Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ◌َ﴾ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ) بأن يتكاسل عن أدائها في وقتها الجائز إلى أن يوقعها في الوقت المحرم إيقاعها فيه (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ) بالبناء للمفعول (أَهْلَهُ وَمَالَهُ) بالرفع؛ أي: فكأنما فقدهما بالكلية أو نقصهما، والنصب مفعول ثانٍ لوتر والأول النائب عن الفاعل ضمير الذي؛ أي: فكأنما وتر هو إياهما، فالحاصل أن من رد الفقد أو النقص إلى المفوت نصبهما، ومن رده إليهما لكونهما المضافين المأخوذين رفعهما، وكان وجه تخصيص العصر بما ذكر مع أن فوت غيرها من البقية يصدق عليه أنه كان فقدهما أن الفقد النقص في العصر لكونها الوسطى أقبح منه في غيرها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٩٥ - [وَعَنْ بُرَيدَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ [بُرَيْدَة](٢) ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) أي: نقص ثواب عمل يومه بتفويته أفضل الصلوات، أو بمقارنة رفع عمل اليوم بتلك المعصية العظيمة، وأول الإحباط بما ذكر؛ لأنه حقيقة لا تتأتى إلا في المرتد مطلقًا وإن مات على ذلك على الخلاف المشهور بيننا وبين الحنفية، بنصّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنِ دِينِهِ ... ﴾ [البقرة: ٢١٧] إذ من: شرطية وخصت العصر بهذا أيضًا لما مرَّ آنفًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ٥٩٦ - [وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَِّ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ (٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ الله ◌ِهِ، فَيَنْصَرِفُ (١) أخرجه البخاري (٥٥٣)، وأحمد (٢٣٦٥٩)، والنسائي (٤٧٨)، والبيهقي في (سننه)) (٢١٧٧) وفي («الشعب» (٢٧٢٠). (٢) بياض في الأصل، والمثبت من ((مرقاة المفاتيح)) للملا علي القاري (٥٥/٣). (٣) أخرجه البخاري (٥٥٩)، ومسلم (١٤٧٣). ٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث أَحَدُنَا) بعد انقضاء الصّلاة معه ◌َّ (وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) بفتح النون، وهي السهام العربية؛ أي: ينظر مواضع وقوع سهمه بعد الرمي به، وفيه دليل على أنه والخير كان يبادر بها عقب تحقق الغروب وإن بقي الشعاع؛ لأنه الذي يرى به حينئذٍ السهم إذا رمى به أين يسقط (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٩٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى تُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ (١). (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانُوا) أي: النبي ◌َِّ وأصحابه؛ إِذ الصحابي إذا أطلق مثل هذه العبارة إنما يريد بها ذلك؛ إذ هو المتبادر؛ ولأنه لا يليق أن يسند شيء من أمور الشريعة إلى غيره وَ له مع وجوده (يُصَلَّونَ الْعَتَمَةَ) ليس فيها وقوع في النهي عن تسميتها عتمة لما مرَّ أول الباب (فِيمًا) أي: في الوقت الذي هو (بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) أي: الأحمر لما مر؛ أي: فيما بين غيبوبة الشفق وما بعده، وحذف هذا مع أنه لا بد منه في صحة بين لدلالة (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ) عليه؛ أي: وما بعده حال كونهم منتهين في العجيل إلى آخر وقتها الاختياري وهو ثلث الليل الأول، وفيه دلالة لما مرَّ أن تعجيلها هو الذي واظب وسي* وكذا الخلفاء الراشدون، ومن ثم كانت هي وغيرها سواء في ندب تعجيلها أول الوقت كما مرَّ مبسوطًا. ٥٩٨ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ) اللاتي يصلين معه وكن في ذلك الزمن على أعلى غايات الصيانة فلا يتطرق إليهن ولا بهن فتنة البتة، فلم يمنع واحدة منهن من شهود الجماعة، لكن لما حدثت الفتن لهن وبهن (١) أخرجه البخاري (٨٦٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٨٢٤). (٢) أخرجه مالك (٤)، والبخاري (٨٦٧)، ومسلم (١٤٩١)، وأبو داود (٤٢٣)، وأحمد (٢٤٨٢٤)، والترمذي (١٥٣)، والنسائي (٥٥٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٢٥)، والحميدي (١٨٢). ٦٣ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات منعهن العلماء من ذلك إلا في شروط تأتي؛ إذ عندها تخف داعية الفساد، ولقد قالت عائشة: لو علم النبي سلي ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. (مُتَلَفِّعَاتٍ) أي: ساترات وجوههن وأبدانهن (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع: مرط وهو كساء من صوف أو خز (مَا) نافية (يُعْرَفْنَ) أي: يعرفهن أحد، وفي رواية للبخاري: ((وَلا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا) (١) (مِنَ) أجل (الغَلَسِ) أي: شدة الظلام الذي كان هو من بقايا ما قبل الفجر، وفي مداومته 18 على ذلك كما يقتضيه كان نظرًا للعرف في استعمالها في مثل ذلك دليل؛ أي: دليل على أن السنة في الصبح المبادرة بها عقب تحقق طلوع الفجر، وخبر: ((أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ... ))(٢) مرَّ معناه، فلا حجة فيه للمخالف (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٩٩ [وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَخَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللّه ◌ِ لهَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لِأَنَسِ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ عَه أَنَّ النَّبِيَّ رَّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَخَّرًا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سْحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ الله ◌َلهَ إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة هنا وهي صلاة الصبح (فَصَلَّ. قُلْنَا لِأَفَسِ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا) بضم السين؛ إذ الأفصح أنه بالضم اسم للفعل، وبالفتح للمأكول وقت السحر (وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وهو أصرح دليل على أنه 18 كان يفعل الصبح عقب الفجر؛ إذ الخمسون آية (١) أخرجه البخاري (٨٧٢)، وأحمد (٢٦٩٧٦). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه البخاري (٥٧٦)، وأحمد (١٣٨٠٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٢٩). ٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث دون الدرجة المعروفة عند الموقتين بكثير، فلو فرض إمساكه مع طلوع الفجر ثم تأخيره الصبح بقدر قراءة خمسين آية معتدلة بقراءة معتدلة؛ إذ كلام أنس المقصود به التحديد إنما يحمل على ذلك، كان موقعًا لها أول وقتها ليوافق ما مرَّ من الأحاديث الدالة على تعجيلها، وأن ما خالف ذلك مما مرَّ كخبر أسفروا بالفجر يتعين حمله على ما مر، ثم رأيت بعض الحنفية قال: هذا تقدير لا يسوغ لأحد التقدير به، وإنما أخذ به وَّ لعصمته عن الخطأ في أمر الدين. انتهى. وليس في محله؛ لأن الأصل في أفعاله ودليل أنها للتشريع حتى يرد ما يصرفها عن ذلك، ولم يرد هنا ذلك فتعين بمقتضى القواعد الأصولية الأخذ بفعله المذكور من أن الأفضل في الصبح إيقاعها عقب تحقق طلوع الفجر في الظاهر لنا لا في نفس الأمر؛ لأنه لا عبرة به كما مرَّ. ٦٠٠ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ - أَوْ يُؤَخِّرُونَ - عَنْ وَقْتِهَا، قُلتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكِ نَافِلَةٌ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ) أي: أمراء مسلطين مستولين عليك (يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ) هو بمعنى ما بعده، ولكن شك أبو ذروفيه إن صح أنه لفظه * * تشبيعه المؤخرة عن أول وقتها بجيفة ميت في نفرة الطباع عنها، وقرينة الاستعارة يميتون؛ لأنه لازم المشبه به وفيه إيماءً إلى تشبيه المفعولة أوله بذي حياة كاملة توجب له الفوز بمطلوبه (أَوْ يُؤَخِّرُونَ) الصّلاة (عَنْ وَقْتِهَا) الفاضل وهو أوله والمختار ما سبق بيانه لا مطلقًا؛ لأنه لم يكونوا يؤخرونها عن وقتها بالكلية؛ أي: ما حالك إذا رأيت من ولي أمرك يؤخر الصّلاة عن أول وقتها، فإن انتظرته فأمتك فضيلة أول الوقت أو فعلها في وقت اختياره، وإن عجلت خشيت سطوته. (١) أخرجه مسلم (١٤٩٧)، وأبو داود (٤٣١)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٥٢١). ٦٥ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات (قُلتُ: فَمَا تَأْمُرُني؟) أي: فما الذي تأمرني به إذا أخروها عن أول وقتها مما يحصل لي فضيلة أول الوقت وأمن به أذاهم (قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) الفاضل وهو أوله (فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَدِّ)-ها معهم (فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه الحث على إيقاع الصّلاة أول الوقت وأن تأخيرها عنه من فعل أئمة الجور، وأنه يوجب نقصها وانحطاطها عما صلى أوله انحطاط الميت عن الحي، وأن الأفضل عند تأخير الإمام فعلها أول الوقت ثم معه ليجتمع له فضيلتا أول الوقت والجماعة، وأن إعادة الصّلاة مع الجماعة سنة ومن منعها محجوج بهذا وما يأتي. وإنه لا فرق في ندب الإعادة بين الصبح والعصر وغيرهما، فقول بعض أصحابنا: لا يعاد الأولان؛ إذ لا نقل بعدهما برده إطلاق الحديث، والمعذور بعدهما إنما هو فعل نفل لا سبب له، والمعادة لها سبب متقدم هو فعل الأولى مع احتمال نقصها المطلوب تداركه بالإعادة ولا المغرب؛ لأنها تصير شفعاء وهو غاية الضعف، ولو أراد الاقتصار على أحد ذنيك فالتأخير أفضل، ثم إن تيقن الجماعة أخر ولو إلى أن يبقى وقت يسعها أو ظنها آخر إلى نصف الوقت وذلك؛ لأن فضيلة حيازة الجماعة أكمل من فضيلة أول الوقت؛ لأن تلك تقع فرضًا فثوابها أكمل لما يأتي أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، وأنه ينبغي موافقة الأمراء في غير معصية خشية الفتنة، وأن من صلى منفردًا أو في جماعة ثم صلاها في جماعة فالأولى هي الفرض والثانية نافلة. والأصح عندنا خلافاً لمن قال: إن الله يحتسب منهما ما شاء، فعلى الأول لو بان فساد الأولى لم تجزه الثانية مطلقًا، وعلى الثاني يحسب له وواضح أن محله إن نوى بها الفرض معتقدًا حقيقته بأن غفل عن فعله للأولى، وإلا فكيف يحسب له وهو لم يثوبها حقيقة الفرض، وفي الحديث معجزة ظاهرة له وليس من الإخبار بالمغيبات