Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب الصّلاة
فائدة:
قال بعض أكابر أئمتنا: أول واجب على الآباء للأولاد تعليمهم أن نبينا وَله
بعث بمكة وتوفي بالمدينة؛ أي: وأنه من قريش وليس بأسود ونحو ذلك من كل ما
إنكاره كفر.
(وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ) أي: الأولاد (فِي الْمَضَاجِعِ) أي: إذا بلغوا عشر سنين كما أفاده
السياق، وبهذا أخذ أئمتنا أيضًا، فقالوا: يجب على من مر من الأب وغيره أن يفرق بين
الإخوة والأخوات إذا بلغوا تمام عشر سنين في المضاجع عند إرادة النوم، فلا يجوز
حينئذٍ تمكين اثنين من الاجتماع في مضجع واحد وإن كانا مستورين وأمنا
التكشف، لما مر أن بلوغ العشرة مظنة الاحتلام المستلزم لقوة الشهوة المؤدية إلى
وقوع ما لا ينبغي من بعضهم ببعض لضعف عقلهم.
وبهذا فارق ذلك قولهم: يجوز للرجلين والمرأتين أن يناما في مضجع واحد بشرط
أن يكون عورتهما مستورة بحيث يأمنان من التماس المحرم، وذكر هذا عقب ما
يتعلق بأمرهم بالصّلاة وضربهم عليها إعلامًا للأولياء ونحوهم بأنه كما يجب السعي
في تدريب الصغير على امتثال الأوامر بعد البلوغ، كما أفاد ذلك ذكر الصّلاة؛ إذ هي
أصلها وأسبقها، كذلك يجب السعي في تدريبه على اجتناب النواهي بعده، ولما كان هذا
أهم في نظر الشارع بدليل قوله وَّة: ((إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»(١) فذكر الاستطاعة في جانب المأمورات دون جانب
المنهيات إعلامًا بأن هذا الجانب يشدد فيه ما لا يشدد في ذاك الجانب، اكتفى هنا
بخوف وقوع مفسدة وجدت مظنتها فحذر عن سلوك مواضع التهم لينشئوا على غاية
النزاهة من ذلك فيؤديهم إلى اجتناب محارم الله (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَا) رواه محبي السنة
الإمام البغوي (في (شَرح السُّنَّة)) عَنهُ) ورواه.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٣٣٧)، والشافعي (٢٧٢/١)، وأحمد (٧٤٩٢)، والنسائي
(٢٦١٩)، وابن ماجه (٢).

٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
٥٧٣ - [وَفِي ((المصَابِيح)) عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ مَعْبَد].
(وَفِي ((المصَابِيح)) عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ مَعْبَد) ورواه عنه أبو داود أيضًا خلافًا لما يوهمه
صنيع المصنف، ورواه عنه الترمذي وصححه عنه.
٥٧٤ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ
الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَّرَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: العَهْدُ) أي: الميثاق المؤكد بالإيمان
(الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ) أي: المنافقين كذا قيل، ويصح أن يراد جميع الأمة؛ أي: أمة
الإجابة بل هو الأنسب بقوله الآتي فقد كفر؛ لأنه مصرح بسبق إسلامه والمنافق
نفاقًا اعتقاديًّا كافر، فلا يقال فيه: فقد كفر إلا باعتبار ما ظهر لنا من حاله لا
باعتبار حقيقة أمره؛ لأنه كافر وإرادة المنافق نفاقًا عمليًّا المشار إليه بحديث: علامته
ثلاثة أو أربعة ((إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ .. ))(٢) فيه نوع تحكم؛ لأنه فاسق
والفاسق وغيره سواء في أن تركه للصلاة كفر بالمعنى السابق والآتي، فاتضح ما ذكرته
من أن المراد جميع الأمة من غير نظر للمنافق ولا للفاسق ولا غيرهما.
ثم رأيت الشارح رجح ما ذكرته واستدل له بقوله { ل﴿ لأبي ذر: «لَا تَتْرُكْ صَلَاةً
مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّة))(٣).
(الصَّلَاة) شبهها لإفادتها إبقاء النفس وحقن الدم؛ إذ الذي ذهب إليه إمامنا
الشافعي # كجماعة من السلف تاركها من غير عذر يقتل بالعهد المقتضي لإبقاء
المعاهد والكف عن نفسه وماله، ثم جعلها نفس العهد مبالغة في التشبيه وحملاً
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٣٩٦)، وأحمد (٢٢٩٨٧)، والترمذي (٢٦٢١) وقال: حسن صحيح
غريب، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم (١١) وقال:
صحيح الإسناد، والبيهقي (٦٢٩١)، والدارقطني (٥٢/٢)، والديلمي (٤٢٥٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٨٩).

