Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢٣
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا كَبَّرَ) للإحرامِ؛ أي:
شرع في تكبير: (رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: شرع في رفعهما حينئذٍ كما مرَّ بيان ذلك (حَتَّى
يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ) أي: بطرفي إبهاميه شحميتهما وبأعلى أصابعه أعلاهما (وَإِذَا رَفَعَ
رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) استفيد منه أن هذا ذكر الرفع من
الاعتدال للإمام ومثله للمأموم والمبلغ والمنفرد لما مرآنفًا مبسوطًا، فتعين أن ربنا
لك الحمد ذكر الاعتدال لا الرفع منه، وإن سمع الله لمن حمده ذكر الانتقال، وما
يجهر به في الصّلاة الإمام والمبلغ إنما هو ذكر الانتقال لا غير، فاتضح ما قلنا به من
أنه يسن الرفع به لإمام ومبلغ احتيج إليه لا بربنا لك الحمد (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)
الرفع.
(وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا) أي: بأعلى أصابعهما (فُرُوعَ أَذُنَيْهِ) إلى أعلاهما
فعلم الجمع بين رواية ((حذو منكبيه وأذنيه وفروع أذنيه)) يحمل الأولى على الكفين
والثانية على الإبهامين والثالثة على رؤوس الأصابع، قيل: ولما دخل الشافعي مصر سئل
عن هذا التعارض فأجاب عنه بما ذكر (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٧٩٦ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّ، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ
حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الشَّبِيَّ ◌َّهُ يُصَلِّ، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ) أي: بعده (مِنْ) عدد (صَلَاتِهِ
لَمْ يَنْهَضْ) للقيام (حَتَی یَسْتَوِيَ قَاعِدًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفیہ التصریح یندب جلسة
الاستراحة عقب كل ركعة لا يتشهد بعدها حتى في ركعات صلاهن بتشهد، وبذلك
قال أئمتنا واستدلوا أيضًا بأن أبا داود والترمذي رویا ذلك بسندین صحیحین، عن أبي
حميد الساعدي عن النبي قليلة بحضرة عشرة من الصحابة صدقوه عليه وسيأتي،
ودعوى الطحاوي أنها ليست في حديثه وهم عجيب منه.
وأما حديث وائل بن حجر: ((إِنَّهِ وَ لَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن السُّجُودِ اسْتَوَى
(١) أخرجه البخاري (٨٢٣)، وأبو داود (٨٤٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٨٦٤).
٣٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
قَائِمًا))(١) فغريب، ويفرض عدم غرابته وهو محمول على أنه فعله في بعض الأوقات
لبيان الجواز.
وقول أحمد: أكثر الأحاديث على عدم التعرض لها نفيًا وإثباتًا لا يؤثر بعد صحة
التعرض لها إثباتًا كما علمت وقول غيره: لا تسن؛ لأنه ليس فيها ذكر ردوه بأن ذكرها
التكبير؛ إذ يسن مده من حين الرفع من السجود إلى انتهاء القيام ولا يلزم عليه
فحش المد؛ لأنه يسن تخفيفها جدًا على أنه على الألف التي بين اللام والهاء وهو مد
طويل عند القراء وغيرهم، ويسن أن يجلس لها مفترشًا إتباعًا له وَّ كما رواه الترمذي
وصححه وسيأتي ولا تسن بلا خلاف بعد سجدة التلاوة.
وكذا لا يسن للمصلي قاعدًا وهي فاصلة بين الركعتين كجلوس التشهد الأول
وقيل: من الأولى.
وقيل: من الثانية والخلاف فوائد مذكورة في الفقه وتطويلها مبطل على الأصح
كالجلوس بين السجدتين ولو تركها الإمام فعلها المأموم لقلتها بخلاف التشهد الأول.
٧٩٧ - [وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَه أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َِّ رَفَعَ يَدِهِ حِينَ دَخَلَ فِي
الصَّلَاةِ كَبَّرَ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ
أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ
يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ هِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ رَفَعَ يَديِهِ) أي: حال كونه رافعًا لهما
(حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ) أي: أراد الدخول فيها بشروعه في تكبيرة التحريم لما مر أنه
كان يفتتح الصّلاة بها فقوله: (كَبَّرَ) بدل من دخل أو بيان له ويصح أن يكون حالاً
وقد مقدر كمرفوع ويوافقه ما في بعض نسخ ((المصابيح)) وكبر ويستفاد منهما اقتران
النية بالتكبير لما تقرر أن المراد بالدخول الشروع فيها والعزم عليها بالقلب (ثُمَّ
(١) أخرجه أبو داود (٧٨٣)، وأحمد (٢٤٧٥٨)، وابن حبان (٦٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٠٧٩).
(٢) أخرجه مسلم (٩٢٣)، وأبو داود (٧٢٣)، وأحمد (١٩٣٧٩).
٣٢٥
كتاب الصلاة/ باب صفة الصّلاة
الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ) يحتمل أنه بعد تكبيرة الإحرام سقط ثوبه عن كتفيه فأعاده، ويحتمل
أنه نسيه ثم تذكره بعد إحرامه فأخذه والتحف به، ويؤخذ من الاحتمال الأول أنه
يسن لمن فاتته سنة في صلاته تداركها إذا أمكنه بفعل قليل، فإن الصّلاة في الثوب؛
أي: الرداء سنة فإذا فاتت بزواله عن محله وأمكنه تداركه بفعل قليل سن له ذلك.
ومن الثاني: إنه يسن لمن تركه سنة من سنن الصّلاة المتقدمة عليه تداركها ولو
في الصّلاة إن أمكن بفعل قليل أيضًا، ومن ثم كان الذي يتجه فيمن دخل في الصّلاة
بلا سواك أنه يسن له تداركه فيها بفعل قليل (ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى) يده (الْيُسْرَى)
فيه التصريح بمشروعيته وبأنه أولى من الإرسال ويؤخذ من سياقه أنه لم يرسلهما ثم
وضعهما كذلك، وإنما وضعهما كذلك ابتداءً بعد تكبيرة الإحرام، وإلى ذلك كله
ذهب أئمتنا فقالوا: يسن له قال جمع: مع الفراغ من التكبير.
