Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء ذلك فإنه يزيل عنك إشكالات وقعت في كتب فقهائنا (لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) أي: النبي وَلِّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وسنده حسن. ٣٣٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ((قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِن الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ))(١). رَوَاهُ مَالِكُ وَالشّافِعِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا) المراد به: مسها لا خصوص مدلوله وهو التفتيش عن بواطن الأمور (بِيَدِهِ مِن الْمُلَامَسَةِ) أي: التي ذكرها الله بدليل قراءته الآية: ﴿أَوْ لا مَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] كما مر. (وَ) إذا تقرر أنه من الملامسة الناقضة للوضوء بالنص علم منه أن (مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) وبما تقرر علم أن الأحق هنا الفاء لا الواو في ((ومن قبل)) لكنها تركت اتكالاً على ذهن السامع، وإدراكه الترتيب بأدنى التفات إليه (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِيُّ). ٣٣١ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ كَانَ يَقُولُ: ((مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ)(٢). رَوَاهُ مَالِكٌ]. (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَتَهُ) منصوب بقبلة؛ لأنها اسم مصدر (الْوُضُوءُ) في تقديم الخبر قصر قلب؛ لما في ذهن المخالف أن الناقض غير هذا كخروج الدم لا هو فقيل له: بل الناقض هذا لا ذاك (رَوَاهُ مَالِكُ). ٣٣٢ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا(٣)]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ (١) رواه مالك (١٣٤)، والشافعي (٢٥). (٢) رواه مالك (١٣٥). (٣) أخرجه الدارقطني (١٤٤/١)، والحاكم (٤٧٠)، والبيهقي (٦٠٠). ٢٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني اللَّمْسِ) أي: المذكور في الآية بناء على القراءة به (فَتَوَضؤُوا مِنْهَا). ٣٣٣ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: (الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلٍ))(١). رَوَاهُما الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولَانِ]. (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلٍ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) اللذان في سنده (َجْهُولَانٍ) وبذلك يظهر ما ذهب إليه الشافعي وأكثر العلماء أنه لا نقض بخروج دم مطلقًا، نعم يسن الوضوء منه ومن القيء ومن لمس الأمرد أو المحرم ومن النوم ولو ممكنًا، وما في معنى ذلك في كل ما وقع خلاف في النقض به، ويغتفر تردد النية في الوضوء للضرورة. (١) أخرجه الدارقطني (١٥٧/١). (باب أدب الخلاء) بالمد وأصله المكان الخالي، ثم جعل علمًا على محل قضاء الحاجة لخلوه وخلو ما فيه غالبًا. (الفصل الأول) ٣٣٤ - [عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:(إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحسبي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا الْحَديثُ فِي الصَّحَرَاءِ، وَأَمَّا فِي البُنْيَانِ فَلَا بَأْسَ؛ لِمَا رُوِيَ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) هو في الأصل المطمئن من الأرض، ثم نقل لمحل قضاء الحاجة لاعتياد قضائها فيه؛ لأنه أستر ثم توسع فيه فصار يطلق على الخارج نفسه، تسمية للمحل باسم محله. (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِيْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) فكل منهما حال قضاء الحاجة، ولا عبرة بالصدر حرام في الصحراء والبنيان لا يستثنى من ذلك إلا المحل المهيأ لقضاء الحاجة في البنيان والصحراء، فلا حرمة فيه مطلقًا لحديث ابن عمر الآتي، لكن إن أمكنه الميل عن القبلة بلا مشقة كان الميل عنها أفضل، وإلا إذا كان بينه وبين القبلة ساتر طوله ثلثا ذراع فأكثر بذراع الآدمي المعتدل، وقد قرب منه ثلاثة أذرع بذلك فأقل، وإن لم يكن له عرض كعود نصبه أمامه أو خلفه؛ لأن سبب النهي تعظيم الكعبة وهو حاصل عند تلك السترة، ومن ثم کفي إرخاء ذيله. (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا) أي: