Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
المناسك إلا أن العبرة كما هو مقرر في الأصول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
والعموم هنا في قوله: ما؛ إذ هي من أدواته (ثُمَّ تَشَهَّدْ) أي: أذن (فَأَقِمْ) وفي رواية ((وأقم))
وفيه دلالة ظاهرة لمن قال بوجوب الأذان والإقامة على الكفاية (فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنُ
فَاقْرَأْ) أي: بأم القرآن إن حفظتها وإلا فبسبع آيات بدلها بقدر حروفها متفرقة كانت
أو متوالية وإنما حملناه على هذا التفصيل للحديث السابق: ((أَمُّ الْقُرْآنِ عِوَضَّ عَنْ
غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا)(١).
(وَإِلَّا) يكن معك قرآن (فَاحْمَدِ اللّهَ وَهَلِّلْهُ وَكَبِّرْهُ) ومنه أخذ أئمتنا أن من لم
يعرف شيئًا من القرآن يلزمه الذكر اتفاقًا، ثم اختلفوا هل يجب سبعة أنواع من الذكر
بقدر حروف الفاتحة والأصح: نعم لهذا الخبر وليكون كل نوع مكان آية وقال جمع: لا
لهذا الحديث فإنه كالنص في عدم وجوب سبعة أنواع ويرد بأن ظاهر الحديث وجوب
ثلاثة أنواع ولم يقل به أولئك فالحديث إذن ليس فيه متمسك لإحدى المقالتين.
وقد صح عند بعضهم لكن بيَّن النووي ضعفه أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َليه
فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني منه في صلاتي، فقال:
((قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بالله))(٢) وهذا مشتمل على خمسة أنواع بل بنيته، والظاهر أنه كان يحفظ البسملة فهو
بتقدیر صحته دلیل للراجح المذکور.
قال بعض أئمتنا: والأولى أن يضيف إلى الأنواع الخمسة المذكورة في الحديث ما
روي في بعض الأخبار: ((مَا يَشَاءُ اللّهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأْ لَم يَكُن))(٣) ويجزي عن الذكر
دعاء محض أخروي فإن لم يحفظه فدنيوي ولو عرف آية لا ذكرًا كررها بقدر الفاتحة
=
وعبد بن حميد (١١٣٥).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٣٢)، وأحمد (١٩٦٥٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٤١٤٨)، والدار قطني (١٢١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٤٠).

٣٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
عددًا وحروفًا، وإن لم يحسن شيئًا أصلاً لزمه القيام بقدر الفاتحة في ظنه؛ لأنه واجب
في نفسه فلا يسقط بإسقاط ذكره وكذا في التشهد الواجب والمندوب وفي القنوت (ثُمَّ
ارْكَعْ).
٨٠٥ - [وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشُّهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشُعُ وَتَضَرُّعْ وَتَمَسْكُنُّ، ثُمَّ تَضِعُ يَدَيْكَ،
يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلاً بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا، وَفِي رِوَايَة: فَهُو خِدَابٌ](١).
(وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: الصَّلَاةُ
مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهُّدُ) بالتنوين خبر بعد خبر كالبيان لمثنى؛ أي: ذات تشهد (في كل
ركعتين) ومن جعله بلفظ الأمر فقد صحف على ما قيل؛ أي: أفضل الصّلاة النافلة
أن تكون رکعتین رکعتین.
ويوافقه الخبر الآخر: ((صَلاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى))(٢) وبهذا أخذ أئمتنا
فقالوا: الأفضل في نوافل الليل والنهار أن يكون كل ركعتين منها بتشهد وسلام؛ لأنه
أکثر عملاً.
وقال أبو حنيفة : الأفضل فيها ليلاً أو نهارًا أن يكون كل أربع منها بتشهد
وسلام.
(وَتَخَشُّعُ وَتَضَرُّعُ وَتَمَسْكُنُ) أي: من شأن فضلاً عن الفريضة أن يشتمل على
الخشوع بالظاهر بأن تسكن أعضاؤه عن الحركات التي لا يطلب فيها، وبالباطن بأن
يتحفظ القلب عن الوساوس والشواغل من حديث النفس وغيره، وعلى التضرع
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٩)، والطبراني (٧٥٧)، والبيهقي (٤٣٥٣)، والترمذي (٣٨٥) وقال: صحيح،
والنسائي في (الكبرى)) (٦١٥)، والبزار (٢١٦٩)، وأبو يعلى (٦٧٣٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٠٠)، وأحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، وابن ماجه (١٣٢٢)، والنسائي في
(الكبرى)) (٤٧٢)، والدارمي (١٥١٠)، وابن خزيمة (١٢١٠).

٣٤٣
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
إلى الله تعالى بإكثار الدعاء فيها، وعلى التمسكن والخضوع والذلة والافتقار ونسيان
الأعمال والإدلاء إلى الله بها بل بمحض كرمه وعفوه لعدم اعتداده بأعماله وأحواله
وعده لها شيئًا صالحًا لإناطة أمرنا به، فمن كان في صلاته كذلك كان ذلك أرجى
لقبولها وشهود غاياتها من القرب إلى الله تعالى ومحبته له، حتى يصير تعالى سمعه
الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
فلئن سأله ليعطينه ولئن استعاذه ليعيذنه، كما أفصح عن ذلك الحديث القدسي
المشهور: ((لا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ صرتُ
سَمْعَهُ ... ))(١).
(ثُمَّ) إذا سلمت منها (تَضْعُ يَدَيْكَ، يَقُولُ) أي: يزيد ﴿ بذلك أنك (تَرْفَعُهُمَا
إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلاً بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ) أي: كما هو أحد أنواع السنة في رفعهما في كل
دعاء (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ) سائلاً حاجتك من مجيب دعوة الداعي إذا دعاه قال تعالى:
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال: ﴿ادْعُوِنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
وفي حديث: ((مَنْ لَمْ يَسْأَّل اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ))(٢) أي: لما في الامتناع من
السؤال من تسويل النفس لديها أنها مستغنية عن عطاء الله وإنعامه، وهذا مقتض
لأشد الغضب لأدائه بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله، وقد أشير لذلك في هذا الحديث
أيضًا بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا) كناية عن لحوق نقص في صلاته
وحاله وأداء ذلك إلى ما يوجب خسار الدنيا والآخرة.
(وَفِي رِوَايَة) تفسير ذلك الإبهام بقوله: (فَهُو) أي: فعله ذلك (خِدَاجُ) أي ذو
أخداج؛ أي: نقص مصدر خدجت الحامل إذا ألقت ولدها قبل وقته فاستعير لذلك
(رواهُ التِّزْمِذِيّ) وسنده حسن.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وابن حبان (٣٤٧)، والبيهقي (٢٠٧٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤/١).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥١٣)، والترمذي (٣٧٠٠).