وقال آخرون: بعده أن يحط يديه تحت صدره ولا يرسلهما أولاً ثم يردهما إلى
تحت الصدر ووضعهما تحته في كل قيام غير اعتدال وكل قعود أو نحوه هو بدل عن قيام
أولى من إرسالهما.
وقول البغوي: يكره إرسالهما محله فيمن لم يأمن العبث لقول الإمام: القصد
من وضع اليمنى على اليسرى تسكين يديه فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس به، وإذا
امتثل السنة ووضعهما، فالسنة أن يكونا بين سرته وصدره للحديث الصحيح: ((إِنَّه
◌َّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِه)(١) أي: آخره فيكونان تحته بقرينة
رواية ((تحت صدره) وبها يندفع قول بعض أئمتنا المتأخرين: الأخذ بظاهر الحديث من
وضعهما على الصدر أولى، وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير:
﴿فَصَلٌّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أي: ضع اليمنى على اليسرى تحت النحر؛ ولأنه أبلغ
في الخضوع کالمغلولة یده. انتهى.
(١) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٩١١)، وأبو داود (٧٥٩)، والحاكم (٣٩٨٠)، والبيهقي
(٢١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣٩٤١).
٣٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ولا يعارض ذلك ما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: من السنة في
الصّلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة؛ لأنه ضعيف باتفاق المحدثين، وأن
يقبض بكف اليمنى كوع اليسرى وهو العظم الذي يلي الإبهام وبعض وضعها وهو
المفصل بين الكف والساعد وساعدها وبأصابعها مفصل اليسرى؛ لأنه صحَّ عنه وَلـ
أنه ((وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ))(١).
وروى الشيخان: ((إِنَّه ◌ِ أَخَذَ بِيَمِينِهِ يَسَار)(٢) وفيه رد لما قاله بعض أصحابنا:
إنه يقبض بكفه ما مرَّ، ويبسط أصابعه على الساعد أو يقبض المفصل بخنصره
وبنصره وإبهامه ويبسط الوسطى والسبابة على الساعد، ومن ثم؛ أعني: إن الخبر يومئ
إلى الأول، قال بعض أئمتنا: لم يرد بهذا التخییر خبر.
واختلفوا هل يفرق أصابع يسراه أو يضمها وهو المعتمد أنه يضمها، والحكمة في
جعلها تحت الصدر أن يكونا فوق أشرف الأعضاء وهو القلب، فإنه تحت الصدر مما
يلي الجانب الأيسر، وأيضًا ففي مجاروتهما تنبيه على أن خشوعها بالسكون فرع
خشوعه بالمهابة والخشية كما أفصح به قوله ﴿ ل﴾، وقد رأى رجلاً يعبث بلحيته في
الصّلاة: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا خَشَعَتْ جَوَارِحُه))(٣) وأيضًا فهو محل النية والإخلاص،
والعادة جارية بأن من احتفظ على شيء جعل عليه يده، ولذا يقال في المبالغة: أخذه
بكلتا يديه.
(فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ) الذي التحف به حتى يتمكن من
رفع يديه للركوع، وسيأتي عن بعض أنواع الالتحاف ما هو مكروه، ومن المقرر أنه وَ النون
يجب عليه فعل المكروه كالبول قائمًا لبيان الجواز فهو مكروه في حقنا فقط، وأمَّا في
(١) أخرجه أبو داود (٧٢٧)، وأحمد (١٩٣٨٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٧٠)، والطبراني في
((الكبير)) (١٧٥٥٠)، وابن خزيمة (٤٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٢).
(٣) أخرجه البيهقي في «سننه)) (٣٦٩٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٣٠/١٠).
٣٢٧
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
حقه فلا يتصور؛ لأنه لا يفعله لغير بيان الجواز فإن فعله فهو لبيانه وهو واجب
عليهم كما تقرر (ثُمَّ رَفَعَهُمَا) أي: يديه (وَكَبَّرَ) للركوع (فَرَكَعَ) أي: انتهى رفعه
وتكبيره بانتهاء ركوعه كما دلت عليه الروايات السابقة.
(فَلَمَّا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: لما شرع في قوله ذلك شرع في
رفعهما كما علم من الروايات السابقة أيضًا، واستفيد منه أن سمع الله لمن حمده ذکر
الرفع والانتقال من الركوع إلى الاعتدال، وأنه يسن الجهر به إن احتيج إليه الإمام
والمبلغ كما مر (فَلَمَّا سَجَدَ سَجَّدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ) فيه التصريح بأنه يسن للمصلي وضع
كفيه على الأرض حذاء منكبيه اتباعًا لفعله وآ له كما رواه أبو داود وسنده صحيح
(رَوَاهُ مُسْلِمُ).
٧٩٨ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ
الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ) عدل إليه
عن أن يضعوا الذي اقتضاه السياق إشارة إلى أن هذا للأدب الدال عليه غاية الذلة
والخضوع، ولذا يلازم الناس عليه بين يدي ملوك الدنيا لا يقوم به على حقيقته الآتية
المشار إليها به من حفظ القلب عن خطور ما سوى الله به مادام في صلاته إلا من
اجتمعت فيه صفات الرجولية الكاملة لا لتخصيص الحكم به؛ لأن أصل التأسي
يعمها ما لم يقم دليل على خروجها (الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى) أي: قرب ذراعه
كما بينته الرواية السابقة آنفًا (فِي الصَّلَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
٧٩٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ
حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ
الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ
(١) أخرجه مالك (٣٨١)، والبخاري (٧٤٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٤١٩)/ والطبراني في (الكبير))
(٥٦٤٠).