التي أطلعه الله تعالى على أنها تقع بعده في أمته. ٦٠١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ ٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً) هي اسم لمجموع الركوع والسجود، وغلب عليها الركوع كما غلب على الصّلاة في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صلوا مع المصلين (مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفيه التصريح بأن من طلعت عليه وهو في صلاة الصبح أو غربت عليه وهو في صلاة العصر لا تبطل صلاته، وهو ما عليه الشافعي وأكثر أهل العلم، وقول أبي حنيفة وغيره يبطل الصبح لدخول وقت النهي عن الصّلاة وهو فيها مخالف لصريح الحديث. ثم المراد بالإدراك فيه إما الإدراك من حيث الإلزام والأداء والفضل ولا يختص واحد من الثلاثة بهاتين الصلاتين، بل يجزي في الخمس اتفاقًا، فالأول المراد به: إن من كلف في وقت الصّلاة بأن طهرت حائض أو نفساء أو بلغ صبي أو أفاق مجنون أو مغمى عليه أو أسلم كافر، فإن أدرك من آخر الوقت قدر ركعة لزمته تلك الصّلاة، والتي قبلها إن كانت تجمع معها كالظهر إن كان ذلك في وقت العصر والمغرب إن كان ذلك في وقت العشاء، بشرط أن يسلم من الموانع بعد الوقت زمنًا يسع أقل ممكن من الطهارة والصّلاة، فإن أدرك من آخر الوقت دون ركعة. ففي قول للشافعي وغيره: إنها لا تلزمه أخذًا بظاهر الحديث. وفي قول: إنها تلزمه وهو الأظهر عند أصحابه قياسًا لما دون الركعة عليها بجامع إدراك جزء من الوقت؛ ولأن الإلزام يحتاط له ما لا يحتاط للأداء والفضل الآتيين، ألا ترى أن من له القصر إذا اقتدى بمتيمم لحظة يلزمه والإتمام، وكذا من أدرك وهو في (١) أخرجه مالك (٥)، والبخاري (٥٧٩)، ومسلم (١٤٠٤)، وأحمد (٧٦٦٨)، والنسائي (٥٢٢)، وابن حبان (٤٢٤)، والبيهقي في (سننه» (١٨٨٦)، وأبو عوانة (٨٢٣). ٦٧ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات صلاة الجمعة لحظة من وقت العصر يلزمه الظهر، وحينئذٍ فالتقييد بالركعة للغالب؛ ولأنه الذي يظهر به الإدراك لكل أحد. وقد اتفقوا على أن إدراك كل صلاة هنا لا يشترط، وحينئذٍ فيستوي إدراك الركعة وما دونها، ثم اختلفوا في ذلك الدون فقيل: لا يتقيد بشيء فمتى أدرك ولو ما لا يسع تكبيرة الإحرام لزمه ذلك، والأصح أنه لا بد من إدراك قدر تكبيرة الإحرام؛ لأنه لا يسمى في العرف مدركًا لبعض الوقت إلا حينئذٍ، هذا حكم إدراك آخر الوقت وكثير من الحيض ونحوهن لا يقضين ما أدركن من زمنها ولو قدر ركعة فضلاً عن التي قبلها وهو خطأ قبيح، فيلزم نحو الأب والزوج تعليمهن ذلك فإن أكثر الرجال لا يهتدي لمعرفة ذلك فضلاً عن النساء. وأما إدراك أول الوقت أو وسطه بأن طرأ نحو حيض حينئذٍ فيشترط في الإلزام أن يدرك زمنًا يسع أخف مما يجب من تلك الصّلاة قبل طرق المانع مع شرط لا يمكن تقديمه على أول الوقت، كطهارة المتيمم والسلس، ولا يجب هنا ما بعد الصّلاة المدركة وإن كانت مجمع معها، وفارق ما مر بأن وقت العصر مثلاً يصح فيه فعل الظهر حضرًا وسفرًا، فكان وقتًا لها من هذه الحيثية، وأما وقت الظهر فلا يصح فيه العصر إلا المسافر يجوز له الجمع. والثاني المراد به: إن من أدرك من آخر وقت المكتوبة ركعة بأن صلى منها ركعة قبل خروج الوقت كانت الصّلاة كلها أداء بتبعية ما بعد الوقت لضعفه لما فيه لقوته. وقيل: كلها قضاء لعكس هذه التبعية ويرده ما قررته في توجيهها. وقيل: ما أدركه في الوقت أداء، وما أدركه بعده قضاء، وهو ضعيف أيضًا. وإن قيل: إنه التحقيق؛ إذ لو كان هذا مرادًا لم يفد التعبير عنه في الحديث بإدراك الصّلاة، فلما عبر # بإدراك الصّلاة أفاد أنها كلها أداء، واختلفوا هنا فيما دون الركعة أيضًا، والأصح عندنا أنه لا بد منها وفارقت ما دونها بأنها مشتملة على غالب أركان الصّلاة، وما عداها كالتكرير لها فظهرت تبعية غيرها لها بخلاف ما دونها ٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث فإنه ليس كذلك، فلم يستتبع غيره فعلم فرقان ما بين هذا وما مر، فإن ما دونها ثم وجد فيه المعنى الذي فيها وهو إدراك جزء من الوقت ولا كذلك هنا كما تقرر فتأمله، وفائدة الخلاف تظهر في نحو مسافر صلى ركعة في الوقت، فعلى الأصح له القصر، وعلى مقابليه لا بناء على الأصح أن فائتة الحضر لا تقصر في السفر. والثالث المراد به: إن من أدرك خلف الإمام ركعة أدرك الجماعة والجمعة، واختلفوا فيما دونها، والأصح عندنا أنه في الجمعة لا بد من إدراكها ركعة بخلاف غيرها، والفرق أن الشارع احتاط لها بجعل الجماعة شرطًا لصحتها وبغير ذلك بخلاف غيرها فاحتيط لها بما لم تحط به لغيرها. ٦٠٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أي: ركعة وعبر عنها بالسجدة من التعبير بالبعض عن الكل نظير ما مر من التبعيض عنها بالركوع (قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وهو أصرح مما قبله في ردِّ ما مرَّ عن أبي حنيفة. فإن قلت: ما مناسبة هذا والذي قبله للترجمة؟ قلت: يوجه بأن التعجيل يشمل تعجيل الكل بأن يؤديها كلها في الوقت، وتعجيل البعض بأن يؤدي بعضها فيه. ٦٠٣ [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ فَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا (١) أخرجه البخاري (٥٣١)، والنسائي (٥١٦)، وأحمد (١٠١٣٣)، وأبو يعلى (٦٢٨٤)، وابن حبان (١٥٨٦)، والبيهقي (١٦٥٠). ٦٩ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا كَفَارَة لَهَا إِلَّا ذَلِكَ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ) ضمنه غفل فعداه بقوله (عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا) هي؛ أعني: مطلق الكفارة فعالة للمبالغة كقتالة وضرابة، ثم صارت اسم للفعلة أو الخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تستر إثمها وتمحوه (أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا) غلب النسيان فعبر بالذكر وأراد به ما يشمل الاستيقاظ من النوم، ويؤخذ منه وجوب قضاء الصّلاة على النائم والناسي وإن استغرق النسيان والنوم وقت الصّلاة، وأن وجوب القضاء ليس بالخطاب الأول بنحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٨٣] لامتناع تكليف العاقل والناسي والنائم منه بل بأمر جديد هو ما في هذا الحديث. وأصرح منه فيه ما في الرواية الآتية: ((فليصلها إذا ذكرها)) لكن ظاهر قوله: ((إذا ذكرها)) أنه يجب عليه المبادرة بالقضاء عقب التذكر، وهو محمول عندنا على من تعدى بالنسيان، كأن تعاطى ما يتسبب عنه غالبًا كلعب الشطرنج أو النوم كأن نام بعد دخول الوقت من غير أن يغلب على ظنه الاستيقاظ فيه، فهذه التعدية بالترك كالتعمد له يلزمه المبادرة إلى قضائها يزول عنه إثم تعديه. وقد يوجد هذا من تعبيره وله بالكفارة؛ إذ الأصل والغالب فيها أن يكون عن إثم حتى يكفره ويمحوه، وأما من لم يتعد فلا يلزمه المبادرة بالقضاء؛ إذ لا إثم يخرج منه به وإنما يسن له ذلك مسارعة لبراءة الذمة بالقضاء، ويجري هذا التفصيل في قضاء نحو الصوم والحج، وفارق نحو الناسي نحو المجنون والمغمى عليه والسكران إذا لم يتعدوا، فإنه لا قضاء عليهم وإن اشتركوا كلهم في كونهم غير مكلفين بأن الأولين فيهم أهلية لفهم الخطاب لزوال عارضهم بأدنى تنبيه بخلاف الآخرين. (١) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤)، والترمذي (١٧٨) وقال: حسن صحيح، وابن أبي شيبة (٤٧٣٥)، وأحمد (١١٩٩١)، والنسائي (٦١٣)، والدارمي (١٢٢٩)، وابن خزيمة (٩٩٢)، وابن حبان (١٥٥٦). ٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (وَفِي رِوَايَةُ: لَا كَفَارَة لَهَا إِلَّا ذَلِكَ) أي: فلا يلزمه الإتيان بشيء آخر من مال أو غيره، بخلاف قضاء الصوم فإنه قد يجب معه الإطعام أو العتق أو غيرهما كما يأتي، ويفرق بأن الصوم دخله المال فناب الإطعام عنه في نحو الهرم والميت وعليه شيء منه، فكأن للمال دخلاً فيه فأمكن وجوبه مع قضائه، وأما الصّلاة فلا مدخل للمال فيها بوجه؛ لأنه محض عبادة بدنية فلم يجب غير قضائها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أي: بروايته. والرواية الثانية أصرح في نفي وجوب شيء آخر غير القضاء من الأولى وإن أفادت ذلك أيضًا، فلذا ذكر المصنف الثانية. ٦٠٤ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَغْرِيطُ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاة لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤](١) . رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَيْسَ فِي) حال (النَّوْمِ تَفْرِيطُ) أي: تقصير ينسب للنائم حتى يقتضي تأثيمه لما مر أن النائم في حال نومه غير مكلف (إِنَّمَا) يوجد (التَّفْرِيطُ فِي) حال (الْيَقَظَةِ) فإذا تسبب في النوم قبل أن يغلبه أو في النسيان بأن تعاطى ما يعلم ترتبه عليه غالبًا كلعب الشطرنج مقصرًا حينئذٍ فيأثم بذلك (فَإِذَا فَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) كأن وجه تفريع هذا على ما قبله بيان أنه وإن عذر في حال النوم أو النسيان فهو لا يعذر بعد زوالهما؛ لأنه مستيقظ وقد تقرر أن المستيقظ ينسب إليه التفريط فيلزمه حينئذٍ أن يقضي بهذا الأمر الجديد لا بالأمر الأول كما مرَّ (فَإِنَّ) فيه إيماء إلى تعليل وجوب القضاء عند التذكر المستفاد من قوله: ((فليصلها إذا ذكرها)). (فإن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاة لِذِكْرِي)) أي: وقت ذكرها؛ لأن من ذكرها فقد ذكر الله أو على حذف مضاف؛ أي: وقت ذكر صلاتي أو هو على حقيقته؛ أي: (١) أخرجه مسلم (١٥٩٢)، والترمذي (١٧٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (١٥٨٢)، وابن ماجه (٦٩٨). ٧١ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات وقت ذكري؛ لأن ذكره تعالى الحقيقي يستلزم ذكرًا وأمره ونواهيه والمبادرة إلى أمثالهما، ويوجه ما في هذا من الإيماء إلى التعليل الذي ذكرته أن الله تعالى خاطب كليمه اليه. بالأمر بإقامة الصّلاة وقت ذكرها أو ذكره بالمعنى الذي قررته، فإذا خوطب الكليم بذلك مع عصمته عن الذنب ونسبة التفريط إليه بوجه فأولى أن يخاطب غيره ممن ليس بمعصوم بذلك بطريق الأولى والأخرى. وهذا أوضح وأولى مما ذكره الشارح فليتأمل ليعلم به أيضًا اندفاع قوله فيه دلیل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ووجه اندفاعه أن الآية لم يذكر للاستدلال بها بل لبعث المكلف على امتثال أمر النبي وتقليم الذي تضمنه قوله: «فليصلها