Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
٧٤٨ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللهِوَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ
صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَتُوِّبَ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى
رَسُولُ الله ◌َّهِ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا
أَنْتُمْ، ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِّ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِّ قُمْتُ
مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا
بِرَبِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَتَيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ
الْمَلأُ الأَعْلَ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ
بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدِْيّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَتَيْكَ رَبِّ، قَالَ:
فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَ؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى
الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاعُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، قَالَ:
ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَات، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ
وَالنَّاسُ نِيَامُ ثُمَّ قَالَ: سَلْ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ
الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرَْمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ
حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّهَا حَقّ
فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ،
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥) وقال: حسن صحيح، والطبراني (٢١٦)، والحاكم (١٩١٣)، وأحمد
(٢٢١٦٢).
* قال القاري: (وعن معاذ بن جبل قال: احتبس) بصيغة المعلوم، وروي مجهولاً (عنا
رسول الله ذات غداة) أي: يومًا أو صاحبة غداة، وهي من أول النهار إلى الزوال؛ أي: ساعة من
أولها (عن صلاة الصبح) بدل اشتمال بإعادة الجار (حتى كدنا) أي: قاربنا (نتراءى عين
الشمس) وضع موضع نرى للجمع قاله الطيبي، والأظهر ما قاله ابن حجر: إنه عدل عنه إلى
ذلك لما فيه من كثرة الإعتناء بالفعل، وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت لأداء الصبح
(فخرج سريعًا) أي: مسرعًا أو خروجًا سريعًا فثوب؛ أي: أقيم بالصلاة، وقول ابن حجر؛ أي:
أقامها موهم (فصلى رسول الله وتجوز) أي: خفف واقتصر على خلاف عادته، سيما في الصبح
لما يقتضيه الوقت (في صلاته) أي: مع آداء الأركان (فلما سلم دعا) أي: نادى (بصوته فقال
=

٢٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
لنا) أي: رفع صوته بقوله لنا: (على مصافكم) أي: اثبتوا عليها جمع مصف، وهو موضع الصف
(كما أنتم) أي: على ما أنتم عليه، أو ثبوتًا مثل الثبوت الذي أنتم عليه قبل النداء من غير
تغيير وتقديم وتأخير (ثم انفتل) أي: انصرف من الصلاة أو اقبل من القبلة (إلينا، ثم قال: إما)
بالتخفيف للتنبيه (إني سأحدثكم) السين لمجرد التأكيد (ما حبسني عنكم) ما: موصولة
(الغداة) نصب على الظرفية (إني قمت من الليل) أي: بعضه (فتوضأت وصليت ما قدر) أي:
مقدار ما قدر أو يسر (لي) من صلاة التهجد (فنعست) بالفتح من النعاس، وهو النوم القليل
(في صلاتي حتى استثقلت) بصيغة المعلوم أو المجهول؛ أي: غلب علي النعاس أو برحاء الوحي.
(فإذا أنا بربي) إذا للمفاجأة؛ أي: فاجأ استثقالي رؤيتي (تبارك وتعالى) فيه إشارة إلى التنزيه
عما لا يليق به (في أحسن صورة) أي: صفة، أو كان التجلي صوريا أو في أحسن صورة حال من
ضمير المتكلم كما سبق الكلام عليه، وظاهر هذا الحديث أن هذه الرؤية في النوم، فلا يحتاج إلى
تأويل (فقال: يا محمد، قلت: لبيك) أي: إجابة بعد إجابة، وإطاعة بعد إطاعة، إيماء إلى دوام
العبودية، والقيام بالعبادة في حق الربوبية (رب) بحذف حرف النداء وياء الإضافة (قال: فيم)
ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حذف ألفها (يختصم) أي: يبحث (الملأ الأعلى) أي:
الأشراف من الملائكة المقربين (قلت: لا أدري قالها ثلاثًا) أي: قال تعالى هذه المقولة المترتب
عليها جوابها ثلاثًا، وأجبت عنها بلا أدري تأكيدا للإعتراف بعدم العلم، وفي تأخير قالها ثلاثًا
إيماء إلى ما قررناه (قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي) يحتمل أن يكون كناية عن تعلق القدرة
والإرادة (حتى وجدت برد أنامله) أي: لذة آثاره (بين ثدبي) أي: في صدري أو قلبي (فتجلى)
أي: انكشف وظهر (لي كل شيء) أي: مما أذن الله في ظهوره لي من العوالم العلوية والسفلية
مطلقا، أو مما يختصم به الملأ الأعلى خصوصًا (وعرفت) حقيقة الأمر وهو تأكيد لما قبله، وقول
ابن حجر؛ أي: عرفته عيانًا يحتاج إلى بيان (فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب) أي: أولاً وآخرًا.
(قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات) أي: للسيئات (قال: ما هن؟) وفي نسخة
صحيحة ((وما هن)) بزيادة الواو (قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات) أي: الصلوات المكتوبات
(والجلوس في المساجد) أي: التي هي روضات الجنات (بعد الصلوات) أي: المقضيات (وإسباغ
الوضوء) بفتح الواو ويضم؛ أي: إكماله (حين الكربهات) أي: وقت المكروهات من أيام
البرودات أو أزمنة الغلاء في ثمن الماء (قال: ثم فيم؟) أي: فيم يختصم الملأ الأعلى أيضًا، وفيه
إشارة إلى تقديم الكفارات (قلت) وفي نسخة قال: قلت: (في الدرجات) أي: في درجات الجنات
العاليات (قال: وما هن؟) بالواو (قلت) وفي نسخة قال: قلت: (إطعام الطعام) أي: اعطاؤه
الخاص والعام (ولين الكلام) أي: لطفه مع الأنام (والصلاة) أي: بالليل كما في نسخة (والناس
=

