Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الطهارة/ باب الغسل
(مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) موضوع (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) واسع الرأس تدخل أيدينا فيه، ونأخذ
الماء للاغتسال به (فَيُبَادِرُفِي) أي: يسبقني لأخذ الماء (حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِ، دَعْ لِي [وَهُمَا
جُنُبَانٍ)(١)) أي: أترك لي ما أكمل به غسلي، وفيه دليل على أن فضل الجنب ولو امرأة
طاهر مطهر، ومحله عندنا إن نوى الاغتراف، وعليه يحمل فعله وَ﴿ وأنه عَلم ذلك
لعائشة.
وقد قال بعض الأئمة: المعلوم بالضرورة أنه * كان ينوي الاغتراف، وإذا تطهر
من الماء القليل؛ لأنا نجزم بأنه لو كان يأتي بعباداته على الوجه الأكمل، ولا يحصل
ذلك هنا إلا بنية الاغتراف؛ لأن المسلمين أجمعوا على صحة الطهارة معها، واختلفوا
فيما إذا خلت عنها فوجب اعتقاد أنه * ما كان يتطهر إلا بعد وجودها، واحتمال أن
معنى المبادرة أنه ﴿ ﴿ كان يسبقها فيغسل غسله كله ببعضه، ثم يترك لها بقية تغتسل
به ينافيه ظاهر قولها: (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) على أن فيه دليل لما مر أيضًا؛ لأنها اغتسلت بفضل
غسله * وهو جنب، وسيأتي النهي عن تطهر الرجل بفضل المرأة وعكسه، وبهذا
يقرب الحمل الأول؛ لأنهما إذا كانا يغترفان جميعًا فلا فضل لأخذهما بخصوصه (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
وفي رواية لمسلم عنها: «كنت أغتسل أنا والنبي ◌َله من إناءٍ يسع ثلاثة أمداد أو
قريبًا من ذلك))(٤).
(الفصل الثاني)
٤٤١ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ الرَّجُلِ
يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: ((يَغْتَسِلُ)) وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلاً،
قَالَ: (لَا غُسْلَ عَلَيْهِ)) قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّمَا
(١) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٦).

٣٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد(١)].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ
الْبَلَلَ) أي: وإن لم يكن منيًّ، وبه أخذ جماعة من التابعين، ولكن حمله أكثر
العلماء على المنيّ بأن يدرك خاصة من خواصه الثلاث السابقة، وإلا فلا وجه لوجوب
الغسل، لکنه یسن اختلاطًا.
(وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: يَغْتَسِلُ) أي: وجوبًا، وبه أخذ أئمتنا لكن قيدوه بما
لا بد منه لدلالة السياق والمعنى عليه، فقال النووي: من يتصور له مني لا صبي عمره
دون تسع سنين منيًّا في ظاهر بدنه أو ثوبه أو في ظاهر أو باطن فراشه، ولم يمكن
كونه من غيره كأن نام فيه وحده أو مع من لا مني له، ولم يحتمل حدوثه من خارج
لكونه بباطن ثوبه لزمه بالاتفاق الغسل، وإن لم يذكر احتلامًا لتحقق كونه منه،
ويلزمه أيضًا إعادة كل فرض علم أنه أداه بعد تحقق وجوده، وقبل غسله احتياطًا
للعبادة، فإن نام مع تمكن كونه منه ولو على نذور لم يلزم واحدًا منهما الغسل، وإن
أجنب أحدهما يقينًا؛ لأن كلاً بالنسبة لنفسه يشك هل يلزمه أو لا؟ نعم يسن لهما
الغسل والإعادة احتياطًا.
(وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلاً، قَالَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) أي: لأنَّه لا
يلزم من الاحتلام خروج المنيّ والموجب، إنما هو خروجه لا رؤية المجامعة، ومن ثم
أجمعوا على ذلك.
(قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) وهي أم أنس، رضي الله عنهما (هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ) أي:
المنيّ غسل (غُسْلُ؟ قَالَ: نَعَمْ) وإعادته بعد تصريحه وَّ به استبعادًا لاحتلام النساء،
ولما فهم ◌َّ منها ذلك ذكر لها العلة فيه فقال: (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) أي:
نظائرهم في الخلق والطبع لخلقهن منهم؛ إذ حواء خلقت من ضلع آدم القصير، وشقت
(١) أخرجه أحمد (٢٦٢٣٨)، والترمذي (١١٣)، وأبو داود (٢٣٦)، والدار قطني (٤٩٢)، ولم أقف عليه
عند ابن ماجه والدارمي.