٣٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(الفصل الثالث)
٨٠٦ - [عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدرِيُّ،
فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ [وَحِينَ سَجَدَ](١) وَحِينَ رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ،
وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ الَّبِيِّ ◌َ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدرِيُّ، فَجَهَرَ
بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ) أي قام (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ)
الأوليين (وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفيه دليل نصًّا في البعض
وقياسًا في البعض لندب جهر الإمام بالتكبيرات وبسمع الله لمن حمده حتى يسمع
المأمومين، فيعلموا صلاته فإن ضعف صوت الإمام عن أن يبلغ الجميع ندب اتفاقًا
رفع واحدًا وأكثر من المأمومين ليبلغ عنه لخبر الصحيحين أنه ◌َ * صلى في مرض موته
بالناس وأبو بكر # يسمعهم التكبير، ويكره للمأموم المبلغ الجهر؛ لأنه يشوش على
غيره.
٨٠٧ - [وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخِ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ
تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِإِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّهُ أَبِي الْقَاسِمِ ◌َ (٣).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ عِكْرِمَةً قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً)
في الرباعية بتكبيرة الإحرام والقيام من التشهد الأول (فَقُلْتُ لإِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّهُ أَحْمَقُ)
لجهله بما يسن في صلاته، وسكوت مولاه ابن عباس على قوله هذا إن لم يجعل قوله
الآتي ردًا لهذا أيضًا إما؛ لأن الغيبة التي يأثم بها المخاطب إنما يكون في معين لا في
مجهول له وإن عرفه المتكلم على ما رجحه بعض الأئمة على أنه لم يقله تنقيصًا له بل
(١) سقط من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٨٨)، وأحمد (٣٣٥٢).

٣٤٥
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
إظهارًا لاعتقاده جهله، حتى يبين له إمامه أن ما فعله هو السنة، ويفرض أنه قصد
تنقيصه فهو من الغيبة المباحة؛ إذ منها كما هو ظاهر أن يقال للعالم: إن فلانًا يفعل
كذا وكذا وأنه لذلك أحمق فهو الأمر كذلك أم لا.
(فَقَالَ) له زجرًا له عن إنكاره ما لم يحط به علمًا الدال على جهله هو دون من
أنكر عليه: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) أي: فقدتك الهلاكك وهو جرى على عادة العرب من
جريان ذلك على ألسنتهم زجرًا للمخاطب من غير أن يقصدوا به حقيقته كقوله وَلخد
الجابر: ((تَرِبَتْ يَدَاك))(١) أي: وصلنا إلى التراب من شدة الفقر.
ولصفية أم المؤمنين: ((عَقْرَى حَلْقَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ))(٤) وقد تستعمل تلك للتعجب
والمدح.
(سُنَّةُ) أي: الخصلة التي فعلها وأنكرتها عليه هي سنة (أَبِي الْقَاسِمِ وَاء) وكأنه
أشار بهذه الكنية على عظيم التبجيل على عكرمة وإلى أن ما حصل لورثته وس09معلمًا
ومعرفة إنما هو من قسمته وَ ل﴾، كما أشار إلى ذلك بقوله في حديث البخاري وغيره:
(إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي))(٣) فقسم أمته خرجت من خزائن الحق على يديه أ
تشريفًا لهما ولهم فكأنه يقول لعكرمة: لو تأملت حقيقة الأمر وأخذت القسم من
أهله لم تبادر بالحكم على مقت للسنة الغراء بما هو برئ منه (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
٨٠٨ . [وَعَنْ عَلَيِّ بْنِ الْحُسَين مُرْسَلاً قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ
(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والبيهقي (١٣٢٤٤)، وابن ماجه
(١٨٥٨)، وابن حبان (٤٠٣٦)، والدارمي (٢١٧١)، وأحمد (٩٥١٧)، والنسائي في ((الكبرى))
(٥٣٣٧)، والدار قطني (٣٠٢/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٢٩)، ومسلم (٣٢٩٢)، وابن ماجه (٣١٨٩)، وأحمد (٢٥٦٤٨)، والبيهقي في
(«سننه» (١٠٠٣٧). عَقْرَى حَلْقَى: هو في الحقيقةِ دعاء بالإصابة بالوجع وحلق الشعر، ولكن ذلك
غير مقصود، فهو مما يجري على ألسنة العرب من غير قصد، ونظيره: تربت يداه وثكلتك أُمُّكَ.
وقد ورد هذا الحديث في الأصل المخطوط بلفظ: ((عقري حلقًا أجالستنا هي)».
(٣) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩٥٦).

