Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَتْحُ الإِلَهُ فِي شرح المشكارة تصنيف السَِّ الإِمَامِ العَلّامَة المُقِّوْ ابْنُحَجَ الهَيْتِيّ المتوفى ٩٧٤ هنه تحقيق وَتَخْرِيحُ وَتعليم الشَّيخْ أحْمَدَ فَرِيِّدِ المَزَيَدِيّ الحُزْء الثَّالِثُ الأحاديث من ٥٦٤-٨٦٧ دار الكتب العلمية® Dar Al-Kolob Al-ilmiyalı DKİ أسسها محمدعليه يصوت سنة 1971 بيروت - لبنان Est. by Mohammed Ali Baydout 1971 Beirut - Lebanon Erablie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban الكتاب : فتح الإله في شرح المشكاة - التصنيف : شرح حديث Classification: Prophetic hadith explanation - المؤلف : العلامة المحقق اين حجر الهيتمي (ت 974 هـ) Author : Ibn Hajar Al-Haytami (D.974H.) المحقق :الشيخ أحمد فريد المزيدي Editor : Al-Sheikh Ahmad Farid Al-Mazidi الناشر :دار الكتب العلمية - بيروت Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut عدد الصفحات (10 محلدات) 5728 (Pages (10 Volumes Size 1.7x 24 cm قياس الصفحات Year- 2015 AD - 1436H سنة الطباعة Printed in : Lebanon بلد الطباعة لبنان Edition : 1ª (2 Colors) الطبعة: الأولى (لونان) baydoun@al-ilmiyah.com sales@al-ilmiyah info@al-ilmiyah.com http://www.al-ilmiyah.com Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut-Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction même partielle,par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciaires. جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Dar Al-Kotob Al-İlmiyah Est. by Mohamad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon Aramoun, al-Quebbah Dar Al-kotob Al-ilmiyah Bldg Tel +961 5 804 810/11/12 Fax +961 5 804813 Po Box 11-9424 Berrut,Lebanon, Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290 عرمون-القية- ميتى دار الكتب العلمية ٥٨٠٤٨١٠/١١/١٢ ٩٦١+ هاتم. ٥٨٥٤٨١٣ ٩٦١+ فاکس بيروت-لبنان ص ت ٩٤٢٤-١١ ١١٠٧٢٢٩٠ وياص الصلح -بيروت ISBN-13: 978-2-7451-7813-8 ISBN-10: 2-7451-7813-X 90000 9 782745 178138 Title : FATH AL-ILAH FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT بسمِ اللهِالرَّحْمِ الرَّحِمِ (كتاب الصلاة ) هو لغة: الدعاء مطلقًا أو الدعاء بخير قولان. وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير المقترن بالنية مختتمة بالتسليم، فهي مشتملة على علم لساني وأركاني وقلبي کالإيمان. وخرج بجمع الأفعال سجدة التلاوة؛ إذ لا تسمى صلاة وذكرها كالأقوال للغالب؛ إذ صلاة الأخرس لا قول فيها، وصلاة المريض الجارية على قلبه لا شيء فيها من الأفعال الظاهرة التي هي المراد. وسبب وضع الصَّلاة لهذا المعنى: ما بينهما من المناسبة واختلف فيها، فقيل: هي من إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الدعاء جزؤها فيكون من علاقة المجاز المرسل. وقيل: هي من باب التشبيه الذي هو علاقة مجاز الاستعارة؛ لأن كل مصلٍّ خاضع ذليل فهو كالداعي، فعلى هذا هو مجاز لغوي أشهر في عرف الشرع فصار حقيقة عرفية. وأشار بعض أهل الإشارات إلى مناسبة أخرى تليق بمعارفهم، وهي أن الصّلاة: قيل: مشتقة من الصلي وهو النار، فهو كما يقوم اعوجاج نحو العود بعرضه عليها، كذلك نار الصّلاة الناشئة عن تجلي الحق سبحانه؛ إذ سبحات وجهه الكريم لو كشف حجابها أحرقت من أدركت من خلقه، يقوم اعوجاج العبد الناشئ عن نفسه الأمارة، وبهذا الصلي المزيل للاعوجاج يكون العرض على النار في الآخرة؛ لتحلة القسم فقط، وهي في كل يوم وليلة خمس مكتوبات معلوم وجوبها من الدين بالضرورة، فمن أنكر شيئًا منها مجمعًا عليه كفر وأهدر دمه فيضرب عنقه إلا أن یسلم. - ٣ - ٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث والأصل فيها: الآيات الكثيرة والأحاديث الشهيرة الآتية وغيرها. وأما قيام وجوب الليل: فنسخ في حقنا وفي حقه وله. وروى مسلم وغيره: ((فَرَضَ اللهُ الصَّلاَة عَلَى لِسَانِ نَبِّكُمْ وَّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وفي الخَوْفِ رْعَةً»(١) أي: مع الإمام، وينفرد بالأخرى. وروى البخاري: ((فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةِ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْخَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى))(٢). وفي رواية له أيضًا: (فُرِضَتِ الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رَ﴿ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا)(٣). وأخذ منه الحنفية وجوب القصر في السفر، ولا دليل فيه للخبر الصحيح أن عائشة راويته قالت للنبي ◌َّه: قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، فقال: ((أَحْسَنْتِ))(٤). وخبر مسلم في القصر: ((صَدَقَّةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ))(٥). (الفصل