٣٠٣
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
منه وشقيق الرجل أخوه من أبويه؛ لأنهما شُقًّا من ماءٍ واحد.
وأشار ◌ّ بذلك إلى إثبات القياس، وإلحاق النظر بالنظير، ومن ثم شمل خطاب
الذكور النساء إلا لدليل (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، [وَرَوَى)(١) الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلَى
قَوْلِهِ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) وسنده حسن.
٤٤٢ - [وعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ
الْغُسْلُ، فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﴿ فَاغْتَسَلْنَا (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ) وفي رواية: ((إذا
التقى الختانان))(٣) والمراد من الروايتين أنهما إذا تجاذبا بأن دخلت جميع حشفة الرجل
إلى ما لا يجب غسله في الاستنجاء، وهو ما لا يظهر عند جلوسها على قدميها (وَجَبَ
الْغُسْلُ) أي: سواء تماسا أم لا كأن لف على الذكر خرقة ولو غليظة.
وأما المجاوزة؛ بمعنى: المماسة فمتعذرة؛ لأن ختان المرأة في أعلى فرجها، فختان
الذكر إذا دخل الفرج لا يماسه، بل يجاذبه ويقابله، ولا الغسل يجب مع عدم المماسة
إجماعًا، فتعين حمل الحديث على ما ذكر (فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَيُ فَاغْتَسَلْنَا) أرادت
بذلك تأكيد ما دل عليه لفظ الحديث، وبيان أنه ناسخ لمفهوم حديث: ((إنما الماء من
الماء)) (٤) من أنه لا يجب بدخول الذكر من غير إِمناء غسل (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه
(وَابْنُ مَاجَه).
٤٤٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌّ،
فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ)) (٥). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
(١) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٠٢٣)، والترمذي (١٠٨)، ولم أقف عليه عند ابن ماجه بهذا اللفظ.
(٣) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٤) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٥) تقدم تخريجه.

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهِ الرَّاوي، وَهُوَ شَيْخُ لَيْسَ بِذَلِكَ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ) أي: لأن
اللذة هي الأصل في إيجاب الغسل؛ إذ الغالب أنه من جماع أو خروج منيّ تعم جميع
البدن، ولا يختص بمحل منه، ولذا وجب تعميمه كما قال: مفرعًا له على ما قبله إيذانًا
بأنه علة له.
(فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ) جميعه (وَأَنْقُوا الْبَشَرَ) الذي عليه شعر، والذي لا شعر عليه؛
لأن الشعر قد يمنع لكثافته وصول الماء لما تحته، كما أن الوسخ ونحوه يمنع ذلك فوجب
الإنقاء، وإيصال الماء إلى جميع ظاهر الجلد شعرًا وبشرًا، وإنما كانت كثافة اللحية في
الوضوء مانعة لوجوب إيصال الماء إلى باطنها؛ لأن فيه مشقة عظيمة؛ إذ الوضوء يتكرر
في اليوم الواحد مرات كثيرة بخلاف الغسل (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وضعفه (وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ
مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ) مشيرًا إلى ضعفه (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهِ)](١)
الرَّاوي) له ([وَهُوَ)(٢) شَيْخُ لَيْسَ بِذَلكَ) أي: ليس في ذلك المقام الكامل المعهود عندهم،
وهو مقام الحفظ والضبط والعدالة لما غلب عليه من النسيان والغفلة فروايته
ضعيفة.
٤٤٤ - [وَعَنْ عَلِىّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَايَةٍ
لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ)) قَالَ عَلِيٍّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ
رَأْسِي ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُما لَم يُكَرِّرًا: ((فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ
رَأْسِي))(٣)].
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ
-
(١) في المخطوط: ((والحافظ بن دحية))، والمثبت هو الأصح.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه أحمد (٧٢٧)، وأبو داود (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٩٩)، والدارمي (٧٥١)، وابن أبي شيبة
(١٠٦٧)، والبزار (٨١٣)، وابن عدي (٣٦٤/٥)، والبيهقي (٧٩٦).

٣٠٥
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
يَغْسِلْهَا) القياس لم يغسله، ولكنه أعيد على الشعرة نظرًا للمضاف إليه لبيان أن
المراد ترتب الوعيد على من ترك شعرة أو قدر موضع شعرة.
(فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ) كنايتين عن العدد مثل (كم، كما)) أن كيت
وكيت كناية عن الحالة والقضية؛ أي: تضاعف عليه العذاب أضعافًا كثيرة، وبُني
فعل للمفعول، وأبهم كذا ليدل على فظاعة ذلك الوعيد وشدته.
(قَالَ عَلِيُّ: فَمِنْ ثَمَّ) أي: من هنا وهو ترتب هذا الوعيد الشديد على ترك هذا
الشيء اليسير؛ أي: من أجل ذلك (عَادَيْتُ رَأْسِي) عدل إليه عن الشعر، واستعادة
المعاداة للخلق تمثيلاً لرأسه بالعدو المبالغ في العداوة؛ أي: فعلت برأسي ما يفعل
العدو بعدوه من استئصال الشعر من أصله مخافة عدم وصول الماء إلى شيء منه.
وعن أبي عبيدة: ((عَادَيْتُ شَعَرِي))(١) رفعته عند الغسل، ويؤيد الأول ما رَوَاهُ
الدَّارِيُّ آخر هذا الحديث، أن عليًّا ﴾ كان يجز شعره، قيل فيه دليل على أن حلق
الرأس سنة؛ لأنه ول﴿ قدره على ذلك؛ ولأنه رضوان الله عليه، من الخلفاء الراشدين
المهديين، الذين أمرنا باتّباع سنتهم والعض عليها بالنواجذ. انتهى.
وفيه نظر ظاهر؛ لأن تقريره # بتقدير أنه فعل ذلك بحضرته أو علمه، ولم
ينكر عليه وإلا فالحديث لا دلالة فيه على ذلك، إنما يدل على الجواز دون السنية،
وكونه من أولئك المذكورين لا يقتضي أن غيره يقلده فيما انفرد به؛ لأنا إنما أمرنا
باتّباع سنتهم التي اتفقوا عليها على أن الخبر الوارد عنه غير الخلق، فلا دلالة في
الحديث على ندب الخلق بوجه فتأمله، بل لودل على ندبه كان اتِّباع النبي ◌َّ أولى؛ إذ
هو ◌َّ لم يحلق رأسه في غير نُسك، نعم لو قيل ذلك: لقائل السنية بما إذا شق عليه
تعهد رأسه، وخشي انتشاره وتشعبه وعدم وصول الماء جمیعه، ولو على ندور لكان ما
قاله قريبًا.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦٧)، وأحمد (٧٢٧)، وأبو داود (٢٤٩)، وابن ماجه (٥٩٩).

٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وأمَّا إطلاقه السنة فهو منابذ لفعله ◌َّ فلا يلتفت إليه (فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي)
فمن ثم عاديت رأسي (ثَلَاثًا) فكان ظه يجز رأسه خوفًا من أن يفعل شيئًا من شر رأسه
فيترتب عليه ذلك الوعيد (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُما) أي: الأخيرين (لَم
يُكَرِّرَا) قوله: (فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي) وسنده حسن، وبه يتقوى الحديث الذي قبله؛
٥
لأن ترتب ذلك الوعيد على ترك موضع شعره صريح في أن تحت كل شعرة جنابة.
٤٤٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ
الْغُسْلِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهْ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ)
يحتمل أن مرادها ولا قبله وهو بعيد، بل الظاهر أنها أرادت بل قبله، وبهذا أخذ
أصحابنا فقالوا من سنن الغسل المؤكدة: الوضوء كاملاً بعد المضمضة والاستنشاق، فإن
أخره أو بعضه عن الغسل أو أتى به أثناءه حصل أصل السنة؛ لأنه وَّ (أخَّر غسل
قدميه إلى ما بعد الغسل)»(٢) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وفاته الأفضل وهو التقديم؛ لأنه الغالب
من أحواله، والعادة المعروفة له وَله قالوا: ولا نشرع وضوءان اتفاقًا للخبر الصحيح:
((كان ◌ٍَّ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة))(٣).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه) وسنده صحيح.
٤٤٦ - [وعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطِيِّ وَهُوَ جُنُبُ، يَجْتَزِئُ
بِذَلِكَ وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخَطِيِّ) هو بكسر أوله المعجم
(١) أخرجه أحمد (٢٥١٢١)، والترمذي (١٠٧)، والنسائي (٢٥٤)، وابن ماجه (٦٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠) ولفظه: «اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْخَائِطُ ثُمَّ
غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ)».
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٥٦)، والبيهقي (٨٩٨).

٣٠٧
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
نبت معروف يتنظف به (وَهُوَ جُنُبٌ، يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ) أي: يقتصر عليه (وَلَا يَصُبُّ
عَلَيْهِ) أي: رأسه الشريف (الْمَاءَ) أي: القراح بعد غسله بالماء مع الخطمي بتقدير
صحة سنده، وإلا فسيأتي أنه لم يصح، وفي ظاهره دلالة لما قاله بعض أصحابنا: إن تغير
الماء بما على العضو من نحو حناء وسدر ودهن لا يضر، لكنه ضعيف عندهم.
والأصح: إنه يضر التغير بذلك، ويجاب عن ظاهر الحديث بأنه وافقه حال فعليه
محتملة؛ إذ يحتمل أن ذلك الخطمي لم يغير الماء لقلته، والوقائع الفعلية تسقط بمثل
هذا الاحتمال كما حقق في علم الأصول على أن لنا أن نقول: ليس من لازم وجود
الخطمي التغير، فمن ادعى أنه غير الماء، وأنه ◌َلي اجتزاً بالماء مع تغيره به عليه البيان،
وتقرير الحديث بما ذكرته مع الجواب عنه أولى مما قاله البيضاوي والطيبي فتأمله!
وعيادة الأول في الحديث تسامح؛ لأن ظاهره يدل على أنه كان يقتصر على استعمال الماء
المخلوط بالخطمي.
ومن المعلوم أن الذي يغسل الذي يغسل رأسه بالخطمي يفيد الماء على رأسه
بعده مرارًا، ليزيل أثره، فلعله أراد أنه ** يقتصر على ما يزيله، ويفيض بعد إزالته ماء
مجددًا للغسل. انتهى.
وقد بان بما قررته أنه لا تسامح في الحديث بوجه؛ إذ الاقتصار على الرمح غسل
الرأس بالماء المخلوط بالخطمي الذي لا يغيره، لا ينافي الشرع والعادة فاندفع قوله:
((ومن المعلوم ... إلى آخره)) على أنه لو سلم أن هذا هو الواقع عادة لم يقتضي صرف ظاهر
الحديث المفيد لذلك المعنى الصحيح الذي قررته إلى ذلك المعلوم، وبهذا يندفع أيضًا ما
ترجاه بقوله: فلعله إلى آخره؛ لأن من نظر إلى ما قررت به الحديث لا يحتاج لهذا
الترجي (رواه أبو داود) وفي سنده رجل مجهول.
٤٤٧ - [وَعَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ
الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ وَتْ حَبِيُّ سِتِّيرَ، يُحِبُّ الْخَيَاءَ وَالَّسَتُّرَ،