٣٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلاَتَهُ نَِّ حَتَّى لَقِيَ اللّهَ تَعَالَى(١). رَوَاهُ مَالِك].
(وَعَنْ) زين العابدين (عَلِيِّ بْنِ الْحُسين) ابن علِيِّ ﴾ (مُرْسَلاً) حال مقدمة على
صاحبها، وسبق أن المرسل هو أن يقول التابعي: قال رسول الله ﴿ ﴿ أو كان أو نحوهما
وهو هنا حجة من وجوه كونه في الفضائل وموافقته للحديث الصحيح المتصل الذي
قبله؛ إذ قول الصحابي تلك العبارة أو نحوها في حكم المرفوع (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله
﴿َِّ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) إلا عند رفعه من الاعتدال، فإنه كان يقول:
(سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ)(٢) كما مرَّ في الروايات السابقة (فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ) الصّلاة المقترنة
بذلك التكبير (صَلاَتَهُ وَّله) ويحتمل فلم يزل هو ◌َله تلك الصّلاة صلاته، فالخبر
الجملة الاسمية (حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى. رَوَاهُ مَالِك).
٨٠٩ - [وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أُصَلِّ لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ الله
◌َّهِ؟ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّ مَرَّةً وَاحِدَة مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِفْتِتَاجِ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدِ والنَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا المعْنَى].
(وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أُصَلِّ لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللّهِ وَّ؟
فَصَلَّ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّ مَرَّةً وَاحِدَةٍ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِفْتِتَاجِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
والنَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيسَ هُوَ بِصَحِيح) هكذا نقله عنه بعض الحفاظ واقتصر
عليه وهو صريح في الطعن في سنده بخلاف زيادة المصنف قوله: (عَلَى هَذَا المَعْنَى) أي:
المتبادر من ظاهره وهو أنه وَّي لم يكن يرفع يديه إلا مع تكبيرة الإحرام فإنهما؛
أعني: هذه الزيادة تفهم صحة سنده.
وإنما النزاع في معناه؛ لأن غير ابن مسعود من أكابر الصحابة الملازمين له وَيه.
(١) أخرجه مالك (١٦٤)، ومسلم (٨٩٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٤٨)، وأحمد (٣٧٥٣)، والنسائي (١٠٦٦)، والبيهقي في «سننه» (٢٦٣٣)، ولم
أقف عليه عند الترمذي.

٣٤٧
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
أكثر منه رووا عنه من طرق صحيحة كثيرة غير منحصرة كما مر عن البخاري وغيره
الرفع عند الركوع والاعتدال والقيام من التشهد الأول، فحينئذٍ يجب تأويل هذا لو
فرض صحة سنده بحمله، على أن ابن مسعود نسي الرفع في هذه المواضع الثلاثة على أنه
لم يصرح بنسبة تركه فيها إلى النبي وَله وإنما اقتضاه قوله: ((ألا أصلي بكم .. إلى آخره))
لو بل صرح بذلك لم يؤخذ به؛ لأنه لو عارض مثله وهو مثبت قدم عليه فكيف وقد
عارضه ذلك العدد الكثير بل يحمل على أنه لم يبلغه ذلك.
فإن قلت: قد يقال: جاء أنه «﴾ کان قصیرًا جدًّا إذ كان طوله ذراعًا.
وفي رواية بقدر جلسة آدمي، وواضح أنه لكماله كان لا يرفع رأسه في صلاته
فلم يكن إلا الرفع عند التحرم؛ لأنه لم يكن؛ إذ ذاك دخل في الصّلاة بخلاف ما
بعده لاشتغاله عنه.
٨١٠ - [وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴿ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ
اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ)(١). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَهُ].
(وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ
اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ. رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه) ومرَّ ما فيه في الأحاديث
الصحيحة.
٨١١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ الظُّهْرَ، وَفِي آخِرٍ
الصُّفُوفِ رَجُلَّ فَأَسَاءَ الصَّلاَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ: يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللّهَ؟ أَلَا
تَرَى كَيْفَ تُصَلِّ إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَالله إِنِّي لأَرَى مِنْ
خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ(٤). رَوَاهُ أَحْمَد].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ الظُّهْرَ، وَفِي آخِرِ الصُّفُوفِ
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٠٠٤٩).

٣٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
رَجُلُ فَأَسَاءَ الصَّلاةَ) أي: أتى فيها بما يبطلها كما يدل له قوله له: (أَلَا تَتَّقِي اللهَ)) (١)
والفاء هنا الظاهر أنها زائدة لتزيين اللفظ، وما قيل: إنها سببية وأن تأخره كان سببًا
الإساءة الصّلاة ولذا عقبه وَله بقوله: ((إني لأرى .. إلى آخره) حيث لم يتحقق أن ذلك
الرجل منافق؛ لأنه لا يتم إلا إن كان تعمد ما أتى به من المبطل لتأخره، ولو كان متقدمًا
لم يسعه تعمده، وظن هذا بمن لم يعلم نفاقه بعيد، وإنما الذي يظهر أن سبب إتيانه
جهله والإنكار عليه حينئذٍ لتقصيره به لسهولة تعلمه ما يلزمه تعلمه من فقهاء
الصحابة أو منه ◌َل﴾، وفائدة قوله حينئذٍ: ((إني لأرى ... إلى آخره)) أنه ربما ظن أن تأخره
یستر جهله فاعلمه أنه لا یستره.
(فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ الله ◌َُّ: يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّ
إِنَّكُمْ تَرَوْنَ) بضم أوله؛ أي: تظنون (أَنَّهُ يَخْفَى عَلَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ) وأتى بالجمع في
هذا أما رفقًا بالمنادي؛ لئلا يشتد عليه العتاب أو أن جمعًا غيره كانوا يعتقدون ذلك
فأدبهم ◌َ له بذلك معه (وَالله) فيه أنه لا بأس بالحلف في طاعة أو تأكيد كلام (إِنّي
لأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ) أي: في حال الصّلاة؛ لأنه ◌َّ﴾ كان يحصل له
فيها قرة العين بما يفاض عليه فيها من غايات القرب وخوارق التجليات فينكشف له
حقائق الموجودات على ما هي عليه، فيدرك من خلفه كما يدرك من أمامه؛ لأنه لباهر
كماله لا يشغله جمعه عن فرقه فهو وإن استغرق في عالم الغيب لا يخفى عليه شيء من
عالم الشهادة، فعلم أن ما هنا لا ينافي قوله: ((إِنَّ لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي)»(٢) لأنه
بالنسبة لخارج الصّلاة.
وقيل: بل كان له عينان بين كتفيه كسم الخياط يرى بهما كما يرى بعينه
الأصليتين، وإنما حملت تلك الرواية على حالة الصّلاة حتى لا ينافي هذا خبر: ((إِنَّ لَا
أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي)»(٣) أي: بناء على أنه وارد وهو ما صرح به ابن الجوزي وأشعر به
(١) أخرجه الحاكم (٨٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة (٤٧٤).
(٢) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٩٢/١).
(٣) تقدم تخريجه.