٢٦٣
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ].
٧٤٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ
الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ. قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ
نيام) الجملة حالية، والنيام جمع نائم.
(قال) وفي نسخة ثم قال: (سل) وفيه إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون الدعوات بعد الطاعات
(قلت) وفي نسخة قال: قلت: (اللَّهُمَّ إني أسألك فعل الخيرات) بكسر الفاء، وقيل: بفتحها؛
أي: المأمورات (وترك المنكرات) أي: المنهيات (وحب المساكين) يحتمل الإضافتين، والأنسب
بما قبله إضافته إلى المفعول (وأن تغفر لي) ما فرط مني من السيئات (وترحمني) بقبول ما صدر
عني من العبادات (وإذا أردت فتنة) أي: ضلالة أو عقوبة (في قوم) أي: جمع أو قبيلة (فتوفني
غير مفتون) وهو إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة (وأسألك حبك)
قال الطيبي: يحتمل أن يكون معناه: أسألك حبك إياي أو حبي إياك، أقول: لا شك أن الأول
أكمل فعليه المعول، قال تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قال الطيبي: وعلى هذا يحمل قوله:
(وحب من يحبك) ولا يخفى أن الإضافة هنا إلى المفعول أنسب؛ لأنه إلى التواضع أقرب.
قال الطيبي: وأما قوله: (وحب عمل يقربني إلى حبك) فيدل على أنه طالب لمحبته ليعمل حتى
يكون وسيلة إلى محبة الله إياه، فينبغي أن يحمل الحديث على أقصى ما يمكن من المحبة في
الطرفين، ولعل السر في تسميته بحبيب الله لا يخلو من هذا القول. انتهى.
وقوله: لا يخلو ظاهر، ولا يخلو من احتمال آخر (فقال رسول الله وَله: إنها) أي: هذه الرؤيا
(حق) إذ رؤيا الأنبياء وحي (فادرسوها) أي: فاحفظوا ألفاظها التي ذكرتها لكم في ضمنها، أو
أن هذه الكلمات حق فادرسوها؛ أي: اقرؤها (ثم تعلموها) أي: معانيها الدالة هي عليها. قال
الطيبي: أي: لتعلموها، فحذف اللام أي لام الأمر (رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث
حسن) أي: لذاته (صحيح) لغيره، وقال بعضهم: معناه أو صحيح على حذف حرف الترديد؛
أي: للتنويع؛ يعني: هو عند قوم حسن وعند آخرين صحيح، ويؤيده سؤاله البخاري وجوابه
الآتي. وقال الطيبي: أي له إسنادان هو بأحدهما حسن وبالآخر صحيح، أو أراد بالحسن معناه
اللغوي وهو ما تميل إليه النفس ولا تأباه (وسألت محمد بن إسماعيل) أي: البخاري صاحب
الصحيح (عن هذا الحديث) أي: إسناده (فقال: هذا حديث صحيح).

٢٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الْيَوْمِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
٧٥٠ - [وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي
وَثَنَّا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللّه عَلَى قَوْمِ الَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ(٢). رَوَاهُ مَالِك
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٦).
* قال القاري: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله ﴾ يقول إذا دخل
المسجد) أي: أراد دخوله عند وصول بابه (أعوذ) أي: أعتصم والتجئ (بالله العظيم) أي: ذاتًا
وصفة (وبوجهه) أي: ذاته (الكريم) أي: المحسن إلى عباده فضلاً عن عباده (وسلطانه) أي:
غلبته وقدرته وقهره على ما أراد من خلقه (القديم) أي: الأزلي الأبدي (من الشيطان) مأخوذ
من شطن؛ أي: بعد؛ يعني: المبعود من رحمة الله (الرجيم) فعيل؛ بمعنى: مفعول؛ أي: المطرود من
باب الله أو المشتوم بلعنة الله، والظاهر أنه خبر معناه الدعاء؛ يعني: اللَّهُمَّ احفظني من وسوسته
وإغوائه وخطواته، وخطراته وتسويله وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة، والباعث على الغواية
والجهالة، وإلا ففي الحقيقة أن الله هو الهادي المضل، ولذا قال بعض العارفين: لولا أن الله
أمرني بالاستعاذة منه لما تعوذت منه فإنه أحقر وأصغر، ويحتمل أن يكون التعوذ من صفاته،
وأخلاقه من الحسد والكبر والعجب والغرور والإباء والإغواء (قال) أي: النبي و كذا في
نسخة صحيحة (فإذا) قال ابن حجر: الفاء فصيحة؛ أي: فقال النبي ◌َّ﴾ إذا قال: أي قائل
(ذلك) أي: القول المذكور، وقال الطيبي: أي: فقال النبي ◌ُعليه إذا قال المؤمن ذلك (قال الشيطان:
حفظ مني سائر اليوم) أي: بقيته أو جميعه، ويقاس عليه الليل أو يراد باليوم مطلق الوقت
فیشمله.
قال ابن حجر: إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من كل شيء
مخصوص، كأكبر الكبائر أو من إبليس اللعين فقط بقي الحفظ على عمومه وما يقع منه من
إغواء جنوده، وإنما ذكرت ذلك؛ لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك، ويقع في كثير من الذنوب،
فتعين حمل الحديث على ما ذكرته، وإن لم أره. انتهى، وفيه أن الظاهر أن لام الشيطان للعهد،
والمراد منه قرينه الموكل على إغوائه، وأن القائل ببركة ما ذكر من الذكر يحفظ منه في الجملة
ذلك الوقت عن بعض المعاصي، وتعيينه عند الله تعالى وبه يرتفع أصل الإشكال والله أعلم
بالحال (رواه أبو داود).
(٢) أخرجه مالك (٤١٩).
* قال القاري: (وعن عطاء بن يسار تابعي مشهور قال: قال رسول الله: اللَّهُمَّ لا تجعل قبري
وثنًا يعبد) أي: لا تجعل قبري مثل الوثن في تعظيم الناس، وعودهم للزيارة بعد بدئهم
=

٢٦٥
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
مُرْسَلاً].
٧٥١ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ فِي الْحِيطَانِ،
قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي: الْبَسَاتِينَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ
إِلَّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفٍَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ].
٧٥٢ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ
بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي
يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاٍ، وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلاتُهُ
فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ(٢). رَوَاهُ
واستقبالهم نحوه في السجود كما نسمع ونشاهد الآن في بعض المزارات، والمشاهد (اشتد)
استئناف كأنه قيل: لم تدعو بهذا الدعاء، فأجاب بقوله: اشتد (غضب الله) ترحمًا على أمته
وتعطفًا لهم قاله الطيبي وتبعه ابن حجر، والأظهر أنه إخبار عما وقع في الأمم السالفة تحذيرًا
للأمة المرحومة من أن يفعلوا فعلهم فيشتد غضبه عليهم (على قوم) وهم اليهود والنصارى
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. رواه مالك مرسلاً) أي: بحذف الصحابي.
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٥).
* قال القاري: (وعن معاذ بن جبل قال: كان النبي ◌َلم يستحب) بصيغة الفاعل (الصلاة) أي:
النافلة أو مطلقًا (في الحيطان) أي: في جنب الجدران لئلا يمر عليه مار أو لا يشغله شيء.
(قال بعض رواته: يعني: البساتين) لا شك أن الحيطان تجيء؛ بمعنى: البساتين أما كونها هنا
مرادة فمحل بحث، وقد أطال ابن حجر في حكمته بما لا طائل تحته والله أعلم (رواه الترمذي
وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن أبي جعفر قد ضعفه يحيى بن
سعيد وغيره).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤١٣)، وابن عدي (٣٢٧/٦)، وابن عساكر (٢٤٣/٢)، والديلمي (٣٧٢٣).
* قال القاري: (وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: صلاة الرجل) أي: منفردًا كذا قيل،
والأظهر أن يكون أعم في بيته. قال الطحاوي وغيره: المراد بالصلاة غير النافلة لقوله قوله:
((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) نقله الأبهري، ولا يبعد أن المضاعفة تعم النافلة مع
كونها في البيت أفضل والله أعلم (بصلاة) أي: تحسب بصلاة واحدة وليس لها مضاعفة لأجل
ذلك المكان، وإن كان لها مضاعفة باعتبار آخر من مكان أو زمان أو جماعة، ومن حيث إن من
=