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ، وِفِي رِوايَةٍ: ((إِنَّ اللّهَ وَق
سِتِّيرَّ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ)) (٢)].
(وَعَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ) أي: بالصحراء
عريانًا كما أفاده السياق (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) فيه إشارة إلى أن الأمر
بالتستر والنهي عن التكشف من الأمور المهمة؛ لأنه * ما كان يصعد المنبر إلا في
المهمات.
(ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللّهَ حَيُّ) أريد به غايته على القاعدة المقررة أن أسماءه تعالى
المستحيل عليه ظاهرها يراد بها غايتها، وغاية الحياء ترك القبيح، وهو تعالى منزه عن
أن يصدر منه قبيح، فينبغي للعبد أن يتخلق بذلك لما جاء: ((تخلقوا بأخلاق الله)(٣)
وفي هذا غاية منه للإرشاد لنحو المغتسل عاريًا بمحل يراه الناس بألّا يعود لذلك
استحياء من الماء.
ومن ثم لما قال أئمتنا: يحرم كشف العورة في الخلوة لغير حاجة؛ لأن فيه ترك
الحياء من الله تعالى لورد عليهم أنه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ٥]
فيستوي بالنسبة لاطلاعه وعلمه المستور وغيره وردوه بأنه تعالى، وإن أحاط علمه
بهما إلا أنه يرى المستور على حالة تقتضي الأدب، والمكشوف على حالة تقتضي ترك
الأدب، وشتان ما بينهما (سِقِّيرُ) أي: مبالغ في الستر لذنوب عباده وقبائحهم.
وحكمة ذكره هنا: إرشادهم إلى التخلق أيضًا بأخلاق الله تعالى؛ لأنه تعالى إذا
ستر على عبده ولم يفضحه بإيقاع العذاب به، فينبغي أن العبد یتذکر ذلك حتى يستر
نفسه بمنعها من ارتكاب القبائح، والتخلي عن الفضائح، ودل على هذا التخلق الذي
قلناه في شرح هذين الاسمين العظيمين قوله ﴿٣* عقبهما: (يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُرَ) أي:
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٩٩)، وأبو داود (٤٠١٢)، والنسائي (٤٠٦)، والبيهقي (٩٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٤٥٥)، والنسائي (٤١٠).
(٣) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٣٥٤/٦).

٣٠٩
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
من العبد؛ لأن من تحلى بهما وصل إلى كل خير والكف عن كل شر.
وحاصل حكم من اغتسل عاريًا أنه إن كان بمحل خالٍ لا يراه أحد ممن يحرم
عليه نظر عورته حل له ذلك، لكن الأفضل الستر حياء من الله تعالى، وإن كان
بحيث يراه أحد يحرم عليه نظر عورته وجب عليه التستر منه إجماعًا على ما حُكي،
وعلى هذا يحمل قوله وَيَهُ: (فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَيِرْ) ويصح حمله على الحالة
الأولى أيضًا بناء على استعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه وهو ما يقول به الشافعي ظـ
وحقيقة الأمر الوجوب، ومجازه الندب، ووهم بعض من لا علم عنده فقال:
الواجب على ذلك غض البصر عنه فلا يلزمه التستر، وهذا كلام ساقط؛ لأن وجوب
الغض لا يبيح التكشف، ولا يقاس هذا بما حُكي من الإجماع على أن للنساء أن
يخرجن سافرات الوجوه وعلى الرجال الغض.
أُمَّا أولاً: فذاك لحاجة لمشقة ستر الوجه في الطرقات.
وأمَّا ثانيا: فهذا تسامح فيه ما لا يتسامح به في ذلك؛ لأن وجه المرأة ليس بعورة،
ولذا أباح النظر له مع أمن الفتنة كثيرون بخلاف العورة الكبرى التي هي السوءتان،
فإنه لم يقل أحد بحل نظرها، وكذا بقية ما بين السرة والركبة عند من يقول بأنه عورة
فوجب ستر الكل حذرًا من تطرق نظر محرم إليه، فيكون متسببًا له بعدم ستره،
والتسبب في الحرام ولو من الغير حرام.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ، وفِي رِوايَةٍ: إِنَّ اللّهَ سِتِّيرْ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ
فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ) واستفيد من هذه ((أن اغتسل)) في الرواية الأولى؛ بمعنى: أراد أن
يغتسل، وأن المراد بالستر المأمور به في تلك ندبًا أو وجوبًا التواري بشيء بحيث يمنع
من رؤية عورته لو اطلع أحد عليه من غير أن يشعر به.
(الفصل الثالث)
٤٤٨ - [وَعَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: (إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ أُبِيّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) أي: إنما كان انحصار
وجوب الغسل بالماء في خروج الماء الذي هو المنيّ حتى لا يجب بإدخال الحشفة أو
الذكر كله من غير إنزال منيّ غسل كما أفاده حديث ((إنما الماء من الماء))(٩) السابق أول
الباب.
(رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ) أي: تخفيفًا على الناس حينئذ؛ لأنهم؛ إذ ذاك كانوا
قريبي عهد بكفر وجاهلية محضة، فلو فوجئوا بالتكليفات كلها من أول وهلة لنفروا
وأبوا، فاقتضت الرحمة الإلهية الرافعة للحرج الشديد عن هذه الأمة أن التكاليف
الشاقة، إنما تطرقهم شيئًا فشيئًا حتى تطمئن نفوسهم إليها لتمكنها في معرفة الحق،
ومخالطته للحمها ودمها.
ومن ثم أحلت لهم الخمر والمتعة ابتداءً ثم نسختا، ولم يكلفوا أولاً إلا
بالتوحيد، ثم بعد مدة فرضت عليهم من الصلاة ما في أول سورة ((المزمل)) ثم نسخ في
آخرها، ثم بعد مدة نسخ ذلك كله بوجوب الصلوات الخمس، ثم بعد تحولهم إلى المدينة
فرض عليهم رمضان، ثم الزكاة ثم تتابعت الفرائض.
(ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا) أي: عن العمل بقضيتها، ونسخ ذلك الحصر المستفاد
من خبر: ((إنما الماء من الماء))(٣) ووجب الغسل بإدخال الحشفة ولو من وراء
حائل، وإن لم تحصل لذة ولا إنزال (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ) وسنده
حسن.
٤٤٩ - [وَعَنْ عَلىّ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنِّيّ اغْتَسَلْتُ مِنَ
الْجَنَابَةِ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ مَلِ: (لَوْكُنْتَ
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥)، والترمذي (١١٠)، والدارمي (٧٨٧).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.

