Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
وأجاب عنه أصحابنا بأن خبر ميمونة هذا أصح منه وأصرح فقدم عليه، بل قال
البيهقي وغيره: ((إنه ضعيف)) وعلى الأول فالمراد بفضل وضوئها ما سقط من أعضائها
کما یأتي بما فيه.
واستدل من نفي الكراهة فيه من أصحابنا بالأحاديث الصحيحة الدالة على
الإباحة، فلم يراع المانع لمخالفته للسنة الصحيحة، وفيه نظر؛ فإنه لم يخالفها إلا لسنة
صحيحة، وهي خبر النهي الآتي، فالقياس مراعاة خلافه، وترك التطهر من فضلها، وهو
ما فضل من طهارتها إذا خلت به، وإن لم يمسه دون ما مسته في نحو شرب أو أدخلت
يدها فیه بلا نية.
٤٥٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَغْتَسِلُ مِنَ
الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ تَحْوَهُ، وَفِي
شَرِحِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ ((المَصَابِيح))].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َهِ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ
ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ فِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ) أي: يطلب الدفء؛ أي: الحرارة بمسٍّ بشرته لبشرتي،
وفيه التصريح بطهارة بدن الجنب (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وسنده حسن (وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ
تَحْوَهُ، وَفِي شَرِحِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ ((المَصَابِيح))).
٤٦٠ - [وَعَنْ عَلِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَخْرُجُ مِن الْخَلَاءِ
فَيُقْرِئِنَا الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ تَجْجُبُهُ أَوْ يَحْجِزْهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءُ
لَيْسَ الْجَنَابَةَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيِّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَه نَحْوَهُ].
(وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَخْرُجُ مِن الْخَلَاءِ فَيُفْرِئِنَا
الْقُرْآنَ) فيه جواز القراءة للمحدث حدثًا أصغر من غير شرط، وأن الطهر لها إنما هو
سنة لا غير (وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ يَحْجِزْهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ)
(١) أخرجه ابن ماجه (٦٢٣).
(٢) أخرجه النسائي (٢٦٥)، وأبو داود (٢٢٩).

٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
بمعنى ((إلا)) واسمها مضمر؛ أي: ليس الشيء (الْجَنَابَةَ) فالقراءة حرام على الجنب كما
يأتي، وكان وجه مناسبة هذا للترجمة: أن فيه الإيماء إلى حِل مخالطة الجنب لكل شيء
ما عدا القراءة؛ أي: ونحوها.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) والترمذي (وَالنَّسَائِيّ) وابن ماجه، وسنده حسن عند الترمذي
ومن تبعه، لكن الذي نقله النووي عن المحققين أنه ضعيف (وَرَوَى ابْنُ مَاجَه
نَحْوَهُ).
٤٦١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا يَقْرَأُ
الْجُنُبُ وَلَا الْخَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ُِّ: لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ)
بكسر الهمزة على النهي، وضمها على لفظ الخبر بمعنى النهي (وَلَّا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ
الْقُرْآنِ) أي: بقصد القرآن للاتفاق على حل تسمية الجنب عند الأكل، وقوله عند
الركوب: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ... ﴾ [الزخرف: ١٣] ونحو ذلك، ولكون ذلك
الإطلاق مقيَّدًا بذلك القيد للاتفاق المذكور.
قال أئمتنا: يحرم على المسلم المكلف الجنب أو الحائض أو النفساء أن يقرأ
بلسانه مع إسماعه لنفسه؛ حيث لا عارض من لفظ ونحوه شيئًا من القرآن غير
منسوخ التلاوة بقصد القرآن وحده أو مع غيره ولو حرفًا واحدًا؛ لما فيه من الإخلال
بتعظيم الإكرام.
وقول بعض أئمتنا: ((لا ثواب في قراءة) حمله محمول على ما إذا لم يقصد به
القراءة، أما إذا لم يقصد به القرآن أصلاً بأن قصد الذكر وحده أو أطلق فيحل له
القراءة مطلقًا عند الجمهور من أصحابنا.
وفصل جمع محققون منهم بين ما يوجد نظمه في غير القرآن كالبسملة وقراءة
(١) أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦)، والدار قطني (١١٧/١)، والبيهقي (٤٢٢).

٣٢٣
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
آية للركوب السابقة ﴿إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] عند المصيبة فيحل،
وبين ما لا يوجد نظمه إلا في القرآن كالإخلاص وآية الكرسي فلا يحل مطلقًا، ويحل
له بلا كراهة إجراء القرآن على قلبه، بل والهمس فيه بتحريك شفتيه، لكن بشرط
أن يكون بحيث لا يسمع صوت نفسه، وأن يقرأ منسوخ التلاوة والأحاديث
القدسية، ويلزم فاقد الطهورين والمتيمم في الحضر قراءة الفاتحة في الفرض، وإن
لزمهما قضاؤه؛ لتوقف صحته عليها، ولا يجوز لهما قراءة غيرها.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وابن ماجه، وهو وإن كان ضعيفًا كما قاله الأئمة، لكن له
متابعات كما ذكره ابن ماجه وغيره بخبر ضعفه، ومن ثم حسَّنه المنذري، ووردت
أحاديث بمعناه كلها ضعيفة، ولذلك اختار ابن المنذر والدارمي وغيرهما ما روي عن
ابن عباس وغيره، وأخذ به أحمد وغيره أنه يحل للجنب والحائض قراءة كل القرآن،
وروي عن ابن عباس أيضًا الحرمة، ولعل له في المسألة قولين.
والحاصل: إن جمهور العلماء على الحرمة، وهي اللائقة بتعظيم القرآن وإجلاله،
ويكفي في الدلالة عليها الأحاديث الكثيرة المصرحة بها، وإن كانت كلها ضعيفة؛ لأن
تعدد طرقها تورثها قوة أي قوة، وترقيها إلى درجة الحسن لغيره، وهو حجة في الأحكام
فألحق الحرمة؛ إذ هي الجارية على قواعد الأدلة لا الحل، وإن كان هو الأصل.
٤٦٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (وَجِّهُوا هَذِهِ
الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ؛ فَإِّ لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِخَائِضِ وَلَا جُنُبٍ)) (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ
عَنِ الْمَسْجِدِ) أي: اصرفوا أبوابها عن النفوذ إليه بأن تحوّلوها إلى خارجه، يقال: وجه
وجهه عنه؛ أي: صرفه، وإليه؛ أي: أقبل به، والإشارة إليها لمزيد بيانها ولتحقيرها
بالنسبة للمسجد؛ أي: لا ينبغي أن يكون ممرًا لها.
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢)، والبيهقي (٤٤٩٥).