٢٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ابْنُ مَاجَه].
٧٥٣ - [وَعَنْ أَبِيِ ذَرِّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ﴿ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ
أَوَّلِ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟
=
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه إلا الله (وصلاته) أي:
الفرض جماعة كذا، قيل: والعموم أظهر (في مسجد القبائل) أي: مسجد الحي (بخمس
وعشرين صلاة) أي: بالإضافة إلى صلاته في بيته لا مطلقًا لما تقدم.
(وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه) أي: يصلي فيه الجمعة (بخمسمائة صلاة) أي: بالنسبة إلى
مسجد الحي (وصلاته في المسجد الأقصى) يعني: مسجد بيت المقدس لبعد المسافة بينه وبين
الكعبة، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد
منه، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة يرحل إليه، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث،
والمقدس المطهر عن ذلك (بخمسين ألف صلاة) أي: بالنسبة إلى ما قبله، وفي هامش أصل
السيد جمال الدين بألف صلاة وعليها نسخة ظاهرة، (وصلاته في مسجدي بخمسين ألف
صلاة) أي: بالإضافة إلى ما يليه (وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة) أي: بالنسبة إلى
مسجد المدينة على ما يدل عليه سياق الكلام فيحتاج إلى ضرب بعض الأعداد في بعض، فإنه
ينتج مضاعفة كثيرة كما تقدم وبه يجمع بين الروايات والله أعلم، ثم رأيت ابن حجر وافقني
کما سيأتي كلامه.
(رواه ابن ماجه) ورواته ثقات إلا أن أبا الخطاب الدمشقي لم يحضرني الآن ترجمته، ولم يخرج له
أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كذا قاله: المنذري، وقال الذهبي أبو الخطاب:
ليس بمشهور، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: مجهول نقله ميرك، وقال ابن حجر قيل: إنه
حديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقد يقال: يمكن الجمع بينه وبين ما رووه بأن
روايتهم ((أن صلاة الجماعة تعدل صلاة المنفرد بخمس أو سبع وعشرين)) تحمل على أن هذا كان
أولاً، ثم زيد هذا المقدار في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، وكذا ما جاء: (أن صلاة في المسجد
الأقصى بألف في سائر المساجد، وصلاة بمسجده ﴿ل* بألف صلاة في المسجد الأقصى)) كان أولاً
ثم زيد فيهما فجعل الأول بخمسين ألفًا في سائر المساجد، والثاني بخمسين ألفًا في الأقصى،
ومسجد مكة بمائة ألف في مسجده * وحينئذٍ فتزداد المضاعفة على ما قدمناه أول الباب في
مسجد مكة بأضعاف مضاعفة فتأمله ضاربًا مائة ألف في خمسين ألف ألف ثم الحاصل في
خمسين ألفًا تجد صحة ما ذكرته وإيضاح ما حررته.

٢٦٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
قَالَ: أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدُ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ (١). مُتَّفَقُّ
(١) أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (٥٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٩)، وابن ماجه (٧٥٣)،
وعبد الرزاق (١٥٧٨)، وأحمد (٢١٥٠٦).
* قال القاري: (وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض؟) أي: جعل
متعبدًا؛ لأنه مبني بجدران (أول) بضم اللام، قال أبو البقاء: وهي ضمة بناء لقطعه عن
الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير أول كل شيء، ويجوز الفتح مصروفًا وغير مصروف نقله
الأبهري. وقوله: مصروفًا؛ أي: في غير هذا الموضع؛ لأن الرسم ما يساعده هنا، وقوله: غير
مصروف؛ أي: بالنصب على الظرفية وعدم انصرافه لوزن الفعل والوصفية نحو قوله تعالى:
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] (قال: المسجد الحرام) فإنه جدده إبراهيم القفيها: (قلت:
ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى) قال الطيبي: إن داود وسليمان - عليهما السلام - رفعا قاعدة
المسجد الأقصى بعد ما انهدم، وزادا فيه (قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا) قال الأبهري:
فيه إشكال؛ لأن إبراهيم بنى الكعبة، وسليمان بنى بيت المقدس؛ يعني: وهو بعد إبراهيم بأكثر
من ألف عام على ما قاله أهل التواريخ، والدليل على أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى:
ما رواه النسائي من حديث عبد الله ((سأل الله تعالى خلالاً ثلاثًا)) والأوجه في الجواب ما ذكره
ابن الجوزي: أن الإشارة في الحديث إلى أول البناء، ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول
من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا أن الأول من بنى الكعبة آدم
ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم
الكعبة. قال الشيخ: قد وجدت ما يشهد له فذكر ابن هشام في كتاب ((التيجان)) أن آدم لما بنى
الكعبة أمره الله بالمسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه ونسك فيه وبناء آدم للبيت مشهور.
انتهى.
قال ابن حجر: ورد على هذا المستشكل بأنه جهل التاريخ، فإن سليمان مجدد لا مؤسس والذي
أسسه هو يعقوب بعد بناء جده إبراهيم الكعبة بهذا المقدار، واغتر أبو حاتم بن حبان البستي
في (صحيحه)) بفهم هذا الحديث على ظاهره أن بين إبراهيم وداود أربعين سنة، ورد على من زعم
أن بينهما ألف سنة وليس كما فهم. وقال الحافظ الضياء المقدسي: وجه الحديث أن هذين
المسجدين بنيا قديمًا ثم خربا ثم بنيا، وقيل: استفيد من الحديث أن مسجد مكة أول مسجد
وضع بالأرض ولا يلزم من ذلك أن يكون أول بناء وضع بها.
وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى
لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] وسبب نزولها قول اليهود بيت المقدس أفضل من الكعبة، وقول
المسلمين عكسه، فقيل معناه: إنه أول بيت وضع مطلقًا وعليه فقيل: هو أول ما ظهر على وجه
-

٢٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الماء حين خلق الله الأرض فخلقه قبلها بألفي عام ودحاها من تحته. قال أبو هريرة: كانت
الكعبة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة. وقال ابن عباس:
وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة، ثم دحيت الأرض من تحته.
وقال مجاهد: لقد خلق الله تعالى موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة،
وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق
السماء والأرض بأربعين سنة، ومنها دحيت الأرض.
وقيل: إن آدم حين أهبط استوحش فأوحى الله تعالى إليه ابن لي بيتًا في الأرض واصنع حوله نحو
ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي فبناء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: اهبط مع آدم
الَّها فلما كان الطوفان رفع فصار معمورًا في السماء، وبنى إبراهيم الفنيه على أثره قاله قتادة.
وقيل معناه: بناه آدم وحواء لما رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص
مرفوعًا بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء وأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم ثم أمره بالطواف
به. وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس. وقيل: إنه كان قبله بيوت وأول من
بناء شيث بن آدم، وكان قبل أن يبنيه ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها؛ لأنها من الجنة ثم
دثر من الطوفان إلى أن بناه إبراهيم. وقيل: كانت قبله بيوت، ولكنه أول مسجدٍ وضع بالأرض
لما رواه البيهقي في ((الدلائل)) أيضا أن عليًّا - كرم الله وجهه - سأله رجل عن ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] أهو بيت بني في الأرض، قال: لا كان نوح قبله،
وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى
ومن دخله كان آمنا فتبين على أن الوضع غير البناء.
وصحح بعض المتأخرين هذا القول ووجهه أنه المتيقن من الآية؛ إذ وضع الله له هو جعله
متعبدًا فدلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه؛ لأن المقصود الأولى من ذكر
الأولية بيان الفضيلة ترجيحًا له على بيت المقدس ولا تأثير لأوليته في البناء في هذا الفضل.
ونقل ابن الجوزي: أن أول من بنى مسجدًا في الإسلام عمار بن ياسر، قال ابن حجر: ذلك
مسجد قباء.
(ثم الأرض لك) أيها المخاطب (مسجد) موضع صلاة (فحيثما أدركتك الصلاة فصل) وفي
نسخة صحيحة: فصله بهاء السكت. قال الطيبي: يعني: سألت يا أبا ذر، عن أماكن بنيت
مساجد واختصت العبادة بها وأيها أقدم زمانًا فأخبرتك بوضع المسجدين وتقدمهما على سائر
المساجد، ثم أخبرك بما أنعم الله علي وعلى أمتي من رفع الجناح وتسوية الأرض في أداء العبادة
فيها (متفق عليه) وفي بعض طرق البخاري: فأينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه. وفي
==