٣١١
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَكَ))(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَ: إِنَّ اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ
وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ) أي: بعد انقضاء صلواتي (قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ) من بدني (لَمْ
يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ وَِّ: لَوْ كُنْتَ) أي: حال اغتسالك (مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ) أي: لو
وصلت يدك مع ما فيها من البلل لتلك اللمعة.
(أَجْرَأَكَ) ذلك؛ لأنه متضمن لانغسالها؛ إذ الغالب أن البدن إذا مرت عليه اليد
مبلولة يكفيه بعد ذلك ما يصب عليه؛ لأن الماء لا ينقطع حينئذ، بل يتراكم
ويتتابع على البدن، وأفهمت لو أن ما فعله لم يجزيه، فيلزمه غسل تلك اللمعة بالنية
ويجزيه الاقتصار عليه، وإن طال الفصل ويلزمه أيضًا إعادة ما صلاه من الفرض قبل
غسلها (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٤٥٠ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ
مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ وَهِ يَسْأَلُ حَتَّى
جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً»(٢). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد].
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ) صلاة؛ أي:
حين فرضها ليلة الإسراء (وَ) كان (وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَاتٍ، وَ) كان (غَسْلُ
الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ وَ﴿ يَسْأَلُ) ربه في التخفيف عن أمته لعظيم ما
عنده ◌َليّ من الرأفة والرحمة.
ومن ثم كان يعز ويشق عليه عنتهم ومشتقهم كما قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا) وسيأتي كيفية ذلك في مبحث الإسراء (وَ) حتى
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٠٩).
(٢) أخرجه أحمد (٦٠٢٤)، وأبو داود (٢٤٧)، والبيهقي (٨٨٢).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
جعل (غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً [وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً](١)) نعم جميع ظاهر البدن شعرًا
وبشرًا، وهذا مع النية أقل الواجب في الغسل.
وأمَّا أكمله فيحتاج لأفعال كثيرة مستوفاة في كتب الفقه، وقد مر منها جمل
مستكثرة إنه يشترط أن يزيل جميع أوصافه من طعم ولون وريح ما لم يعسر أحد
الأخيرين كما يأتي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن، كما قاله بعض الحفاظ ووجهه: أن أبا
داود لم يضعفه فيكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وإن كان في سنده أيوب بن جابر،
وقد اختلفوا في تضعيفه.
(١) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكلة.

(باب مخالطة الجنب وما يباح له)
(الفصل الأول)
٤٥١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَنَا جُنُبُ، فَأَخَذَ بِيَدِي
فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْثُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ حِثْتُ وَهْوَ قَاعِدُ،
فَقَالَ: (أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِّ؟)) فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ الله ◌ِإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ)). هَذَا
لَفْظُ البُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((فَقُلْتُ لَهُ): (لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبُ
فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ)(١). وَكَذَا البُخَارِيُّ ◌ِي رِوَايَةٍ أُخْرَى).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهَ وَأَنَا جُنُبُّ) من الجنابة وأصلها
البعد، وأطلقت على ذي الحدث الأكبر لبعده عن المساجد، وكثير من العبادات (فَأَخَذَ
بِيْدِي) يحتمل أن يكون أخذه بها للاتكاء عليها، وأن يكون لمجرد التأنيس
والإكرام وعلى كل ففيه ندب مثل ذلك من المُقتدى به لبعض أصحابه لفرحه به في
كل من النوعین.
(فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ) أي: مضیت وخرجت بتدریج وتأنٍ حتى لا
يشعر بي استحياء منه، ومبالغة في التأدب معه وَّهِ (فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ) المعهود ذهنًا، وهو
منزل نفسه ويطلق الرجل أيضًا على أمتعة المسافر التي معه (فَاغْتَسَلْتُ) فيه (ثُمَّ
جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدُ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرِّ؟) فيه غاية التلطف به والمباسطة معه؛ إذ
كان نداؤه إياه بذلك علامة على ذلك (فَقُلْتُ لَهُ) السبب الحامل لي على الذهاب، ثم
العود وهو الجنابة.
(فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) هو للتعجب من حال أبي هريرة المفهم أنه ظن أن مخالطة
(١) أخرجه البخاري (٢٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وأحمد (٧٢١٠)، وابن أبي شيبة (١٨٢٥)، وأبو داود
(٢٣١)، والترمذي (١٢١) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢٦٩)، وابن ماجه (٥٣٤)، وأبو عوانة
(٧٧٣)، وابن حبان (١٢٥٩).
٣١٣ ٠