وإن كانت قبلتكم لغير الشرق أو الغرب كأهل (١) أخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٢٦٤)، وأحمد (٢٣٦٢٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، وقال: هو أحسن شيء في هذا الباب وأصح. (٢) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٦٣٥)، وأحمد (٤٧٠٧). - ٢٠٣ - ٢٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني المدينة ومن على سمتهم، فالخطاب لهم أمَّا من قبلة المشرق أو الغرب، فإنه ينحرف للجنوب أو الشمال (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِبِي السُّنَّةِ) البغوي (رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا الحَديثُ فِي الصَّحَراءِ) أي: والبنيان غير الخلاء. (أَمَّا فِي البُنْيانِ) يعني: الخلاء، ليطابق الحديث الذي استدل به (فَلَا بَأْسَ) باستقبال الكعبة أو استدبارها فيه (لِمَا رُوِيَ) الأولى رواه؛ لأن روي إنما تستعمل في الضعيف ونحوه. ٣٣٥ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقْضِي حَاجَتْهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ]. (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ) سطح (بَيْتٍ) أختي (حَقْصَةَ) أم المؤمنين، رضي الله عنها (لِيَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِّ يَقْضِي حَاجَتهُ) أي: في الخلاء كما دلت عليه رواية أخرى (مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وإذا جاز في الخلاء جاز الاستدبار فيه بالأولى. ٣٣٦ [عَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: نَهَانَا - يَعْنِي: رَسُولُ الله ◌َ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (عَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: نَهَانًا - يَعْنِي - رَسُولُ اللّهِ وَّه) وإنما قال الراوي عن سلمان ذلك؛ لأن الصحابي لا يطلق ذلك على غير النبي صل فكأنه نفسه صرح به، فقال: نهانا رسول الله ﴿ ﴿ ﴿أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ) خرج بهما استقبالهما لغيرهما كاستنجاء وجماع وغيرهما فلا يحرم؛ لأنه ليس في معناهما. (١) أخرجه مسلم (٦٢٩)، وأحمد (٢٤٤٣٤)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦٠). ٢٠٥ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ) أي: نقطع النجاسة ونزيلها، من تَجوت الشجرة قطعتها من الأرض (بِالْيَمِينِ) فالاستنجاء بها مكروه، وقيل: حرام وهو ظاهر النهي، لا سيما إن قلنا: إن دلالة الاقتران حجة. (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فتجب الأحجار الثلاثة، وإن حصل الإنقاء بواحد استطهارًا لذلك المحل الذي قد تخفى النجاسة في تضاعيفه، كما يجب في العدة ثلاثة أقراء، وإن حصلت البراءة بواحد لكن زيد عليه اثنان استظهارًا لتلك البراءة التي قد تتخلف لوجود حمل خفي، ويجب أن يعم بكل واحد من الثلاثة جميع المحل؛ ليوجد الاستطهار الذي صرح أصحابنا باشتراطه. وقيل: يكفي واحد للصفحة اليمنى وواحد للصفحة اليسرى وواحد للوسط، وانتصر له غير واحد من مشايخنا وصنف فيه، والمعتمد ما مر وما يشهد لها ظواهر يمكن ردها إلى الأول بخلاف الاستطهار الذي صرحوا باشتراطه، فإنه لا يوجد إلا إن عمت كل مسحة جميع المحل كما تقرر، ويلزم من القول بالثاني أنه لا استظهار أصلاً وهو مناقض لصريح كلامهم، فتأمله على أنه يلزم على الثاني أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة، فإنه يشترط الإنقاء لا العدد، والشافعي يشترط الثلاثة مطلقًا. فلو قلنا: بأن التوزيع في الثلاثة يكفي، لكنا قد وافقنا أبو حنيفة في اشتراط الإنقاء لا العدد ولم يتحقق خلاف بيننا وبينه، وأصحابنا كلهم مصرحون بتحقق الخلاف بيننا وبينه، فيكونون مصرحين بأنه لا بد في كل من الثلاثة من أن يعم جميع المحل، ومحل الاكتفاء بالثلاث حيث حصل الإنقاء بها أو بما دونها، فإن لم يحصل بها وجب رابع وخامس وهكذا حتى يحصل الإنقاء بألا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء أو صغائر الخزف، وفي معنى الثلاثة حجر واحد له ثلاثة أطراف؛ فالعبرة بتعدد المسحات لا الأحجار؛ لأنه لا معنى لاشتراطه، ولو أنقى بالأول جاز تعدد المسحتين الباقيتين على محل واحدٍ لحصول ذلك الاستطار، ونظيره