إذا ذكرها)) كما قررته وإذا كان ذكرها لذلك لم يكن في ذلك دليل لما ذكره، على أن الأصح عند أصحابنا الأصوليين أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا مطلقًا، بل إن خالفه فواضح أنه لا نظر إليه وإلا فالعمل بشرعنا لا بغيره (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). (الفصل الثاني) ٦٠٥ - [وَعَنْ عَليّ ◌َهُ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: يَا عَلَىُّ ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخِّرُهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤَّا (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ عَلِيّ ◌َ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: يَا عَلِيُّ ثَلَاثَةٌ) أي: من المهمات وهذا هو المسوغ للابتداء (لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ) تباين عند أكثر المحدثين واعترض بأنه تصحيف وصوابه: أنت بنون فتاء؛ أي: حان وقتها؛ أي: دخل فتأخيرهما عن الوقت بل وإلى وقت لا يسعها كاملة في الوقت حرام وإن كانت أداءً، وعن أول الوقت خلاف السنة وعن وقت الاختيار كذلك إلا في العصر والعشاء، فيكره في بعض أحواله كما مرَّ بسطه، نعم مر كراهة تأخير المغرب عن أول الوقت إجماعًا. (وَالْجَنَازَةُ) بالفتح والكسر اسم للميت في النعش. (١) أخرجه أحمد (٨٢٨)، والترمذي (١٠٧٥) وقال: غريب وما أرى إسناده بمتصل، والحاكم (٢٦٨٦) وقال: غريب صحيح، والبيهقي (١٣٥٣٥). ٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وقيل: بالفتح اسم لذلك وبالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، وقيل: عكسه، وقيل: هما لغتان فيهما، فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش من حبرة إذا ستره، ذكره ابن فارس وغیره. وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا، والمراد هنا: الميت (إِذَا حَضَرَتْ) أي: حضر وقت تجهيزها بأن تحقق خروج الروح، وإلا وجب التأخير إلى تحققه بأن يظهر فيه تغير فإذا تحقق ذلك ندبت المبادرة بغسله ثم بتكفينه ثم بالصّلاة عليه ثم بدفنه ولو في الوقت المكروه كما أفاده الحديث، ومحله إن لم يتحر وقوع ذلك فيه وإلا حرم وترك المبادرة بواحد من هذه لغير عذر مكروه وشديد الكراهة ما لم يخش تغير وإلا وجب المبادرة، بل لو تعارضت خشية التغير وخشية خروج وقت مكتوبة وجب تقديم تجهيز الميت وإن خرج وقت المكتوبة؛ لأن تغير الميت يترتب عليه من الضرر والمفسدة ما لا يترتب على إخراج الصلاة عن وقتها فلما تعارضا قدم الأهم. (وَالأَيِّمُ) وهي من لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، ويسمى الرجل الذي لا زوج له أيمًا أيضًا من أم أو أمت تأم فهي آيمة وهي وهو أيم أو أيوم (إِذَا وَجَدْتَ) أنت (لَهَا كُفُؤَّا) فيسن حينئذٍ المبادرة إلى تزويجها منه؛ لأن شهوة النساء تزيد على شهوة الرجال بأضعاف مضاعفة، فربما يخشى من تأخير تزويجها فساد عليها كما شوهد ذلك نساء متعددات. هذا إن خطبها الكفؤ والأسن عرضها عليه؛ لأنه يسن للرجل عرض موليته على أهل الصلاح اقتداءً بعمره فإن بنته حفصة - رضي الله عنها - لما تأيمت عرضها على أبي بكر # فاعتذر، ثم على عثمان # فاعتذر، ثم خطبها النبي ◌َّ فلما دخل بها قال له أبو بكر: لم أعتذر إلا أن النبي والأر كان ذكرها وما كنت لأفشي سر رسول الله وَ﴾، هذا كله إن لم تطلب من زوجها التزوج بكفؤ عينته ورضي، وإلا لزم الولي إجابتها إليه كما يجب إطعام المضطر إذا استطعم وهي مثله؛ إذ سؤالها مع كونهن جبلن على الحياء، دليل على أنها مضطرة إلى زوج نعم لو عينت كفؤًّا وعين هو كفؤًا قدم معينه؛ لأنه أكمل نظرًا منها، لكن يسن له تزويجها من معينها؛ لأن تعيينها له ٧٣ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات يدل على أن لها نوع تعلق به فربما يترتب على تزويجها بغيره مفسدة. وأصل الكفؤ المثل والمراد به في النكاح: من يساوي المخطوبة أو يزيد عليها بالنسبة لنفسه وآبائه دينًا وحرية ونسبًا وصنعة وسلامة من العيوب على تفاصيله المعروفة في كتب الفقه، وكأن حكمة قرن هذه الثلاثة في السياق إفادة ما به يحفظ مهمات المعاش والمعاد لانحصارها في حفظ حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وهذه الثلاثة جامعة لذلك بالمحافظة على الصّلاة تحفظ سائر حقوق الله تعالى لما مرَّ أنها ميزان لبقية الأعمال، وأنها بذاتها تنهى عن الفحشاء والمنكر وعلى تجهيز الميت وتزويج الأيم، والمبادرة بهما تحفظ سائر حقوق العباد لا سيما المضطرين، وهذا أولى مما ذكره الشارح فتأمله. وبما قررته فيه يعلم أن هذا الحديث من جملة جوامع الكلم التي أوتيها وَ ل﴿ دون غيره (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ) وسنده حسن. ٦٠٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهِ: الْوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ الله(١) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ) أي: من وقتها وهو وقت الفضيلة السابق بيانه (رِضْوَانُ الله) أي: سبب لرضاه أو جعل رضاه مبالغة، كرجل عدل وذلك لما فيه من زيادة الفضيلة المشار إليها في الحديث الآتي: إنه ﴿ سئل عن أفضل الأعمال فقال: ((الصَّلَاة لأَوَّلِ وَقْتِهَا)(٢). (وَالْوَقْتُ الآخِرُ) من أوقات الصّلاة (عَفْوُ الله) أي: لأن التأخير إليه بحيث لا تقع الصّلاة كاملة فيه وبعضها، ولو السلام خارجة يوقع في الإثم المحتاج صاحبه إلى العفو عنه وإلا عوقب عليه، وفي هذا غاية الترغيب في تعجيل الصّلاة لأول وقتها والترهيب عن تأخيرها ... إلخ. (١) أخرجه الترمذي (١٧٢)، والبيهقي (١٨٩٠)، والدارقطني (٢٤٩/١)، والديلمي (٧٢٤٣). (٢) تقدم تخريجه. ٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وفي رواية: ((وَوَسْطَه رَحْمَة الله بِعِبَادِه)(١) حيث أباح لهم ذلك ولم يوجب عليهم الأداء أول الوقت، ويظهر أن المراد بوسطه أخذًا من الأحاديث السابقة ما بعد وقت الفضيلة أو الاختيار إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وهو ضعيف من سائر طرقه فليحمل تحسين من حسنه على أنه حسن لغيره. ثم رأيت بعض الناس تكلم على معنى العفو بغير ما ذكرته وما ذكرته أظهر وأبين فتأمله ثم رأيت الشافعي # ذكر ما يؤيد ما ذكرته حيث قال: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون عن المقصرين. ٦٠٧ - [وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ، وقال التِّرْمِذِيُّ: لَا نَرْوِي الْحَدِيثَ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر العمري، وَهُو لَيسَ بِالقَوِي عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ](٢). (وَعَنْ أُمّ فَرْوَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلاةُ لأَوَّلِ) اللام فيه: للتأكيد أو بمعنى: في (وَقْتِهَا) أي: بأن يشرع في أسباب الصّلاة ومكملاتها عقب دخول وقتها كما مر بيانه (رَوَاهُ أَحْمَدُ والِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وقال التِّرْمِذِيُّ: لَا تَرْوِي) هذا (الحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ) عبد الله (ابْن عُمَر الْعُمَرِيّ، وَهُو لَيْسَ بِالقَوِي عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ). وقال غيره: بل هو حديث صحيح وفيه من الحث على إيقاع الصّلاة أول وقتها ما لا يخفى تدبره على من له أدنى فهم، كيف وهو أفضل الأعمال؟ ومر أنه وَل﴾ قال ذلك في غير ذلك وأنه ماول. ٦٠٨ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا صَلَى رَسُولُ اللهِوَّهِ صَلَاَةً لِوَفْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (١) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٦٣/٣). (٢) أخرجه أحمد (٢٧٨٦٥)، والترمذي (١٧٠)، وأبو داود (٤٢٦)، والبيهقي في «سننه» (٢١٢٥)، والطبراني في «الكبير)) (٢٠٧١٧)، والدار قطني (٩٨٥). (٣) أخرجه الترمذي (١٧٤)، والبيهقي في «سننه» (٢١٢٩). ٧٥ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِوَهِ صَلَاةً لِوَفْتِهَا) في اللام ما مرَّ آنفًا (الآخِرِ مَرَّتَيْنِ) أي: (حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ) أي: هو ێ﴾ وإن وقع له أنه صلى بعض الصّلاة آخر وقتها، لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة واستمر على ذلك إلى أن توفاه الله، وفيه الإعلام منها - رضي الله عنها - بأنه ◌َ ل وصل في المحافظة على إيقاع الصّلاة في أول وقتها إلى ما لا يمكن غيره أن يصل إليه حتى يتأسى به أمته في المحافظة على ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن وليس إسناده بمتصل. ٦٠٩ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ع﴿ِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ، أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ) أي: الإسلام الذي لم يدخله تغيير ولا تبديل في أركانه ومتمماته (مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ) أي: تظهر جميعها ويختلط بعضها ببعض، وبهذا أخذ أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم أن تعجيل المغرب عقب تحقق غروب الشمس وهو الأفضل، بل يكره تأخيرها عما يسع نحو وضوء وأذان وخمس ركعات (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ٦١٠ - [وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَن العَبَّاس ◌َحْوِهِ]. (وَرَوَى الدَّارِيُّ عَنِ العَيَّاسِ تَخْوه) وهو حديث صحيح، ومرَّ أن خبر أنه وَّـ صلى المغرب عند اشتباك النجوم باطل، نعم جاء في أحاديث صحيحة أنه قال : أخرها عن أول وقتها لكنهم حملوه على أنه لبيان الجواز. ٦١١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلََّ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ (١) أخرجه أبو داود (٤١٨)، وابن ماجه (٧٣٦)، وأحمد (٢٤٢٥٠)، والبيهقي في ((سننه» (٢١٩٧)، والطبراني (٣٩٧٦)، والدارمي (١٢٥٦). (٢) تقدم تخريجه. ٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ) وهذا لا ينافي كما قدمته من مذهب الشافعي وغيره أن تعجيل العشاء أفضل؛ لأن لولا أفادت أن مشقة الأمر بتأخيرها اقتضت عدم الأمر به فبقيت كغيرها من المكتوبات في أن تعجيلها هو السنة. فإن قلت: يحتمل أن المراد لأمرتهم إيجاب فالمشقة إنما دفعت الأمر الإيجابي لا مطلق الأمر نظير ما قالوه في خبر: ((لَوْلاً أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاقٍ)(١). قلت: إنما حملهم على ذلك في السواك اتفاقهم على ندبه عند كل صلاة، ولا كذلك في العشاء فإن الأكثرين على ندب تعجيلها أول الوقت، فمن ثم حملنا الأمر المنفي بقضية لولا على مطلق الأمر؛ إذ هو ظاهر الحديث. فإن قلت: الأمر حقيقة في الوجوب على الأصح عند الأصوليين فلا يلزم من بقية نفي مطلق الأمر. قلت: هو كذلك ولكن لا يلزم من نفي الوجوب ثبوت السنة، فالأصل عدم ثبوتها حتى يقوم عليه دليل (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه) وصححه الترمذي. ٦١٢ [وَعَنْ مُعَاذِ بِن جَبَلِ هِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَِّ: أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلاةِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ مُعَاذٍ بِن جَبَلِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: أَعْتِمُوا) من أعتم إذا دخل في ظلمة الليل (بِهَذِهِ الصَّلاةِ) المعهودة ذهنًا بقرينة اعتموا؛ لأنها كانت في الجاهلية معروفة بالعتمة، ومن ثم نهينا عن تسميتها عتمة لما فيه من التشبه بهم (فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا أَمَّةٌ قَبْلَكُمْ) عطف تفسير ومناسبة ما بعد الفاء لما قبله حتى وقع تعليلاً له يمكن أن يوجه بأن المراد: بأعتموا الأمر بالاحتياط (١) أخرجه مالك (١٤٥)، والبخاري (٦٨١٣)، ومسلم (٢٥٢)، وأحمد (١٧٠٨٩)، وأبو داود (٤٧) والترمذي (٢٣) وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٣٠٤١)، وابن ماجه (٢٨٧)، وابن أبي شيبة (١٧٨٦)، والطبراني (١٣٥٩٢). (٢) تقدم تخريجه. ٧٧ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات في وقتها والتحري فيه حتى يتيقن بوجود شدة الظلام. وحينئذٍ فكأن قائلاً يقول: ما خصوصية العشاء بهذا فقيل له: هي من خصوصيات هذه الأمة، فينبغي لهم الاحتياط في شأنها أكثر؛ لأن ما شارك الإنسان غيره فيه لا يبالغ في الاعتناء به مثل مبالغته في الاعتناء بما يختص به كما هو معلوم من غالب الطباع، وبهذا الذي قررته في معنى: اعتموا يندفع الاحتجاج به لأفضلية تأخير العشاء، ومر التوفيق بين هذا وقول جبريل هذا وقت الأنبياء من قبلك (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن. ثم رأيت البيضاوي صرح بما ذكرته في اعتم، وأن الخبر لا يدل على أفضلية تأخيرها فإنه قال: ما حاصله اعتم دخل في العتمة وهي ظلمة الليل. وقال الخليل: العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق؛ أي: صلوها بعدما دخلت الظلمة وتحققتم سقوط الشفق ولا تستعجلوا فيها فتوقعوها قبل وقتها، وعلى هذا لم يدل على أن التأخير فيها أفضل. ويحتمل أن يقال: إنه من العتم الذي هو الإبطاء، يقال: أعتم إذا أخر. انتهى. فإن قلت: ينافي ما تقرر ما مرَّ في بعض طرق الحديث أنه وَله لم يقل ذلك إلا بعد أن أخر العشاء حتى ظن الظان أنه قد صلى. قلت: لا ينافيه لاحتمال أن ذلك التأخير كان فيه قليل مبالغة في التحري عن عادته من الصّلاة أول الوقت كما يأتي عن النعمان قريبًا حتى ظن أنه وهلي﴿ صلاها في وقت عادته، وحينئذٍ فلا دلالة فيه لندب تأخيرها مطلقًا. ٦١٣ - [وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتٍ هَذِهِ الصَّلاةِ - صَلَاة العِشَاءِ الآخِرَة - كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ ◌ِثَالِئَةٍ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِ مُّ]. (وَعَنِ التُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ (١) أخرجه أبو داود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥)، وأحمد (١٨٩١٢)، والنسائي (٥٣٤)، وابن حبان (٣٩٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٢١٩٩)، والدارمي (١٢٥٧)، والدار قطني (١٠٦٨). ٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الصَّلَاةِ - صَلَاة العِشَاءِ الآخِرَة) ليس في هذا من تزكية النفس شيء وإنما فيه جملة السامعين على اعتماد مرويه، وأنه حصل له من العلم فيه بخصوصية ما لم يحصل لغيره، على أنه يحتمل أنه إنما قال ذلك بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم - رضوان الله عليهم - الذين هم أعلم بذلك منه، وقوله: ((العشاء الآخرة)) فيه رد لإنكار الأصمعي، ومن ثم غلطوه فیہ کما مرَّ. (كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِقَالِئَةٍ) أي: عند سقوط القمر؛ أي: غروبه أو سقوطه إلى الغروب في الليلة الثالثة، وهو غالبًا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق الأحمر، وفيه أصرح دليل لما ذهب إليه الشافعي وأكثر العلماء أن الأفضل تعجيل الصّلاة؛ لأن وقتها حتى العشاء، ومر في ذلك بسط أول الباب فراجعه فإنه مهم، وإن لم أر من سبقني إلى تحريره (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدَّارِيُّ) وسنده صحيح. ٦١٤ - [وَعَنْ رَافِعٍ بن خَدِيج ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد والدَّارِمِيُّ، وَلَيْسَ عِندَ الشَّافِعِي:((فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ)]. (وَعَنْ رَافِعٍ بِن خَدِيج ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ) أي: أخروا صلاة الفجر وهي الصبح إلى أن يتحقق طلوع الفجر ولا تبادروا بها عند ظن طلوعه، فإن ذلك أعظم لأجوركم؛ إذ الصّلاة بعد تيقن دخول الوقت أفضل منها عند ظنه. وإنما حملوه على ذلك كما مرَّ الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا تقبل تأويلاً أنه يسير كان يصلي الصبح بعد طلوع الفجر، وينصرف منها تارة قبل الإسفار الذي يعرف به الرجل وجه جليسه، وتارة عند أول مبادئ الإسفار بحسب تطويله وتقصيره. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد) والنسائي (والدَّارِيُّ) وسنده صحيح (وَلَيْسَ عِندَ الشَّافِعِي: (فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ))). (١) أخرجه الترمذي (١٥٤)، وأبو داود (٤٢٤)، وأحمد (١٧٧٤٢)، والنسائي (٥٥٣)، وابن حبان (٣٥٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٢٣٩)، والدارمي (١٢٦٤). ٧٩ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات (الفصل الثالث) ٦١٥ - [عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجِ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَ ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ فَتَأْكُلُ لَخْمَا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ ثُمَّ تُنْحَرُ) عبر به؛ لأن السنة في الإبل ونحوها مما طال عنقه ويجوز فيه الذبح (الجَزُورُ) البعير ذكرًا وأنثى وهي مؤنثة اللفظ وإن أريد به الذكر (فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمِ) بيان للواقع (ثُمَّ تُطْبَخُ فَتَأْكُلُ لَخْمَا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبٍ الشَّمْسِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه أصرح دلالة على أنه وَالّه كان يعجل العصر أول وقتها يدخل بمصير ظل الشيء مثله غير ظل الاستواء. وذلك؛ لأن نحر الجزور ثم قسمتها كما ذكر بعد مهملة كما أفادته، ثم تم طبخها بعد مهلة كما أفادته، ثم أيضًا إلى أن ينضج لحمها ثم أكلها، إنما يتأتى غالبًا إن كان ابتداؤه من أول وقت العصر المذكور وإمكان فعل ذلك كله فيما بين مصير ظل الشيء مثليه والغروب نادر جدًّا فلا يحمل عليه الحديث. ٦١٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ وَيَهْ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءُ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى (٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَكَتْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ وَلَهْ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ) أي: في وقتها فهي على حذف مضاف ظرف لمنتظر (فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي: عن (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه مسلم (١٤٧٨)، وأبو داود (٤٢٠)، والنسائي (٥٤٢)، وابن حبان (٤٠٣). ٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث تقديمها لأول وقتها الذي هو أفضل كما قدمته مع دليله مبسوطًا (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) كأن قصد بتأخيرها إحياء طائفة كبيرة من أول الليل بالسهر في العبادة التي هي انتظار الصّلاة. وهذا من حجج القائلين بأفضلية تأخيرها، ثم تردد ابن عمر وغيره من الصحابة كما دل عليه قوله: ((ندري)) بنون المتكلم ومعه غيره المتبادر في هذا المقام بقرينة: ((فخرج إلينا)) في أن تأخيره و 14 هل كان لذاته أو لعذر دليل؟ كما قدمته لمذهب الأكثرين أن الأفضل تقديم العشاء كغيرها؛ لأن القائلين بأفضلية التأخير استدلوا بذلك، وبهذا التردد يتبين أنه لا دليل فيه؛ لأن ذلك واقعة حال فعليه وقوع الأحوال الفعلية إذا تطرق إليها الاحتمال أسقطها، وقد تطرق لها احتمال أن التأخير لعذر كما ذكر عن الصحابة فلا دليل فيها، لكن سياق بقية الحديث قد يدل على أن التأخير كان قصد إلا لعذر وسيأتي الجواب عنه. (فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينِ غَيْرُكُمْ) أي: لما مر أن العشاء من خصوصيات هذه الأمة، ولا دليل فيه لأفضلية تأخيرها؛ لأن ثواب انتظار الصّلاة تعم كل صلاة فلا خصوصية للعشاء به حتى يقتضي أفضلية تأخيرها (وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أَمَّتِي لَصَلَّيْتُ) أي: لدمت على صلاتها (بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ) ظاهرة أو صريحة أن الثقل منع طلب تأخيرها وهو المدعي، ولذا واظب ولو على تعجيلها وكذا الخلفاء الراشدون (ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى) أي: بالناس (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٦١٧ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلَهِ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ تَحْوَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ تَخْوَا مِنْ صَلَاتِكُمْ) أي: قريبًا منها بالنسبة للوقت لا لبقية مكملاتها، فإن أحدًا لا يصل للقرب من كمالات صلاته وَل﴾ (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ) أي: العشاء ولا ينافي كراهة (١) أخرجه مسلم (١٤٨٦)، وأحمد (٢١٥٩٣)، والطبراني (١٩٤١).