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الجنب لغيره لا تجوز أو لا ينبغي لقدرة (إِنَّ) أكد بها رد الشك أو اعتقاد أبي هريرة أن
في تلك المخالطة محذورًا (الْمُؤْمِنَ) التعبير به الغالب؛ إذ لا قائل بالفرق بينهما في
الحكم الذي هو أنه (لَا يَنْجُسُ).
وفي رواية صحيحة أيضًا: ((حيًّا ولا ميتًا)(١) وفيه التصريح بمذهبنا أن الآدمي
المسلم وغيره لا ينجس في الحياة، فيجوز مصافحته ومخالطته لطهارة بدنه وعرقه، وهو
قول عامة أهل العلم.
ومن زعم أن الحدث نجاسة حكمية فمن لزمه وضوء أو غسل يكون نجسًا
حكمًا، فقد أبعد النجعة وخالف هذا الحديث من غير موجب ولا بالموت؛ لأن الله
كرمه بقوله عز قائلاً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] ومن لازم تكريمهم
الحكم بطهارتهم، ويلزم القائل: بالنجاسة الخروج عن القياس والنظائر؛ إذ لم يعهد
في الشرع أن نجس العین یغسل وجوبًا لا ندبًا.
فإن قلت: وكذلك طاهر العين الذي لا نجاسة عليه لم يعهد غسله قلت: ممنوع،
بل هذا معهود ألا ترى أن المحدث حدثًا أصغر أو أكبر، وكذا المتنجس بعد طهارته
يجب غسله أو يسن مع طهارة عينه وعدم نجاسة عليه، فغاية الموت أنه كالحدث بجامع
الاستقدار فوجب الغسل فيه لذلك.
فإن قلت: كيف ذلك التكريم مع وجوب القتل لنحو الحربي والزاني المحصن،
قلت: التكريم هنا المراد به ما يرجع للذوات كما أفاده نظم الآية؛ إذ التكريم لأوصاف
ذلك فعدلك بقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] وحينئذ فالتكريم الذاتي يقتضي
طهارة الذات في الحياة وبعد الممات، بل وطهارة أصلها وهو المنيّ فتأمل ذلك فإني لم أرَ
من نبه عليه وهو مهم.
(هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَّهُ) زيادة هي شرح
(١) أخرجه الحاكم (١٤٢٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والدارقطني (٧٠/٢)، والبيهقي
(١٣٦٠) وقال: غريب والمعروف موقوف.

٣١٥
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
لما انطوى في تلك مما أشرت إليه وهي (لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبْ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ
حَتَّى أَغْتَسِلَ. وَكَذَا) روى هذه الزيادة أيضًا (البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى).
٤٥٢ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
لِرَسُولِ اللهِلَّهِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َِ: «تَوَضَّأُ وَاغْسِلْ
ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ الله
وَّهِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ) أي: وأنه يريد أن ينام بلا غسل كما دل عليه
السياق (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: تَوَضَّأُ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي: قبل الوضوء؛ إذ الواو لا
تفيد ترتيبًا، وحكمة تقديم الأمر بالوضوء الاهتمام بشأنه، وسن غسله إزالة لما عليه
من القذر (ثُمَّ نَمْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه التصريح بمذهبنا أنه يسن للجنب إذا أراد أن
ينام، ويؤخر الغسل لحاجة أو غيرها أن يتوضأ الوضوء الشرعي كما يأتي.
٤٥٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا كَانَ جُنُبًا
فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ
يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٤٥٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ
أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأُ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالْ: إِذَا أَنَى) أي: جامع
(١) أخرجه البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٦)، ومالك (١٠٧)، وأبو داود (٢٢١)، والنسائي (٢٦٠)،
وأحمد (٥٤٤٢)، وابن حبان (١٢١٣).
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٦)، والدارمي (٢١٣١)، والبيهقي (١٠١٥).
(٣) أخرجه مسلم (٣٠٨)، وأحمد (١١٢٤٣)، والطيالسي (٢٢١٥)، وأبو داود (٢٢٠)، والترمذي (١٤١)
وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (٩٠٣٨)، وابن ماجه (٥٨٧)، وابن خزيمة (٢١٩).