٣٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(فَإِّ لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِخَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) فيحرم على المسلم المكلف الحائض أو
النفساء المكث في المسجد والتردد فيه بلا عذر حتى على سطحه وفي رحبته، وهي
المحوط عليه لأجله إن علم أنها منه أو لم يعلم شيء من حالها، وهي غير محرمة؛ إذ
هو الخارج عنه يقينًا معدًا لنحو أقداره وفي بئره وهواه، كأنه دلى نفسه فيه بحبل،
ومنارته التي أصلها فيه وإن مالت حتى صارت كلها في هواء غيره وجناح بجداره، وإن
كان كله في هواء الشارع كما شمل ذلك للفظ الحديث، وخرج بالمسجد الرباط
والمدرسة ومصلى العيد؛ لأن السلف لم ينزهوه من نحو لعب الصبيان، ونزول القوافل
فیه وغيرهما مما ينزه المسجد عنه.
والأمر باعتزال الحيض له يوم العيد ليس لكونه مسجدًا، بل مبالغة في تنزيه
محل العبادة في وقتها عن المستقذر، أو الكراهة جلوس غير المصلين معهم وقت
الصلاة كما جاء: ((ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم؟».
ولقد فقد الماء الذي يغتسل به إلا في المسجد لم يجز له دخوله لأخذه منه حتى
يتيمم، وإذا تيمم ودخله لذلك لم يجز له أن يمكث فيه أكثر من قدر الاستسقاء، وله
الدخول إليه بلا تيمم للغسل فيه إن أمكن بلا مكث، كأن يمر في نهر فيه بنية
الغسل، ولو احتلم فيه ولم يمكنه الخروج ولا ماء فيه مكث فيه، ويلزمه التيمم إن
وجد غير ترابه، ويحرم بترابه وهو الداخل في وقفه دون ما يلقيه الروح فيه، وخرج
بالمكث والتردد المرور فيه من غير تردد ولا عزم عليه، فيحل بلا كراهة إن كان
الغرض كقرب طريق وإلا كان خلاف الأولى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) ولم يضعفه، فيكون عنده صالحًا للاحتجاج به، ومن ثم حسَّنه
ابن القطان وغيره مع اطلاعهم على تضعيف جمع له، وروى ابن ماجه نحوه، ويوافقه
قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ..... وَلَّا جُنُبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي:
مواضعها كما قاله ابن عباس وغيره، وهي المساجد لا غير؛ إذ هي الموضوعة لها ابتداءً
ودوامًا بخلاف غیرها.

٣٢٥
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
ومن ثم قال أئمتنا: يحرم على السكران دخول المسجد، ويجب منعه منه.
وذهب المزني وداود وابن المنذر وغيرهم إلى حل إباحة المكث فيه مطلقًا، ووجهه
النووي بأن الأصل الحل، قال: وليس لمن حرم دليل صحيح صريح.
قال: وخبر: ((يا علي، لا يحل لأحد جنب في هذا المسجد غيري وغيرك)) ضعيف،
وإن قال الترمذي: حسن غريب، نعم من خصائصه وليه أنه يحل له المكث في المسجد
جنبًا على ما قاله صاحب ((التلخيص)) لكن خالفه القفال وغلَّطه إمام الحرمين وغيره،
ومع ذلك احتجَّ له النووي بالحديث المذكور، وقال: هو وإن كان فيه من ضعفه
الجمهور، فلعله اعتضد عند الترمذي بما اقتضى حُسنه، لكنه إذا شاركه علي في ذلك
لم يكن من الخصائص. انتهى.
٤٦٣ - [وَعَنْ عَلِىّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَِّ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ
صُورَةٌ وَلَا كَلْبُ وَلَا جُنُبُ)) (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنْ عَلِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ) أي: المعهودون
ذهنًا، وهم الملائكة النازلون بالرحمة والبركة، الطوافون على المؤمنين للزيارة واستماع
الذكر والقرآن، وفي ذلك من حصول الخير للمؤمنين ما يعظم وقعه ويعم نفعه لا
الكتبة، فإنهم لا يفارقون المكلف لقوله عز قائلاً: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عَتِيد﴾ [ق:١٨].
وقوله ◌َّير: ((فإن معكم من لا يفارقكم)) فاتقوا الله واستحيوا منه إلا في حالة
الجماع وقضاء الحاجة، ومع ذلك يطلعهم الله على ما وقع في حالتيهما حتى يكتبوه.
(بَيْتًا فِيهِ صُورَةُ) أي: لحيوان؛ إذ هي المحرمة، وإن لم يوجد لها نظير في الخارج
كآدمي أو فرس بأجنحة، وسبب امتناعهم لأجلها: أن محلها يشبه محل الأصنام،
بخلاف صورة ما لا روح فيه، والصورة التي فقد من بدنها المشاهد ما لا يمكن
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٧)، والنسائي (٤٢٨١)، والحاكم (٦١١) وقال: صحيح. وابن حبان (١٢٠٥).