جواز رمي الجمرات السبع بحجرٍ واحد، وإنما لم يجز التيمم بالتراب المستعمل لانتقال المنع إليه كالماء بل أولى. ٢٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ) أو بروث؛ لأنه رجع من الطهارة إلى النجاسة، ويقاس به كل نجس فلا يجزي الاستنجاء به؛ لأن المطلوب تخفيف النجاسة وهو لا يحصل بنجس آخر، بل يزيد به (أَوْ بِعَظْمٍ) ولو طاهرًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ووجه امتناع العظم أنه زاد مؤمني الجن جعله لهم النبي ◌َلقّ لما آمنوا به وسألوه الزاد وبيَّن لهم أنهم يجدون عليه من اللحم أوفر ما كان عليه قبل فامتنع الاستنجاء به؛ لأنه تقدره علیھم فیحصل لهم بذلك ضرر. وقيل: علة النهي ملامسته فلا يزيل النجاسة، وقيل: لأنه يمكن مصه أو مضغه عند الحاجة، وهما ضعيفان والصواب الأول؛ لأن التعليل به وقع في كلامه وتيلا أخرج مسلم عن ابن مسعود أنه وَ ليم قال: ((أتاني داعي الجن)) أي: بمكة ((فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن)) وسألوه الزاد، فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى علیە»(١). ولفظ الترمذي: «لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم)) قال وَله: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن)»(٢). وفي رواية البخاري: إنه ◌َليل قال لأبي هريرة: «ائتني أحجارًا أستقصي بها ولا تأتني بعظم ولا بروثه)) قلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن، وأنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا))(٣). وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود أنه ﴾ خرج قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط خطًّا ثم اجتمع بالنبي ◌َّ﴿ فلما تفرقوا عنه سمعهم يقولون: يا رسول الله، إن (١) أخرجه مسلم (٤٥٠)، وابن حبان (١٤٥٣)، وابن خزيمة (٨١). (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٦٧)، وأبو عوانة (٣٠٨٧). (٣) أخرجه البخاري (١٥٤). وأخرجه أيضًا: البيهقى (٥٢٤). ٢٠٧ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزودنا، قال: ((لكم الرجيع وما أتيتم عليه من عظم فلكم عليه لحم، وما أتيتم عليه من الروث فهو لكم تمرًا، فلما ولوا قلت: من هؤلاء؟ قال: جن نصيبين))(١). (فائدتان: إحداهما) في خادم الزركشي من أئمتنا وقع السؤال عن كيفية اعتذار الجن من العظم، فإنه يطرح في القمامات ولا يتغير، فقيل: أنتم تغتذون منه بالرائحة، وهو ما قاله الغزالي في ((الإحياء)» قال الزركشي: وهذه غفلة عن السنة، وذكر حديث مسلم السابق، وحديث أبي نعيم هذا. (ثانيتهما) علم مما تقرر أنهم يأكلون حقيقة وكذلك يشربون، ومما يصرح بذلك أيضًا حديث مسلم وغيره: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله))(٢) وحمل قوم هذا على المجاز. قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء ولا معنى للحمل على المجاز، إذا أمكنت الحقيقة والأحاديث في أكل الشيطان مع من لم يسم کثیره. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: الجن يأكلون ويشربون ويتناكحون كما يفعل الإنس، وظاهر العمومات أن جميع الجن كذلك، وهو رأي قوم ثم اختلفوا فقال بعضهم: أكلهم وشربهم شم واسترواح لا مضغ ولا بلع، وهذا قول لا دليل عليه. وقال أكثرهم: مضغ وبلع، وذهب قوم إلى أن جميعهم لا يأكلون ولا يشربون وهو ساقط، وقوم إلى أن صنفًا منهم يأكلون ويشربون وصنفًا لا ولا. وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه: ((إنهم أجناس، فخالص الجن ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون (١) أخرجه الطبراني (٩٨٢٥). (٢) أخرجه أحمد (٤٥٣٧)، ومسلم (٢٠٢٠)، وأبو داود (٣٧٧٦)، وابن حبان (٥٢٢٦)، والحميدي (٦٣٥)، والنسائي في الكبرى (٦٧٤٨)، وأبو يعلى (٥٥٨٤)، وأبو عوانة (٨١٧٤)، والبيهقي (١٤٣٨٦). ٢٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ويتناكحون ويموتون، وهي هذه التي منها السعالي والغول وأشباه ذلك)). وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن يزيد بن جابر قال: ((ما من أهل بيت من المسلمين إلا وفي سقف بيتهم أهل بيت من الجن من المسلمين، إذا وضع غداؤهم نزلوا فتغدوا معهم، وإذا وضع عشاؤهم نزلوا فتعشوا معهم يدفع الله بهم