٢٣
كتاب الصّلاة
للمخاطبين على مزيد الاعتناء بها؛ لأن ما أفاد حفظ النفوس جدير بأن يبالغ في
الاعتناء بحفظه وفي الزجر عن تضييعه.
ومن جعل الضمير للمنافقين قال: المعنى: إن العمدة في إجراء أحكام الإسلام
عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم ولزوم جماعتهم وانقيادهم للأحكام
الظاهرة، فإذا تركوا ذلك كانوا هم وسائر الكفار سواء، وأيده بعضهم بأنه وَلا لما
استأذن في قتل المسلمين قال: ((لا إِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ)(١). انتهى.
وأنت خبير بأن ما ذكره الأولى من ذلك لا يعينه الحديث، وما ذكره الثاني من
التأييد لا تأييد فيه كما يظهر بأدنى تأمل (فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) عدل إليه عن فمن
نقضه فقد كفر الأنسب بالسياق إرشادًا إلى ذلك التشبيه البليغ، وإلى أن الصّلاة لما
يثبت لها تلك المشابهة للعهد الذي نقضه تهدر النفس والمال ثبت لها أن تركها يهدر
النفس أيضًا؛ إذ الكفر مستلزم لذلك، فقوله: ((كفر)) لم يرد به حقيقته بل لازمه من
إهدار النفس عنه من قال بالقتل يتركها، وكذا عند غيره؛ لأنه وإن لم يقل بالقتل
يقول: بأنه يعاقب إلى أن يصلي أو يموت، فالإهدار عندها أيضًا لكن بالتدريج إلى
ذلك، لكن الأصح عندنا كأكثر العلماء أن ترك الصّلاة كسلاً غير مكفر كما مرَّ
مع بيان محامل أخر للكفر المحكوم به على تارك الصّلاة (رَوَاهُ أحْمَدُ والِّرْمِذِيّ
والنَّسَائِيّ وابْن مَاجَه) وصححه ابن حبان والحاكم.
(الفصل الثالث)
٥٧٥ - [عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َلِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ إِنِّي عَالَتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِّ أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا
هَذَا فَاقْضٍ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ
يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌َهِ شَيْئًا، وَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ رَجُلاً فَدَعَاهُ وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨)، والبيهقي (١٦٧٦٤)، والدارقطني (١٧٧٨).

٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ
ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فَقَالَ رَجُلُ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللّه هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ فَقَالَ:
بَلْ لِلنَّاسِ كَفَّةً(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِّ ◌َلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي
عَالَتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي: لأظفر منها بجماعها (وَإِنَّ أَصَبْتُ مِنْهَا مَا) موصولة
(دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) أي: أجامعها؛ أي التمتع: الذي هو دون الجماع (فَأَنَا هَذَا) أي: حاضر
بين يديك ومنقاد لحكمك لا امتنع مما تريد فعله في (فَاقْضٍ) بسبب ذلك (فَاقْضٍ فِيَّ مَا
شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ) يحتمل أن لو شرطية وجوابها ما
دل عليه ما قبلها، وأنها تخصيصية؛ أي: هلا سترت على نفسك وهذا أنسب بالسياق
(قَالَ) أي: ابن مسعود راويه: (وَلَمْ يَرُدَّ الشَّبِيُّ ◌َ﴿ِ شَيْئًا) أي: انتظارًا لقضاء الله فيه رجاء
أن يخفف عنه من عقوبته (وَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ) أي: ظنًّا منه لسكوته وَليل أن الله سينزل
فيه شيئًا وأنه لا بد أن يبلغه، فإن كان عفوا شكر وإلا عاد ليستوفي منه هذا هو المناسب
لحاله، وإلا فانطلاقه قبل صريح الإذن فيه ربما يتوهم منه هرب أو نحوه (فَأَتْبَعَهُ النَّبيُّ ◌َّ
رَجُلاً) أي: أمره إتباعه ومناداته (فَدَعَاهُ وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ) وهي: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاة﴾﴾
فهذا وما بعده بدل من الآية (﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ﴾) أي: ما ذكر في هذه الآية من المنة العظيمة والنعمة الجسيمة
(﴿ذِكْرَى﴾) أي: عظة (﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾) لنعم الله تعالى أو للمتعظين.
(فَقَالَ: رَجُلُّ مِنَ الْقَوْمِ) قيل: هو عمر، وقيل: معاذ (يَا نَبِيَّ الله) كان حكمة
إيثاره على رسول الله أنه في مقابلة ما أنبأهم به وَ له وأنبئ به عن الله (هَذَا) أي: أهذا
(لَهُ خَاصَّةً) أم للناس عامة (فَقَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً) وسياق هذا غير سياق الحديث
السابق أول الفصل الأول، فلا يبعد أن الواقعة تكررت لرجلين وأن الآية نزلت
(١) أخرجه مسلم (٧١٨٠)، والترمذي (٣٣٩٨)، والبيهقي في «سننه)) (١٧٥٤٠).

٢٥
كتاب الصّلاة
مرتين وأن سكوته 858* في الثانية بعد أن علم بحكم الأولى لانتظار شيء جديد فيها
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٥٧٦ - [عَنْ أَبِي ذَرِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ فَأَخَذَ
بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، فَقُلْتُ:
لَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَيُصَلِّ الصَّلَاةَ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ، فَتَهَافَتُ
عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَهَافَتُّ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ) أي: إلى بعض البساتين
(وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ) أي: يتتابع سقوطه (فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ) أي: مباحة أو مملوكة
له ﴿ أو لمن يظن رضاه بذلك (قَالَ) أي: أبو ذر (فَجَعَلَ) أي: طفق (ذَلِكَ الْوَرَقُ
يَتَهَافَتُ) أي: يتتابع سقوطه تتابعًا سريعًا لكونه ◌َّ لما أخذهما هزهما كما يقتضيه
السياق؛ إذ مجرد أخذهما لا يستدعي تساقط ورقهما فضلا عن تتابعه.
(قَالَ) أي: أبو ذر (فَقَّالَ) أي: النبي ◌َِّ (يَا أَبَا ذَرٍّ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ) أي: إجابة لك
بعد إجابة أو إقامة على طاعتك بعد إقامة، من لبَّ بالمكان: أقام فيه، فالتشبيه للتکثیر (يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَيُصَلِّ الصَّلَاةَ) حال كونه (يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الله) أي: ذاته
ويصح أن يكون حالا من الصّلاة؛ أي: حال كونها مرادًا بها وجه الله، وذلك بألا يقصد
بها حظًّا لنفسه دنيويًّا ولا أخرويًّا وإنما يقصد امتثال أمر الله ورضاه عنه فحسب؛ لأنه
تعالى يستحق أتم الحمد وأكمل الشكر، وإن انتقم فهو تعالى يستحق ذلك لذاته لا لأمر
آخر، ومن لحظ هذا فهو المخلص حقًّا الممتلئ وفاءً وأمانة ومعرفة وصدقًا.
ثم من لازم هذا غالبًا أنه أحسن وضوءها وأداها في وقتها وأتم ركوعها
وسجودها وخشوعها، فلا ينافي هذا الخبر السابق أول الفصل الثاني، وأما اجتناب
الكبائر المشترط في التكفير فمعلوم من الأحاديث السابقة (فَتَهَافَتُ) أي: فتهافت
(١) أخرجه أحمد (٢٢١٧٧).

٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَهَافَتُ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة رَوَاهُ أُحْمَدُ) وسنده حسن.
٥٧٧ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ
لَا يَسْهُو فِيهَا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنٍ) أي:
ركعتين وكان سبب التعبير بهما عنهما هنا على طبق قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[العلق: ١٩].
أما إن السجود أفضل أركان الصّلاة على قول، وعلى الأصح عندنا أن أفضلها
القيام لقوله ◌َ﴿ في الحديث الصحيح: (أَفْضَلُ الصَّلَاة ◌ُطُولُ الْقُنُوتِ))(٢) أي: القيام
فسبب ذكر السجود أنه الأفضل بعد القيام أو أنه وإن كان مفضولاً لكن التواضع فيه
أكثر أو الدعاء فيه أرجئ للقبول.
وهذا هو سر قوله ◌َّه في الحديث الصحيح أيضًا: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ
رَبِّهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا فَأَكْثِرُوا فِي السُّجُودِ مِنَ الدُّعَاءِ فَقَمِنَّ)) أي: حقيق ((أَنْ يُسْتَجَابَ
لَكُمْ))(٣).
(لَا يَسْهُو فِيهَا) أي: بأن يكون حاضر القلب كامل الشهود لمن يناجيه ممتلئًا لما
أمره به النبي وَله: ((اعْبُدِ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))(٤) وذلك كله إنما يحصل إن أعرض عن
الشيطان وما يلقيه إليه من أمور الدنيا حتى يلهيه عما هو بصدده إلى أن يوقعه في
السهو.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣١٩).
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٦)، والترمذي (٣٨٧) وقال: حسن صحيح، والطيالسي (١٧٧٧)، وأحمد
(١٤٤٠٨)، وابن ماجه (١٤٢١)، وابن خزيمة (١١٥٥)، وابن حبان (١٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٨٣٤٦)،
والبيهقي (٤٤٦١)، والنسائي (٢٥٢٦)، وعبد بن حميد (٣٠٠).
(٣) أخرجه بنحوه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (١١٣٧)، وأحمد (٩٤٤٢)، وابن حبان
(١٩٢٨)، والبيهقي (٢٥١٧).
(٤) أخرجه أحمد (٦٣٠٠)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)) (٢٠٢/٨).

٢٧
كتاب الصّلاة
كما أخبر عنه ﴿ ﴿ بذلك في الحديث الصحيح: ((إِنَّه يَأْتِي للمُصَلِّ يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ
كَذَا، اذْكُرْ كَذَا حَتَّى لَّا يَدْرِي كَمْ صَلَّ»(١).
(غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أي: صغائره ببقية الشروط المستفادة من
الأحاديث السابقة كإحسان الوضوء وكونها في الوقت وإتمام أركانها واجتناب الكبائر، إلا
أن يقول بنظير ما قدمناه أنه يلزم غالبًا من عدم السهو المعبر به عن الحضور المذكور وجود
تلك الشروط، فلذلك لم يحتج إلى التصريح بها هنا (رَوَاهُ أُحْمَدُ) وسنده حسن.
٥٧٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ
أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَقَالَ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَتَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا تَجَةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ
وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأَبِيِّ بْنِ خَلَفٍ (٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِي اللّهُ عَنهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ
ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَقَالَ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا) أي: بأن أداها في أوقاتها على كمال ما أمر
به من الإتيان بواجباتها شروطًا وأركانًا، وبمكملاتها أبعاضًا وآدابًا وهذا مستلزم لما مر
من الإحسان والإتمام المذكورين أوائل الفصل الثاني (كَانَتْ لَهُ نُورًا) أي: زيادة في نور
إيمانه المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم:٨].
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾
[الحديد: ١٣] (وَبُرْهَانًا) يحتمل أن يكون المراد به أنها حجة واضحة على كمال إيمانه
وأعماله، وأنها محاججة عند خصماه كما صح في القرآن أنه يكون خصمًا عن قارئه
العامل به فيشفع له عند ربه ويخاصم عنه حتى يرضي ربه، ثم يسأل له في زيادة النعيم
(١) أخرجه بنحوه مالك (١٥٢)، والبخاري (١١٧٤)، ومسلم (٣٨٩)، وأبو داود (٥١٦)، وعبد الرزاق
(٣٤٦٢)، والنسائي (١٢٥٣)، وابن حبان (١٦٦٣).
(٢) أخرجه أحمد (٦٧٣٣)، والدارمي (٢٧٧٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٦٩٧).

٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
والله يتفضل عليه بذلك إلى أن يقول القرآن: رضيت، فيقول: نعم، فالصّلاة لا يبعد
أن تكون كذلك (وَتَجَاةً) أي: ذات نجاة أو جعلت نفسها مناجاة مبالغة کرجل عدل،
وهذا وإن استلزمه ما قبله إلا إن في التصريح به من التأكيد في التبشير والإعلان
بشرف الصّلاة والمحافظين عليها ما ليس في حذفه.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ومن لازم ذلك الحشر ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد أُشير إلى ذلك أيضًا بذكر مقابله
الذي في قوله: (وَمَنْ لَمْ يُحَافِظُ عَلَيْهَا) كما ذكر (لَمْ يَكُنْ) أي: الصّلاة (لَهُ نُورٌ وَلَا
بُرْهَانُ وَلَا تَّجَةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ) كان وجه تقديمه على فرعون مع أنه
الأصل أنه الذي كان يغوي الناس ويلجئهم بمزيد حيله ومكره وماله لطاعته مع
قطعه لرحم موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - ويحيله على نسبة العظائم إليه
ونعمائه على بني إسرائيل (وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأَبَيِّ بْنِ خَلَفٍ) اللعين المقتول بيده ◌َهل
یوم أُحد.
وشتان ما بين تلك المعية وهذه المعية المحمولة عند القائلين بأن ترك الصّلاة
كسلاً ليس كفرًا على المستحل أو على الزجر والتغليظ، أو على أن هذا جزاؤه إن لم
يعف الله عنه، ويكون المراد بالمعية معية اجتماعهم في مطلق النار وإن اختلفت
المحال؛ إذ أولئك في دركها الأسفل ومن دخلها من المؤمنين يكون في أعلاها، ومع
ذلك يحصل له من الغيبة ما يمنعه الإحساس بعظيم عذابها (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ
وَالْبَيْهِيُّ ◌ِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) وسنده حسن.
٥٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ ﴿ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهَِ﴿ لَا يَرَوْنَ
شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ ﴾ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَيُّهَ لَا يَرَوْنَ) من
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٣١).

٢٩
كتاب الصّلاة
الرأي (شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ) نعت لشيئًا (غَيْرَ) مستثنى من ضمير شيء
المضاف إليه ترك، أو صفة أخرى لشيئًا (الصَّلاةِ) إن أراد الكفر الحقيقي بمجرد
تعمد الترك من غير عذر لزم أن مراده بأصحاب رسول الله وهي جماعة منهم؛ لأن
آخرين منهم قائلون: بأن ذلك ليس بكفر، وإن أراد المعنى المجازي الصادق بأحد
الوجوه المتقدمة كان المراد بالصحابة كلهم فيكونون متفقين على أن الصّلاة أكد من
سائر الأعمال فاختص تركها بنوع من التغليظ لا يشاكه فيه ترك غيرها (رَوَاهُ
التّزمِذِيُّ) وسنده حسن.
٥٨٠ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ه قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي أَلا تُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا وَإِنْ
قُطّعْتَ وَحُرَّقْتَ، وَلَا تَتْرُكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا بَرِثَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا
تَشْرَبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرِّ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) وَلَيهِ وأثره؛ لأن ما ذكره له في هذه
الوصية إنما يصدر ممن تحققت مودته وعمت رحمته لجميعها بين كرائم الأخلاق
وتحذيرها عن جميع مساوئها.
نعم قد يشكل عليه قوله وَله في الحديث الصحيح: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي،
لا تَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً)(٤) ويجاب بأن الخلة قد يكون من جانب واحد، فالخلة المنفية في
حق أبي بكر هي التي من جانبه ولا لأنه لما تحقق نخلة الحق تعالى لم يبق فيه متسع لغيره،
كما دل على ذلك قول القائل: قد تخللت مسلك الروح مني؛ ولهذا سمي الخليل خليلاً
والخلة المثبتة هنا هي التي من جانب أبي الدرداء، فصحّ أن أكثر الصحابة - رضوان الله
عليهم - متحققون بخلته وآله وإن كان هو وي﴾ لم يتحقق بخلة غیر ربه تعالى.
(أَلا تُشْرِكَ) أي: قال لي: أوصيك بألا تشرك (بِالله شَيْئًا) فإن مفسرة لما في أوصى
من معنى القول كما تقرر، و(لا)) نافية (وَإِنْ قُطّعْتَ وَحُرِّقْتَ) لا يقال: قضيته أن
(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٢٣٨٢)، وأحمد (١١١٥٠).

٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
الإكراه بالقتل والتحريق فضلاً عن غيرهما لا يجوز التلفظ بكلمة الكفر، كما قال
به جماعة ويجاب بأنا لا تم دخول هذه الصورة في الحديث؛ لأن أحدًا لا يقول: إن
التلفظ بكلمة الكفر للإكراه تسمى شركًا، بدليل أن القائلين بتحريم التلفظ لا
يقولون: إنه كفر على أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:
١٠٦] صريح في الحل فلا نظر لمن حرمه وأول الآية بما يأباه لفظها ومعناها.
(وَلَا تَتْرُكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) يؤخذ منه صحة
ما ذهب إليه الشافعي # من قتل تارك الصّلاة بشرطه؛ لأن من لازم براءة الذمة
الإهدار (وَلَا تَشْرَبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرِّ) لأنها تزيل عقل شاربها وتحمله على
تعاطي ما لا يليق، مما يؤدي إلى قتل النفس وهتك العرض واستباحة الفرج والأموال،
وهذه مجامع الشرور الفاضحة لذويها يوم النشور، عصمنا الله منها بمنه وكرمه آمين.
وبما تقرر أن ترك الصّلاة يوجب الإهدار وشرب الخمر يفضي إليه ظهرت
حكمة عطفها على الشرك الموجب له إجماعًا، وأيضًا فالصّلاة أم الأعمال ورأسها والخمر
أم الخبائث فقرنهما به؛ لأن ترك الأولى وتعاطي الثانية يفضيان إليه؛ إذ المعاصي تزيد
الكفر فما بالك بهذين، وعطف الأخيرة على الثانية من عطف الضد إشارة إلى
استحالة اجتماعهما؛ إذ الصّلاة الجامعة لكمالاتها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وكان
حكمة تخصيص وإن قطعت وحرقت بالشرك إشارة إلى أنه يحتاط له ما لا يحتاط لما
بعده، لإباحتهما بالإكراه دونه على قول، ولدوام العقاب عليه دونهما وغير ذلك، ففي
ذلك من تأکید النهي عنه ما لا يخفى کما أكده في كل منهما بما ذكره بعد فمن وفاتها
(رَوَاهُ ابْن مَاجَه) وسنده حسن.