٣٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وجوده مع الحياة فيه كالرأس، فهذان لا يمنعان دخول الملائكة؛ لأنه لا محذور فيهما
بوجه بخلاف الصورة التي يحل دوامها، وإن حرم ابتداؤها كالتي على ما يداس أو يتكأ
عليه، فإنها لا تمنع أيضًا دخول الملائكة على ما نُقل من الشارحين.
ووجهوه بأن الرخصة وردت في ذلك، وهو ظاهر إن صحَّ ما يقتضي تخصيص
الحديث، فإنه عام في الصورة، وإن كانت تُداس وحل إدامتها لا يقتضي دخولهم؛ لأنها
محرمة في الابتداء ولا حاجة إليها.
وشملت الصورة ما على الدراهم المجلوبة من بلاد الكفر، فمن عنده شيء منها
منع دخول الملائكة، وإن حل له إمساكها، بل وحملها ولو في عمامته؛ لأن القصد
ذاتها لا الصورة التي عليها؛ ولأن المسلمين مازالوا يحملونها ويتعاملون بها في زمن
السلف والخلف، ولم ينكر أحد عليهم، لكن ينبغي قصر المنع على المحل الذي فيه
الدنانير فقط، وقد يؤخذ ذلك من لفظ الحديث؛ لتخصصه مع دخولهم بالبيت التي هي
فيه، فلو اشتملت دار على محال مختلفة لم يتعدّ المنع لغير محل تلك الدنانير، وإن كان
ذلك المحل تابعًا غير مستقل، هذا ما يظهر، والعلم عند الله.
(وَلَا كَلْبٌ) أي: لغير حراسة أو صيد؛ لأنه مع عدم الحاجة إليه نجس خبيث،
والملائكة في أعلى مراتب الطهارة والتكريم، فكان بينهما تضاد، بخلاف كلب نحو
الحراسة والصيد؛ لحِل اقتنائه مع الحاجة إليه، وعدم قيام غيره مقامه، وبهذا فارق ما
مر في الدنانير والصورة المنهية.
(وَلَّا جُنُبُ) لامتناعه عن معظم العبادات، وخصَّ بجنب اعتاد التكاسل عن
الغسل حتى يخرج وقت الصلاة؛ لاستخفافه بالشرع بخلاف غيره؛ لأنه ال* كان يؤخر
الغسل من الجماع ليلاً إلى ما بعد الفجر حتى في رمضان.
ويؤيد ذلك ما يأتي من قوله وَله: ((والجنب إلا أن يتوضأ)) أي: لأنه إذا توضأ
اغتسل وصلى غالبًا، وحكمة اقتران هذه الثلاثة: اشتمالها على معنى واحد، هو غاية
الخبث المشابه للترك أو المؤدي إليه؛ إذ المصور كالمشرك، ولهذا يوم القيامة ينفخ الروح

٣٢٧
كتاب الطهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
فيما صوره، إشارة إلى غاية تعجيزه وتحقيره، ومثله مقتني ما صوره، وأنه أشبه المدعين
مع الله إلهًا آخر.
ومقتني الكلب مع عدم إذن الشارع له فيه يشبه الكفار المقتنيين للخنازير،
والمقتنيين بها حتى صارت من شعارهم، والجنب المذكور يخشى عليه سوء الخاتمة؛ إذ
المعاصي تزيد الكفر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) وسنده حسن.
٤٦٤ - [وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسٍِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ:
(ثَلَاثَةُ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: حِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلَّا أَنْ
يَتَوَضَّأَ)(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ثَلَاثَةُ لَا
تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي: السابقون قريبًا (جِيفَةُ الْكَافِرِ) الذمي والحربي، وفي التعبير
بجيفة دون ميتة غاية تحقيره وإهانته.
(وَالْمُتَضَمِّغُ بِالْخُلُوقِ) هو طيب يتخذ من الزعفران (وَالْجُنُبُ) أي: السابق (إِلَّا
أَنْ يَتَوَضَّأَ) واستفيد من هذا الحديث بتقدير صحته، وإلا فسيأتي أنه منقطع أن
الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جیفة كافر ولا متضمخ بخلوق.
ووجه ذلك فيهما واقترانهما بالثلاثة السابقة: أما في الكافر فواضح؛ لأنه الأصل
لتلك الثلاثة كما قدمته، وأما في المتضمخ؛ فلأنه تشبه بالنساء في غاية الرعونة وأنوثة
الطبع كما يقتضيه التعبير بالتضمخ؛ إذ هو الإكثار من التلطخ بذلك الخلوق حتى
يصير كأنه يقطر منه، ومن وصل لهذا الحد من الرعونة صار ممسوخًا من طبع الذكور،
وذلك يؤدي إلى المسخ من الإسلام فقرب من الكافر الذي هو أصل لتلك الثلاثة مقتني
الصورة ومقتني الكلب والجنب (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وهو منقطع.
٤٦٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أُبِي بَكْرِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ
(١) أخرجه أبو داود (٤١٨٢).