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ) للجماع مرة أخرى (فَلْيَتَوَضَّأُ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا. رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
ومن هذا الأحاديث وغيرها لكونه ولو كان يفعل ذلك أخذها أئمتنا قولهم: يسن
للجنب ومنه الحائض والنفساء غسل فرجه، والوضوء الشرعي إن وجد الماء وإلا تيمم
لجماع آخر لمن جامعها أولاً أو غيرها للاتّباع مع ما صح من أمره ◌َّ بذلك، وعلله
بأنه أنشط للعود ويكره ترك ذلك، والندب والكراهة إذا كانت الثانية غير الأولى أشد
وللأكل والشرب والنوم للاتِّباع فيما عدا الشرب.
وللخبر الصحيح: ((رخَّص رسول الله وَّ﴾ للجنب إذا أكل أو شرب أو نام))(١) أي:
إذا أراد واحد من هذه الثلاثة أن يتوضأ وقتًا لغير النوم في غسل الفرج عليه لوروده فيه
في حديث عمر السابق، ويكره فعل شيء مما ذكر قبل غسل الفرج والوضوء.
والحكمة في ذلك: تخفيف الحدث غالبًا والتنظيف؛ إذ الأصح أن الوضوء يؤثر في
حدث الجنب ويزيله عن أعضاء الوضوء.
وقيل: الحكمة لعله ينشط للغسل، وتقيدهم الوضوء بالشرعي أخذوه من قول
عائشة المذكور: ((وضوءه للصلاة)) وقيس ما ليس فيه على ما فيه، وقيل: المراد به في
الأكل والشرب غسل اليدين وعليه جمهور العلماء؛ لأنه جاء مفسرًا في خبر للنسائي.
وقال الحليمي من أئمتنا: هو في العود للوطء غسل فرجه لرواية، ثم إن أراد أن
يعود فلیغسل فرجه قبل، وعليه الجمهور أيضًا. انتهى.
ويرده قوله في خبر مسلم المذكور: ((وضوءً)) إذ هو تأكيد بالمصدر، وليس له
نكتة ظاهرة إلا رفع المجاز، قال الماوردي: ولو اغتسل للجماع الثاني كان أفضل؛ لأن
النشاط فیه أکثر.
٤٥٥ - [وَعَنْ أَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ(٢). رَوَاهُ
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٥).
(٢) أخرجه مسلم (٧٤٣)، وأحمد (١٣٧٠١)، والترمذي (١٤٠).

٣١٧
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)
وكذا البخاري لكن بلفظ آخر، وهذا إنما كان ◌َ* يفعله في بعض الأوقات، قال
النووي: وهو محتمل أنه كان يتوضأ بينهما أو تركه بيانًا للجواز، ثم ذلك كان برضاهن
لوجوب القسم عليه ◌َّم على الأصح.
ومن ثم قال في شرح ((التعجيز): للرجل أن يطأ بغسل واحد يسن لأخرتين
لاستلزامه وطء واحدة في نوبة الأخرى؛ أي: وهو حرام بغير رضاها، ودعواه ذلك
لاستلزام ممنوع، فقد يطأ واحدة آخر نوبتها، وأخرى أول نوبتها.
فائدة في خبر البخاري: إنه كان يطوف عليهن وهن إحدى عشرة في الساعة
الواحدة، وإنه قيل لأنس: أو كان يطيقه، فقال: كنا نتحدث أنه أُعطي: «قوة ثلاثين
رجلاً)).
وعند الإسماعيلي عن معاذ: ((قوة أربعين)).
زاد أبو نعيم عن مجاهد: ((كل رجل من رجال أهل الجنة)).
وفي حديث قال الترمذي: صحيح غريب ((إن كل رجل من أهل الجنة يعطى
قوة مائة رجل، فيكون *ه أعطي في الجماع قوة أربعة آلاف رجل)) فبهذا يندفع ما
استشكل من كونه لم أعطي قوة أربعين فقط، وسليمان القيمه أعطي قوة مائة رجل أو
ألف على ما ورد.
وحكمة تمييزه عن الخلق في زيادة الوطء وقلة الأكل: جمع الله بذلك بين
الفضيلتين في الأمور الاعتبارية كما جمع الله الفضيلتين في الأمور الشرعية حتى
يكون حاله كاملاً في الدارين.
٤٥٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَذْكُرُ اللهَ

٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وَكَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ ((الأَطْعِمَةِ)) إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى].
(وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَذْكُرُ اللّهَ وَى عَلَى
كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: أحواله (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه يؤخذ أن الجنب لا يمتنع عليه شيء من
الأذكار غير القرآن، بل هي مستحبة حتى في حقه، فإن قلت: يعارض هذا الخبر
الصحيح وهو قوله وقالفيه: ((كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال طهارة))(٢).
وفي رواية: ((كان يذكر الله على كل أحيانه إلا في الجنابة)» قلت: لا معارضة
لإمكان الجمع بحمل الأول على أنه كان يفعل ذلك للتشريع، وبيان أن الجنب لا ينبغي
له الإمساك عن الذكر، والثاني على أنه ينبغي للجنب، بل والمحدث لما يأتي في حديث
المهاجر المبادرة إلى الطهارة ليقع ذكره على أكمل الأحوال.
فالحاصل: إن الأول لبيان الجواز، بل بقاء أصل الاستحباب، والثاني لبيان
أفضل الأحوال، ومما يصرح ببقاء الاستحباب له قول أصحابنا: يسن للجنب على
الأصح البسملة، ونحوها للأكل، ونحوه هو في الأذكار كغيره.
ومن ثم قالوا أيضًا: يسن إجابة المؤذن حتى للحائض، والنفساء وخالف فيه
السبكي، كما يأتي بسطه في باب الأذان، وقد يجمع أيضًا بحمل الأول على ما إذا لم
تتيسر الطهارة، والثاني على ما إذا تيسرت.
ثم رأيت بعضهم ذكر ما يؤخذ منه جمع آخر وهو حمل الأول؛ أعني: الذكر في
حال الجنابة، والخلاء مثلاً على القلبي؛ أي: كان لا ينسى الله في حال من الأحوال،
والثاني وهو تركه الذكر إلا على طهارة على اللساني.
قال: وأعلى النوعين القلبي، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِیرًا﴾
[الأحزاب: ٤١] وفيما ذكره آخرًا نظر كيف؟ وصرَّح بعض أئمتنا بأن القلبي المحض لا
(١) أخرجه مسلم (٨٥٢)، وأحمد (٢٥١٤٣)، والترمذي (٣٧١٢)، وأبو داود (١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (٣٨)، وابن حبان (٨٠٦)، والحاكم (٥٩٢).