(باب المواقيت)
(الفصل الأول)
٥٨١ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ:
وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ
الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ
الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ،
فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴿ قَالَ: وَقْتُ
الظُّهْرِ) سميت به؛ لأنها أول صلاة ظهرت كما يأتي أو لغسلها وقت الظهيرة يدخل
أُوله (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة
الاستواء إلى جهة المغرب في الظاهر لنا، فليس المراد بالزوال هنا نفس الميل المذكور
الذي هو ابتداء انحطاطها عن منتهى ارتفاعها؛ لأنه يوجد قبل ظهوره لنا وليس هو
أول الوقت، ومن ثم لو أحرم فيه لم ينعقد، وإن كان في نفس الأمر بعد الزوال وكذا
سائر الأوقات لا يعتبر فيها ما في نفس الأمر وإنما العبرة بما يظهر للناس، وإنما المراد
به زيادة ظل الاستواء إلى جهة المشرق بعد تناهي نقصه.
وهذا هو المراد بقوله: (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ) أي: لانتهاء نقصه وابتدائه في
الأخذ في الزيادة وهذا هو الغالب، فلذا اقتصر عليه وَي# وإلا فقد يفقد الظل بالكلية
في بعض البلاد كمكة وصنعاء، وحينئذٍ فالعبرة بحدوثه إلى جهة المشرق بعد أن لم
يكن تسمية للدال باسم المدلول، ويختلف قدر ظل الاستواء باختلاف المحال
(١) أخرجه مسلم (٦١٢)، وأحمد (٧٠٧٧)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (٥٢٢)، والبيهقي (١٥٩١)،
وابن أبي شيبة (٣٢٢٩).
- ٣١ -

٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
والفصول ولا يضبطه حق ضبطه إلا عارف بعلم الميقات، ومن ثم اختلف الفقهاء في
تفاصيل من ذلك لاختلافهم في طول البلاد وعرضها، وقد حررت الحق مما لأئمتنا في
ذلك في ((شرح العباب)) مع الإشارة إلى أن أهل علم الميقات اختلفوا أيضًا في بعض
ذلك.
قال بعض أصحابنا: يسن فعل الظهر عقب الزوال ولا ينتظر بها مصير الفيء
مثل الشراك، وحكاية ندب ذلك عن نص الشافعي ليست بشيء والقول بوجوبه اتفق
الفقهاء على خلافه، ولما دلت عليه الأخبار الصحيحة كخبر الصحيحين كان
يصلي الظهر إذا زالت الشمس.
وأما خبر جبريل الآتي فالمراد منه أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذٍ مثل
الشراك، إلا أنه أخر بعد الزوال إلى أن صار الفيء مثل الشراك، فإن قلت الزوال لا
يتبين بأقل من عرض الشراك فكيف لا يسن التأخير إليه، بل القياس الوجوب فيقوى
به القول القائل به، قلت: يسن الكلام فيما انبهم الزوال قبل مصير الفيء مثل عرض
الشراك بل فيما إذا علم وجود الزوال قبل ذلك، فحينئذٍ لا يسن التأخير فضلاً عن
وجوبه ثم يستمر وقت الظهر بلا حرمة حتى يبقى ما يسعها ثم بحرمة.
(مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) أي: يدخل وقتها بمصير ظل الشيء مثله غير ظل
الاستواء السابق، هذا أظهر صريح لمذهبنا أنه لا فاصل بين وقت الظهر والعصر خلافًا
لمن زعم أنهم يشتركان في قدر أربع ركعات (وَوَقْتُ الْعَصْرِ) يدخل بما ذكر ويستمر بلا
كراهة (مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) وبعده بكراهة إلى أن يبقى ما يسعها، ثم بحرمة إلى
غروب الشمس كما دل عليه خبر الصحيحين، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس فقد أدرك العصر؛ أي: مؤداه.
وخبر غيرهما بسندٍ رجاله في مسلم: ((وَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرِب الشَّمْسُ)) وحينئذٍ
فیؤول الحديث بما ذكرته ليوافق الحدیثین المذکورین بعده.

٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
بما يسمع الصّلاة وشروطها ومندوباتها بالنسبة للوسط المعتدل وهو مذهب مالك
وغيره.
وعلى الأول: ينبغي المبادرة لفعلها أول الوقت، بل نقل الترمذي عن العلماء
كراهة تأخيرها عن أوله (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) يدخل بمغيب الشفق الأحمر إجماعًا،
والمراد: الشفق الأحمر وإن بقي الأصغر عندنا وعند أكثر العلماء للخبر الصحيح
الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصّلاة به، ويسن تأخيرها إلى زوال الأصفر
والأبيض خروجًا من الخلاف، ويستمر وقتها الاختياري إلى ثلث الليل على الأصح
عندنا؛ لخبر جبريل الآتي وصحح النووي في ((شرح مسلم)) تبعا لكثيرين بقاؤه إلى
نصف الليل؛ لقوله ◌َله في هذا الحديث (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ).
ثم وقت جواز بلا كراهة إلى الفجر الأول وهو ما يطلع مستطيلاً ويسمى
الكاذب؛ لأنه نجيب ويعقبه ظلمة، ثم بكراهة إلى أن يبقى ما يسعها، ثم بحرمة إلى
الفجر الثاني لخبر مسلم ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلّ الصّلاة
حتى يجيء وقت الصّلاة الأخرى؛ إذ ظاهره امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت
الأخرى من الخمس غير الصبح، لخروج وقتها بطلوع الشمس إجماعًا.
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ) يدخل (مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) أي: الثاني المنتشر ضوؤه
معترضًا بالأفق؛ أي: نواحي السماء ويستمر بلا كراهة إلى الاحمرار ثم بكراهة إلى أن
يبقى ما يسعها ثم بحرمة (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) أي: شيء منها.
وروى الشيخان: «مَنْ أُدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ
الصُّبْحَ)(١).
(فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ) أي: التي لا سبب لحرمتها حينئذٍ
كما يأتي (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيَ شَيْطَانٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(١) أخرجه مالك (٥)، والبخاري (٥٧٩)، ومسلم (١٤٠٤)، والترمذي (١٨٦)، والنسائي (٥٢٢)،
والبيهقي في سننه (١٧٨٩)، وأبو عوانة (٨٢٣)، وابن حبان (١٦٠٨).

