا. ويفرض بقاء النصف على حقيقته وهو باعتبار الثناء والدعاء مع قطع النظر عن إفرادهما؛ لأن الشطر الثاني يزيد على الشطر الأول من جهة الألفاظ والحروف (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البيهقي في «سننه)) (١٢٥٣٧)، وابن ماجه (٢٨٢٣)، والدار قطني (٤١٠٣). ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث زيادة بيِّنة فتعين حرف التنصيف إلى المعنى فحسب، فهي من جهة المعنى نصفها ثناء وانتهاؤها ﴿نَعْبُدُ﴾ وبقيتها دعاء ولذا جعل تعالى آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بینه وبین عبده. والإشارة في رواية: ((فَهَؤُلَاءٍ لِعَبْدِي))(١) مع أنه يلزم على قولنا: إن له آيتين فقط؛ إذ أول السابعة عندنا (صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] إلى الحروف والكلمات يطلق على اثنتين اتفاقًا وإن كان مجازًا عند الجمهور، وبأن المراد بالصّلاة حقيقتها؛ إذ الأصل عدم المجاز وهي باعتبار ذكرها ثناء ودعاء، وأشير بذكر الفاتحة لتقدمها وشرفها، ولینبه بها لاشتمالها على الكتب السماوية على أن مرجع الكل إلى الدعوة إلى الثناء والدعاء إظهار للافتقار ونفي الحول والقوة إلا به تعالى، ومن ثم قال وَّيه: ((الدُّعَاءُ مُخُ الْعِبَادَةِ»(٢). (فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) أي: أحد النصفين دعاء عبدي إياي وله ما سألني؛ أي: بعينه إن كان وقوعه معلقًا على السؤال، وإلا فمثله من رفع درجة أو رفع مضرة أو نحوهما فالدعاء لا بد من استجابته بهذا المعنى، فاندفع ما قاله بعض من لا علم عنده لا فائدة للدعاء؛ لأن المدعو إن قدر وقوعه فهو واقع وإن فقد الدعاء وإلا فهو غير واقع إن وقع الدعاء. (فَإِذَا) بيان للصلاة المقسومة سواء أريد بها الفاتحة وهو ظاهر أو حقيقتها ليقاس بالصّلاة غيرها كما مر (قَالَ الْعَبْدُ) المذكور أولاً مع التشريف بالإضافة إلى ربه لتحققه بصفات العبودية وشهوده لآثارها، لا سيما في صلاته التي هي معراج الأرواح وغرس تجليات الأسرار وبها يتأهل الأحرار عن الأغيار إلى مناجاة الكريم الستار، ولذا زاد في تشريفه بتكرير هذا الوصف له الذي هو أشرف الأوصاف، ومن ثم وصف به نبينا ◌َّ في مواضع الفخامة والإمامة كما في ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ (١) أخرجه مالك (١٨٨)، وأبو داود (٨٢١)، والنسائي (٩١٧)، وأحمد (١٠١٩٠)، والبيهقي في ((سننه» (٢٤٦٢) وفي («الشعب» (٢٢٧١)، وابن حبان (١٨١٥). (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وقال: غريب، والطبراني في «الأوسط)» (٣٣٢٤)، والديلمي (٣٠٨٧). ٣٧٧ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة [الإسراء: ١]. ﴿نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم:١٠]. (﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي) كأن المراد أنه تعالى يقول ذلك لملائكته إظهارًا لمرتبة الإنسان وشرفه عليهم (وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ تَعَالَى: أَثْنَى عَّ عَبْدِي) بجلائل الرحمة الإلهية ودقائق العواطف الربانية التي أخرجت الخلق من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ليتزودوا بالمسارعة لمرضاته والمبادرة إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه إلى المسير إلى دار الجزاء بالرضا الأبدي والشهود السرمدي. ولذا وسط هذا بين طرفي ثلاث الثناء أعني: الحمد على الإيجاد والإمداد الذي هو الطرف الأول، وشهود الملك في يوم الجزاء الذي هو الطرف الأخير لما علمت من ترتيبهما على تلك الرحمات البديعة فإن قلت: لِمَ ميز هذا بالثناء وما قبله بلفظ الحمد مع أن مؤداهما واحد قلت: لأن ذلك ثناء بلفظ الحمد الأفضل فميز بينه وبين الثناء بغير لفظ الحمد تميز اللفظ الفاضل عن غيره. (وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾﴾ أي: الجزاء (قَالَ: تَجَّدَفِي عَبْدِي) أي: أثنى عليّ بصفات الجلال لظهورها في ذلك اليوم الذي تفرد بالملك فيه حقيقة وصورة؛ إذ لا أحد فيه بدعيه بوجه بخلافه في الدنيا ذلك؛ لأن هذا اليوم مظهر العدل والانتقام؛ ولذا جاء أنه تعالی یغضب فیه غضبًا لم يغضب قبله ولا بعده مثله. وقولي: بصفات الجلال أخذته من قول النووي وغيره هنا التمجيد: الثناء بصفات الجلال لكنه مخالف لتفسيرهم المجيد في ((إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)» بالكريم من المجد وهو الكرم فإن كان المجد يطلق على الضدين وعين في كل محل ما يناسبه فواضح، والأصح حمله هنا على إثبات صفات الجمال باعتبار أن رحمته تعالى سبقت غضبه، فهو وإن اشتد غضبه فيه إلا أن مظاهر الرحمة فيه أكثر وأظهر. (وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) باعتبار أن ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث شطره الأول وهو ((إياك نعبد)) أثره وغايته لله تعالى كما مر، وشطره الثاني أثره وغايته من طلب الاستعانة وحصولها للعبد، ولذا قال تعالى متفضلاً بإجابته إلى سؤالها (ق) للحال أو عاطفة وكذا فيما مر ويأتي (لِعَبْدِي مَا سَأَلَ) من طلب الاستعانة منه تعالى دون غيره وقدم العبادة؛ لأنها متفرعة على الثلث الأول؛ إذ اختصاصها به تعالى إنما نشأ عن اتصافه تعالى بتلك الصفات العلية الكاملة، وأيضًا فهي وسيلة إلى ما بعدها من الطلب؛ لأن الطلب لحاجة ينبغي أن يقدم بين يديه ما يكون سببًا لقضاء حاجته، ولا سبب لإجابة الدعاء أعظم من التلبس بعبادة الحق الخالصة لذاته والخالية عن سائر الشوائب، وأخر طلب الاستعانة ليتفرع عليها ما بعدها؛ إذ التقدير كيف أعينكم فقالوا: ((اهدنا ... إلى آخره)) وفيه هذا وما بعده بقوله: ((ولعبدي ما سأل)) لتضمن السيرهنا والأمر في اهدنا: الطلب. (فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرٍ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٨٢٤ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َـ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَنَّسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ﴿الْحَمْدُ الله رَبِّ العَالَمِينَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وكذلك البخاري ولفظه عنه: «كَانَ النَّبِي ◌ََّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُما - يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةِ بِـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾)»(٢). وفي رواية لمسلم عنه: ((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِي وَهُ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﴾ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))(٣). (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم (٩١٦)، وأحمد (١٣١٤٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٥١٣)، والدارقطني (١٢١٣)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (١٣١١). ٣٧٩ كتاب الصّلاة/ باب القراءة في الصلاة وفي أخرى له: ((فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا)(١). وهذا كله لا يرد على مذهبنا الآتي بيانه أول الفصل الثاني؛ لأن معنى الأولى كانوا يفتتحون بسورة بينه ما صح عن