٣٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَلَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرُ(١). رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالدَّرَاقُظْنِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ) عن أبيه عن جده
عمرو بن حزم، وهذا هو المعروف في كتب الحديث والفقه خلافًا لمن رواه عن
حكيم بن حزام (أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهُ لِعَمْرِو بْنِ حَوْمٍ أَلَا يَمَسَّ
الْقُرْآنَ) أي: ما كتب فيه (إِلَّا طَاهِرً) ومنه لكونه أخرج مخرج الحصر.
وخُصَّ بـ«ما)) و((إلا)) المفيد للتأكيد والشمول كما يفيده صنع المؤكدات، فلا
يحتمل المجاز مع قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إذ هو خبر بمعنى
النهي، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] على قراءة الرفع؛ لأنه
لمحض الخبرية يلزم الحلف في كلامه تعالى؛ إذ غير المطهر يمسه، وبمحض النهي
يلزمه وقوع الطلب صفة وهو ممتنع، والوصف بالتنزيل عقب ذلك ظاهر في أن المراد
المصحف لا اللوح المحفوظ، وتوجه النهي للملائكة مستبعد؛ لأنهم كلهم مطهرون،
فلا يصدق فيهم النفي والإثبات.
أخذ أئمتنا قولهم: محرم على المكلف حمل ومس المصحف، وجميع ما اتصل به
كجلده، وإن انفصل عنه ما لم يجعل لكتاب آخر، وعلاقته وطرفه الذي أعد له وهو فيه
ونحوه، كاللوح والورقة المثبت فيهما قرآن للدراسة ولو بعض آية، وإن محي بالماء
مادامت صورة الحروف باقية؛ لأنه أثبت فيه القرآن للتعظيم المقصود منه فأشبه
المصحف، ولا يحرم حمله مع متاع آخر إن أطلق أو قصد المتاع وحده، بخلاف ما إذا
قصد المصحف وحده أو مع المتاع، ولا كتبه بلا حمل ولا مس ولا قلب ورقة بعود إلا
إن انفصلت الورقة عليه؛ لأنه حاملها حينئذٍ، فحرم عليه كقلبه بكمه، ولا حمل
منسوخ التلاوة.
(١) أخرجه مالك (٦٨٠)، والدارقطني (٤٤٩).

٣٢٩
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
وتفسير زاد على القرآن بخلاف ما إذا زاد القرآن أو استويا، ولا حمل مكتوب
لغير دراسة كتبرك أو غيره للخبر الصحيح: ((إنه ولي# أرسل كتابه إلى هرقل وفيه: ﴿يَا
أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ... ﴾ [آل عمران:٦٤])»(١) ولم يأمر
حاملها بالمحافظة على الطهارة.
وأيضًا إرساله إلى دار الكفر مع نهيه السفر بالقرآن إليها يدل على أن الآيات
في ضمن غيرهما لا يكون لها حكم ما إذا كانت وحدها، وللولي والمعلم تمكين صبي
مميز لا غيره خشية إتلافه أو تنجيسه له محدث أو جنب من حمل ما يتعلم منه لحاجة
التعليم، أو ما هو من مقدماته، كحمله إلى المكتب أو منه إلى داره، ولو خاف محدث
أو جنب على مصحف أو نحوه تنجسًا أو كافرًا أو تلفًا أو ضياعًا وعجز عن الطهر بماءٍ
أو تراب ولم يجد أمينًا ثقة يودعه إياه جاز له حمله في الضياع، ولزمه في غيره، ولو في
حال قضاء الحاجة للضرورة.
(رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيّ) والحاكم، وقال: إسناده على شرط الصحيح، وله
شواهد، ولفظه عن عمرو بن حزم: قال: لما بعثني رسول الله وَل و إلى اليمن، قال: ((لا
تمس القرآن إلا وأنت طاهر)).
وقول النووي: ((إنه ضعيف)) يجاب عنه بأن كثرة شواهده صيَّرته حسنًا لغيره،
وهو حجة على الصحيح.
وروى الدارقطني والبيهقي، وقال: صحيح الإسناد. والحاكم وقال: حسن
غريب: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)).
وبهذا يرد على من قال بالحل مطلقًا، وهم جمعُ منا، وداود والحاكم، ونقل ابن
الرفعة عن الماوردي أن جمهور أصحابنا عليه غلط منه فاحذره.
فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث والذي بعده لترجمة الباب؛ إذ هي في
(١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٤٧٠٧)، وأحمد (٢٤١١).

٣٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
مخالطة الجنب وما يباح له، والذي في هذه الأحاديث المتعلقة بالمحدث حدثًا أصغر؟
قلت: يوجه ذلك أن يكون محدثًا حدثًا أصغر، وأما تجرد الجنابة عليه فهو وإن
تصور عندنا كأن احتلم وهو نائم ممكن مقعده، أو نزل منه مني من غير مس ناقض،
كأن نظر فاشتهى، إلا أن هذا أمر نادر، وإذا كان الغالب ذلك فذكر ما يباح للجنب
وما لا یباح له لما بينهما من اللزوم لما تقرر.
٤٦٦ - [وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - فِي حَاجَةٍ،
فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلُ فِي سِكَّةٍ مِنَ
السِّكَكِ فَلَقِيَ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ،
حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْخَائِطِ
وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ
وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ))(١) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - فِي حَاجَةٍ) أي: في
شأن حاجة له أو لي، فهو حال من الفاعل أو المضاف إليه، لكن قوله: (فَقَضَى ابْنُ
عُمَّرَ حَاجَتَهُ) يرجح أن الحاجة لابن عمر، ثم يحتمل أن المراد بها حاجة الإنسان، وهو
التبرز، ويدل عليه سياق الحديث المتعلق بقضاء حاجته وّلهم، ويحتمل أن المراد حاجة
أخرى، وأنه ذكر ما يأتي استطرادًا.
(فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ) أي: كان من جملة قوله في ذلك الوقت قوله:
(مَرَّ رَجُلُّ فِي سِكَّةٍ) أي: طريق (مِنَ السِّكَّكِ فَلَقِيَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ
أَوْ بَوْلٍ) أي: محلهما، أو المراد: يخرج منه تجوزًا (فَسَلَّمَ) أي: الرجل (عَلَيْهِ) وَ (فَلَمْ
يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَادَ) أي: قرب (الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى) أي: يغيب شخصه (في السِّكَّةِ
ضَرَبَ) جواب ((إذا)) ((وحتى)) هي الداخلة على الجملة الشرطية (رَسُولُ اللّه بِيَدَيْهِ عَلَى
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٠)، والدارقطني (٦٨٨)، والبيهقي (١٠٧٢).