٣٤٩
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
كلام شيخ الإسلام في تخريجه الرافعي، أما على ما صرح به في غيره أنه لا أصل له فلا
يحتاج لجواب على أنه في الحقيقة لا منافاة؛ لأن المثبت هنا الرؤية البصرية والمنفي ثم
العلم؛ أي: بالمغيبات فلم يتواردا على شيء واحد.
وفي معنى هذا خبر الصحيحين عن أبي هريرة أيضًا: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي
بِعَيْنِهَا فَوالله مَا يَخْفَى عَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ إِّي لأَرَاكُمْ مِن وَرَاءِ
ظَهْرِي)(١).
وفي رواية لمسلم عن أنس: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا
بِالسُّجُودِ فَإِّ أَرَاكُمْ أَمَاِي وَمِنْ خَلْفِي)(٢).
ولا ينافي ذلك توقف الرواية في حق المخلوق على حاسة وشعاع ومقابله اتفاقًا؛
لأن محله في غير المعجزة وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها، وقيل: سبب
رؤيته لمن وراءه أن صورهم كانت تنطبع في قبلته، ورد بأن مثل هذا لا يقاس عليه إلا
بنقل صحيح؛ إذ لا مجال للبحث فيه.
وقيل: هي رؤية قلب.
وقيل: وحي أو إلهام ورد بأن الصواب أنها رؤية مشاهدة بالبصر كما مر، وخبر:
(لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي))(٣) لا ينافي بناءً على ما مر إخباره وَّ بالمغيبات التي لا
تحصر؛ لأن ذاك على الأصل وهذا على خرق العادة بوحي أو إلهام.
ويؤيده أنه { ل* لما ضلت ناقته، وقال بعض المنافقين: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم
بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، قال وَّةِ: (وَالله إِنَّ لَا أَعْلَمْ إِلَّ مَا عَلَّمَنِي رَبِي وَقَدْ
(١) أخرجه البخاري (٧٤١)، ومسلم (٩٨٦)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢٣٢٣)، والحميدي
(١٠٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٤٢٦)، وابن أبي شيبة (٧١٥٦)، وأحمد (١٢٠١٦)، وابن خزيمة (١٧١٦)، وأبو يعلى
(٣٩٥٢)، والبيهقي (٢٤٢٣).
(٣) تقدم تخريجه.

٣٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
دَلَّنِي رَبِّي عَلِيهَا وَهِي فِي مَوضِعِ كَذَا وَكَذَا حَبَسَتْهَا شَجَرَةُ بِخِطَامِهَا))(١) فذهبوا فوجدوها
كما أخبر ◌َّله وفيهم بعض الصوفية العموم في رؤيته رسمي من خلفه حيث قال:
((جعل الله تعالى هذه الآية دالة على ما في حقيقة أمره في إطلاع الباطن لسعة علمه
ومعرفته، لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه الله على ما بين يديه مما تقدم من أمر الله
وعلى ما وراء الوقت مما تأخر من أمر الله، فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراكات
مدركات القلوب جعل الله تعالى له * مثل ذلك في مدركات العيون، وكان يرى
المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قال ◌َل﴾. انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَد) وفيه أنه يتعين على كل من رأى من يفعل في صلاته مبطلان أن
يعلمه به وينكره عليه برفع الصوت والمبالغة في الإنكار إن كان بين أظهر العلماء،
وقصر في التعلم ومحله إن كان ذلك المبطل مجمعًا عليه أو كان مذهب الفاعل يراه
مبطلاً، وإلا لم يجز الإنكار عليه أخذًا مما قاله أئمتنا في مبحث الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر من أنه لا ينكر إلا المجمع عليه أو الذي يعتقد الفاعل تحريمه.
(١) أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (١٩٨٦).