٢٦٩
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
عَلَيْهِ].
=
رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم، ومر في حديث ابن
عباس ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وبه يبطل قول من قال: معنى حديث
((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا وجعلت لغيري مسجدًا لا طهورًا)) لأن عيسى التنبؤ كان
يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة. انتهى. ويمكن أن يقال: جعل الله لعيسى
مواضع محرابًا له أو خص عيسى بالعموم لكونه تابعًا لنبينا وَّ في آخر عمره.

(باب الستر)
(الفصل الأول)
٧٥٤ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يُصَلِّ فِي تَوْبٍ
وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أَمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
٧٥٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا يُصَلِّينَّ أَحَدُكُمْ فِي
القَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٍ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه مالك (٣١٩)، والبخاري (٣٥٦)، ومسلم (١١٨٠)، وأحمد (١٦٧٧٢)، والحميدي (٥٩٩)،
والطبراني (٨٢٠٦).
* قال القاري: (عن عمرو بن أبي سلمة - رضي الله عنهما) هو ربیب النبي وأمه أم سلمة،
وأبوه صحابي قرشي مخزومي (قال: رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملاً) بالنصب في
أكثر نسخ البخاري. وفي رواية المستملي والحموي بالجر على المجاورة أو الرفع على الحذف، كذا
قاله الأبهري، والمراد بقوله: على الحذف؛ أي: حذف المبتدأ؛ أي: وهو مشتمل (به) أي: بأن لفه
ببدنه؛ يعني: اتزر ببعضه وألقى طرفيه على عاتقه. وفي شرح ((المصابيح)) وروي مشتملاً
بالنصب؛ أي: في إزار طويل مشتملاً. قال الطيبي: والاشتمال التوشح والمخالفة بين طرفي الثوب
الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر
من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره؛ يعني: لئلا يكون سدلاً (في بيت أم سلمة) من
أمهات المؤمنين (واضعًا طرفيه) تفسير مشتملاً (على عاتقيه) العاتق: ما بين المنكب إلى أصل
العنق (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. قاله ميرك.
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (١١٧٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٤١٢).
* قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله قال: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد)
قال ابن الأثير: وفي رواية ((الصحيحين)): ((لا يصلي)) بإثبات الياء، ووجهه ألا نافية وهو خبر
بمعنى النهي ذكره ميرك (ليس على عاتقيه منه شيء) الجملة المنفية حال. قال النووي: قال أكثر
العلماء: وقال ابن حجر: قال العلماء: حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم
يأمن من أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه؛ ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه
بيده أو بيديه فيشتغل بذلك ولا يتمكن من وضع اليد اليمنى على اليسرى فتفوت السنة،
والزينة المطلوبة في الصلاة. قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قلت:
في كل مما ذكر نظر ظاهر فتأمل، وإنما اضطرهم إلى ما ذكروا جعل ضمير منه إلى ذلك الثوب،
-
- ٢٧٠ -

٢٧١
كتاب الصلاة/ باب الستر
٧٥٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ،
فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
٧٥٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: صَلَى النَّبِيُّ ◌َِّ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا
أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِ جَهْمِ،
وَائْتُوِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي(٢). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة
=
والأظهر أنه يعود إلى مطلق الثوب فيفيد سنية وضع الرداء ونحوه من طرف الإزار وغيره على
الكتف وكراهة تركه عند القدرة عليه، ولذا زاد التقنيه في رواية على إرادة المبالغة، فإن لم يجد
ثوبًا يطرحه على عاتقه طرح حبلاً حتى لا يخلو من شيء.
وفي رواية: ((ارتدوا ولو بحبل)) ويؤيده ما جاء مفصلاً ما رواه الشيخان عن جابر أنه العليا قال له:
((إذا صليت وعليك ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به)). ولفظ
مسلم: ((فإن كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاشدده على حقویك فتحصل منه
أن الحكمة في ذلك ألا يخلو العاتق من شيء؛ لأنه أقرب إلى الأدب وأنسب إلى الحياء من الرب،
وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب والله أعلم.
ثم قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور: هذا النهي للتنزيه لا للتحريم، فلو
صلى في ثوب واحد ساتر عورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، وأما
أحمد وبعض السلف فذهبوا إلى أنه لا تصح صلاته عملاً بظاهر الحديث (متفق عليه) قال
ميرك: وفيه نظر من وجوه: الأول: إن قوله لا يصلين ليس فيهما بل فيهما لا يصلي. والثاني: إن
قوله على عاتقيه ليس في البخاري، وإنما فيه على عاتقه. والثالث: إن قوله منه ليس في البخاري،
وإنما هو من أفراد مسلم كما صرح به الشيخ ابن حجر قال: وفي (غرائب)) مالك للدارقطني من
طريق الشافعي بلفظ لا يصل بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء بلفظ لا يصلين.
انتهى؛ أي: بزيادة التأكيد قاله الأبهري.
(١) أخرجه البخاري (٣٥٣)، والبيهقي (٣١٠٤).
" قال القاري: (وعنه) أي: عن أبي هريرة (قال: سمعت رسول الله يقول: من صلى في ثوب)
أي: واحد كما في نسخة صحيحة (فليخالف) يعني: إذا كان واسعًا فليخالف بين طرفيه؛ أي:
فليأتزر بأحد طرفيه وليجعل الآخر على عاتقه. وقيل: يضع طرفه اليمنى على اليسرى
وبالعكس. وقيل: فليجعل كالمضطبع، وأما إذا كان ضيقًا فيشده على حقويه (رواه البخاري).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٣)، وأبو داود (٤٠٥٤)، وأحمد (٢٦٣٨٣)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٣٧٨).
=