٣٣١
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
الْخَائِطِ) أي: على تراب كان عليها؛ لما يأتي في التيمم أنه لما أراد الضرب على جدار حكه
بعصا، ثم ضرب عليه (وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ
رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِي لَمْ أَكُنْ عَلَى
ظُهْرٍ).
يؤخذ منه - كالحديث الذي بعده - أن الفصل اليسير بالسكوت بين رد السلام
وابتدائه لا يضر، وهو قياس ما قالوه في إيجاب البيع وقبوله، وقضيته أن الفصل هنا
بأجنبي يضر ولو كلمة كما هناك بجامع أن المدار في البابين على ما يبقى معه اسم
التخاطب، وهو لا يبقى مع طول الفصل بالسكوت ولا مع قصره بالأجنبي.
ويؤخذ من الحديث أيضًا أن الأولى للمحدث أن يؤخر الرد حتى يتطهر بماء
وتراب، ولو في الحضر إن فقد الماء، لكن بشرط قرب الفصل كما تقرر، ويحمل أنه
** إنما أراد بذلك بيان جواز الفصل لليسير بالسكوت، لكن يبعده قوله: «لم
يمنعني ... إلى آخره) وقوله في الحديث الآتي: ((ثم اعتذر إليه)) وأن الأولى لمن فصل بين
الرد والابتداء أن يعتذر للمسلم حتى لا يقع في نفسه شيء (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده
حسن.
٤٦٧ - [وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ﴾ أَنَّهُ أَنَى النَّبِيَّ ◌َّهِ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ
يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: ((إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى ظُهْرٍ)). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدٍ وَرَوَى النَّسَائِيّ إِلَى قَوْلِهِ: ((حَتَّى تَوَضَّأَ) وَقَالَ: ((فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ)(١)].
(وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ﴿ أَنَّهُ أَنَى التَّبِيَّ ◌َ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ) المهاجرِ (عَلَيْهِ)
وينبغي حمله على أن السلام عليه كان بعد الفراغ؛ لأن المروءة قاضية بأن من
يقضي حاجته لا يُكلّم فضلاً عن أن يُسلَّم عليه، ومن ثم يكره السلام عليه، ولا
يستحق جوابًا فضلاً عن أن يعتذر إليه، فالاعتذار إليه الآتي دليل لما قلناه: إن السلام
(١) أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (٣٨)، وابن حبان (٨٠٦)، والحاكم (٥٩٢).

٣٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
كان بعد الفراغ.
(فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلََّ عَلَى
ظُهْرٍ) يؤخذ منه أن الذكر قد يطلق على كل مطلوب قولي، وأما أصل وضعه فهو ما
تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق أو الثناء عليه، وهذا هو المراد بقول
الفقهاء: ((لا تبطل الصلاة بالذكر)) وجواب السلام ليس موضوعًا لذلك، فإطلاق الذكر
عليه مجاز شرعي شبيه المشابهة، وأن الأفضل ألَّا توجد الأذكار الحقيقية والمجازية إلا
على أكمل الأحوال كالطهارة من الحدثين، وطهارة الفم من الخبث.
ثم رأيت الشارح نقل ما يخالف ما قررته، وهو أن من شرط ذكر الله أن يكون
الذاكر طاهرًا كيفما كان، وأن ذكر الله وإن لم يكن صريحًا كما في السلام ينبغي أن
يكون على الطهارة، فإن المراد هنا: السلامة، لكنه مظنة لأن يكون اسمًا من
أسماء الله تعالى، وأن الحديث فيه بيان أن رد السلام وإن كان واجبًا فالمسلم في هذه
الحالة مضيع حظ نفسه فلا يستحق الجواب، ففيه دليل على الكراهة للكلام على قضاء
الحاجة، وعلى أن التيمم في الحضر لرد السلام مشروع، وعلى أن من قصر في جواب
السلام لعذر يستحب أن يعتذر إليه حتى لا ينسبه إلى الكفر، وعلى وجوب رد
السلام؛ لأن تأخره للعذر یؤذن بوجوبه. انتهى.
وفيه أنظار شتى؛ إذ قوله: ((من شرط ذكر الله ... إلى آخره)) موهم، وصوابه من
كماله كما عبرت فيه فيما مر، وقوله: «لكنه مظنة .. إلى آخره» في غاية البعد؛ إذ لا
يتوهم أحد أن المراد بالسلام هنا اسم الله، وإنما سبب إطلاق الذكر عليه ما قدمته
من مشابهته للذكر الحقيقي في كونه مطلوبًا قوليًا، وقوله: ((فيه بيان أن رد السلام وإن
كان واجبًا ممنوع)) وإنما الذي فيه أنه مطلوب، وهو صادق بالواجب والمندوب، نعم إن
قلنا: ((فعله ◌َلّ الشامل لقوله يحمل على الوجوب)» كما قال به ابن جماعة من الأصوليين
اتضح ما قاله.
وقوله: «فالمسلم .. إلى آخره)) فيه نظر؛ إذ كيف يلتئم هذا مع ما قبله أن في