الأول) ٥٦٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرَ (٣)]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ) خبر عن الكل وإلى متعلقة بمحذوف دل (١) أخرجه مسلم (١٦٠٧)، وأبو داود (١٢٤٩)، والنسائي (٤٦٠)، وأحمد (٢٢١٤)، والطبراني في الكبير (١٠٨٧٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٠٤٥)، وأبو يعلى في مسنده (٨/٣). (٢) أخرجه البخاري بنحوه (١٠٩٠) عن عائشة، وأخرجه بلفظه مسلم (١٦٠٣)، والبيهقي في سننه (٥٥٨٨)، والنسائي (٤٥٨). (٣) أخرجه البخاري (٣٩٣٥). (٤) أخرجه البيهقي في سننه (٥٦٣٥)، والنسائي (١٤٦٧)، والدار قطني (٢٣١٨). (٥) أخرجه مسلم (١٦٠٥)، وأحمد (١٧٦)، والترمذي (٣٣٠٨)، وأبو داود (١٢٠١)، والنسائي (١٤٤٤)، وابن ماجه (١١١٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٩٠٠). (٦) أخرجه مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وأحمد (٩١٨٦)، والبيهقي (٢٠٥٤٨). ٥ كتاب الصّلاة عليه السياق؛ أي: صلاة الجمعة ينتهي تكفيرها إلى الجمعة الأخرى، وصوم رمضان ينتهي تكفيره إلى صوم رمضان الآخر (لِمَا) معمول لمكفر (بَيْنَهُنَّ) أي: بين كل صلاتين من الخمس للحديث بعده المصرح بذلك، وبين الجمعتين والرمضانين (إِذَا اجْتُنِبَت الگبائِر) شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله علیه. وظاهره كقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيُّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] أنه عند ارتكاب كبيرة لا تكفر نحو الصّلاة عنه كبيرة ولا صغيرة. وأما قول النووي في معنى هذا الحديث وأمثاله تأويلان: أحدهما: تكفير الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر، وإلا لم يكفر الصغائر فضلاً عن الكبائر. والثاني: وهو الأصح المختار تكفير الصغائر، وتقديره تغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر. انتهى. وما قال أنه الأصح المختار فيه نظر ظاهر، وظاهر الحديث صريح في التأويل الأول، فينبغي أن يكون هو الأصح المختار، والظاهر أن المراد بقوله: ((إذا اجتنبت الكبائر)) اجتنابها مدة تلك بالبينة المذكورة لا مطلقًا، لكن ظاهر خبر مسلم الآتي ما لم يؤت كبيرة اشتراط ألا يأتِ كبيرة من حين فعل المكفر إلى موته، واستفيد من إسناد التكفير إلى الصّلاة مثلاً وجعل الاجتناب شرطًا له أن اجتناب الكبائر ليس هو المكفر بنفسه، وإنما المكفر غيره بشرط وجوده، ولا ينافي ذلك الآية المذكورة، بل هي موافقة له؛ إذ الاجتناب جعل شرطًا فيها أيضًا، ولكن لم يذكر فيها إسناد التكفير إلى سبب، وقد بينت السنة ذلك السبب على أنه يلزم من الاجتناب الإتيان بنحو الصّلاة والصوم، ففي الآية إشارة إجمالية إلى ذكر بعض الأسباب، وإنما عبرت بالبعض؛ لأن من المكفرات ما لا إثم في تركه كصوم عرفة وعاشوراء أو تاسوعاء ونحوها. ثم ما أفاده الحديث من أن الكبيرة لا تكفرها الصلوات والصوم وكذا الحج، وإنما مڪفرها التوبة الصحيحة لا غيرها، نقل عليه إجماع أهل السنة كما يأتي، وبالغ غير ٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث واحد من الأئمة المتقدمين في التشنيع على من خالف في ذلك، منهم الحافظ أبو عمرو بن عبد البرفإنه حكى في ((تمهيده)) عن بعض معاصريه: إن الكبائر تكفرها غير التوبة. ثم قال: وهذا جهل وموافقة للمرجئة في قولهم؛ أي: أنه لا يضر مع الإيمان ذنب وهو مذهب باطل بإجماع الأمة. قال: ولو كان كما زعموا لم يكن للأمر بالتوبة معنى، وقد أجمع المسلمون أنها فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بالقصد. انتهى. وأما قول مجلي من متأخري أصحابنا قول إمام الحرمين: إن المكفر هو الصغائر؛ أي: في تكفير صوم يوم عرفة لسنتين كما نطق به الحديث، فهو تحكم يحتاج لدليل، والحديث عام وفضل الله واسع، فهو وإن سبقه ابن المنذر إلى ما يقرب منه من غلطاته فقد قال الأئمة في ترجمته: إنه كثير الغلط، وقد أطلق الأئمة أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة. وقد قال القاضي عياض: ما في الأحاديث من تكفير الصغائر فقط هو مذهب أهل السنة فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله تعالى؛ أي: فهي لا تكفر بعمل. وقد احتج النووي لهذا بخبر مسلم: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»(١). فإن قلت: إذا كفَّر الوضوء كما ورد، فماذا يكفر الصّلاة؟ وإذا كفرت فماذا يكفر الجمعتان ورمضان وصوم عرفة سنتين وعاشوراء سنة وتاسوعاء سنة؟ وإذا (وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ [الْمَلَائِكَةِ](٤) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))(٣). (١) أخرجه مسلم (٢٢٨)، وابن حبان (١٠٤٤). (٢) في الأصل: ((الإمام)) والمثبت هو الأصح بلفظ الحديث الشريف. (٣) أخرجه مالك (١٩٤)، والبخاري (٧٤٧)، ومسلم (٤١٠)، وأحمد (٧١٨٧)، وأبو داود (٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٩٢٨)، وابن ماجه (٨٥٢)، وابن خزيمة = ٧ كتاب الصّلاة وفي رواية: ((وَمَا تَأَخَّرَ))(١). قلنا: أجاب العلماء عن ذلك بأن كل واحد من هذه ونحوها صالح للتكفير، فإن وجد صغيرة أو صغائر كفرها وإلا کتب له به حسنات ورفعت له به درجات، قال النووي بعد ذكره ذلك: وإن صادف كبيرة أو كبائر رجونا أن يخفف من كبائره أي من عذابها. انتهى. وليس في هذا تكفير؛ لأن معناه رفع أثر الذنب بالكلية لا تخفيف عذابه، فليس في كلامه ما يؤيد ما مر عن مجلي. ٥٦٥ - [وَعنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًّا بِبَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، هَل يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئاً؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنِ الْخَطَايَا (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعِنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا) في قوة لو وجد نهر؛ إذ (لو)) الامتناعية إنما تدخل على فعل وكونه ماضيًا أكثر، وهو حينئذٍ شرط يقتضي جوابًا هو هنا ما دل عليه الاستفهام وجوابه، والتقدير ما بقي من درنه شيء، وعدل عنه إلى الاستفهام؛ ليفيد التأكيد والتقرير؛ إذ هو في الحقيقة متعلق الاستخبار؛ أي: أخبروني هل يبقى من درنه شيء؟ لو وجد الاغتسال المذكور (بِبَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، هَل يُبْقِي مِنْ) مؤكدة لاستغراق إفراد شيء (دَرَنِهِ) أي: وسخه (شَيْئاً؟ قَالُوا: لَا يُبْفِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا) لم يقتصروا على ((لا)) مع أنه كافٍ في الجواب مبالغة في نفي الدرن حينئذٍ (قَالَ: فَذَلِكَ) أي: إذا عرفتم بذلك وتحققتموه فهو (مِثْلُ) أي: صفة أو شبه (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) وبين وجه المشابهة بقوله: (يَمْحُو اللهُ بِهِن الْخَطَايَا) أي: الصغائر (١٥٨٣)، والبيهقي (٢٢٦١). (١) ذكره بهذا اللفظ المتقي الهندي في كنز العمال (٧٤١/٧) وعزاه لابن جرير عن أبي هريرة. (٢) أخرجه البخاري (٥٠٥)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذي (٢٨٦٨)، وأحمد (٨٩١١)، والنسائي (٤٦٢)، والدارمي (١١٨٣)، وابن حبان (١٧٢٦)، وأبو عوانة (٩٩٠)، والبيهقي (١٥٧٤). ٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث لما مرَّ قريبًا أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة. ووجه تشبيه الذنوب بالوسخ أنها توسخ الظاهر والباطن وتقذرهما حسًّا ومعنى، والصّلاة بالنهر أنها تزيل الأوساخ الحسية، وهذا مقتبس من الآية الآتية (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٦٦ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَ التَّهَارِ وَزُلَفًّا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فَقَالَ رَجُلُّ: يَا رَسُولَ الله أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لِجَمِيعِ أَمَّتِي كُلَّهِمْ، وَفِي رِوَايَة: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أَمَّتِي(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً) اسمه أبو السرة. روى عنه الترمذي أنه قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويتها وقبلتها (فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ) أي: فسكت ﴾ وصلى الرجل، دل عليه الخبر الآتي فأنزل (اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة ◌َطَرَفَي النَّهَارِ﴾) أي: صلاة الفجر والظهر؛ إذ هما في طرف اليوم الأول، والعصر والمغرب؛ إذ هما في طرفه الثاني، وجعل المغرب فيه تغليب أو من مجاز المجاورة (﴿وَزُلَفًّا﴾) أي: ساعات (﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾) وهو صلاة العشاء (﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾) أي: الصلوات بدليل السياق أو أعم، وهو الأولى ((يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾) أي: الصغائر؛ لأن الآية مسوقة لتكفير القبلة بالصّلاة وهي صغيرة، وللإجماع السابق. (فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله أَلِي هَذَا؟) أي: أمختص بي هذا الحكم كما أفاده حرف الاستفهام الداخل على الخبر على خلاف الأصل أم لجميع أمتك؟ (قَالَ: لِجَمِيع أُمَّتِي كُلِّهِمْ) أي: هذا الحكم عام فيهم وأنت منهم ولا يقدر المبتدأ مؤخرًا هنا؛ لأنه يوهم الاختصاص بهم، والشيء لا يقال فيه في نحو هذا السياق خاص بالأمة، بل عام فيهم وأكد بهذين مبالغة في إفادة عموم هذا لكل الأمة. (١) أخرجه البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٧١٧٧)، وأحمد (٣٧٢٥)، والترمذي (٣٤٠٢)، وابن ماجه (٤٣٩٥)، والبيهقي في «سننه» (١٧٥٣٩). ٩ كتاب الصّلاة (وَفِي رِوَاية) للشيخين عن ابن مسعود أيضًا كما أفاده تأخير المصنف قوله: متفق عليه إلى ما بعدها (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا) أي: بالآية بأن أتى بحسنة بعد فعله سيئة (مِنْ أُمَّتِي) وهذا القيد هو المراد من الرواية الأولى؛ لأن إسنادها الإذهاب للحسنات يقتضي وجودها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٦٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ لهِ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َ الصَّلَاةَ قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللّهَ قَدْ غَفَرَ ذَنْبَكَ، أَوْ حَدَّكَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَصَبْتُ حَدًّا) أي: موجبة (فَأَقِمْهُ عَلَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ الله ◌ِِّ، فَلَمَّا قَضَى الشَّبِيُّ ◌َ﴿َ الصَّلَاةَ قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّ أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْ فِيَ كِتَابَ الله) أي: اعمل بما دل عليه في شأني من حد أو غيره، وفي تعبيره بين الأسلوبين غاية الذكاء والبلاغة منه، فإنه لما علم منه ◌َّيّة السكوت عنه حين قال له: أقمه؛ أي: الحد على ظن أن واجبه غير الحد فعبر هنا بما يشمل الحد وغيره، ثم رأيت الشارح ذكر فرقًا بين الإتيان «بعلى)» في الأول. ((وفي)) في الثاني وإن كان حسنًا في حد ذاته إلا أنه بعيد عما ذكرته من الحكمة في التغيير، وحاصل فرقه أن ضمير أَقمه للحد فحسن فيه معنى الاستعلاء، وكتاب الله يريد به الحكم فهو يوجب في بمعنى الاستقرار فيه، وكونه طرفًا مستقرًّا فيه أحكام الله وهذا أبلغ لدلالته على غاية انقياده وإذعانه له، والعدول من الحكم إلى كتاب الله لمزيد الإشعار بالعلية؛ يعني: کتاب الله یوجب أن يذعن له وینقاد. انتهى. وأنت من التأمل الصادق (قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ (١) أخرجه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٧١٨٢)، وأبو داود (٤٣٨٣)، وأحمد (٢٢٩٤٦)، والدارمي (٢٣٨٠)، والبيهقي في ((سننه)) (١٨٠٧٦)، والطبراني في «الكبير)) (١٧٦٢٨). ١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث قَدْ غَفَرَ ذَنْبَكَ، أَوْ) شك من الراوي (حَدَّكَ) ظاهره مشكل فإن موجب الحد لا يكون إلا كبيرة، وقد صرح له بغفرانه بواسطة صلاته معه كما دل عليه تفريع فإن إلخ على ما قبله. ولما غفل البيضاوي عن حكاية الإجماع السابقة أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، وعن تشنيع الأئمة على من زعم أن الكبيرة قد تغفر بغير التوبة، وعن إطلاق مجلي كابن المنذر أن الكبائر تكفرها بعض الأعمال كما مر فيهما بما فيه، قال مفصلاً بما لم يسبق إليه فيما علمت: صغائر الذنوب تقع مكفرات لما يتبعها من الحسنات، وكذا ما خفي من الكبائر لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِيْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقوله وَلِّ: ((أَتْبِعِ الْحَسَنَةَ السَّيِّئَة))(١) وأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم فلا يسقط حدها إلا بالتوبة، وفي سقوطه بها خلاف وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي؛ لأنه مانعها فلذلك سقط حدها بالصّلاة، لا سيما وقد انضم إليه ما يشعر بإنابته عنها وندامته علیها. انتهى. وفيه نظر من وجوه: الأول: استدلاله بالعموم مع إخراجه منه ما ظهر وثبت عند الحاكم. الثاني: إن قوله: فلا يسقط حدها، وقوله: فلذلك سقط حدها صريحًا في أن كلامه ليس في التكفير، وصدر كلامه صريح في أنه في التكفير، وشتان ما بين المقامين، فإنه بحث سقوط الحد بالتوبة غير بحث سقوط السيئة الحسنة، فقد قال الأئمة: لا يسقط حد بالتوبة إلا حد قاطع الطريق للآية، وكذا حذرنا الذمي إذا أسلم، وأما سقوط السيئة بالحسنة الذي الكلام فيه فلا يسقط بها إلا الصغيرة دون الكبيرة؛ للإجماع المخصص لعموم الحسنات والحسنة المذكورين في الآية والحديث. الثالث: إن قوله: فلا يسقط حدها إلا بالتوبة غلط ظاهر لما تقرر أن التوبة لا (١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٩)، والطبراني في الكبير (١٦٧١٩)، والبيهقي في الشعب (٧٧٩٣). ١١ كتاب الصّلاة تُسقط حدًّا مطلقًا ظهر موجبه أو خفي إلا ما ذكرناه، فإن قلت: فما مجمل الحديث حينئذٍ قلنا: الحديث يحتمل أن يكون الرجل المذكور فيه هو الرجل المذكور في بقية الروايات، فيكون أراد بالحد العقوبة الشاملة للتعزير، ويحتمل أن يكون غيره وأن المراد بالحد حقيقة وأن سبب مغفرة إثم موجبه ما ظهر عليه من لوائح التوبة ومخائل الإنابة، وحكمة كونه وَ ل﴾ لم يسأله عنه أنه علم له نوع عذر فلم يسأله عنه حتى لا يقيمه عليه؛ إذ لو أعلمه به لوجب عليه إقامته عليه، وإن تاب لما مر أن التوبة لا تسقط الحدود إلا ما استثني، وعلى كلَّ فليس في الحديث تصريح بأن الصّلاة كفرت كبيرة، بل لو فرض ذلك وجب تأويله للإجماع السابق (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى؟ قَالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِن وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سألت النبي ◌َ ﴾ أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قَالَ: الصَّلَاة لوقتها) الظاهر أن ((اللام)) فيه بمعنى في، وقول الشارع: إنها مثلها في قوله تعالى: ﴿فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] أي: مستقبلات لعدتهن، وقولك: لقيته لثلاث بقين من الشهر تريد مستقبلاً لثلاث، وليست كما في قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. و﴿قَدَّمْتُ لِيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] بمعنى الوقت؛ لئلا يتكرر الوقت. انتهى. فيه نظر ظاهر؛ لأن اللام في الأولين إنما قدرت بذلك؛ لأن الطلاق واللقى قبل العدة والثلاث فوجب تقدير مستقبلاً، وهذا المعنى مفسد هنا كما لا يخفى، فتعين أن يكون بمعنى في كما قررته فتأمله، وفي هذا دليل على ما قاله أئمتنا غيرهم: إن الصّلاة أفضل عبادات البدن بعد الشهادتين، ويوافقه الخبر الصحيح أيضًا: ((الصَّلَاة خَيْرُ (١) أخرجه البخاري (٥٠٤)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (٣٩٩٨)، والنسائي (٦١٠)، وابن حبان (١٤٧٧)، وأبو يعلى (٥٢٨٦)، والطبراني (٩٨٠٥)، والبيهقي (٢٩٨٤)، والحميدي (١٠٩). ١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث مَوْضُوعٍ ... )(١) أي: خير عمل وضعه الله لعباده ليتقربوا إليه به. والخبر الصحيح أيضًا: (أوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ سُبحَانُهُ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعْ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ))(٥). (قَالَ: ثم) هي لتراخي الرتبة؛ أي: ((ثم)) بعد الصّلاة (أي) من الأعمال أفضل. (قَالَ: بر الوالدين) والظاهر أن المراد به: إسداء الخير إليهما مما يلزمه ويندب له مع إرضائهما يفعل ما يريدانه ما لم يكن إثما، وليس ضده العقوق بل قد يكون بينهما واسطة كما يفيده حد العقوق، بأن يفعل معهما ما يؤذيهما به إيذاء ليس بالهين. (قلت: ثم) بعد ذلك (أي) من الأعمال أفضل (قَالَ: الجهاد في سبيل الله، قَالَ: حدثني بهن) أي: من غير زيادة عليهن بدليل قوله: (ولو استزدته لزادني. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ولا يشكل على هذا الخبر خبر أبي ذر قال: يا رسول الله، أي العمل خير؟ قال: ((إِيمَانُّ بِالله وَجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ))(٣). وخبر أبي سعيد: سُئل رسول الله وَلّ: أي الناس أفضل؟ قال: ((رَجُلُّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله))(٤) ونحو ذلك من الأحاديث؛ لأنه وسي أجاب كلَّ بما يوافق رغبته، فإن النفوس تختلف رغباتها في أنواع العبادات، أو بما هو الأليق به والأصلح له بحسب ما ظهر له * من حاله، ولو أطلق إنسان أن خير الأشياء كذا. وقال: أردت في حال دون حال أو في حق من صفته كذا دون من صفته كذا لما (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٢)، وفي الأوسط (٢٤٨). (٢) أخرجه الترمذي (٤١٣) وقال: حسن غريب، والنسائي (٤٦٥)، وابن ماجه (١٤٢٥). (٣) أخرجه البخاري (٢٥١٨)، وأحمد (٢٢١١٨)، وابن حبان (٤٥٦)، والبيهقي في سننه (١٢٩٧١). (٤) أخرجه مسلم (٤٩٩٤)، وأبو داود (٢٤٨٧)، والترمذي (١٧٦١)، وأحمد (٢٢٥٧٦)، والطبراني في الشاميين (١٧٦٦). ١٣ كتاب الصّلاة كان عليه ملام لا شرعًا ولا عرفًا، وقد اتفقوا على ما دلت عليه النصوص أن الصّلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك قد تكون الصدقة أفضل لعروض ما يرجح مصلحتها على الصّلاة كاضطرار المتصدق عليه وخوف فتنة تفضي إلى نحو قتل لولا ما يبذله لإصلاح ذات البين، وهكذا تقول في تفضيل الجهاد على غيره: ليس المراد تفضيله من سائر الحيثيات بل من حيثيته أنه السبب الداعي للإيمان والمظهر لكلمة الله العليا، لا سيما في زمنه *؛ لأنه حينئذٍ من أجلِّ القربات لاشتماله على إظهار الدين ونصرة رسول الله ◌َال﴾. ٥٦٩ - [وعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: بَيْنَ) خبر مقدم لإفادة التخصيص والقصر الإضافي؛ إذ تقديم المعمول يفيد ذلك غالبًا على ما حقق في غير هذا المحل (الْعَبْدِ) أي: المسلم (وَبَيْنَ الْكُفْرِ) أي: اتصافه به (تَرْكُ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ مُسْلِمُ) فالصّلاة هي الحد الفاصل بين وصفي الإسلام والكفر، فمن اتصف بصفة الإسلام وصلى فقد أوجب الحاجز بينه وبين اتصافه بالكفر؛ إذ لا واسطة بين الوصفين عند أهل السنة هذا ما يظهر في تقرير هذا الحديث، ويؤيده ما يأتي قريبًا أن ترك الصّلاة كفر؛ أي: موقع في الكفر ووقع لبعضهم في تقريره أشياء بعيدة جدًّا وإن أقرها الشارح فلا يغتر بها ولا بقوله: إن ظاهر الحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] وهو يوجب خلاف المقصود. انتهى. وذلك؛ لأنه فهم هو ومن نقل عنهم أن الحاجز هو ترك الصّلاة فاحتاجوا إلى تأويله بما يستغرب ويستبعد، ولو فهموا ما قدمته أن الحاجز إنما هو الصّلاة