(باب ما يقرأ)
الأولى ((ما يقول))؛ لأن دعاء الافتتاح لا يسمى قراءة كما هو واضح (بعد
التكبير) الذي للإحرام.
(الفصل الأول)
٨١٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ
الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأَتِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَينَ الْقِرَاءَةِ
مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ
خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ
إِسْكَانَةً) إفعالة من السكوت وليس المراد به هنا حقيقته وهي: عدم الكلام بل عدم
رفع الصوت كما يدل عليه قوله: (فَقُلْتُ: بِأَبِي) أي أفديك أو أنت مفدي وحذفه
لشهرته وكثرة استعماله بأبي (أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ) بالنصب بتقدير
أسألك أو في بنصبه بنزع اخافض (بَیْنَ القَّگپیرِ وَبینَ) وهذه زائدة للتأکید؛ لأن بین لا
تدخل إلا على متعدد (الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟) أي: فيه على الأول.
(قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ) أتى بصيغة المفاعلة للمبالغة (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) لا
ينافي هو وما بعده ما هو المقرر عند المحققين من عصمته ولي كسائر الأنبياء من
الذنوب صغيرها وكبيرها سهوًا أو عمدًا قبل النبوة وبعدها إما؛ لأن هذا من باب
تواضع الكامل وعدة أحواله كلها خطيات وذنوبًا بالنسبة لجلال الله تعالى وعظيم
(١) أخرجه البخاري (٧١١)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، وأحمد (٧١٦٤)، والنسائي (٦٠)، وابن
ماجه (٨٠٥)، والدارمي (١٢٤٤)، وابن خزيمة (٤٦٥)، وابن حبان (١٧٧٥)، وابن أبي شيبة
(٢٩٢٠٨)، والدارقطني (٣٣٦/١)، والبيهقي (٢٨٩٥).
- ٣٥١ -

٣٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
حقوقه العاجز عن القيام بها على كمالها حتى الكمل من خلقه كما أشار لذلك سيدهم
نبينا وَّهُ بقوله: ((سُبْحَانك لَا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))(١) أو أن
المراد خطايا أمته أو ما وقع منه مما عوقب عليه بمخالفته الأكمل، والأولى كما في
﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣].
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونظائر ذلك، أو أن ذلك
لتعليم أمته وإن استحال في حقه ◌َ﴿ ويأتي بعض هذه الأجوبة في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ
لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:؟].
(كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ) ويلزم من هذه المباعدة المتصل من آثارها
والنقي من غبارها (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا) أي: التي تدنس القلوب تسودها (كَمَا
يُنَقَىِ الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّفَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) جمع بين
المطهرات الثلاثة السماوية التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها مبالغة
في التطهير والإزالة، وبيانًا لأنواع المغفرة التي لا تتخلص من دنس المخالفات إلا بها؛
أي: اللُّهُمَّ والٍ على خطاياي من خوارق غفرانك وعفوك وامتنانك ما يزيلها بجميع
آثارها، ويمحو جميع تبعاتها محو تلك الثلاثة لسائر الأوساخ والأقذار والأحداث
والأنجاس.
ويصح أن يشار بجميع تلك الثلاثة إلى المبالغة بطلب أنواع من المغفرة والرحمة
والرضا تطفئ حرارة المتولد من تلك الخطايا، ثم تبوء رياض النعيم ثم تمنح معالي
الشهود ودوام القرب، ولا يضر كون مفاد الجملتين واحدًا؛ لأن المقام مقام إطناب على
أن الثانية أبلغ؛ لأنها أفادت من المبالغة ما لم تفده الأولى كما علم مما قررته فيهما،
وفي عطف الأخيرين على الماء إشارة إلى ما هو المقرر عندنا من أنهما مثله في تطهير
(١) أخرجه مالك (٥٠٣)، ومسلم (٤٨٦)، وأحمد (٢٥٦٩٦)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩٣)
وقال: حسن، والنسائي (١١٣٠)، وابن ماجه (٣٨٤١)، وابن خزيمة (٦٧١)، وابن حبان (١٩٣٢)،
والبيهقي (٦٠٨).

٣٥٣
كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ
النجس والحدث الحسيّين (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
٨١٣ - [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا
افْتَتَحَ الصَّلاةَ - كَبَّرِ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا
أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِّي وَنُسُكِي وَتَحْيَايَ وَمَمَانِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِي وَنَا
عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ
أَنْتَ، وَاهْدِنِي لَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا
يَصْرِفُ عَنِّ سَيِّتَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَتَيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا
بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ
وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي. وَإِذَا رَفَعَ
قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ
بَعْدُ. وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي
خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا
يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا
أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَن شِئْت لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ.
وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِيِّ: وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكِ وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا مَنْجَى
مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكِ تَبَارَكت].
(وَعَنْ عَليّ ◌َّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا افْتَتَحَ
الصَّلاةَ - كَبَّر ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) بإسكان الياء عند أكثر القراء أو فتحها؛ أي:
(١) أخرجه مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١)، والنسائي (٨٩٧)، والطيالسي
(١٥٢)، وعبد الرزاق (٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٩٩)، وأحمد (٧٢٩)، وابن خزيمة (٤٦٢)،
والطحاوي (١٩٩/١)، وابن الجارود (١٧٩)، وابن حبان (١٧٧٤)، والدارقطني (١)، والبيهقي
(٢١٧٢).