عنهم))(١). ٣٣٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ) أي: أراد دخوله للنهي عن الذكر فيه، ولا فرق بين الجديد وغيره والمحل الذي بصحراء وغيره، فسن ذلك عند إرادة دخول الخلاء ولو جديدًا أو وصوله لمحل أراد الجلوس فيه بالصحراء. (يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ) بضم الباء جمع خبيث، وهم ذكران الشياطين، وبسكونها الكفر، فهو مصدر وليس مرادًا هنا أو جمع خبيث أيضًا، والتسكين للتخفيف كما في جمع سبيل، فزعم أن رواية تسكينه جمعًا لجن غير صحيح، نعم الضم أشهر وأولى؛ لئلا يوهم المصدر. (وَالْخَبَائِثِ) جمع خبيث وهن إناثهم، وخص الخلاء بذلك؛ لأنه يحضره الشياطين لهجره من ذكر الله تعالى، وورد أنه وله كان يقول قبل ذلك: ((بسم الله أتحصن من الشيطان)»(٣) فيسن ذلك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٣٣٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ - وَفِي رِوَايَةٍ:(لَا يَسْتَنِهُ مِنَ الْبَوْلِ)) - وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالتَّمِيمَةِ) ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنٍ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان (٤) بتحقيقنا. (٢) أخرجه البخاري (١٤٢)، وأحمد (١٢٢٧٠)، ومسلم (٨٥٧)، والترمذي (٦)، والنسائي (١٩). (٣) لم أقف عليه. ٢٠٩ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء ((لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا))(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَرَّ التَّبِيُّ ◌َ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانٍ) اللام للتأكيد ويصح على بُعد أن يكون جواب قسم محذوف، وخبر إن محذوف (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) أي: مشتق عليهما الاحتراز منه؛ إذ الاستبراء وترك النميمة سهل، فلا ينافي ذلك ترك الاستبراء وفعل النميمة كبيرتين لرواية: ((بلى إنه كبير)» أي: عند الله؛ ولأن العذاب عليهما أظهر دليل على أنهما كبيرتان. (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ) أي: لا يطلب البراءة منه بنحو تنحنح ونثر ذکر ومشي وغير ذلك مما يعتاد في ذلك، بل یترکه سائلاً على بدنه وثيابه. (وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ البَوْلِ) أي: لا يطلب النزاهة منه، فلا يغسل ما أصابه منه سواء حصل من التبرز أم من غيره فهذه أعم مما قبلها. وفي أخرى: ((لا يستتر من البول))(٢) أي: لا يجذب ذكره حتى يخرج ما بقي فيه، فهي بعض ما أفادته الأولى. والحاصل: إن الاستبراء سنة عندنا؛ لأن الظاهر من انقطاع البول عدم عوده، وقال بعض أصحابنا: إنه واجب، وهو أقوى دليلاً لهذا الحديث وغيره، وإن أمكن الجواب عنه بأن سبب العذاب ليس مجرد ترك الاستبراء، بل إتباع الصلاة مع النجاسة لاشتهاره في عدم التحفظ منها، وأنه إن يفعل بعد انقطاع البول ما يظن به من عادته أنه لم يبق بمجرى البول شيء، وكل أحد له عادة بها ينقطع بوله فليفعلها؛ إذ لا يقطعه غالبًا غيرها، وينبغي أن يتجنب الاستقصاء في ذلك فإنه يورث الوسواس المتعب، بل المخرج عن حيز العقل والدين، وكثرة جذب الذكر بعنف فإنه يضر به. ومن ثم كره لغير سلس حشو ذكره؛ لأنه يضره أيضًا، وأن المسح بأصابعه على (١) أخرجه البخاري (٢١٥)، ومسلم (٢٩٢)، وأحمد (١٩٨٠)، وابن أبي شيبة (١٣٠٤)، وأبو داود (٢٠)، والترمذي (٧٠)، والنسائي (٢٠٦٩)، وَابْنُ ماجه (٣٤٧). (٢) أخرجه الضياء (٢٢١٨). ٢١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني مثانته وحواليها ليسهل خروج ما بقي فيها وكذا المرأة. (وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالتَّمِيمَةِ) وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. (ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً) وهي السعفة التي جردت من خوصها (رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ) حال والباء زائدة للتأكيد، ويصح كونها للملابسة؛ أي: فشقها حال كونها ملتبسة بنصفين (ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ) أدخلها في حيز لعل مبني على تشبيهها بعسى (يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَاء مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). قال