٢٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
-
" قال القاري: (وعن عائشة قالت: صلى رسول الله في خميصة) في ((النهاية)): الخميصة ثوب من
صوف أو خز معلمة سوداء، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من
لباس الناس قديمًا. قال التوربشتي: فعلى هذا قول عائشة: (لها) أي: للخميصة (أعلام) على
وجه البيان والتأكيد ولا يبعد أن يكون من طريق التجريد (فنظر إلى أعلامها نظرة) أي:
نظر عبرة (فلما انصرف) أي: عن الصلاة (قال: اذهبوا بخميصتي هذه) وفي رواية: فلما فرغ من
صلاته قال: ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها (إلى أبي جهم) قرشي عدوي كان أهداها إلى النبي
(وائتوني بأنبجانية أبي جهم) وإنما طلب أنبجانيته بدلها لئلا يتأذى برد هديته وهي بفتح
الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتفتح، وتشديد التحتية على ما في النسخ المصححة.
وقال ابن حجر: بكسر الهمزة وفتحها، وفيه أنه مخالف للمحفوظ من الرواية والدراية. ففي
(المغني): هي بفتح الهمزة كساء لا علم له. وفي ((القاموس)): منبج كمجلس موضع وكساء
منبجاني وانبجاني بفتح بائهما نسبة على غير قياس، وفي النهاية المحفوظ في انبجانية كسر
الباء، ويروى بفتحها وهو منسوب إلى منبح بلدة معروفة بالشام، وهي مكسورة الباء ففتحت في
النسب وأبدلت الميم همزة، وقيل: منسوب إلى موضع يقال له انبجان وهو الأشبه؛ لأن الأول
فيه تعسف وهو كساء يتخذ من الصوف له حمل ولا علم له وهو من أدون الثياب الغليظة
والهمزة فيها زائدة. وقال الخطابي: إنها منسوبة إلى آذربيجان، وقد حذف بعض حروفها وعرب،
قال القاضي: وإنما أرسل إليه؛ لأنه كان أهداها إياه، فلما الهاه علمها؛ أي: شغله عن الصلاة
بوقوع نظره إلى نقوش العلم وألوانه؛ أي: تفكر في أن مثل هذا للرعونة التي لا تليق به ردها
إليه. قال الأشرف: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا ما في النفوس الطاهرة. قيل:
وفيه إشارة إلى كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على اردائهم، وقد نص عليها (فإنها) أي:
الخميصة (ألهتني) أي: شغلتني (آنفًا) بالمد، ويقصر وقرئ بهما في السبعة قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ
آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] أي: في هذه الساعة (عن صلاتي) أي: عن كمال حضورها (متفق عليه) قال
ميرك: فيه نظر؛ لأنه ليس هذا الحديث في مسلم بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ البخاري، ولفظ
مسلم عن عائشة قالت: قام رسول الله يصلي في خميصة ذات أعلام فنظر إلى أعلامها، فلما
قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة، وائتوني بأنبجانيته فإنها ألهتني
آنفًا في صلاتي، فانظر في اختلاف الألفاظ.
وفي رواية البخاري قال: كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن يفتتني؛ أي: يمنعني
من الصلاة ويشغلني عن حضورها، وقال ابن حجر: أي: يلهيني عن الصلاة لهوًا، أتم مما وقع
منها وإلا فلا تنافي بين جزمه بوقوع الإلهاء بها ثم وخشية وقوعه بها هنا فتأمله، وكان ذلك هو
=

٢٧٣
کتاب الصلاة/ باب الستر
للبُخَارِيِّ: كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي].
٧٥٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَّرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا
الَّبِيُّ ◌َِّ: أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي(١) . رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
٧٥٩ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللّهِ وَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ،
فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا
=
حكمة التغاير بين الأسلوبين حيث عبر أولاً بالإلهاء، وثانيا بالفتنة. انتهى، وهو معنى حسن
ويحتمل أن يكون المعنى فأخاف أن يوقعني في العذاب أو في فتنة تؤدي إليه قال تعالى: ﴿ذُوقُوا
فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات:١٤] والأظهر أن يقال معنى ألهتني: أرادت أن تلهيني فلا ينافي قوله
فأخاف أن يفتنني؛ بمعنى يلهيني، بل يكون الثاني تفسيرًا للأول.
ولذا قيل: إنه القَيْه لم يتأثر بها، وإنما فعل ذلك تشريعًا لأمته، وخوفًا عليهم من الإلهاء بالنظر
إلى المخططات في صلاتهم، لكن من زعم من الأمة أن قلبه لا يتأثر بذلك فقد جهل طريق
السلوك؛ لأنه لا يقاس الحدادون بالملوك، وأما جزم ابن حجر بأن قلبه الكميه تأثر بذلك فغير
صحيح. وقول الأشرف: تأثيرًا ما إشارة إلى أنه أدرك أنه يؤثر، ثم قال ابن حجر: قال بعض
أئمتنا: يسن لمن صلى في ذلك أو إليه أو علیه أن یغمض بصره حتى لا يختل خشوعه وحضوره،
قلت: سبق منه أنه يكره أن يصلي فيه أو إليه أو عليه وتغميض العين في الصلاة من
المكروهات، فكيف يسن مكروه لدفع مكروه مع أن المكروه لا يندفع به والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري (٣٦٧)، وأحمد (١٢٥٥٣)، وأبو عوانة (١٤٧٦).
* قال القاري: (وعن أنس قال: كان قرام) وهو بالكسر ستر رقيق فيه نقوش ورقم كذا قاله
بعضهم، وقال الطيبي: القرام هو الستر الرقيق، وقيل: الصفيق من صوف ذي ألوان، وقيل:
مطلق الستر القرام الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، ولذا أضافه في حديث آخر. وقيل: القرام
ستر (لعائشة سترت به جانب بيتها) وهو يحتمل جانب الباب وجانب الجدار (فقال) أي: لها
كما في نسخة (النبي ◌ّ﴾: أميطي) أي: أزيلي (عنا قرامك هذا فإنه) الضمير للشأن أو القرام.
وفي نسخة: فإنها فالضمير للقصة (لا يزال تصاويره) جمع: تصوير بمعنى الصورة؛ أي: تماثيله أو
نقوشه (تعرض) أي: لي كما في نسخة؛ يعني: تظهر (في صلاتي) وتشغلني عنها (رواه البخاري)
أي: منفردًا به. قاله میرك.