٣٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ،
ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلُّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ القِّنْتَيْنِ بَعْدَ
الْجُلُوسِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ) أي:
للإحرام (حِينَ يَقُومُ) فيه دليل ظاهر لوجوب وقوع جميع حروف تكبيرة الإحرام
في القيام كما مرَّ (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ
صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ) أي: حين يشرع في رفعه من الركوع بدليل قوله: (ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ
قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) فيه أوضح التصريح بأن سمع الله لمن حمده ذكر الانتقال
وربنا لك الحمد ذكر القيام ومر ما في ذلك مبسوطًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي) أي: يهبط
إلى السجود من هوي هويًا بالفتح إذا هبط (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: من
السجود.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) السجدة الثانية (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ
ذَلِكَ) أي: ما بعد تكبيرة الإحرام (في الصَّلَاةِ كُلَّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا) أي: يؤديها ويتمها
إذ القضاء لغة على وجوه مرجعها انقطاع الشيء وتمامه، ومن ثم يطلق على إحكام
الشيء وإتمامه وختمه وأدائه وإعلامه وإنفاذه ونصبه (وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ)
الركعتين (الّنْتَيْنِ) الأوليين (بَعْدَ الْجُلُوسِ) للتشهد الأول (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه دلالة
على وجوب التكبيرات في المواضع المذكورة، ومن ثم قال أحمد بوجوبها، وقال أيضًا
بوجوب التسبيحات ونحوها.
وجوابنا: إنها مع سهولتها وخفائها لم يذكر للمسيء صلاته وذكرت له تكبيرة
الإحرام فدل على أنها هي الواجبة، وأيضًا قبلك أخفى من هذه لا سيما ممن جهل
الركوع والسجود فتعليم هذه له دون تلك أعظم دليل على وجوب هذه لا تلك، وبهذا
يندفع اختيار بعض أصحابنا وجوب التكبيرات بل قال جماعة: لا يسن واستدلوا
(١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٢)، والنسائي (١١٥٠).
٣٢٩
كتاب الصّلاة/ باب صفة الضّلاة
بأحاديث لكنها ضعيفة.
٨٠٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ(١).
رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ) أي: صلاة ذات
طول (الْقُنُوتِ) أي: القيام ويطلق أيضًا على الطاعة والخشوع والصّلاة والدعاء
والعبادة وعلى طول القيام والسكوت، وينصرف لكل منها بحسب القرينة اللائقة بها
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه ومن كونه ◌َ ليل كان يطول القيام أكثر من غيره كالركوع والسجود،
ومن كون ذكره القرآن وهي أفضل من ذكرهما أخذ أئمتنا أن إطالة القيام أفضل قالوا:
والأفضل بعده إطالة السجود ثم الركوع لقوله ◌َله:(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ
وَهُوَ سَاجِدٌ))(٢). رواه مسلم أيضًا.
خرج منه تطويل القيام للخبر والمعنى السابقين، واختلف أصحابنا فيما لو
طول أحد هذه الثلاثة أو نحوها كوقوف عرفة ومبيت مزدلفة ومنى على قدر الواجب،
هل يثاب على الكل ثواب الفرض أو النفل؟ فقال كثيرون بالأول وهو الأليق بسعة
الفضل، وقال كثيرون بالثاني وهو الأرجح حيث أمكن تمييز الفرض من غيره
بخلاف تغير مخرج عن خمس من الإبل.
(الفصل الثاني)
٨٠١ - [عَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ: أَنَا
أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَ هَ قَالُوا: فَأَعْرِضْ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ
(١) أخرجه مسلم (٧٥٦)، والترمذي (٣٨٧) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٤٢١)، والطيالسي
(١٧٧٧)، وأحمد (١٤٤٠٨)، وعبد بن حميد (١٠١٦)، وابن خزيمة (١١٥٥)، والطحاوي (٢٩٩/١)،
وابن حبان (١٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٨٣٤٦)، والبيهقي (٤٤٦١).
(٢) تقدم تخريجه.
٣٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَبَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى
يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يَنْصِبُ رَأْسَهُ
وَلَا يُقْنِعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا
مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلاً، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ
جَنْبَيْهِ، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى
يَرْجِعَ كُلُّ عُضوٍ إِلَى مَوضِعِهِ مُعْتَدِلاً ثُمَّ يَسْجِدُ ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ
الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضوٍ إِلَى مَوضِعِهِ ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ
الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبََّ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُجَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ
كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاجِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانت
السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ
سَلَّمَ، قَالُوا: صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّ رَسُولُ اللهِ وَِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ وَرَوَى
التِّرْمِذِيُّ وابْن مَاجَه مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ [حَسَنُّ](٢) صَحِيحٍ وَفِي رِوَايَةٍ
لأَّبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُميد: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضُّ عَلَيْهِمَا،
وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَه الأَرْضَ، وَنَّى
يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى
شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ جَلَسَ فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى
قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ
بِأَصْبُعِهِ؛ يَعْنِي: السََّّابَةِ(٣). وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَعَدَ عَلَى بَطْنٍ قَدَمِهِ
الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ، وَأَخْرَجَ
(١) أخرجه أبو داود (٧٣٠)، وابن حبان (١٨٨)، والبيهقي (٢٦١٨)، وابن ماجه (١١١٤)، والدارمي
(١٤٠٧).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٦١٩).
٣٣١
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ(١)].
(عَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ فِي عَشَرَةٍ) أي: أوقع قوله: أنا أعلمكم بين
عشرة (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالُوا) له إن كنت
أعلم منا بذلك كما قلت (فَأَعْرِضْ) أي: ما تحفظه لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه
(قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا) أي: بكفيهما لما
مر مبسوطًا (مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ) هي هنا بمعنى الواو لرواية البخاري السابقة حين يكبر
وقدمت؛ لأنها أصح وأشهر (يُكَبِّرُ) فيه دليل على وجوب وقوع جميع تكبيرة الإحرام
في القيام كما سبق مرات.