وإن تركها بمنزلة هدم الحاجز الذي بينك وبين عدوك، فيتمكن منك بمجرد هدمه لما أولوا وتحملوا؛ إذ يصح أن يقول: بيني وبين لقاء عدوي هدم ذلك الحاجز فكذا يصح أن (١) أخرجه مسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦١٩) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٠٧٨)، والبيهقي (٦٢٨٧) وفي («شعب الإيمان)) (٣٧٩٣). ١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث يقال: بين الإسلام والاتصاف بالكفر هدم الحاجز المانع له منه وهو الصّلاة وهدمها ترکها. ثم هذا الحديث اختلف العلماء فيه وفي أحاديث أخر بمعناه أو قريب منه فقال جماعات كثيرون من الصحابة ومن بعدهم: بظاهره من أن ترك صلاة من إحدى الخمس كسلاً كفر حقيقي، فيترتب عليه أحكام الردة. وقال الأكثرون: ليس بكفر وأولوه بحمله على المستحل لتركها أو على أن تركها يؤدي إلى الكفر؛ لأن العاصي يريد الكفر أو على الزجر والتغليظ. ومن ثَمَّ قال الشافعي كبعض أئمة السلف: من تركها كسلاً قُتل مع الحكم بإسلامه. وقال الزهري وجماعة: يحبس ويضرب حتى يصلي. وقال بعض أصحابنا: ينخس بحديدة حتى يصلي أو يموت أو على كفر النعمة؛ إذ حقيقة العبودية أن يخضع العبد لمعبوده وبشكر نعماه الظاهرة والباطنة، وحقيقة المتصف بالكفر أن يستنكف عن ذلك، ولا شك أن أداء الصّلاة هو رأس الشكر وقوامه؛ فكأنه قيل: الفرق بين المؤمن والكافر ترك أداء شكر المنعم الحقيقي فمن أقامها فهو المؤمن الكامل ومن تركها فهو الكافر لنعم مولاه المقصر في شكرها. (الفصل الثاني) ٥٧٠ - [َعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ◌َ﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهَنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى الله عَهْدُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله عَهْدُ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ، وَرَوَى مَالِك وَالنَّسَائِيّ وَتَحْوِهِ]. (١) أخرجه: أبو داود (٤٢٥)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وأحمد (٢٣٣٧٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٢٩١)، وأخرجه بنحوه: مالك (٢٦٨)، وعبد الرزاق (٤٥٧٥)، وابن أبي شيبة (٦٨٥٢)، وأحمد (٢٢٧٤٥)، والدارمي (١٥٧٧)، وأبو داود (١٤٢٠)، والنسائي (٤٦١)، وابن ماجه (١٤٠١)، وابن حبان (٢٤١٧)، والبيهقي (٢٠٥٨)، والضياء (٤٤٩). ١٥ كتاب الصّلاة (عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى) أي: على جميع هذه الأمة (مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ) يحتمل أن المراد بإحسانه: الإتيان بأركانه وشروطه، فيكون المراد بإحسانه: تصحيحه، ويحتمل أن المراد ذلك مع الإتيان بأدائه ومكملاته، فيكون إحسانه تكميله (وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ) أي: وفيه نظير ما سيق قريبًا، ووقع للشارح هنا نظير ما وقع له ثم من تأويل ((اللام)، لكنه. ثم جعل معناها مستقبلاً لوقتها ونظيره بما يؤكد إيهامه لتقدمها على أول الوقت الذي لا نقول به لغير عذر السفر والمطر من يعتد به، وهنا فسرها بزيادة لفظه اضمحل بها معنى اللام بالكلية، فقال: ((لوقتهن)) أي: قبل أوقاتهن وأولها، ثم قضية قوله: ((وأولها)) تقييد الحديث بما إذا أدَّاهن أول الوقت ولا دليل على ذلك، بل الصواب ما أفادته في التي ((اللام)) بمعناها من أن الشرط الأداء في الوقت، وإن لم يكن أوله (وَأَتَمَّ رُكُوعَهَنَّ) الظاهر أن المراد بالركوع المعروف، وما قيل: إنه يحتمل أن يراد به وضعه اللغوي وهو الخضوع فيكون عطف الخشوع عليه للتكرير والتقرير فبعيد، على أنه إذا جمع بين الخشوع والخضوع يكونان متغايرين: فالأول: لسكون الجوارح. والثاني: لسكون القلب فلا تكرير ولا تقرير حينئذٍ وأن تخصيصه بالذكر أو تغليبه على سائر الأركان إنما كونه من خصوصياتنا؛ إذ صلاة من قبلنا لا ركوع فيها على خلاف في ذلك، وأما إن أكثر الجهلة يتساهلون فيه، وأما كونه كالمقدمة والوسيلة لغيره وحينئذٍ ففي ذكره تنبيه على إتمام ما سواه من بقية أركان الصّلاة ومكملاتها بطريق المساواة أو الأولى؛ لأنه مقدمة للسجود ووسيلة إليه، وإذا طلب إتمام ما هو كالمقدمة أو الوسيلة فما هو مستقل بنفسه أولى بأن يطلب إتمامه، وهو الإتيان بواجباته وكذا مکملاته على احتمال فیه نظير ما قدمته في الأخبار. (وَ) أتم (خُشُوعَهُنَّ) وهو سكون الجوارح عن العبث والقلب عن أن يشتغل بغير ما هو فيه من صلاته، بأن يكون متأملاً لمعاني قراءته وأذكاره، وللسبب الذي ١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث شرع نحو السجود لأجله من غاية التذلل والخشوع والانكسار بجعل أشرف ما فيه على مواطئ الأقدام والنعال. (كَانَ لَهُ عَلَى الله عَهْدُ) أي: وعد بطريق تفضله تعالى على عباده بذلك؛ إذ الحق الذي عليه أهل الحق والسنة والجماعة أن الله تعالى لا يجب عليه لخلقه شيء، بل له تعذيب المطيع والأطفال والمجانين وإيلامهم وإثابة