٣١٩
كتاب الطّهارة/ باب مخالطة الجنب وما يباح له
ثواب فيه، فكيف يكون أعلى من اللساني؟ وهو فيه الثواب قطعًا، فالحق أن الأعلى ما
جمع القلب واللسان ثم اللساني ثم القلبي، وبقي الثواب فيه يتعين أن يحمل على أنه من
حیث کونه ذکرًا مأمورًا به.
أما من حيث الحضور مع الله، والمراقبة أو المشاهدة له تعالى، ففيه ثواب أي
ثواب، فإن قلت: فكيف مع ذلك يفضل اللساني عليه؟ قلت: لأن في الإتيان به
الامتثال لما أمر به الشارع من حيث الذكر بخلاف ذلك.
ألا ترى أنا متعبدون بالأذكار المقيدة بزمن أو فعل أو محل، كذكر رؤية الهلال
ودخول المنزل ولا يؤخذ امتثال ذلك التعبد إلا بالنطق به، بحيث يسمع نفسه بخلاف
ما إذا لم يسمع نفسه بأن أتى به بقلبه فقط، فإنه لم يمتثل ووقع في لوم الترك، وثوابه
على ذلك الحضور، إنما هو على جهة أخرى أجنبية عن المأمور به فتأمل ذلك فإنه مهم.
(وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ) المذكور في (المصابيح)) هنا والذي رَوَاهُ مُسْلِمُ (سَنَذْكُرُه في
كِتَابِ ((الأَطْعِمَة)) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).
(الفصل الثاني)
٤٥٧ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيّ
وٍَّ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كُنْتُ جُنُبًا.
فَقَالَ: (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَهُ، وَرَوَى الدَّارَمِيُّ
شَرْحَهُ].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي
جَفْنَةٍ) حال من الفاعل؛ أي: مدخلة يدها في جفنة تغرف منها، وإنما حمل على هذا
دون كونها في الجفنة، الشاهد لما قاله المالكية من طهورية المستعمل، قيل: ليطابق
جوابه الآتي أن الماء لا يجتنب. انتهى.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٠٩٣)، وأبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، والنسائي (٣٢٥)، وابن ماجه
(٣٧٠)، وابن حبان (١٢٤٨)، والبيهقي (٨٥٩)، والطبراني (١١٧١٤).

٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وفيه نظر لصحة ذلك الجواب على كل حال من الاحتمالين، وإنما الذي ينبغي أن
يجاب به أن يقال: هذا محتمل لكل من هذين الأمرين، فعلى احتمال الاغتراف أو أنها
غُسلت في نفس الجفنة لهم حجة فيه، لكن الدليل إذا احتمل مثل ذلك يصير لا
متمسك لهم فيه ألبتة؛ لتصريحه بأن الغسل من الجفنة لا فيها، وأنه فضل منها فضلة،
فالحكم بطهارة تلك الفضلة لا يقتضي طهورية المستعمل.
(فَأَرَادَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ) أي: من الماء الذي في تلك الجفنة كما دل عليه
السياق (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كُنْتُ جُنُبًا) لم يؤنثه؛ لأنه مصدر يستوي فيه
المذكر والمؤنث، وكأنها توهمت أن يد الجنب بناء على الاحتمال الأول أو بدنه بناء على
الاحتمال الثاني إذا لاقى أحدهما الماء القليل منع الطهرية، كما أن اليد النجسة أو
البدن النجس كذلك.
(فَقَالَ) النبي ◌َّ لها ردًّا لما توهمته: (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ) أي: لا تنتقل إليه
الجنابة بمماسته ليد الجنب أو بدنه، والفرق بين الجنابة والنجاسة أن النجاسة أفحش،
ولهذا يجب غسل باطن العين والفم والأنف من النجاسة، ولا يجب غسله في
[الجنابة](١) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده صحيح (وَرَوَى الدَّارَبِيُّ
شَرْحَهُ).
٤٥٨ . [وفي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْهُ عَنْ مَيْمُونَة بِلَفْظِ (المَصَابِيح))].
(وِفِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)) عَنْهُ) أي: ابن عباس (عَنْ مَيْمُونَة بِلَفْظِ (المَصَابِيح))) وهو:
اجتنبت فاغتسلت من جفنة وفضل؛ أي: بكسر الضاد وفتحها منها فضلة.
الحديث وسنده صحيح أيضًا، وفيه أن الماء ليس عليه جنابة، وظاهر هذه
الرواية والتي قبلها، بل صريحهما أن فضل طهر المرأة طهور، وأنه لا يكره استعماله،
وإن خلت به مع قولهم بطهارته للخبر الآتي نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة،
(١) ذكرت [النجاسة] ولعل المثبت هو الأصح.