(ثُمَّ) يأتي بدعاء الافتتاح والتعوذ كما ثبتا من روايات أخر ثم (يَقْرَأ) الفاتحة ثم
السورة كما ثبتا من روايات أخر أيضًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ) للهوي إلى الركوع (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ)
أي: مع ابتداء التكبير كما بينته رواية البخاري السابقة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع
رأسه من الركوع رفعهما كذلك أي: كرفعه عند تكبيرة الإحرام (حَتَّى يُجَاذِيَ یِهِمَا
مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ) هي بمعنى الواو للرواية المذكورة (يَرْكَع) ومن ثم قال أصحابنا: ويبتدئ
التكبير قائمًا ويرفع يديه ويكون ابتداء رفعهما وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا
حاذى كفاه منكبيه انحنى وقال جمع: يرفعهما حالة الانحناء ورد بأنه متعذر أو متعسر.
(وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ) أي: يسوي رأسه وظهره حتى يصيرا
كالصفيحة كما مر (فَلَا يَنْصِبُ رَأْسَهُ) أي: لا يخفضه عن ظهره من صبى رأسه بصبيته
إذا خفضه جدًا ويقال: صبى الرجل إذا مال إلى الصبا.
وقال الأزهري: صوابه فلا يصوب (وَلَا يُقْنِعُ) أي: لا يرفعه عليه من قنع رأسه
رفعه (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) إلى الاعتدال (فَيَقُولُ) في حال رفعه (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ)
هي بمعنى الواو للرواية المذكورة المفيدة أن ابتداء رفع اليدين مقارن لابتداء التكبير.
(١) أخرجه أبو داود (٩٦٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٨٨٤).
٣٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ) حال كونه (مُعْتَدِلاً، ثُمَّ) بعد انقضاء
اعتداله واحدة في الهوي (يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَهْوِي) أي: يستمر هاويًا للرواية السابقة
قبيل الفصل ثم يكبر حين يهوي (إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا فَيُجَافِي) في سجوده (يَدَيْهِ عَنْ
جَنْبَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يسن للذكر ولو صبيًّا أن يجافي مرفقيه عن جنبيه
وبطنه عن فخذيه في ركوعه وسجوده للإتباع في رفع البطن عن الفخذين في السجود
والمرفقين عن الجنبين فيه، وفي الركوع رواه في الأول أبو داود وغيره وفي الثاني
الشيخان وفي الثالث أبو داود.
وقيس بالأول رفع البطن عن الفخذين في الركوع ويكره ترك ما ذكر وتضم
المرأة والخنثى بعضها لبعض في جميع الصّلاة لأحاديث في المرأة لكنها ضعيفة، وسواء
كانت في خلوة أم لا؛ ولأنه أسترلها وأحوط له وبحث بعضهم أن الأفضل للعراة الضم
وعدم التفريق بين القدمين في القيام والسجود ولو في الخلوة (وَيَفْتَخُ) بالخاء المعجمة
من الفتخ وهو الكسر (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) وفسر بأن ينصبهما ويغمر موضع المفاصل منها
ويثنيها إلى باطن الرجل.
والمراد هنا: نصبهما مع الاعتماد على بطونها وجعل رؤوسها للقبلة لخبر
الصحيحين: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمٍ عَلَى الْخَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ
وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَظْرَافِ الْقَدَمَيْنِ)(١).
ولخبر البخاري السابق: (إِنَّهِ نَّهِ سَجَدَ وَاسْتَقْبَلَ بِأَظْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ
الْقِبْلَةَ»(٢) ومن لازمه الاستقبال ببطونها والاعتماد عليها.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَفْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضوٍ إِلَى
(١) أخرجه البخاري (٧٧٩)، ومسلم (٤٩٠)، وعبد الرزاق (٢٩٧٢)، والطيالسي (٢٦٠٣)، وابن أبي
شيبة (٢٦٨٢)، وأبو داود (٨٨٩)، والنسائي (١٠٩٧)، وابن ماجه (٨٨٣)، وأبو يعلى (٢٤٦٤)،
والديلمي (١٦٠١).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨)، وابن حبان (١٨٨)، والبيهقي في (سننه)) (٢٨٨١).
٣٣٣
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
مَوضعِهِ) حال كونه جالسًا (مُعْتَدِلاً) في جلوسه فيه ووجوب الجلوس بين السجدتين
والطمأنينة فيه (ثُمَّ يَسْجِدُ) الثانية مكبرًا أيضًا كما علم من الحديث السابق (ثُمَّ
يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ) رأسه من السجدة الثانية (وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ
عَلَيْهَا) للاستراحة (حَتَّى يَرْجِعَ كُلَّ عُضوٍ إِلَى مَوضعِهِ) فيه ندب جلسة الاستراحة في
كل ركعة لا تشهد فيها كما مر.
(ثُمَّ) بعد جلوسه للاستراحة (يَنْهَضُ) للقيام مكبرًا أيضًا كما علم كما مر (ثُمَّ
يُصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) الأوليين بعد التشهد
الأول (كَبِّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبِّرَ عِنْدَ افْتِتَاجِ الصَّلَاةِ) ومر
أن هذا من المواضع الذي يسن فيها رفع اليدين لشبوته في حديث البخاري (ثُمَّ يَصْنَعُ
مِثْلَ ذَلِكَ) أي: أكثر ما مر في الركعتين الأولتين (فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانت
السَّجْدَةِ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ) أي: التي يعقبها التشهد الأخير ثم التسليم (أَخَّرَ) عند
إرادته الجلوس للتشهد الأخير (رِجْلَهُ الْيُسْرَى) من تحت مقعدته (وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى
شِقِّهِ الأَيْسَرِ) ملصقًا مقعدته بالأرض.