الفاسق، وعبر بالعهد عن الوعد إشارة إلى تشبيه وعد الله بإثابة المؤمن على عمله بالعهد المأخوذ على الغير المؤكد بالإيمان حتى يوثق به فلا يخالف، ويصح أن يكون من باب الاستعارة التبعية فيكون العهد مستعارًا للوعد استعارة تبعية، ولذا عدي بما تعدى به الوعد وهو الباء المقدرة قبل أن المحذوفة في نحو ذلك كثيرًا شائعًا، وفائدة هذه الاستعارة الإشارة إلى المبالغة في إنجاز الوعد وإبقائه بجعل خلف الوعد كنقض العهد، فإنه لا يجوز ولا سيما عند الكرام (أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) أي: صغائره إذا اجتنبت الكبائر كما مر التصريح به في الخبر السابق. ومما يصرح بذلك خبر مسلم السابق: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ))(١). (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ) أي: ما ذكر من الإحسان والإتمام المذكورين فحذف المعمول ليعم جميع ما مرمع الإيجاز، وذلك بأن ترك شيئًا من واجباتهن أو آدابهن على ما مر أو من خشوعهن على ما خلى عنه من أصله كلهن أو بعضهن، هذا ما يقتضيه ظاهر الحديث، وعليه فلا تجد صلاة مكفرة إلا نادرًا؛ لأنه بغير أن توجد صلاة مستوفية لجميع الآداب والخشوع مع اجتناب سائر الكبائر إلى الممات على ما اقتضاه ظاهر حديث مسلم المذكور، أو في الزمن المكفر على ما قدمته قريبًا (فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله (١) تقدم تخريجه. ١٧ كتاب الصّلاة عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ). كان حكمة تقديمه تقديم مقام الرجاء المناسب لسبق الرحمة المشار إليه بقوله تعالى في الحديث القدسي: (سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبي)(١) أي: باعتبارات أثارها أكثر وأظهر من أثاره ولتغليب ذلك المقام أيضًا قرن المشبه بمقام الوعيد دون مقام الوعد إيذانًا بالمسامحة والمساهلة في الوعيد. (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) فإن قلت: قد قررت أن الذي له عهد حكمة كذلك فكيف يلتئم ذاك مع هذا، قلت: الفرق بينهما أن: الأول: يجوز فيه ذلك عقلاً لكنه لا يقع لقوله تعالى عن نفسه أنه: ﴿لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] أي: لأن خلف الوعد لا يليق بالكريم. وأما الثاني: فيجوز ويقع له ما يشاؤه تعالى من تعذيب أو غفران، فالقسمان وإن استويا في الجواز لكنهما مختلفان في الوقوع، وتأمل ترتب المشيئة على نفي العهد أو الوعد تجد ذلك صريحًا فيما ذكرته من أن: الأول: يستحيل شرعًا وقوع العذاب له بمقتضى سبق الوعيد له بالمغفرة. والثاني: لا يستحيل وقوعه له؛ لأنه لم يسبق له وعد بذلك (رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاوُد وَرَوَى مَالِك وَالنَّسَائِي) وابن ماجه (وَنَحْوِهِ) وسنده حسن. ٥٧١ - [وَعَنْ أَبِ أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: صَلُّوا خَمْسَكُمْ) حكمة إضافة (١) أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٧١٤٦)، وأحمد (٧٥٠١)، والطبراني في الكبير (٥٨١)، والبيهقي في الشعب (١٠٤٩)، والحميدي (١١٧٨)، وابن حبان (٦٢٥٠). (٢) أخرجه الترمذي (٦١٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٢٢١٥)، والدارقطني (٢٩٤/٢)، وابن حبان (٤٥٦٣)، والحاكم (١٧٤١) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٣٤٨). ١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث هذا وما بعده إليهم، إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفياتها المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها على سائر الأمم وحثهم على المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به، وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم، وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية المشعر بمزيد تربيتهم وتربيته نعیمهم بما فاقوا به سائر الأمم. (وَصُومُوا شَهْرَكُمْ) أي: رمضان وأبهمه؛ للدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الإبهام والشك. (وَأَدُوا زَكَاءَ أَمْوَالِكُمْ) أسندت للمال مع أنه لو قيل: زكاتكم لكان أنسب بما قبله ولشمل زكاة الفطر أيضًا؛ للإشارة إلى أن زكاة الأموال أشق على النفس؛ لأنها جبلت على محبتها محبة مفرطة ربما أفضت بكثيرين إلى إيثار بقائها على بقاء النفس. قال تعالى: ﴿وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ويؤتون المال على حبه يحتمل أن حكمة عدم إيلائها للصلاة هنا دون سائر الآيات الذاكرة لهما الإشارة، إلى أن فرض الصوم سابق لفرض الزكاة المالية وهو كذلك كما حررته في (شرح العباب)) وإن كان جميعًا في السنة الثانية من الهجرة، وخرج بالمالية زكاة الفطر فإن فرضها كان مع فرض الصوم. (وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ) أي: كل من يولي أمرًا من أموركم سواء السلطان ولو جائرًا ومتغلبًا وغيره من أمرائه وسائر نوابه، ولشمول هذا لهم عدل إليه عن أميركم؛ إذ هو خاص عرفًا ببعض من ذكر وأيضًا فهو أوفق بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. (تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ) أي: من غير سابقة عذاب لوجود شروط التكفير السابقة؛ إذ من فعل ما ذكر بغير ألّا توجد فيه تلك الشروط التي هي إحسان وإتمام ما مرَّ مع اجتناب الكبائر، وظاهر الحديث أن دخول الجنة مقابل لتلك الأعمال وليس مرادًا؛ للخبر الصحيح أنه ﴿ قال: (لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُّ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ)) قالوا: ولا أنت يا ١٩ كتاب الصّلاة رسول الله؟ قال: ((وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ))(١) بل المراد أنكم تنالون من درجات الجنة وعظيم نعيمها ما يليق بأعمالكم؛ إذ الحق أن دخول الجنة بمحض الرحمة والفضل؛ إذ لا يصلح عمل لمقابلته. وأما درجاتها وزيادة نعيمها سيما أعظم النعيم؛ إذ لا يساويه نعيم وهو رؤية الحق تعالى، فبالأعمال فيعطي منها كل إنسان بحسب عمله كما أفاده الحديث الصحيح أيضًا أنه يقال للقارئ: ((اقْرَأْ وَارْقَ)(٢) أي: حتى تعطى من درج الجنة بعدد الآيات التي تقرؤها (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُ) وسنده حسن. ٥٧٢ - [وعَنْ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ سِنِينَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَا فِي ((شَرح السُّنَّة)) عَنهُ]. (وعَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: مُرُوا) أصله أمروا حذفت همزته تخفيفًا، ثم فاؤه لتعذر النطق بالساكن ولم يحتج لهمزة الوصل لتحرك الميم (أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ). وبهذا أخذ أئمتنا مع قياس ما ليس فيه على ما فيه، فقالوا: يجب فإن مروا للوجوب على الأب وإن علا ولو من قبل الأم وعلى الأم، بل لو قال بعضهم: وعلى الأجانب، قال: وإنما خصوا الأبوين ومن يأتي بالذكر؛ لأنهم أخص من بقية الأجانب كما في تجهيز الميت يتوجه للأقارب ابتداءً، وإن عم فرض الكفاية الأجانب أيضًا أمر (١) أخرجه البخاري (٦٠٩٨)، ومسلم (٢٨١٦)، وأحمد (٧٦٨٨). (٢) أخرجه أحمد (٦٧٩٩)، وأبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤) وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٨٠٥٦)، وابن حبان (٧٦٦)، والحاكم (٢٠٣٠)، والبيهقي (٢٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٣٠٠٥٧). (٣) أخرجه أحمد (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥)، وابن أبي شيبة (٣٤٨٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٦/١٠)، والحاكم (٧٠٨)، والبيهقي (٣٠٥٢). ٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ولدهما الذكر والأنثى كما شملهما الحديث المميز، وهو من يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده ويختلف ذلك باختلاف الأفهام، فقد يحصل لدون خمس سنين وقد يتأخر إلى نحو العشر بأداء الصّلاة ولو جمعة والقيام فيها وبقضائها عقب تمام سبع سنين، ولا يكتفي بمجرد صيغة الأمر بل لا بد معها من التهديد وعلى كل منهما أيضًا ضربه على تركها بعد تمام عشر سنين على الأصح أخذًا بظاهر الحديث. ويوافقه الحديث الصحيح أيضًا: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاة)(١). وفي رواية: ((عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعٍ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا)»(٢) وحكمة ذلك أنه يتعود الصّلاة ويألفها فيسهل عليه فعلها بعد البلوغ فإن العادة طبيعة خامسة، ولو لم ينفع فيه إلا الضرب المبرح امتنع المبرح وغيره عند ابن عبد السلام، ووجب غير المبرح عند البلقيني، ويقاس بالصّلاة الصوم فإذا أطاقه الصبي أو الصبية أمر به بعد سبع وضرب عليه بعد عشر واختص الضرب بالعشر؛ لأنه زمن يحتمل فيه البلوغ بالاحتلام وكالأبوين في وجوب ما مرَّ الوصي وقيم الحاكم والملتقط والسيد والوديع والمستعير ونحوهم، ويلزم السيد أن يعلم قِنَّه المحكوم بإسلامه بنفسه أو تخليه للتعليم وأجرته في مال السيد وإن كان القن زمنًا، ومن لا يحكم بإسلامه يندب في حقه ذلك، ولو كانت الصغيرة ذات زوج وأبوين وجب تعليمها على أبويها فإن فقدا فعلى زوجها ثم أقاربها ثم بقية المسلمين. وأفتى بعض متأخري أئمتنا بوجوب ضرب الزوجة المكلفة على زوجها إذا تركت الصّلاة، ومحله إن لم يخش ترتب ضرر يلحقه من الضرب، ويجب على من ذكروا أيضًا تعليم الصغير وسائر الواجبات العينية، وفروض الكفاية والطهارة والسواك ورواتب الصلوات وحضور الجماعات، وسائر الوظائف الدينية؛ أي: الظاهرة المجمع عليها. (١) أخرجه أبو داود (٤٩٤) واللفظ له، والطبراني (٦٥٤٦)، والبيهقي (٢٠٨٦)، وابن الجارود (١٤٧). (٢) أخرجه أحمد (١٥٣٧٥)، والترمذي (٤٠٧) وقال: حسن صحيح، والطبراني (٦٥٤٦)، والحاكم (٩٤٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة (١٠٠٢)، والبيهقي (٤٨٧٠).