٣٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
أخلصت قصدي ووجهتي وينبغي للمصلي عند تلفظه بذلك أن يكون على غاية من
الحضور والإخلاص وإلا كان كاذبًا، وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين
يدي من لا تخفى عليه خافية (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ) جمعها؛ لأنها أفضل على الأصح
عند أكثر العلماء وإلا فالأرض سبع أيضًا على الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وقيل: هي أفضل؛ لأنها مدفن الأنبياء.
(وَالأَرْضَ) أي: أوجدهما وأبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق، ومن أوجد
مثل هذه المحدثات التي هي على غاية من الإبداع والإتقان حقيق بأن تتوجه الوجوه
إليه وأن تعول القلوب في سائر أحوالها عليه، فلا يلتفت لغيره ولا يرجو إلا دوام رضاه
وخيره (حَنِيفًا) أي: مائلاً عن كل وجهه وقصد إلى الحضور والإخلاص في عبادة فاطر
السماوات والأرض، فهو حال مؤكدة لمعنى وجهت وجهي، وزاد ابن حبان في روايته
مسلمًا بعد حنيفًا (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تأكيد لما قبله أو تأسيس بجعل النفي عائدًا
إلى سائر أنواع الشرك الظاهر والخفي لكن لا يسوغ هذا إلا للخواص في بعض
المنازلات.
(إِنَّ) فيها شائبة تعليل لما قبلها (صَلَاتِي وَنُسُكِي) أي: عبادتي من النسيكة وهي
النقرة المصفاة من كل خط عطف عام على خاص (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: وجميع أحوال
حياتي وموتي وما بعده، وفيهما فتح الياء وإسكانها لكن الأكثر فتح الأول وإسكان
الثاني (الله) إيجادًا وتدبيرًا أو ملكًا واستحقاقًا (رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: مالكهم ومربيهم
بسوابغ كرمه ومزايا نعمه وهم ما سوى الله على الأصح (لَا شَرِيكَ لَهُ) في تلك التربية
البديعة الباهرة (وَبِذَلِكَ) قولاً واعتقادًا (أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وسيأتي رواية «وأنا
أول المسلمين)».
وكان ◌َليّة يقول تلك تارة وهذه أخرى؛ لأنه أول مسلمي هذه الأمة بل جاء أن
النور الذي خلق منه سبق إيجاده قبل خلق الخلق بأزمنة متطاولة، والسنة لغيره أن
يقول الأولى لا غير إلا أن يقصد لفظ الآية، وحينئذٍ يقويه إن اقتصر عليها الإتيان

٣٥٥
كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ
بسنة دعاء الافتتاح، وظاهر كلام أئمتنا أن المرأة تقول ((وما أنا من المشركين وأنا من
المسلمين)) لأن مثل ذلك سائغ لغة سائغ استعمالاً، وفي التنزيل: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾
[التحريم: ١٢].
ووجهه له أنه من باب التغليب أو على إرادة الأشخاص فتقول بعض أئمتنا
المتأخرين: الظاهر أنها تأتي بجميع المؤنث فيه نظر؛ إذ هو قياس لغوي ولا حجة فيه
وقد لقن ◌َله: ((إِنَّ صَلوَاتِي إِلَيَّ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) فاطمة الزهراء - رضي الله عنها -
في ذبح الأضحية، وقياس ذلك أن يأتي بـ((حنيفًا مسلمًا)) بالتذكير على إرادة الشخص
محافظة على الوارد ما أمكن، وعلى الأول فهما حالان من الفاعل أو المفعول ومن زعم
أنهما من المفعول وإلا لزم تأنيثهما فقد أبعد؛ إذ التذكير إذا لوحظ فيه معنى الشخص
صح مجيء الحال المذکر منه.
(اللَّهُمَّ) أي: يا الله فالميم بدل من فاعل الأصح ومن ثم لا يجمع بينهما إلا في
الشعر (أَنْتَ الْمَلِكُ) الحقيقي القادر على كل شيء على الحقيقة دون غيرك (لَا إِلَهَ إِلَّا
أَنْتَ) فيه ترق إلى الأعلى؛ لأنه لما حصر الملك له تعالى بتعريف الجزئين ارتقى إلى
إثبات الألوهية الملطفة له بطريق الحصر أيضًا ونظيره: ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَّهِ النَّاسِ﴾
[الناس:٢ - ٣].
(أَنْتَ رَبِي) أي: مالكي وموجدني من العدم ومغذيني بسوابغ المنن ولطائف النعم
(وَأَنَا عَبْدُكَ) الذليل الخاضع لأمرك المفتقر لفضلك النافذ في أمرك الجاري على
قضاؤك، وأحوج إليهما أن المقام مقام إطناب واستلذاذ بخطابه تعالى على أن فيهما
تخصيصًا لوصف الربوبية بالإضافة إلى نفسه، وهذا لم يستفد مما قبله بطريق التصريح.
(ظَلَمْتُ نَفْسِي) بارتكاب مخالفاتك وتقصيري في عدم القيام بحقوقك
(وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي) وأنت الكريم العفو الذي سبقت رحمته غضبه (فَاغْفِرْ لِي) فعلم أن
ذينك لما كانا وسيلة لهذا قدما على طلبه، ومن ثم حكى تعالى عن آدم وحواء - عليهما
السلام - أنهما لما أرادا طلب المغفرة قدما عليه وسيلته وهي: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ... ﴾

٣٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
[الأعراف: ٢٣].
والثانية حال مؤكدة مقررة لمضمون الأولى (ذُنُوبي جَمِيعًا) لا يضر شموله
للتبعات؛ لأنه تعالى إذا أراد محوها عن شخص عوض مستحقها ما يرضيه فيها حتى
يعفو عنه (إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) قليلها وكثيرها، حقيرها وجليلها (إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي)
أوصلني (لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ) الحاملة على القيام بأوامرك والمباعدة عن نواهيك على ما
ينبغي؛ أي: وفقني للتخلق بأحسن أخلاق الصديقين من غير الأنبياء لامتناع سؤال
التخلق بحقيقة أخلاقهم (لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) لعجز الخلق كلهم وغيرهم عن
أن يوجدوا أدنى ذرة لم ترد أنت وجودها.
(وَاصْرِفْ عَنِّ سَيِّتَهَا) الحامل على غضبك ومقتك والمقعد للدنو من حضرتك
(لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ) لا سيما ونفسي تدعو وتبذل في تحصيلها معظم
جهدها وكلها (لَتَيْكَ) مصدر لب أو ألب أقام قصد تثنية التكرير من غير نهاية؛ أي:
إقامة على إجابتك لما أمرت به المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة (وَسَعْدَيْكَ) أي: أسعد
وأحظى بإقامتي على طاعتك وإجابتي لسائر أوامرك سعادة بعد سعادة أو مساعدة
ومسارعة لطاعتك بعد مساعدتك.
(وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) المكني بهما عن سعة طولك وباهر تفضلك أو عن
قدرتك وإرادتك؛ لأنه لا يصدر شيء إلا عنهما فكله عندك كالشيء الموثوق به
المقبوض به المقبوض عليه يجري مجاري قضائك وقدرك لا يدرك من غيرك ما لم تسبق
به كلمتك (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) تمسك به المعتزلة في نسبة الشر للعبد لتقديرهم متعلق
الجار منسوبًا، وهو تحكم؛ إذ هو كما يحتمل ذلك يحتمل بتقديره مقربًا أو مضافًا أو
صاعدًا أو منسوبًا، والمراد غير ما فهموه؛ أي: ليس منسوبًا إليك على انفراده؛ لأن
قضية الأدب ألَّا يضاف المحقرات إلى الله تعالى استقلالاً بل تبعًا كما لا يقال: يا
خالق الكلاب والقردة وإن كان خالقها وموجدها بل مع غيرها كـ ((يا خالق الخير
والشر)) كما يقال: يا خالق الإنسان والكلب.