٢٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
لِلْمُتَّقِينَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(الفصل الثاني)
٧٦٠ - [عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ ظَّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّ رَجُلْ أَصِيدُ،
أَفَأَصَلِّ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَرَوَى
(١) أخرجه البخاري (٣٦٨)، ومسلم (٢٠٧٥)، وأحمد (١٧٣٨١)، والنسائي (٧٧٠)، وابن حبان
(٥٤٣٣)، وأبو عوانة (٨٥٠٩).
* قال القاري: (وعن عقبة بن عامر) من قبيلة جهينة كان واليا على مصر لمعاوية قال: أهدي
على بناء المفعول (لرسول الله فروج حرير) بفتح الفاء، وتشديد الراء هو القباء الذي شق من
خلفه (فلبسه) قيل: إنه كان قبل البعثة، وقيل: إنه كان بعد البعثة قبل التحريم، ويجوز أن
يحمل على أول التحريم؛ لأنه جاء في رواية أخرى: إنه #} صلى في قباء ديباج ثم نزعه.
وقال: نهائي عنه جبريل؛ فمعنى قوله: ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له لما فيه
من الرعونة أو لما جاءه الوحي بالنهي، قال الطيبي: قيل: الأظهر أن هذا كان قبل التحريم فنزعه
نزع الكاره لما فيه من الرعونة كما بدا له في الخميصة، وقيل: كان بعده، وإنما لبسه استمالة
لقلب من أهداه إليه وهو صاحب الاسكندرية أو صاحب دومة أو غيرها على اختلاف فيه.
انتهى كلامه وتبعه ابن حجر لكن لبسه مع كونه محرمًا للاستمالة غير صحيح سيما صلاته
به مع أنه ينافيه نزعة نزع الكاره (ثم قال: لا ينبغي) أي: لا يليق (هذا للمتقين) أي: للمؤمنين
الكاملين، قيل: فيه دليل على أن ذلك كان قبل التحريم؛ لأن المتقي وغيره سواء في التحريم،
ويمكن دفعه بأن المراد به المتقين عن الشرك ولا ينبغي؛ بمعنى: لا يجوز (متفق عليه) ورواه
النسائي. قاله میرك.
(٢) أخرجه بلفظه أبو داود (٦٣٢)، والبيهقي في «سننه» (٣٤٢٠)، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة
(٣٤٧٩)، وأحمد (١٦٥٦٨)، والنسائي (٧٦٥)، وابن خزيمة (٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)،
والحاكم (٩١٣) وقال: صحيح.
* قال القاري: (عن سلمة بن الأكوع) هو أسلمي مدني، وكان من المبايعين تحت الشجرة
مرتين، وكان من أشجع الناس راجلاً (قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد) كأبيع؛ أي:
اصطاد. وفي نسخة: كأكرم في النهاية، روى أصيد؛ أي: له علة في رقبته لا يمكن التفات
معها، والمشهور أصيد من الإصطياد، والثاني أنسب؛ لأن الصياد يطلب الخفة وربما يمنعه
الإزار من العدو خلف الصيد ذكره الطيبي وأغرب ابن حجر حيث ذكر المعنيين، وما فرق بين
اللفظين (أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم) أي: صل فيه (وَازْرُرْهُ) بضم الراء؛ أي: اشدده
=

٢٧٥
کتاب الصّلاة/ باب الستر
النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ].
٧٦١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلْ يُصَلِّي مُسْبِلاً إِزَارَهُ، إِذْ قَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِنَّهِ﴾: اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ، فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ
أَمَرْتَهُ أَنَّ يَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّ وَهُوَ مُسْبِلَّ إِزَارَهُ، وَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ
رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَه(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
=
(ولو بشوكة) قال الطيبي: هذا إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته فعليه أن يزره
لئلا يكشف العورة. قال في ((شرح شريعة الإسلام)) ومن آداب الصلاة زر القميص بناء على
أن الصحيح أن ستر عورته عن نفسه ليس بشرط حتى لو كان محلول الجيب فنظر إلى عورته لا
يعيد صلاته كذا في (التبيين)). وفي ((شرح المنية)) أفتى بعض المشايخ بأنه إذا رأى عورته تفسد
صلاته، وهو ظاهر الحديث (رواه أبو داود) أي: بهذا اللفظ (وروى النسائي نحوه) أي: بمعناه
وسنده حسن، بل صححه الحاكم.
(١) أخرجه أبو داود (٦٣٨)، والبيهقي (٣١٢١).
* قال القاري: (وعن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره) صفة بعد صفة لرجل؛ أي:
مرسله أسفل من الكعب تبخترًا وخيلاء، قال ابن الأعرابي: المسبل الذي يطول ثوبه ويرسله إلى
الأرض يفعل ذلك تبخترًا واختيالاً. انتهى، وإطالة الذيل مكروهة عند أبي حنيفة والشافعي في
الصلاة وغيرها، ومالك يجوزها في الصلاة دون المشي لظهور الخيلاء فيه (قال له رسول الله
وَله) أي: بعد صلاته لكون صلاته صحيحة فأراد أن يبين له أنها غير مقبولة، فقال: (اذهب
فتوضأ) قيل: لعل السر في أمره بالتوضوء وهو طاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر،
فيقف على ما ارتكبه من المكروه، وأن الله ببركة أمر رسوله ول و إياه بطهارة الظاهر يطهر
باطنه من دنس الكبر؛ لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن ذكره الطيبي (فذهب وتوضأ
ثم جاء) فكأنه جاء غير مسبل إزاره (فقال رجل: يا رسول الله، ما لك أمرته أن يتوضأ) أي:
والحال أنه طاهر (قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل) أي: قبولاً كاملاً
(صلاة رجل مسبل إزاره) ظاهر جوابه وسلم أنه إنما أعاده بالوضوء والله أعلم، إنه لما كان يصلي
وما تعلق القبول الكامل بصلاته.
والطهارة من شرائط الصلاة وأجزائها الخارجة فسرى عدم القبول إلى الطهارة أيضا فأمره
بإعادة الطهارة حثًا على الآكمل والأفضل فقوله: يصلي؛ أي: يريد الصلاة فالأمر بالوضوء قبل
الصلاة، وأما ما ذكره ابن حجر من أن ظاهر الحديث أنه أمر المسبل بقطع صلاته، ثم بالوضوء
=

٢٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٧٦٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَا تُقْبَلُ
صَلَاةُ حَائِضِ إِلَّا بِمَارٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ].
٧٦٣ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا سَأَلَتِ رَسُولَ اللهِ وَّةٍ: أَنْصَلِّى
الْمَرَّةُ فِي دِرْعٌ وَحِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِعًا يُغَِّي ظُهُورَ
قَدَمَيْهَا (٩). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَ جَمَاعَةً وَقِفُوهُ عَلَى أَمِّ سَلَمَةٍ].
=
فهو غير صحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] (رواه أبو داود) قال ميرك:
وفي إسناده أبو جعفر وهو رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه، قاله المنذري: وفي التقريب أبو
جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة نقله ميرك، وأخرج الطبراني: إنه ويؤ أبصر
رجلاً يصلي، وقد أسدل ثوبه فدنا منه {آچ فعطف عليه ثوبه.
(١) أخرجه أحمد (٢٥٢٠٨)، والترمذي (٣٧٧)، وأبو داود (٦٤١)، وابن ماجه (٦٥٥)، والبيهقي
(٤٨٦٩)، وابن حبان (١٧١١)، وابن أبي شيبة (٦٢٢٣).
* قال القاري: (وعن عائشة قالت: قال رسول الله: ((لا تقبل))) بالتأنيث أصح والمعنى لا تصح؟
إذ الأصل في نفي القبول نفي الصحة إلا لدليل، وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ
مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قال ابن عباس: يعني: الثياب، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا
وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] قال ابن عباس وغيره: هي طوافهم عراة والإجماع على
وجوب ستر العورة في الصلاة، وتفصيله في الفروع، وسيأتي بعض مسائله (صلاة حائض) أي:
بالغة (إلا بخمار) أي: ما يتخمر به من ستر رأس وهذا في الحرة، قاله الطيبي وقال ابن الملك
أراد بها الحرة التي بلغت سن الحيض، وقيل: الأصوب أن يراد بالحائض من شأنها الحيض
ليتناول الصغيرة أيضًا، فإن ستر رأسها شرط لصحة صلاتها أيضًا، وفيه دليل على أن رأس الحرة
عورة بخلاف الأمة (رواه أبو داود والترمذي) وقال: حسن ورواه ابن ماجه والحاكم في
((مستدركه)) وقال: صحيح. نقله ميرك عن التصحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٤٠)، والحاكم (٩١٥).
* قال القاري: (وعن أم سلمة أنها سألت رسول الله أتصلي المرأة في درع؟) أي: قميص (وخمار
ليس عليها) أي: ليس تحت قميصها أو فوقه (إزار) أي: ولا سراويل (قال) أي: نعم (إذا كان
الدرع سابقًا) أي: كاملاً واسعًا (يغطي ظهور قدميها) قال الأشرف: فيه دليل على أن ظهر
قدمها عورة يجب ستره. وفي (شرح السنة)) قال الشافعي: لو انكشف شيء مما سوى الوجه
واليدين فعليها الإعادة نقله الطيبي، ولا يخفى أن المراد باليدين الكفان وفي مختلفات
=