(ثُمَّ) تشهد ثم (سَلَّمَ، قَالُوا: صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ
صَحِيح).
(وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيد) وسندها حسن (ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ
عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضُ عَلَيْهِمَا) ومن ثم يسن للراكع أخذ ركبتيه بيديه كذلك (وَوَتَّرَ
يَدَيْهِ فَتَحَّاهَا عَنْ جَنْبَيْهِ) أي: جعلهما كالوتر من قولك: وترت القوس وأوترتها
شبه يد الراكع إذا مدها قابضًا على ركبتيه منحنيًا ليديه عن جنبيه بالقوس إذا
وترت، واستفيد منه أنه يسن في الركوع قبض ركبتيه بيديه ومجافاتهما عن جنبيه كما
مر.
(وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَه) وهي ما بين الجنبين وهما جانباه
٣٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(الأَرْضَ) وفي رواية ((من الأرض)) فالنصب في الأولى بنزع الخافض فيه وجوب وضع
الجبهة وكونها على الأرض؛ أي: مكشوفة إن أمكن ووجوب التحامل عليها وهو
كذلك عندنا.
ومن ثم قال أئمتنا: أقل السجود وضع بعض جبهته على مسجده مكشوفًا إن
أمكن للخبر الصحيح: ((إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَك وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا)(١).
وصحَّ أيضًا أنهم شكوا إليه ◌َّ حر الرمضاء في جباههم وأكفهم فلم يزل
شكواهم؛ أي: في المجموع ومن ثم لم يجب كشف اليدين والركبتين والرجلين؛ لخبر
ابن ماجه: ((إِنه ◌َ ﴾ صَلَّ فِي مَسْجِد بَنِي الأَشْهَل وَعَلِيهِ كِسَاءُ مُلَفَّعُ بِهِ يَضَعُ [يَدَيْهِ] (٢)
عَلَيْهِ يَقِیهِ الحَصَا))(٣).
وحكمة وجوب كشف الجبهة دون بقية الأعضاء سهولته فيها دون البقية
وحصول مقصود السجود به، وهو غاية التواضع والخضوع لمباشرة أشرف ما في الإنسان
لمواطئ الأقدام والنعال، واكتفى بعضها لمشقة وجوبه على كلها، وفي حديث ضعيف
((إِنه ◌َّهُ سَجَدَ عَلَى بَعْضِهَا)) ويفرض صحته هو لبيان الجواز، فلا ينافي قول الشافعي
بكراهته وإنما وجب التحامل عليها بحيث ينال مسجده ثقل رأسه؛ لأنه لا يتم
مقصود السجود إلا بذلك ولو تعذر وضعها على الأرض لزمه وضع وسادة ليسجد
عليها إن ارتفعت أسافله على أعاليه لحصول مقصود السجود حينئذٍ، وإلا ندب
لحصول صورته ولو تعذّر إلا بأن يمد رجليه وينكب على وجهه لزمه؛ لأنه ميسوره
وتحريه على عصابة وضعت على جرح بجبهته إن عمها للضرورة ولا إعادة عليه، وكذا
على شعرٍ نبت بها.
وفي الحديث أيضًا وجوب وضع أنفه، وبه قال جماعة من الأئمة، ويؤيده خبر
(١) أخرجه ابن حبان (١٨٨٧)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٥٦٦).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٥).
٣١٩
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ) ومرَّ الكلام على ذلك مبسوطًا (وَ) كان (إِذَا كَبَّرَ للرُّكُوعِ)
رفعهما كذلك (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ) أي: كما رفعهما عند
تكبيرة الإحرام ومنه كغيره الآتي أخذ أئمتنا قولهم: يسن لكل مصلٍ أن يكبر لسائر
الانتقالات وأن يبتدئ التكبير قائمًا وأن يرفع يديه ويكون ابتداء رفعه وهو قائم مع
ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى، ويأتي في الرفع هنا سائر ما مرَّ من
الفروع في الرفع عند تكبيرة الإحرام سواء بسواء، ولا ينافي ندب الرفع هنا لكثرة
الأحاديث الصحيحة فيه بل هي غير منحصرة، ومن ثم قال بقضيتها أكثر أهل العلم
بل قال بعضهم بوجوبه کما مرَّ.
وقال البخاري: لم يثبت عن صحابي ترك الرفع وليس أسانيد أصح من أسانيد
الرفع، وقد روي هنا عن سبعة عشر صحابيًّا. انتهى.
خبر مسلم: ((مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسِ اسْكُنُوا فِي
الصَّلَاة))(١) لاتفاق أئمة الحديث على أنه لم يرد هنا، وإنما كانوا يرفعون أيديهم في حال
السلام من الصّلاة يشيرون بها إلى الجانبين يريدون السلام على من فيهما، وفي بعض
طرق الحديث في مسلم وغيره التصريح بذلك.
وقولهم أيضًا: يسن مع بدء رفع رأسه من الركوع أن يرفع يديه مثل الرفع في
تكبيرة الإحرام وينهيه مع انتهائه.
(وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: يقبل منه حمده ويحصل أصل السنة
بقوله: ((من حمد الله سمعه»(٢) لتضمنه لفظ الأول الوارد ومعناه: (رَبَّنَا وَلَكَ
الْحَمْدُ).
(١) أخرجه مسلم (٤٣٠)، وأبو داود (١٠٠٠)، وأحمد (٢١٠٠١)، والنسائي (١١٨٤)، وابن حبان (١٨٧٨)،
وابن أبي شيبة (٨٤٤٧)، وأبو عوانة (١٥٥٢)، والطبراني (١٨٢٦)، والبيهقي (٣٣٣٦)، والطيالسي
(٧٨٦).