٣٣٣
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
الحديث بيان وجوب الرد إلا أن يقال: يؤخذ الوجوب من حديث ابن عمر، فإن فيه
التصريح بأن السلام وقع بعد الفراغ، وعدم الوجوب من هذا بناء على أن السلام وقع
قبل الفراغ، لكن ينافي هذا قوله: ((وعلى أن من قصر في وجوب السلام .... إلى آخره))
لأن التقصير يشعر بوجوب الرد، وهو لا يتصور إلا إن وقع السلام بعد الفراغ، فكيف
مع ذلك يتصور قوله: ((فالمسلم في مثل هذه الحالة مضيع حظ نفسه)) فلا يستحق
الجواب.
وحينئذ فيتعين ما ذكرته من أن السلام في الحديث الثاني إنما وقع بعده الفراغ
أيضًا، وقوله: ((ففيه دليل على كراهة الكلام على قضاء الحاجة)) فقال عليه: هذا ممنوع؛
لأنا إذا سلمنا أنه سلم عليه حال قضاء الحاجة لم يستحق جوابًا أصلاً، فكيف يتصور
أن هناك تقصيرًا في الجواب.
وقوله: ((يستحب ... إلى آخره) إنما يتأتى الاعتذار إن شرع الرد بأن يكون
السلام بعد الفراغ، أما إذا كان قبله فلا يتأتى اعتذار لتقصير المسلّم حينئذ، وقوله:
((وعلى وجوب رد السلام ... إلى آخره)) إنما يؤخذ هذا من الحديث الأول بناء على ما
قدمناه عن جماعة من الأصوليين دون الثاني، إلا إذا قلنا: ((إن السلام فيه كان بعد
الفراغ» وهو ما قدمته.
وقوله: «لأن تأخره ... إلى آخره)» يقال عليه؛ أي: إيذان في ذلك لولا ما فرعناه على
كلام بعض الأصوليين، فتأمل ذلك كله، فإنه مهم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وابن ماجه، وسنده حسن (وَرَوَى النَّسَائِيَّ إِلَى قَوْلِهِ: ((حَتَّى تَوَضَّأَ))
وَقَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ) وهو مفهوم من الرواية السابقة.
(الفصل الثالث)
٤٦٨ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ نُجْنِبُ ثُمَّ

٣٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ ثُمَّ يَنَامُ(١) . رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ يُجْنِبُ ثُمَّ يَنَامُ،
ثُمَّ یَنْتَبِهُ ثُمَّ یَنَامُ) یحتمل أنه کان یتوضأ کما جاء في روایة أخری، وحذفته للعلم به أو
لبيان أنه ليس بواجب، وأنه كان لا يتوضأ، ويكون تركه الوضوء لبيان جواز تركه
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وسنده حسن.
٤٦٩ - [وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسِ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ یُفْرِغُ بِيَدِهِ
الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَاتٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي
فَقُلْتُ: ((لَا أَدْرِي)) فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ،
ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ يَتَطَهَّرُ(٤) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسِ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد الغسل (مِنَ الْجَنَابَةِ
يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَاتٍ) لعله لنجاسة كانت فيها، وحينئذ فكان
سبب السبع أنه لم يبلغه الناسخ السابق، وهو أن الغسل من البول كان سبعًا، فلم يزل
وَ ل﴿ يسأل حتى صار مرة، وكذلك لم يبلغ الناسخ أحمد # فقال بوجوب الغسل لكل
نجاسة سبعًا، ويحتمل أنه بلغه، وكان من مذهبه ما قاله جمع أصوليون: إنه إذا نسخ
الوجوب بقي الندب.
فإن قلت: قضية قول شعبة: ((كان ... إلى آخره)) أن غسل باليد اليسرى سبعًا كان
من دأب ابن عباس، وعادته لا لنجاسة فيها.
فإن قلت: إنما يتم ذلك بناء على أن كان في مثل ذلك بقيد الدوام والاستمرار،
والتحقيق أن ذلك أمر عرفي فيها لا وصفي، فلا يحتج بها على الخصم في ذلك.
فإن قلت: ابن عباس نقل ذلك عن النبي ◌َلّ فكيف الجواب عنه؟
قلت: يجاب بأن ذلك منه ولم يحمل على أنه قبل النسخ بدليل تصريحه بالنسخ،
(١) أخرجه أحمد (٢٧٣١١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٨٥٣)، وأبو داود (٢٤٦).

٣٣٥
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
والأصح عند الأصوليين أنه إذا نسخ الوجوب بقي مطلق القياس لا خصوص
الاستحباب.
(ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ) يحتمل أن ((ثم)) للترتيب الذكري، فيكون غسل اليد سبعًا بعد
غسل الفرج مبالغة في نظافتها، كما أعلمنا النبي و * بذلك بدلكها في الأرض بعد
الاستنجاء، ويحتمل بقاؤها على حالها، وأنه كان بيساره نجاسة أخرى مخففة أو متوهمة
فغسلها سبعًا وإن كان مريدًا لمباشرتها لنجس الفرج عند غسله مبالغة في النظافة
أيضًا.
(فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي فَقُلْتُ: (لَا أَدْرِي)) فَقَالَ: لَا أَمَّ لَكَ) ذم له بدليل
ما بعده، ووجه الذم فيها بخلاف ((لا أب لك)) فإنه تذكر في معرض المدح أكثر، وقد
يكون للذم إنها محل الرفق والشفقة، فتفقدها كناية عن فقدهما؛ أي: لو كانا فيك
لحفظت ما أفعله حتى لا يشق عليَّ الوقوع في الزيادة.
وأما ((لا أب لك)) فهو كناية عن لا كافل لك غير نفسك؛ لاستقلالك بشأنها؛ إذ
من لازم وجود الأب قيامه بمصالح ولده، ومن لازم فقده قيام الابن بمصالح نفسه إذا
كان كاملاً، ووجه الذم فيه: أن فقد الأب يترتب عليه كثير الضياع وفساد الحال.
(وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ) يؤخذ منه أن للشيخ أن يؤدب تلميذه، بمثل ذلك
ليحثه على التيقظ في الأمور، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ ويعتني بشأنه (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ
وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) فيه أن الأكمل تقديم الوضوء كاملاً على الغسل كما مر.
(ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ) ذكره؛ لأن الأصل وإلا فغسل الشعر واجب أيضًا (الْمَاءَ،
ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا) الظاهر رجوعه لجميع ما مرَّ، ويحتمل رجوعه إلى الوضوء وما بعده
(كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَتَطَهَّرُ) فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الحديث للترجمة؟
قلت: لا مناسبة فيه إلا أن فيه بعض أحكام تتعلق بالجنب، فذكر استطرادًا
لأجلها، ولو ذكره في باب الغسل لكان أولى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٤٧٠ . [وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ

٣٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلاً وَاحِدًا؟
قَالَ: (هَذَا أَزْكَى وَأَظْيَبُ وَأَظْهَرُ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َيِّ طَافَ ذَاتَ) مزيدة للتأكيد (يَوْمٍ عَلَى
نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ) غسلاً (وَ) يغتسل (عِنْدَ هَذِهِ) غسلاً آخر (قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ) أي: ما ذكر من الاغتسال (غُسْلاً وَاحِدًا؟) أي: فإنه كافٍ فَلِمَ
تعدد؟.
(قَالَ: هَذَا) أي: تعدد الغسل عقب كل جماع (أَزْكَى وَأَظْيَبُ وَأَظْهَرُ) هي قريبة
من الترادف، جمع بينها تأكيدًا، وقيل: الأولان للباطن فيهما للتحلي بالشيم الحميدة،
والآخر للظاهر، فهو للتخلي عن الأخلاق الذميمة، يؤخذ منه ما مر عن بعض أصحابنا
أن الأفضل للوطء الثاني للموطوءة أولاً أو غيرها أن يغتسل قبلها، وأن الوضوء
مفضول بالنسبة إلى الغسل؛ لأن القصد وجوب النشاط للعود حتى يحصل فائدة
النكاح من كمال العفة أو وجود الولد، والغسل يورث من النشاط على العود ما لا يورثه
الوضوء، كما هو مشاهد (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٤٧١ - [وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ
بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ وَقَالَ: ((بِسُؤْرِهَا)) وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ].
(وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَتَوَضَّأَّ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ
طَهُورِ الْمَرْأَةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ وَقَالَ: بِسُؤْرِهَا) وهو بالهمز بقية
الشيء، والمراد به فضل طهورها، وإنما وقع الشك من الراوي في اللفظ الذي نطق به
النبي ◌ِل﴾.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وخالفه البيهقي وغيره، فقالوا: إنه ضعيف، وبفرض
(١) أخرجه أحمد (٢٤٥٨١)، وأبو داود (٢١٩)، والبيهقي (١٠٢٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤).

٣٣٧
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
تسليم الأول فالمراد بفضل وضوئها: ما سال من أعضائها؛ لأنه كما يعين حمل الخبر
الذي بعد هذا على ما سقط من أعضائها؛ إذ لا خلاف أن لها الوضوء بفضله كذلك
يحمل هذا على ذلك، لكن قوله الآتي: ((وليغترفا جميعًا)) يضعف هذا التأويل، إلا أن
أحدًا لم يقل: بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة بحلها بخلافه.
٤٧٢ - [وَعَنْ حُمَيْدِ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النَّبِيِّ ◌َ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا
صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌َّهِ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرَأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ
الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ زَادَ مُسَدَّدُ: (وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ، وَزَادَ أَحْمَدُ
فِي أَوَّلِهِ: (نَهَى أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَومٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ)(١)].
(وَعَنْ حُمَيْدِ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً) لا يضر إبهامه؛ لأن الصحابة
رضوان الله عليهم، كلهم عدول (صَحِبَ النَّبِيّ ◌َّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ)
أي: لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهْ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرَأَةُ
بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، زَادَ مُسَدَّدُ: ((وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ) وسنده صحيح على ما مرَّ، ومرَّ تأويله.
(وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: نَهَى) أي: النبي ◌َِّ (أَنْ يَمْتَشِطَ) أي: يسرح رأسه أو لحيته
(أَحَدُنَا كُلَّ يَومٍ) أي: فيكره ذلك، وإنما السنة أن يجعله غبًا يفعله يومًا، ويتركه يومًا،
والمراد باليوم هنا: الوقت (أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ) فيكره ذلك أيضًا؛ لأنه إما يعود عليه
منه رشاش، أو یورثه وسوسة كما في الحديث.
٤٧٣ - [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عَبْد الله بْن سَرَخْس].
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عَبْد الله بْن سَرَخْس) وسنده حسن.
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٧٥)، وأبو داود (٨١)، والنسائي (٣٢٨).

(باب أحكام المياه )
طهارة ونجاسة وغيرهما
(الفصل الأول)
٤٧٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الذَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)(١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لمُسْلِمٍ: ((لَا يَغْتَسِلُ
أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الذَّائِمِ وَهُوَ جُنُبُّ)) قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ
تَنَاوُلاً (٢)].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الدَّائِمِ) أي: الساكن، من دوام الشيء سكن أو مكث، وحينئذ فقوله: (الَّذِي لَا
يَجْرِي) صفة كاشفة، فيكره تنزيهًا البول، وألحقوا به الغائط بالأولى في الماء
الراكد القليل، بشرط ألا يكون داخله وإلا حرم؛ لأن تنجس البدن حرام،
وكذا الكثير باتفاق أصحابنا كما في كتب النووي الفقهية، وهي مقدمة له على ما وقع
له في بعض كتبه الحديثية كـ(شرح مسلم)) من نقله عنهم عدم الكراهة في الکثیر.
وخرج بالراكد الجاري، فإن قلَّ كره ذلك فيه، وإن كثر لم يكره، والفرق: أن
الراكد وإن كثر تناثر بقضاء الحاجة فيه، ومن ثم لو استبحر ولم يتأثر به بحيث لا
تعافه نفس ألبتة لم يكره فيه مطلقًا بخلاف الجاري، فإنه لا يتأثر بذلك إلا إن قل.
وبحث النووي الحرمة في القليل مطلقًا؛ لأن فيه إتلافًا له على نفسه، وغيره
مردود بأنه مخالف لنص الشافعي وكلام الأصحاب، وما علل به ممنوع، فإنه يمكن
(١) أخرجه البخاري (٢٣٦)، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩)، والنسائي (٥٨)، وابن خزيمة (٩٤)،
وابن حبان (١٢٥٧)، والشافعي (١٦٥/١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٣)، وابن ماجه (٦٠٥)، وابن الجارود (٥٦)، وابن خزيمة (٩٣)، وأبو عوانة
(٧٧٩)، وابن حبان (١٢٥٢).
٣٣٨

٣٣٩
كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه
طهره بالمكاثرة على أنا لو سلمنا إتلافا لا يضر؛ لأن الكلام في الماء المباح الذي لم يجرِ
عليه ملك أحد، كمياه الفلوات، أو المملوك لقاضي الحاجة، وإتلاف هذا لا يقتضي
حرمة إلا إن دخل الوقت، وتعين للطهرية، بخلاف الماء الموقوف والمملوك لغيره،
فيحرم قضاء الحاجة فيه مطلقًا، ثم هذا التفصيل كله في غير الليل، أما فيه فيكره
قضاء الحاجة في الماء مطلقًا خشية أن يؤذيه الجن؛ لما قيل: إن الماء بالليل مأوى لهم.
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: ثم هو يغتسل فيه، فهو عطف
لجملة على جملة ((يبولن)) وقال البيضاوي: عطفًا على الصلة، وترتيب الحكم يشعر بأن
سبب المنع تنجسه به، فيحرم الاغتسال، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا
ینجس إلا بالتغییر. انتهى.
وفيه نظر؛ إذ عطف ((يغتسل)) على ((لا يجري)) بعيد جدًّا؛ إذ يصير تقديره نهي
عن الماء في الماء الذي لا يجري، ثم الذي يغتسل فيه، وهذا فيه ركة في المعنى، وإيهام
خلاف المراد فتأمله، لكنه يصير النهي على حقيقته من الحرمة؛ إذ النهي عنه حينئذٍ
الغسل بعد البول لا البول من غير غسل، وهو خلاف ما حمله عليه الأئمة، ويلزم
فرض ذلك في ماءٍ قليل راكد؛ إذ هو المتأثر بالبول فيه وإن لم يتغیر.
والأظهر عطفه على ما مرَّ، وثم بحالها فيكون المنهي عنه شيئين: البول فيه
مطلقًا، والغسل فيه مطلقًا، وكل من هذين جاء النهي عنه صريحًا في ((مسلم)) كما يأتي،
والنهي في كل منهما تارة يكون للتنزيه، وتارة يكون للتحريم، أما البول فقد مرَّ
تفصيله، وأما الاغتسال فإن كان بعد أن تنجس بالبول مثلاً فهو حرام، وإلا فهو
مكروه كما اتفق عليه أئمتنا، فقالوا: يكره الاغتسال في الماء الراكد وإن كثر، ومثله
البئر المعينة بخلاف الماء الجاري لخبر مسلم الآتي: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم
وهو جنب))(١).
(١) أخرجه مسلم (٢٨٣)، وَابْنُ ماجه (٦٠٥)، وابن الجارود (٥٦)، وابن خزيمة (٩٣)، وأبو عوانة
(٧٧٩)، وابن حبان (١٢٥٢).

٣٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وفي ((شرح المهذب)) للنووي عن ((البيان)): أن الوضوء به كالاغتسال، وحمل على
وضوء الجنب وفيه نظر، والأوجه بقاؤه على إطلاقه لقولهم: إن سبب كراهة ذلك
اختلاف العلماء في طهوريته مع أن الأعضاء لا تخلو غالبًا عن الأعراق والأوساخ،
فربما أورثه استقذارًا؛ إذ قضية ذلك، بل صريحه أنه لا فرق، وقضيته أيضًا عدم
الكراهة في المستبحر، وهو ظاهر كالجاري.
وجوَّز الشارح عطفه على ((يبولن)) قال: والمعنى عليه أظهر، فيكون (ثم)) مثل
((الواو)) في: ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)) أي: لا يكن منك أكل السمك وشرب
اللبن؛ أي: لا تجمع بينهما؛ لأن الاغتسال في الماء الدائم وحده غیر منهي عنه.
وقد قال النووي: الرواية بالرفع؛ أي: لا تُبُلْ ثم أنت تغتسل.
وقال ابن مالك: يجوز أيضًا جزمه على موضع ((يبولن)) ونصبه بإضمار ((إن))
وإعطاء ((ثم)) حكم واو الجمع، لكن هذا يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون
إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل القول فيه منهي عنه سواء أريد الاغتسال فيه أم
لا. انتهى.
أي: والاغتسال منهي عنه سواء بالَ فيه أم لا كما مرَّ اتفاق أصحابنا عليه
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وِفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ) جملة حالية
أفاد التقييد بها أن الراكد المستعمل في غسل الجنابة لا يبقى على ما كان عليه، وإلا لم
يكن للتقييد فائدة، وذلك إما بزوال الطهارة كما قاله أبو حنيفة، أو بزوال الطهورية
كما قاله الشافعي في ((الجديد))، ويؤخذ من التقييد بالجنب أنه لا يكره الغسل فيه
للتنظف، أو للسنة كغسل الجمعة.
والظاهر أنه غير مراد؛ لأن اختلاف العلماء موجود في الأخير؛ إذ لنا وجه أن
المستعمل في النقل غير ظهور؛ ولأن الاستقذار موجود في غسل نحو التنظيف، فالوجه
أن التقييد بالجنب لكونه أغلظ، ولإفادة استعمال الماء إذا كان قليلاً، واغتسل فيه أو