٢٧٧
كتاب الصلاة/ باب الستر
قاضيخان ظاهر الكف وباطنه ليسا عورتين إلى الرسغين، وفي ظاهر الرواية ظاهره عورة قال
ابن الهمام: والذراع عورة. وعن أبي يوسف ليس بعورة وفي (شرح المنية)) أن في القدمين
اختلاف المشايخ، والأصح أنهما ليستا بعورة كذا ذكره في المحيط، وهو مختار صاحب الهداية
والكافي ولا فرق بين ظهر الكف وبطنه خلافًا لما قيل أن بطنه ليس بعورة وظهره عورة، قلت:
ظاهر الحديث يؤيد ما قيل. وقال في ((الخانية)): الصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع جواز
الصلاة كسائر الأعضاء التي هي عورة.
(رواه أبو داود) أي: مرفوعًا، قال: ورواه جماعة موقوفًا على أم سلمة ذكره ميرك، (وذكر) أي: أبو
داود (جماعة) أي: من الرواة (وقفوه) أي: الحديث (على أم سلمة) قال الطيبي: أي: ذكر أبو داود
أو أحد الرواة جماعة من المحدثين، وقفوا هذا الحديث وقصروه على أم سلمة. انتهى.
قلت: الحديث المذكور بلفظه لا يمكن أن يكون موقوفًا ولعل الموقوف معنى هذا الحديث،
وقيل: معناه رواه أبو داود، وذكر هو أن جماعة وقفوه على أم سلمة وحينئذ لا يضر وقفهم له
عليها؛ لأن من رفعه معه زيادة علم فيقدم، وأيضًا هذا الموقوف ليس من قبيل الرأي فهو في
حكم المرفوع قال ابن حجر: وعورة الرجل ما بين السرة والركبة ودليله قوله قيلله: ((عورة
المؤمن ما بين سرته إلى ركبته)) والتقييد بالمؤمن للغالب وسنده حسن، وإن كان فيه رجل
مختلف فيه إلا أن له شواهد تجبره وهي أحاديث أربعة بمعناه.
وقيل: العورة السوأتان فقط لما في مسلم أنه لو كان مكشوف الفخذ فدخل أبو بكر وعمر
فلم يستره، ثم دخل عثمان فستره وردوه بأن المكشوف حصل الشك فيه في مسلم هل هو
الساق أو الفخذ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ، وعلى التنزل فهي واقعة حال احتملت
أن المكشوف من ناحيته لا من ناحيتهما، قلت: ويمكن أن يقال حصل الكشف له حالة
الاستغراق والستر بعد ما أفاق.
وأما في خبر ((الصحيحين)): إنه ير أجرى فرسه في زقاق خيبر، ثم حسر الإزار عن فخذه
الشريف حتى رآه أنس، فمحمول على أنه انحسر بنفسه لأجل الإجراء لروايتهما أيضًا فانحسر
الإزار. وقد روى الترمذي من ثلاث طرق قال في كل منها: إنه حسن أنه والقر قال لجرهد بجيم
وهاء مفتوحتين غط فخذك؛ لأن الفخذ من العورة ويجب على كل مكلف ستر عورته، وإن كان
خاليًا لخبر مسلم: ((لا تمشوا عراة)). ولخبر أحمد والأربعة بسند حسن: ((احفظ عورتك إلا من
زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا قال: الله أحق أن يستحى
منه من الناس)) ثم العاري والمستتر وإن استويا في نظر الله إليهما إلا أنه يرى الثاني متأدبًا،
والأول تارگًا للأدب. انتهى.
=

٢٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٧٦٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َيِّ نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ
يُغَطِّي الرَّجُلُ فَاءُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ].
=
وقوله: يجب لا يصح على إطلاقه أو يقال الضرورات تبيح المحظورات، لما جاء أن التسمية تستر
العورة عن أعين الجن، والأظهر استحباب التستر حالة الخلاء لا الوجوب والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود (٦٤٣)، والترمذي (٣٧٩)، وأحمد (٨١٥٤)، والطبراني في «الكبير)) (٣٨٦).
* قال القاري: (وعن أبي هريرة أن رسول الله نهى عن السدل في الصلاة) قيل: هو إرسال اليد،
وقيل: إرسال الثوب يصيب الأرض من الخيلاء. وفي ((الفائق)): السدل إرسال الثوب من غير أن
يضم جانبيه. وفي ((النهاية)): هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو
كذلك، وكانت اليهود تفعله في صلاتهم فنهى عن التشبه بهم. قال القاضي: السدل منهي عنه
مطلقًا؛ لأنه من الخيلاء وهو في الصلاة أشنع وأقبح، وفي (شرح المنية)) السدل أن يضع الثوب
على كتفه ويرسل أطرافه على عضديه أو صدره، وقيل: إن يجعله على رأسه أو كتفه ويرسل
أطرافه من جوانبه. وفي ((فتاوى)) قاضيخان: هو أن يجعل الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل
جانبيه أمامه على صدره والكل سدل، فإن السدل في اللغة الإرخاء والإرسال، وفي الشرع
الإرسال بدون المعتاد وكراهته لنهي النبي عنه. انتهى.
وحكمته والله أعلم اشتغال القلب بمحافظته والاحتياج بمعالجته، ولهذا لو كان أحد طرفيه
مغروزًا أو مربوطًا بطرف آخر بحيث لا يخاف عليه من الوقوع لا يكون مكروهًا (وأن يغطي
الرجل فاه) أي: فمه في الصلاة كانت العرب يتلثمون بالعمائم، ويجعلون أطرافها تحت أعناقهم
فيغطون أفواههم كيلاً يصيبهم الهواء المختلط من حرِّ أو برد فنهوا عنه؛ لأنه يمنع حسن إتمام
القراءة، وكمال السجود. وفي ((شرح السنة)): إن عرض له التثاؤب جاز أن يغطي فمه بثوب أو
يده لحديث ورد فيه ذكره الطيبي، والفرق ظاهر؛ لأن المراد من النهي استمراره بلا ضرورة، ومن
الجواز عروضه ساعة لعارض.
قال في ((شرح المنية)) يكره للمصلي أن يغطي فاه أو أنفه ذكره قاضيخان إلا عند التثاؤب
والأدب عند التثاؤب أن يكظمه؛ أي: يمسكه ويمنعه من الانفتاح إن قدر على ذلك لقوله
وَلّ: (إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع)). وفي رواية: «فليمسك بيده على فمه،
فإن الشيطان يدخل فيه)) رواه مسلم، وإن لم يقدر فلا بأس أن يضع يده أو كمه على فيه كذا
روي عنه99. قيل: الأولى أن تكون يده اليسرى؛ لأنها لدفع الأذى، قلت: ولعل هذا في غير
حالة القيام عند وضع اليدين، فيضع ظهر يده اليمنى على فمه.
(رواه أبو داود والترمذي) وفيه نظر؛ لأنه ليس في الترمذي وإن يغطي الرجل فاه كما يعلم من
=