(٢) ذكره المصنف في تحفة المحتاج (٦٤/٢).
٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وفي رواية لهما كان ((إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ: رَبَّنَا لَكِ الْحَمْدُ))(١).
وفي أخرى لهما أيضًا أنه وَِّ قال حين رفع رأسه: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك
الْحَمْدُ»(٢).
وبذلك مع خبر: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ)(٣) يعلم ما عليه أئمتنا أنه يسن لكل
مصلٍّ أن يجمع بينهما وأن خبرها أيضًا، إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده يسمعه
المأمومون فيتبعوه فيه عملاً بقوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِّ)»(٤) مع قاعدة التأسي به
مطلقًا، وكان يسر بربنا لك الحمد فلا يسمعونه غالبا فنبههم عليه، فالمعنى قولوا ذلك
مع ما علمتموه من سمع الله لمن حمده كما يجهر بتكبير الانتقال وأن المنفرد والمأموم
يسران به.
وأما ما اعتيد من جهر المبلغ بربنا لك الحمد وإسراره بسمع الله لمن حمده
فخلاف السنة هنا، وإن قال به الأئمة الثلاثة فإذا اعتدل بأن عاد إلى ما كان عليه من
قيام أو قعود أرسل يديه ولا يجعلهما تحت صدره وقال سرًّا لا جهرًا؛ لأن ذلك ذكر
الاعتدال وليس ذكر انتقال كل من الإمام والمأموم والمنفرد والمبلغ ربنا لك الحمد.
وأولى منه كما قاله الشافعي والأصحاب: اللُّهُمَّ ربنا ولك أو ربنا ولك الحمد؛
لأن الحديث وإن صح بكل منها لكن كل من الثاني والثالث أصح وأكثر رواة، ومن
زعم أنه لم يصح فيه شيء فقد سها كيف؟ وهي في البخاري مع ما فيه من الزيادة فإنه
يجمع معنيين الدعاء والاعتراف؛ أي: ربنا تقبل منا ولك الحمد على هدايتك إيانا لما
(١) أخرجه مسلم (٤٠٤)، وأحمد (١٩٥٢٢)، وأبو داود (٩٧٢)، والنسائي (١٠٦٤)، وابن ماجه (٩٠١)،
وعبد الرزاق (٣٠٦٥)، وابن حبان (٢١٦٧)، وعبد بن حميد (٩٨٤)، والدارمي (٦٩٨)، وأبو يعلى
(١٣٥٥)، وابن خزيمة (٣٥٧)، والحاكم (٦٨٩)، والبيهقي (٢٠٩٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٢١)، وابن ماجه (٩٢٧)، والنسائي (١٠٦٥)، والبيهقي (٢٧١٨)، وعبد الرزاق
(٢٩٠٨)، والطيالسي (١٤٥).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
٣٣٥
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
الصحيحين: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ ... )(١).
وخبر مسلم: (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمِ: الْجَبْهَةِ وَالأَنْف وَالْيَدَيْنِ
وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ))(٢) واحتج القائلون بعدم الوجوب كأصحابنا بحمل أخبار الأنف
على الندب للأخبار الصحيحة المقتصرة على الجبهة، وردّه النووي بأن ما فيها زيادة ثقة
ولا منافاة بينهما (وَنَتَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) ومن ثمَّ سنَّ هذا
والذي قبله عندنا كما مرَّ (وَفَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ) ومن ثم سن عندنا للرجل دون غيره أن
یفرق بین رکبتیه وفخذيه.
قال بعضهم: يشير أخذًا من قولهم يسن أن يفرق بين قدميه بشبر.
(غَيْرَ حَامِلٍ بَظْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْه) فيسن ذلك للرجل دون غيره في
سجوده ورکوعه كما مر (حَتَّى فَرَغَ) من سجوده.
(ثُمَّ جَلَسَ) أي: للتشهد الأول بدليل بقية الروايات (فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى)
أي: جلس على بطنها (وَأَقْبَلَ بِصَدْرٍ) الرجل (الْيُمْنَى) أي: بظاهر قدمها (عَلَى قِبْلَتِهِ)
بأن نصبها وجعل أطراف أصابعها للقبلة واعتمد عليها (وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى
رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى) وفي ذلك تفصيل تبينه بقية
الروايات وجرى عليه أئمتنا حيث قالوا: يسن في كل من التشهدين وضع بطن كفيه
على فخذيه قريبًا من ركبتيه للإتباع. رواه مسلم، ويبسط أصابع اليسرى منشورة
مضمومة مستقبلاً بأصابعها القبلة قريبة من ركبته اليسرى بحيث يساوي برؤوسها
الركبة.
وأمَّا اليمنى فالسنة فيها قبض أصابعها ووضعها على طرف ركبته اليمنى إلا
المسبحة وهي التي تلي الإبهام فيرسلها ويضع رأس الإبهام عند أسفلها على حرف
الراحة للإتباع. رواه مسلم، ويحصل أصل السنة بإرسال الإبهام والمسبحة مفترقين
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
٣٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وبتحليق رأس الإبهام والوسطى ويوضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، ويوضع
الإبهام على حرف الوسطى والكل وارد وإنما كان الأول هو الأفضل؛ لأن رواته أفقه.
(وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، يَعْنِي: السَّبَّابَة) فعالة من السب سميت بذلك؛ لأن العرب
كانوا يشيرون بها عند السب وبالمسبحة بإعمالها في التسبيح غالبًا، واستفيد منه أنه
يسن رفع مسبحته اليمنى لكن مع انحنائها قليلاً لخبر صحيح فيه إلى جهة القبلة
کحدیث فیه أيضًا عند قوله: إلا الله للإتباع. رواه مسلم وغيره، وبه يخص عموم خبر
أبي داود كأن يشير بإصبعه إذا دعا أو تشهد على أن التشهد حقيقة النطق بالشهادة
خلاف لما یوهمه بعضهم.