٣٥٧
كتاب الصلاة/ باب ما يقرأ
وقيل: المراد ليس شرًّا بالنسبة إليك فإنك خلقته لحكمة بالغة أو ليس فعالك،
فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة فالمقضي
بالذات هو الخير والشر داخل تحت القضاء، قال بعض كبار أئمتنا وإنما أولنا الحديث؛
لأنه لم يقل أحد من المسلمين بقضيته بل أهل السنة على أن الخير والشر من الله تعالى
لا صنيع العبد فيهما، ولم يقل: عالم سني ولا بدعي أن الخير من الله والشر من النفس
وإنما يسمع ذلك من همج العامة. انتهى وفيه نظر.
(أَنَا) إنما أوجدت وأنشئت (بِكَ) أي: بإيجادك وإمدادك دون أحد سواك
(وَإِلَيْكَ) منتهى أمري وغاية وجهتي ورغبتي وصلاح أحوالي في معاشي ومعادي أو
التقدير أنا بك إيجادًا وتوفيقًا وإليك التجاء واعتصامًا، وهو قريب مما قبله أو أنا بك
أعتمد وألوذ وإليك أنجو والتجئ (تَبَارَكْتَ) تعاظمت أو تعظمت وتمجدت أو أُدررت
البركة على خلقك؛ إذ تفاعل اللازم قد يأتي بمعنى فاعل المتعدي وأصل الكلمة الدوام
والثبات من البركة وهي الكثيرة والاتساع، ولا يستعمل إلا لله تعالى كما في كتابه
العزيز وفيها تنبيه على اختصاصه تعالى الخيرات الإبداعية والبركات المتوالية
(وَتَعَالَيْتَ) عما لا يليق بجلال ذلك وكمال صفاتك علوًا كبيرًا أو عما يتوهمه الأوهام
ويتصوره العقول.
(أَسْتَغْفِرُكَ) لأني مع ترادف نعمك الباهرة علي وانسياق كل خير منك إليَّ مقصر
في شكر ذلك عاجز عن القيام بأدنى مسلك من هذه المسالك فلا يسعني إلا طلب
حلمك وسترك وعفوك (وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) من جميع المخالفات وسائر أنواع التقصيرات
بحسب جهدي وقلة عددي ومددي وقوة عددي وضعف جلدي (وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ
لَكَ رَكَعْتُ) وخضعت وأنت أولى المتفضلين علي الأذلاء المنكسرين (وَبِكَ) وجودًا
وكمالاً وإنعامًا وإفضالاً (آمَنْتُ وَلَكَ) أمرًا وقضاء (أَسْلَمْتُ) أي: استسلمت فافعل ما
تريد فإن أحدًا لا يستحق عليك شيئًا وإن بلغ كمال النهاية، وجميع ما ينعم به ظاهرًا
وباطنًا إنما هو من محض فضلك وجودك.

٣٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(خَشَعَ) أي: سكن (لَكَ سَمْعِي) فلا يسمع إلا منك (وَبَصَرِي) فلا ينظر إلا
لك وإليك (وَمُخِّي) فلا يعِي إلا عنك (وَعَظْمِي وَعَصَبِي) فلا يقومان ويتحركان إلا في
طاعتك وليحذر أن يكون حال قوله: هذا الذكر غير متلبس بما دل عليه مما أشرت
إليك وإلا كان كاذبًا بين يدي الحق فيخشى عليه الموت والطرد، إلا أن يريد أن تلك
الحواس والأعضاء بصوره الخاشعة.
(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) من الركوع (قَالَ) في حال الرفع سمع الله لمن حمده كما مرَّ فِي
الروايات الصحيحة فإذا استقر في الاعتدال قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي رواية
صحيحة ولك سبق أنها الأفضل لدلالتها على زيادة لم يدل عليها حذفها (مِلْءَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) حال؛ أي: حال كونه مالنا لتلك الأجرام كلها مع باهر
سعتها بتقدير تجسمه (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أي: بعد ذلك صفة لشيء
كالكرسي والعرش وما فوقه وما تحت أسفل الأرضين مما لا يعلمه ولا يحيط به إلا
خالقه وموجده.
(وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي)
أي: خضع وذل وباشر بأشرف ما فيه مواطئ الأقدام والنعال (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أي: أوجده
من العدم (وَصَوَّرَهُ) في هذه الصورة الباهرة التي هي أشرف صور الحيوانات (وَشَقَّ
سّمْعَهُ) أي: طريق سمعه؛ إذ السمع ليس في الأذنين بل في مقعر الصماخ (وَبَصَرَهُ
تَبَارَكَ اللهُ) أي: تعالى وتعاظم (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) لأنه الخالق الحقيقي المتفرد بالإيجاد
والإمداد وغيره إنما يوجد صور موهمة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق.
(ثُمَّ) بعد فراغ ركوعه وسجوده (يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ) بعد التشهد (اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) مما أبلغ فيه حقيقة القيام بحقوقك بأن يتفضل ويجعله في ثوابه
وغاياته كالبالغ كذلك (وَمَا أَخَّرْتُ) مما لو وقع كذلك يكون كالبالغ لذلك أيضًا هذا ما
يليق بكماله وس2؛ وأما بالنسبة لغيره وطلب مغفرة الذنوب المتقدمة لا إشكال فيه
وإنما الإشكال في طلب مغفرة ما لم يقع، ويجاب عنه بأن المراد طلب مغفرته إذا وقع