٢٧٩
كتاب الصلاة/ باب الستر
٧٦٥ - [وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: خَالِفُوا الْتَهُودَ فَإِنَّهُمْ
لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
=
كلام صاحب التخريج قال: وقال الترمذي: لا يعرف من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا
إلا من حديث عسل، وهو ابن سفيان التيمي اليربوعي كنيته أبو قرة ضعيف الحديث، وقد رواه
أبو داود من حديث سليمان الأعمش عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا نقله ميرك عن
التصحيح، وقال ابن حجر رواه أبو داود بتمامه والترمذي شطره الأول وغيرهما وجزؤه الأخير
صحيح كما مرَّ، وأما جزؤه الأول؛ أعني: النهي عن السدل فضعفه كثيرون، قال النووي:
والمعتمد عليه في الاستدلال عموم النهي في الأحاديث الصحيحة عن إسبال الإزار، ومن ثم
قال أئمتنا: يكره إطالة الثوب عن الكعبين، وإن لم يصب الأرض ما لم يقصد خيلاء وإلا
حرم.
(١) أخرجه أبو داود (٦٥٢)، وابن حبان (٢١٨٦)، والحاكم (٩٥٦)، والبيهقي (٤٠٥٦)، والبزار
(٣٤٨٠).
* قال القاري: (وعن شداد بن أوس) هو ابن أخي حسان بن ثابت، وكان ذا علم وحلم نزل بیت
المقدس ومات بالشام (قال: قال رسول الله: خالفوا اليهود) أي: بالصلاة في نحو النعول (فإنهم
لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) قال ابن الملك: يعني: يجوز الصلاة فيهما إذا كانا طاهرين
ورواه أبو داود عن يعلى بن شداد عن أبيه يرفعه ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري نقله ميرك
عن التخريج، وقال: ورواه الحاكم أيضًا، وقال ابن حجر، وصححه ابن حبان وقضيته ندب
الصلاة في النعال والخفاف، لكن قال الخطابي: ونقل عن الإمام الشافعي أن الأدب خلع
نعليه في الصلاة، وينبغي الجمع بحمل ما في الخبر على ما إذا تيقن طهارتهما، ويتمكن معهما
من تمام السجود بأن يسجد على جميع أصابع رجليه وما في الإمام على خلاف ذلك.
انتهى.
وهو خطأ ظاهر؛ لأنه يلزم منه أنه إذا لم يتيقن الطهارة ولم يمكن معه إتمام السجود أن
يكون خلع النعل أدبًا مع أنه حينئذ واجب فالأولى أن يحمل قول الشافعي على أن الأدب الذي
استقر عليه آخر أمره و خلع نعليه أو الأدب في زماننا عند عدم اليهود والنصارى أو عدم
اعتيادهما الخلع، ثم سنح لي أن معنى الحديث خالفوا اليهود في تجويز الصلاة مع النعال
والخفاف، فإنهم لا يصلون؛ أي: لا يجوزن الصلاة فيهما ولا يلزم منه الفعل، وإنما فعله الآن
كما في الحديث الآتي تأكيدًا للمخالفة، وتأييدًا للجواز خصوصًا على مذهب من يقول: أن
الدليل الفعلي أقوى من الدليل القولي.

٢٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٧٦٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِّ ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّ بِأَصْحَابِهِ
إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللهِوَّهِ صَلاَتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ
نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ جِبْرِيلَ الَيْهِ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا
قَذَرًّا، إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ
فِيهِمَا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِ يُّ].
(١) أخرجه أبو داود (٦٥٠)، والدارمي (١٤٢٩).
* قال القاري: (وعن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله يصلي بأصحابه؛ إذ خلع) أي:
نزع (نعليه) أي: من رجليه (فوضعهما عن يساره) صحت روايته بلفظ عن وفيه معنى
التجاوز؛ أي: وضعهما بعيدًا متجاوزًا عن يساره، وكذلك ألقى الأصحاب نعالهم تأسيًا به اله
قاله الطيبي. وقال ابن الملك: فيه تعليم للأمة بوضع النعال على اليسار دون اليمين، قلت: فيه
دليل على جواز عمل قليل (فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم) هذا يدل على كمال متابعتهم
(فلما قضى رسول الله صلاته، قال: ((ما حملكم على إلقائكم نعالكم))) بالنصب (قالوا:
رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا) قال القاضي: فيه دليل على وجوب متابعته والر لأنه سألهم
عن الحامل فأجابوه بالمتابعة، وقررهم على ذلك، وذكر المخصص.
(فقال رسول الله: إن جبريل أتاني) أي: لشدة اعتنائه تعالى به وبعبادته و ل﴾ (فأخبرني أن فيهما
قذرًا) بفتحتين. وفي رواية: «خبثًا)) وفي أخرى: «قذرًا أو أذى أو دم)) حلمة وهي بالتحريك القراد
الكبير، قال القاضي: فيه دليل على أن المستصحب للنجاسة إذا جهل صحت صلاته، وهو قول قدیم
للشافعي، فإنه خلع النعل ولم يستأنف قال: ومن يرى فساد الصلاة حمل القذر على ما تقذر عرفًا
كالمخاط، قال ابن الملك: فإخباره إياه بذلك كيلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر عند السجود، قلت:
ويمكن حمله على المقدار المعفو من النجاسة، وإخباره إياه ليؤديه على الوجه الأكمل، ولعل وجه
تأخير الإخبار إعلام بأنه وليه لا يعلم من الغيب إلا بما يعلم، أو ليعلم الأمة هذا الحكم من السنة
والله أعلم، ثم رأيت ابن حجر قال: وأجاب أئمتنا عن خبر الباب بأن القذر المستقذر ولو طاهرًا
وبأن الدم قد يكون يسيرًا وبأن رواية: ((خبثًا) مفسرة برواية الدم.
(إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر) أي: في نعله (فإن رأى في نعليه) أو أحدهما (قذرًا
فليمسحه) قال ابن الملك: صيانة للمسجد عن الأشياء القذرة (وليصل فيهما) قال
القاضي: فيه دليل على أن من تنجس نعله إذا دلك على الأرض طهر وجاز الصلاة فيه، وهو
أيضًا قول قديم للشافعي، ومن يرى خلافه أول بما ذكرنا نقله الطيبي، وحاصل مذهبنا أنه