ويسن أن ينوي بإشارته حينئذٍ التوحيد والإخلاص فيه للإتباع. رواه البيهقي
بسند فيه مجهول، وليجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله.
وظاهر كلام بعض أئمتنا أنها تبقى مرفوعة إلى السلام ونوزع فيه، ويسن ألّا
يجاوز بصره إشارته للإتباع أيضًا، رواه أبو داود بسند صحيح ويكره عندنا تحريك
المسبحة؛ لأنه #4* كان يتركه وقيل: يسن؛ لأنه ◌َّ كان يفعله روى الخبرين البيهقي
وصححها ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بتحريكها في خبره رفعها لا تكرير
تحريكها وهو احتمال ظاهر للجمع بين الحديثين الذي هو أولى من إلقاء أحدهما لو
أخذنا بالقاعدة المشهورة في الأصول: إن الإثبات مقدم على النفي، وحينئذٍ لا يحتاج إلى
الاعتذار بأنهم قدموا النافي هنا على المثبت عكس الراجح في الأصول لما قام عندهم في
ذلك، وعليه فلعل ذلك الذي قام عندهم هو كون التحريك يذهب الخشوع أو
يضعفه، ويوجه كراهتهم التحريك مع عدم نهي فيه بأن لنا وجهًا قائلاً بتحريمه
وإبطاله للصلاة فكره خروجًا من هذا الخلاف، وخبر تحريك الأصابع مذعرة
للشيطان؛ أي: منفرة له ضعيف.
فائدة:
روى بعض المتأخرين خبرًا: ((إن سبابته ولو كانت أطول أصابعه ودونها الوسطى
٣٣٧
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصلاة
فالبنصر والخنصر)) وهو وهم فإن ذلك لم يرد إلا في رجليه الشريفتين دون يديه
الكريمتين، وتكره الإشارة بغير المسبحة وإن فقدت لفوات السنة فيه.
(وَفِي) رواية (أَخْرَى لَهُ) أي: أبي داود سندها حسن (وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)
الأوليين (قَعَدَ عَلَى بَطْنٍ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ) قدمه (الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي) الركعة
(الرَّابِعَةُ أَفْضَى) أي: مس (بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى) أي: بما لان فيها مما يلي المقعدة (إِلَى
الأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ) هي ناحية اليمنى وإطلاق الإخراج على
اليمنى تغليب؛ لأن المخرج حقيقة هي اليسرى لا غير ومر الكلام على ذلك مستوفى
بما حاصله أن السنة في سائر الجلسات الافتراش وهو الكيفية الأولى إلا التشهد
الأخير لمن لا سهو عليه أو عليه سهو، وأراد عدم السجود له فالسنة له التورك وهو
الكيفية الثانية.
٨٠٢ - [وَعَن وَائِلِ بْنِ حَجَر ◌ٍ أَنَّهُ [أَبْصَرَ)(١) النَّبِيَّ ◌َهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ
رَافِعاً يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِيَالٍ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ ثُمَّ كَّرَ(٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ،
وَفِي رِوَايَة لَهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ(٣)].
(وَعَن وَائِلِ بْنِ حَجَر ◌َ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ◌َِّ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ) ظرف لقوله
(رَافِعاً) وهو حال بتقدير قد؛ أي: رآه حال كونه رافعًا (يَدَيْهِ) حين قام إلى الصّلاة؛
أي: ابتداء تكبيرة الإحرام (حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالٍ) أي: بحذاء (مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى) هو؛ أي:
وائل (إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ) أي: شحمتيهما للرواية الآتية على الأثر المصرحة بذلك أي:
جعلهما متحاذيين (ثُمَّ كَبَّرَ) ثم بمعنى: الواو نظير ما مرَّ أو معنى: كبر. انتهى التكبير.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
(وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَتَيْ أَذْنَيْهِ) وأعل بالانقطاع ويرد بفرض
(١) في الأصل: ((رأى).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٢٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٧٣٧).
٣٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
تسليمه بأنه لا يؤثر هنا؛ لأن المنقطع حجة في الفضائل كما مرَّ، وبهذا يعلم صحة ما
ابتكره الشافعي * من الجمع بذلك بين تلك الأحاديث الثلاثة المتنافية الظاهر، وأن
ذلك من جملة كراماته ﴾.
٨٠٣ - [وَعَنْ قَبِيصَةَ بن هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ
شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْن مَاجَه].
(وَعَنْ قَبِيصَةَ بِن هُلْبٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ
بِيَمِينِهِ. رَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ وابْن مَاجَه) ومرَّ الكلام عليه مستوفى.
٨٠٤ - [وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ جَاءَ فَسَلِمَّ
عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ الله
كَيْفَ أَصَلِّ؟ قَالَ: إِذَا تَوجِهْتُ إِلَى الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ
تَقْرَأْ، فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَمَكِّنْ لِرُكُوعِكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا
رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ وَارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا، فَإِذَا سَجَدْتَ
فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَاجْلِسْ عَى فَخِذِكَ الْيُسْرَىِ، ثُمَّ افْعَلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
وَسَجْدَةٍ حَتَّى تَظْمَئِنَّ(٢). هَذَا لَفْظ ((المصَابِيح)) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ، وَرَوَى
التِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَة للتِّرْمِذِيِّ قَالَ: إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا
أَمَرَكَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنُّ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللّهَ وَهَلِّلْهُ وَكَبِّرْهُ
ثُمَّ ارْكَعْ (٣)].
(وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﴿ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ) هو أخوه خلاد بن رافع كما
مر بسط الكلام عليه أول الباب (فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَمَّ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٣)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأحمد (٢٢٦١٩)، والطبراني (١٧٨٧٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٥١١)، وأبو داود (٨٥٩)، وابن حبان (١٧٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٨٦١)، والطيالسي (١٣٧٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٥٨)، والترمذي (٣٠٢) وقال:
حسن، والنسائي (١٣١٤)، والطبراني (٤٥٢١)، وابن خزيمة (٥٤٥)، والبيهقي (٣٧٨٩).