٣٣
كتاب الصلاة/ باب المواقيت
وفي رواية لمسلم: ((مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُط قَرْنُهَا الأَوَّلُ))(١).
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبٍ) كان وجه ذكر لفظ صلاة في هذا وما بعده دون ما قبله،
بيان أن الظهر وما بعدها يطلق على الزمن المخصوص وعلى الصّلاة الواقعة فيه، وذكرت
في ثلاثة مواضع وحذفت في ثلاثة بيانًا لتساوي الإطلاقين المذكورين (مَا لَمْ يَغِبٍ
الشَّفَقُ) أي: الأحمر ويدخل وقتها بالغروب إجماعًا.
ولا يعتد بخلاف الشيعة فيه وخبر أنه نَّهُ: ((صَلَّ المغْرِبَ عنْدَ اشْتِبَاك
النُّجُومِ)) (٢) باطل بل صحَّ: ((لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ
التُّجُومُ))(٣) وتأخيره وَ ليّ لها كما في أحاديث صحيحة؛ لبيان الجواز.
والمراد بالغروب: غيبوبة قرص الشمس بكماله وإن بقي شعاعها في الصحراء،
لخبر مسلم كان ◌َِّ: ((صَلَّى الْمَغْرِبَ سَاعَةَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ إِذَا سَقَطَ حَاجِبُهَا))(٤) أي:
غاب طرف قرصها الأعلى، ويشترط في نحو العمران غيبوبة شعاعها من أعالي رؤوس
الجدران أو الجبال، وما أفاده الحديث من امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق
الأحمر هو المعتمد من مذهبنا وإن كان من أقوال الشافعي القديمة؛ لأنه علق القول به
في بعض كتب الجديد على ثبوت الحديث، وقد ثبت ولا يعارضه حديث جبريل الآتي؛
لأنه إنما أراد بيان وقت الاختيار على أن أحاديث مسلم مقدمة عليه؛ لأنها بالمدينة
وهو بمكة؛ ولأنها أكثر رواة وأصح إسنادًا منه، وجمهور أصحابنا على ما فيه وضبطوه
(١) أخرجه مسلم (٦١٢)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٩)، وأحمد (٧٠٧٧)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي
(٥٢٢)، والبيهقي (١٥٩١).
(٢) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠/٣).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٣٦٧)، وأبو داود (٤١٨)، وابن خزيمة (٣٣٩)، والحاكم (٦٨٥)، وابن ماجه
(٦٨٩)، والبيهقي (١٩٤٨)، والضياء (٤٧٣)، والدارمي (١٢١٠)، والبزار (١٣٠٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٤١٧)، وأحمد (١٦٩٨١)، والدارمي (١٢٥٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٨٢٩)،
وعبد بن حميد (٣٨٩). ولفظ مسلم (١٤٧٢): «كَانَ وَ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ
وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ».

٣٥
كتاب الصلاة/ باب المواقيت
٥٨٢ - [وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ
لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ - يَعْنِ: الْتَوْمَيْنِ - فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالاً، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ
الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ
غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ
الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى
الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ،
وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الرَّجُل
عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا
رَأَيْتُمْ (١).
(وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ) أي: الخمس
(فَقَالَ) وَهِ (لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ - يَعْنِي: الْيَوْمَيْنِ) ليعلم منهما وقت الفضيلة
والاختيار وغيرهما بالمشاهدة التي هي أقوى من السماع (فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ) وَّـ
(بِلَالاً) أي: بالأذان فأذن (ثُمَّ) عطف بها؛ لأن فيه قليل مهلة بانتظار اجتماع الناس
وفعلهم السنن القليلة (أَمَرَهُ) أي: بإقامة الصّلاة (فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ) بعد انقضاء وقت
الظهر ودخول وقت العصر بمصير الشيء مثله غير ظل الاستواء، إن كان (أَمَرَهُ)
بالأذان للعصر فأذن، ثم أمره بالإقامة (فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ) أي: والحال أن الشمس
(مُرْتَفِعَةُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) أي: لم يختلط بها صفرة؛ أي: ظاهرة لما مرَّ قبيل كتاب الصّلاة.
(ثُمَّ) بعد الغروب (أَمَرَهُ) بالأذان للمغرب فأذن ثم بالإقامة (فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ
غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ) بعد انقضاء وقت المغرب بغيبوبة الشفق الأحمر (أَمَرَهُ) بالأذان
للعشاء، فأذن ثم بالإقامة (فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ) بعد انقضاء وقت
العشاء بطلوع الفجر الثاني (أَمَرَهُ) بالأذان للفجر فأذن ثم بالإقامة (فَأَقَامَ الْفَجْرَ) أي:
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٤)، وأحمد (٢٣٣٤٣) وابن ماجه (٦٦٧)، والتّرْمِذِي (١٥٢)، والنَّسائي في
(الكبرى)) (١٥٢٧).

٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
صلاته (حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) الثاني، ففي ذكر الفجر مرادًا به هذان نوع استخدام (فَلَمَّا
أَنْ) بفتح الهمزة مزيد للتأكيد (كَانَ) تامة؛ أي: وجد (الْيَوْمُ الثَّانِي) أي: أكثره (أَمَرَهُ)
جواب لما (فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ) أي: بالإبراد بها بأن قال له: أبرد بالظهر (فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ)
أي: زاد على أول أوقات الإبراد وبالغ فيه حتى انكسر الحر بالكلية، ومنه أحسن إلى
فلان فأنعم؛ أي: زاد في الإحسان وبالغ فيه، وفيه ندب الإبراد بالظهر في شدة الحر
وسيأتي الكلام فيه.
(وَصَلَّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةُ أَخَّرَهَا فَوْقَ) الوقت (الَّذِي كَانَ) أي: وجد في
اليوم الأول بأن أوقعها حين صار ظل الشيء مثليه كما بينه الروايات الآخر (وَصَلَّى
الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) الأحمر (وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى
الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا) أي: أوقعها في وقت الإسفار وهو أن يعرف الإنسان جليسه.
(ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الرَّجُلِ) السائل (عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا) أي: أنا
هاهنا؛ إذ المراد في الأول أين السائل ومن هو ليطابق الجواب السؤال (يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ) كان حكمه الجمع مع اتحاد السائل إعلامه كغيره بأن هذا الأمر
لا يختص بأحد بل يعم الأمة كلهم (بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ) أي: أوله ما بينته في اليوم الأول،
وآخره ما بينته في اليوم الثاني لكن بالنظر لبقية الأحاديث السابقة والآتية يكون
فيه نوع إجمال بالنسبة لبيان وقت الفضيلة والاختيار والجواز، ولم يبالِ بذلك
بالنسبة لهذا السائل لاحتمال أنه فهم أنه يسأل عن الأولين فقط، وفيه بيان لهما فيما
عدا المغرب لما يأتي فيها وذلك؛ لأن وقت الفضيلة أول الوقت في كل الصلوات ووقت
الاختيار في الظهر إلى نحو نصف الوقت كما دل عليه هذا الحديث؛ إذ الغالب أن
زيادة الإبراد الموجبة لانكسار الحر لا توجد إلا بعد مضي نصف الوقت.
وبهذا يتضح قول القاضي حسين من أصحابنا: إن وقت الاختيار هنا إلى نصف
الوقت لكن المعتمد عندهم أنه إلى آخر الوقت لما يأتي في حديث جبريل، وعندي في
ذلك نظر لإمكان الجمع بحمل ما في حديث جبريل على بيان وقت الجواز بالنسبة

٣٧
كتاب الصّلاة/ باب المواقيت
للظهر، وإن دل سياقه على أنه إنما بين وقت الاختيار كما في البقية، على أنه مرَّ أن
أحاديث مسلم متأخرة عنه وأصح منه، فكان قياس ذلك تقديم ما أفاده هذا على ما
أفاده هو بتقدير عدم إمكان الجمع بينهما، فكيف وقد أمكن كما تقرر.
فإن قلت: قد يمنع دلالة هذا الحديث للقاضي بأن الذي فيه إنما هو التأخير
للإبراد والسنة فيه ألا تؤخر لأزيد من نصف الوقت كما يأتي.
قلت: يجاب عن ذلك بأنه ◌َله لم يقصد تعليم الرجل حكم التأخير للإبراد
فقط، بل قصده وَل﴿ بيان وقت الاختيار له شتاءً وصيفًا، لكن وقت البيان صادف
الحر فعبر بالإبراد لأجل ذلك ليقاس عليه التأخير لغير الإبراد، فتأمله ووقت الاختيار
في العصر إلى مصير ظل كل شيء مثليه غير ظل الاستواء إن كان وما بعده وقت جواز
بلا كراهة إلى الاصفرار، ثم بكراهة إلى بقاء ما يسعها، ثم حرمه وفي المغرب أول
الوقت فهو فیها متحد مع وقت الفضيلة، کما يدل علیه خبر جبريل الآتي.
ومن ثم نقل الترمذي عن أهل العلم كراهة تأخيرها عن أول الوقت فما في هذا
الحديث من امتداد وقتها إلى غيبوبة الشفق الأحمر بيان لوقت الجواز، وكان حكمة
بيانه فيها دون غيرها خفاؤها فيها أكثر من غيرها، ومن ثم وقع فيه من الخلاف
القوي بين الأمة ما لم يقع في غيره وفي العشاء إلى ثلث الليل، كما دل عليه هذا
الحديث بجعل قوله: ((بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ)) (١) على التقريب؛ أي أن صلاته كانت
قريبة من ثلاثة أخذًا من خبر جبريل الآتي، وفي الصبح إلى الإسفار.
ثم الدليل إلى امتداد وقت العصر إلى الغروب والعشاء إلى الفجر والصبح إلى
طلوع الشمس، خلافًا لمن زعم كالاصطخري من أصحابنا أن ما في هذا الحديث في
هذه الثلاثة لبيان الجواز ما مرَّ من الأخبار الصحيحة المصرحة بامتداد وقت كل صلاة
من الخمس إلى وقت الأخرى إلا الصبح.
(١) تقدم تخريجه.

٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(الفصل الثاني)
٥٨٣ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَمَّنِي
جِبْرِيلُ الَّيْهِ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنٍ، فَصَلَّى بِيّ الظُهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْر
الشّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّ بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ
الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ
وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَا كَانَ الغَد صَلَّ بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّه مِثلَهُ، وَصَلَّى بِيَ
الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهِ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى
ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الصُّبحِ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ
مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: أَمَّنِي جِبْرِيلُ
عِنْدَ الْبَيْتِ) وفي رواية في (الأم)) للشافعي وغيرها: ((عِندَ بَابِ الكَعْبَة))(٢).
الكلي:
وفي أخرى في ((مشكل الآثار)) للطحاوي: ((عِندَ بَابِ الْبَيْتِ)).
وقول النووي: إن لفظ عند باب البيت ليس في هذه الكتب المشهورة لا ينافي
نقلها عمن ذكر، خلافًا لمن زعمه؛ لأن الإشارة بهذه إلى ما في كلامه من كتب السنن
ومستدرك الحاكم (مَرَّتَيْنٍ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ) وجه الابتداء بها مع أن فرض الصّلاة
كان ليلاً، وقياسه أن أول صلاة وجبت الصبح الإشارة إلى النبي و # بأن دينه سيظهر
على جميع الأديان، كما أن الظهر ظاهره على جميع الصلوات.
وأيضًا فأول وقت الصبح فيه خفاء فلو وقع البيان فيه لم يكن فيه من
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٨)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٠)، وأحمد (٣٠٨١)، وأبو داود (٣٩٣)،
والترمذي (١٤٩) وقال: حسن صحيح غريب، وابن خزيمة (٣٢٥)، والطبراني (١٠٧٥٢)،
والحاكم (٦٩٣)، والشافعي (٢٦/١)، وعبد بن حميد (٧٠٣)، وأبو يعلى (٢٧٥٠)، والبيهقي
(١٥٨٣).
(٢) أخرجه الشافعي في ((الأم)) (٨٩/١).

٣٩
كتاب الصّلاة/ باب المواقيت
الانكشاف والظهور ما في وقوعه في وقت الظهر، وبهذا خولف ذلك القياس على
أنهم ممنوع؛ إذ الوجوب متوقف على علم الكيفية، وهو لم يقع إلا في الظهر فهي التي
أول صلاة وجبت (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرِ الشِّرَاكِ) فيه تجوز تبينه رواية، وكان
الفيء قدر الشراك فعبر عنه بها؛ لأنها سببه.
قال النووي نقلاً عن ابن قتيبة وقال: إنه كلام نفيس الظل غير الفيء؛ إذ الظل
يشمل ما في الغداة والعشي وأصله الستر، ومنه فلان في ظلك وظلام الليل سواده؛
لأنه يستر كل شيء وظل الشيء ما سترته الشخوص عن مقابلتها، والفيء يختص بما
بعد الزوال؛ لأنه فاء من جانب إلى جانب؛ أي: رجع والفيء: الرجوع وعلم من أن
الظل الستر أنه ليس بعدم بل هو أمر وجودي له نفع - بإذن الله تعالى - في الأبدان
وغيرها فما ألفه الناس من أنه شيء تنسخه الشمس، وربما وقع في أذهانهم أنه عدم
الشخص غير صحيح، ألا ترى أن في الجنة ظلاكما في القرآن والسنة مع أنه لا شمس
فیھا.
والشراك: أحد سيور النعل التي على وجهها، والمراد بقوله: ((وكان ... إلى آخره))
أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذٍ مثل الشراك كما مر مبسوطًا في الحديث
الأول.
(وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) أي: غير ظل الاستواء الذي
كان موجودًا عند الزوال؛ لأنه لا يمكن دخوله في الحساب (وَصَلَّ بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ
أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره وهو عقب الغروب، وفي رواية: ((حِينَ وَجَبَتِ
الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ))(١) وهو عطف تفسير؛ إذ بوجوبها؛ أي: سقوطها وغيبوبتها
يدخل وقت إفطار الصائم.
(وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) أي: الأحمر لما مرَّ، بل قال جماعة من أهل
اللغة: إن الشفق إذا أطلق لا ينصرف إلا للأحمر (وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ
(١) أخرجه الترمذي (١٤٩).

٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ) وفي رواية: ((حِينَ [َبَرَقَ الْفَجْرُ)(١) وَحَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى
الصَّائِم)»(٢) وهو عطف تفسير أيضًا؛ لأنهما يحرمان عليه بطلوع الفجر الثاني.
(فَلَمَا كَانَ الغَدِ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ) أي: الشيء (مِثْلَهُ) وفي رواية:
((حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ كَوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ))(٣) أي: فرع منها حينئذٍ، كما
شرع في العصر في اليوم الأول حينئذٍ، قاله الشافعي # باشتراكهما في وقت واحد
الذي زعمه جماعة، ويدل له خبر مسلم السابق، وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم
يحضر العصر، على أنه لو فرض عدم إمكان الجمع بينهما وجب تقديم خبر مسلم؛ لأنه
أصح مع كونه متأخرًا.
ودفع بعضهم الاشتراك بحمل ظله مثله في الأزل على إسقاط ظل الاستواء الذي
لا بد من اعتباره، فالوقت غير باقٍ، وفي الثاني على حسبانه فالوقت باقٍ فلم تقع
الصلاتان في وقت واحد مطلقًا، وهذا وإن أمكن لكنه يشبه التحكم فكان الأول
أظهر (وَصَلَّ بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّه) أي: الشيء (مِثْلَيْهِ) أي: غير ظل الاستواء
نظير ما مرَّ (وَصَلَّ بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّ بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى) ينبغي أن
يكون بمعنى: مع؛ أي: مع (قُلُثِ اللَّيْلِ).
ويؤيده الرواية الأخرى: (ثُمَّ صَلَى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ))(٤).
(وَصَلَّى بِيَ الصُّبْحِ فَأَسْفَرَ) أي: دخل بها في وقت الإسفار، وهو ما نميز فيه وجه
الجليس (ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ) مُر في حديث جبريل السابق أوائل كتاب
الإيمان الجواب عن قوله: يا محمد مع حرمة ذلك علينا بنصّ القرآن (هَذَا وَقْتُ
الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ) أي: باعتبار التوزيع بالنسبة لغير العشاء؛ إذ مجموع هذه الخمس
(١) في الأصل المخطوط: ((مرق بالفجر).
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٩).
(٣) انظر التخريج في السابق.
(٤) أخرجه الشافعي في مسنده (٩٦)، والترمذي (١٤٩).