٣٥٩
كتاب الصّلاة/ باب ما يقرأ
فكأنه قال: اللَّهُمَّ إن وقع مني في المستقبل ذنوب فاجعلها مقرونة بمغفرتك، وهذا
صحيح لا إشكال فيه (وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) تخصيص بعد تعميم وكأنه لتكرر
المغفرة بتكرر السؤال (وَمَا أَسْرَفْتُ) تعميم بعد تعميم؛ لأن كل معصية بل أو نقص
إسراف؛ إذ هو مجاوزة الحد.
(وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) عددًا وحكمًا (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) لمن شئت في مراتب
الكمال وغايات الإجلال (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَن شِئْت) عن معالي الأمور إلى سفسافها
فنسألك أن تجعلنا ممن قدمته في معالم الدين وأخرته عن أن يلم بشعث من غوايات
المبعدين، فالمعنى: أنت الرافع المعز؛ أي: بالتوفيق لمرضاتك الخافض المذل؛ أي:
بالخذلان والإبعاد عن قربك (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) فلا مطلوب سواك ولا مرجو إلا إياك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِيِّ: وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكِ وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ) والضال من
أضللت وحذف اكتفاء بمقابلة كـ(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فلا قدرة
لأحد معك على شيء ألبتة، كما شهدت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأجمع
عليه أهل السنة والجماعة ومخالفة المعتزلة وغيرهم لذلك من جملة بدعهم وضلالاتهم
التي ارتكبوا فيها منن عمياء وخبطوا في اختراعها خبط عشواء (أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا
مَنْجَى) مقصورة لا يجوز حده ولا قصره (مِنْكَ) كيف والخلق كلهم تحت أمرك وقهرك
(وَلَا مَلْجَأَ) إلى أحد عند النوائب وعظائم المصائب وأصله الهمز ويجوز تلينه ليزدوج
منجا (إِلَّ إِلَيْك) فإنك المفرج عن المهمومين المعيد للمستعيذين، أو المراد لا مهرب
ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك (تَبَارَكْت) تعاظمت عن أن تحتاج إلى أحد
وعن ألّا يكون أحد إلا وهو محتاج في كل شئونه إليك.
٨١٤ - [وَعَنْ أَنَسِ بَ﴾ه أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللهُ
أَكْبَرِ الْحَمْدُ لله حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاتَهُ قَالَ:
أَيُكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ فَأَزَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًّا؟ فَقَالَ

٣٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
رَجُلُّ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِ النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ رَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكَّا
يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ) بالفاء والزاي (النَّفَسُ)
أي: أتعبه وأعجله تتابعه ثم يحتمل أن سببه شدة عدوه حذرًا من أن تفوته الجماعة،
ثم رأيت الشارح صرح به وحينئذٍ يؤخذ من تقريره وَّله صحة ما ذهب إليه بعض
أئمتنا أن محل قول أئمتنا يكره القاصد الجماعة العدو لقوله وَله: ((إِذَا أَتيتُمُ الصَّلَاة فَلَا
تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ بَلِ اثْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةِ وَالوقَارِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ
فَأَتِّمُوا وَمَا فَاتَكُم فَاقْضُو))(٢) فيمن علم أنه يدرك الجماعة لو لم يسع أمَّا من علم أنه
لا يدركها الآن سعى فلا يكره له السعي.
ويجاب بأن الأرجح عندنا أنه لا فرق، ومن أين لنا أنه وَّ علم بعدوه ومجرد
قوله له: حضر لا يستلزم العدو سلمناه فعدم إنكاره إنما يدل على الجوازلا على نفي
الكراهة والكلام في غير الجمعة، أمَّا هي فيجب السعي إذا توقف على إدراكها، وهو إنما
يحصل بإدراك ركوع الثانية (فَقَالَ: اللهُ أَكْبَر) ثم عقب تكبيرة الإحرام (الْحَمْدُ لله
حَمْدًا) ناصبه فعل دل عليه الحمد ويصح منه جاريًا على محله توطئة وصف لرأي
خالص عن الرياء والشبهة (كَثِيرًا) بترادف مدده ولا ينتهي مدده (طَيِّبًا) لخلوصه من
شوائب النقص (مُبارگا فِیهِ) بدوام ذاته وکمال غاياته.
(فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟) المسموعة
آنفًا (فَأَزَمَّ) بفتح الزاي وتشديد الميم وفي رواية في غير المسلم بالراء المفتوحة وتخفيف
الميم من الأزم، وهو الإمساك (الْقَوْمُ) أي: سكتوا (فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا فَإِنَّهُ لَمْ
(١) أخرجه مسلم (١٣٨٥)، وأبو داود (٧٦٣)، والنسائي (٩٠٩)، وأحمد (١٣٠٥٠).
(٢) أخرجه البخاري (٨٦٦)، ومسلم (٦٠٢)، وأحمد (٧٢٢٩)، وأبو داود (٥٧٢)، والترمذي (٣٢٧)،
والنسائي (٨٦١)، وابن ماجه (٧٧٥)، وابن حبان (٢١٤٨)، وأبو عوانة (١٥٤٠)، وعبد الرزاق
(٣٤٠٣).