٣٣٩
كتاب الصّلاة/ باب صفة الصّلاة
فَقَالَ الشَّبِيُّ وَِّ: أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ) بعد تكرر صلاته ومجيئه
إليه ◌َ﴾ وأمره له بالإعادة كما مر ثم (عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ الله كَيْفَ أُصَلّ؟ قَالَ: إِذَا
تَوجَهْتُ إِلَى الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ) للإحرام (ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ) ومنه أخذ الشافعي
وأكثر العلماء أنه يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة وكذا في القيام الثاني من صلاة
الكسوف حفظًا أو تلقينًا أو نظرًا في مصحف حتى المأموم في الجهرية وسيأتي بسط
ذلك قریبًا.
(وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأ) من غيرها وعدل إليه عما هو الأصل وهو ما شئت أن
تقرأ؛ لأن مشيئته كغيره مسبوقة بمشيئته تعالى قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن
يَشَاءَ اللهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ويؤخذ منه وجوب قراءة السورة؛ لأن الأصل في الأمر
الوجوب والتعليق بالمشيئة إنما هو بالنسبة لقدر المقر ولا لأصله، وبه قال جمع من
الأئمة وأوجبوه، قراءة ثلاثة آیات.
قال بعض أئمتنا: ودليله قوي؛ إذ لم يحفظ عنه ◌َلاو النقص عنها ويجاب ذلك
على التأكد لا الوجوب للخبر الصحيح وهو قوله وَله: ((أَمُّ الْقُرْآنِ عِوَضُّ عَنْ غَيْرِهَا،
وَلَيْسَ غَيْرُهَا عَنهَا ◌ِوَضًا))(١) فهذا أوضح دليل على أن الأمر في هذا الحديث وحديث
أبي داود الآتي على الأثر بقراءة الفاتحة للوجوب وبقراءة السورة للندب، ومما يدفع
خصوص الثلاث الخبر السابق كما أشرت لذلك بقولي والتعليق إلى آخره، وحديث أبي
داود أمرنا نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
(فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَمَكِّنْ لِرُكُوعِكَ) أي: تممه بفعل
مما مر في الأعضاء (وَامْدُدْ ظَهْرَكَ) وهذا للكمال عندنا ومن ثم قال أئمتنا: أكمل
الركوع أن يمد ظهره وعنقه مستويين كالصفيحة فيكره ترك ذلك وأن ينصب ركبتيه
وساقيه وفخذيه ويضع راحتيه على ركبتيه، وأن يوجه أصابع يديه للقبلة بلا يمنة
ويسرة لثبوته في السجود فألحقنا به هذا، وأن يفرقها ويبسطها على ساقيه ليكون
(١) أخرجه الدارقطني (٣٢٢/١)، والحاكم (٨٦٧)، والديلمي (١٦٨٨).
٣٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
معتملاً لكل عضو منها في العبادة (فَإِذَا رَفَعْتَ) للاعتدال (فَأَقِمْ صُلْبَكَ وَارْفَعْ رَأْسَكَ
حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا) وفي هذا أوضح دليل على وجوب الاعتدال ووجوب
الطمأنينة فيه وعلى ضابط الطمأنينة وأن ما دون هذا لا يلقى.
(فَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ) جبهتك من مسجدك فيجب تمكينها بأن
يتحامل عليها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس (فَإِذَا رَفَعْتَ) من سجودك (فَاجْلِسْ
عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى) أي: بأن تجعله على بطن رجلك اليسرى وتنصب رجلك اليمنى
كما بينه بقية الأحاديث السابقة، ومن ثم كان الافتراش بين السجدتين أفضل من
الإقعاء المسنون بينهما كما مر؛ لأن ذاك هو الأكثر من أحواله ◌َ له (ثُمَّ افْعَل ذَلِكَ فِي
كُلِّ رَكْعَةٍ) أي: ركوع بدليل قوله: (وَسَجْدَةٍ) ويصح إبقاء الركعة على حقيقتها ويكون
المراد بالسجدة: سجدة التلاوة والشكر؛ إذ يجب فيهما ما يجب في سجود الصّلاة وهذا
أُولی وإن لم أر من ذکره.
(حَتَّى تَظْمَئِنَّ) راجع إلى جميع ما مر فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع
والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين وهو مذهبنا كأكثر العلماء (هَذَا لَفْظ
(المِصَابِيح)) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ) في لفظه وسنده حسن (وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِي مَعْنَاهُ).
(وَفِي رِوَايَة للِّرْمِذِيِّ) حسنها (قَالَ: إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلاةِ فَتَوَضَّأُ كَمَا أَمَرَكَ اللّهُ
بِهِ) يؤخذ منه وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهبنا، فإن الله تعالى لم يأمر بغسل
الأعضاء على الترتيب في الذكر وإن كانت الواو لا تقيده على أنه مما يوضح إفادته الفعل
بالممسوح فيه بين المغسولين والقرآن يجري على أتم وجوه الفصاحة والبلاغة فلولا أن
لتوسيط الممسوح بين المغسولين نكتة وفائدة ظاهرة لم يسلك القرآن ذلك التوسيط.
ومما يوضح ذلك أيضًا قوله {َّهِ: ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ))(١) وهو وإن كان واردًا في
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأحمد (١٥٢٠٩)، وأبو داود (١٩٠٥)، والترمذي (٨٦٢) وقال: حسن
صحيح، وابن أبي شيبة (١٤٧٠٥)، وابن حبان (٣٩٤٤)، والنسائي (٢٩٦٢)، والدارقطني (٢٥٤/٢)،
=