أنس نفسه كما قاله الدارقطني والحاكم وغيرهما أنه كان يجهر بالبسملة ويقول: لا آلو أن أقتدي بصلاة النبي ◌َّه وبه وبغيره، مما صح عنه رواية وفعلاً، ورد. وأقول: ابن الجوزي لم يصح عنه في الجهر شيء، وأمَّا روايتا مسلم الأخيرتان فأجاب عنهما أصحابنا بأن كلًّا منهما رواية للفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في البخاري لأصاب؛ إذ اللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ على أنه معارض بما رواه الترمذي عن ابن عباس: («كَانَ الَّبِيِ وَّهِ يَفْتَتْحُ الصَّلاَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١])(٢). وأجاب عن حديث أنس المذكور جماعة من أئمة المحدثين منهم: ابن عبد البر المالكي بأنه لا يجوز الاحتجاج به لتلونه واضطرابه، فإنه صح عنه بعبارات مختلفة المعاني، ومن جملتها أنه قال: كبرت ونسيت، وأنه سئل أكان النبي كلهم يستفتح الصّلاة بـ﴿الْخَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أو ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك، فجزم تارة بالإثبات وتارة بالنفي وتارة بوقف وكلها صحيحة، فلما اضطربت وتعارضت سقطت، ورجحنا الإثبات للقاعدة والجهر؛ لأن رواته أكثر كما مر وذهب بعض أئمتنا إلى الجمع بأنه وله ترك الجهر في بعض الأوقات لبيان الجواز وهو حسن يستعمل مثله كثيرًا. ٨٢٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِذَا قَالَ (١) أخرجه مسلم (٩١٨)، وأحمد (١٣٦٨٣)، والبيهقي في السننه)) (٢٥١٢). (٢) تقدم تخريجه. ٣٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الإِمَامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. هَذَا لَفْظ البُخَارِيِّ وَلِسْلِم ◌َخْوه. وَفِي أُخْرَى للْبُخَارِيِّ: قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (١)]. (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا) أي: إذا أراد التأمين فأمنوا معه للرواية الآتية قريبًا مع بسط الكلام عليها: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ .. إلى آخره)(٢) ولأن الإمام لا يؤمن لتأمين إمامه كما هو النسبة عندنا جمعًا بين الحديثين المذكورين بحمل أولهما على أراد كما تقرر، وليس عندنا شيء يسن مقارنة المأموم للإمام فيه إلا هذه. نعم إن علم أن إمامه إذا فرغ ((فاتحته)) ركع وافقه فيها للضرورة، ولو ترك الإمام التأمين ندب للمأموم أن يؤمن، وأن يجهر لعله يؤمن إذا سمعه ولو أخره الإمام عن وقته، أو لم يعلم تأمينه أمن لقراءته التي يسمعها ثم لفاتحته إذا فرغها. (فَإِنَّهُ) أي: الشأن (مَنْ) عطف على محذوف دل عليه السياق، وصرحت به الرواية الآتية والتقدير: فأمنوا فإن الملائكة تؤمن (وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ) أي: في الزمن للرواية الآتية: (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ))(٣) وقيل في الصفات کالإخلاص وغیره. وهؤلاء الملائكة قيل: هم الحفظة، وقيل: غيرهم؛ لخبر: ((مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ (١) أخرجه مالك (١٩٤)، والبخاري (٦٠٣٩)، ومسلم (٩٤٢)، والترمذي (٢٥١)، وأبو داود (٩٣٧)، وابن أبي شيبة (٣٦٣٩٢)، والنسائي (٩٢٥)، وابن ماجه (٨٥١)، وأحمد (٧٢٤٣)، وابن خزيمة (٥٦٩)، وأبو عوانة (١٦٨٥). (٢) أخرجه مالك (١٩٤)، والبخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٠٩)، وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (١٠٦٣)، وابن حبان (١٩٠٧)، والشافعي (٣٧/١). (٣) أخرجه مالك (١٩٥)، والبخاري (٧٤٩)، وأبو داود (٩٣٥)، والنسائي (٩٢٩).