إمام العربية الجمال بن مالك: الرواية عنها؛ أي: النفس مع تذكير الضمير في لعله باعتبار كون الميت إنسانًا ويجوز كون ضميره للشأن، وفسر بأن وصلتها مع كونها في تقدير مفرد؛ لأنها في قوة جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه؛ ولهذا سدت مسد مفعولي حسب وعسى في نحو: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وعند الأخفش يجوز أن ((أن)) زائدة وإن نصبت كما تجر الباء ومن الزائدتان، وفي رواية التشبيه يتعين كون الضمير للشأن، ويصح كون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده كما في: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٢٤] أصله: ((ما الحياة)) ثم أبدلت بالضمير اكتفاء بدلالة الخبر عليهما. ثم وضعه قليّة الجريدة على القبر لمن حمله العلماء على أنه شفع فيهما، فأجيب إلى أنه يخفف عنهما ما لم ييبسا، كما في حديث مسلم عن جابر: ((إن صاحبي القبرين أجيبت شفاعتي فيهما))(١) أي: يخفف ذلك عنهما مادام القضيبان رطبين، وفي التخفيف بشفاعته أظهر دلالة على أنهما مسلمان. وقيل: يحتمل أن سبب التخفيف أنه سي# كان يدعو لهما تلك المدة. (١) انظر: مرقاة المفاتيح (٢٦٤/٢). ٢١١ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء وقيل: كونهما يسبحان ماداما رطبين؛ أي: تسبيحًا أبلغ من تسبيحهما إذا يبسا، وأن الجماد لا تسبيح له وعليه كثيرون، والأكثرون من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه كل شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، وذهب محققو المفسرين إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة بلسان قالبه أو مجازًا بلسان حاله، والمحققون على الأول. وقد أخبر تعالى عن بعض الجمادات بأن منها: ﴿منها لمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا ورد السمع بما لا يحيله العقل وجب قبوله، فقد استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا رجا التخفيف بتسبيح الجريدة فبتلاوة القرآن أولى. وفي ((صحيح البخاري)) أن بعض الصحابة أوصى أن يجعل في قبره جريدتان، وكأنه تبرك بفعل مثل فعله ولية، وفيه الرد على الخطابي في إنكاره ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث، وقوله: ((لا أصل لذلك)) ولا وجه له ممنوع، بل هذا الحديث أصل أصيل له، ومن ثم أفتى بعض الأئمة من متأخري أصحابنا بأن ما أعتيد من وضع الجريد، والريحان سنة لهذا الحديث. وفي الحديث إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق، ونجاسة البول وتغليظ تحريم التضمح بالنجاسة، سيما إن أدى إلى بطلان الصلاة؛ لأن تركها من الكبائر، بل من أعظمها، وتغليظ تحريم النميمة والسعي بالفساد، وإن ذلك من أقبح القبائح، لا سيما مع قوله ◌ِّي﴾: ((كان يمشي)) بلفظ ((كان)» التي هي للحالة المستمرة عرفًا غالبًا. ٣٣٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِيهِ: ((اتَّقُوا اللََّّعِنَيْنِ)) قَالُوا: وَمَا اللَّعِنَيْنِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (١) أخرجه مسلم (٢٦٩)، وأحمد (٨٨٤٠)، وأبو داود (٢٥)، وأبو يعلى (٦٤٨٣)، والبيهقي (٤٧٣). ٢١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَ﴾: اتَّقُوا اللَّعِتَيْنِ) أي: الأمرين الجالبين للعن والشتم، فلترتبه على فعلهما كثيرًا نسب إليهما (قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَيْنِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الَّذِي) أي: تخلى الذي (يَتَخَلَّ فِي طَرِيقِ [النَّاسِ)](١)) ومثلها موارد الماء وهي طرقه، كما في رواية تأتي، والتعبير فيها بالملاعن عن الثلاث المراد بها جمع ملعنة، وسيأتي تفسيرها (أُوْ فِي ظِلِّهِمْ) الذي اختاروه ناديًا أو مقيلاً فيكره البول في الطريق وكذا التغوط. وقال بعض أصحابنا: إنه حرام لما فيه من كثرة إيذاء المارة به، ويكره كل منهما في الظل الذي ألف للجلوس فيه أيام الصيف ومثله الشمس أيام الشتاء، ومحمله إن كان الموضع مباحًا، فإن كان مملوكًا حرم قضاء الحاجة فيه بغير إذن مالكه، وإن كانوا يجتمعون لمباح فإن كانوا يجتمعون لحرام لم يبعد أن يقال: يندب قضاء الحاجة فيه، إن كان مباحًا تنفيرًا لهم عن ذلك (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٣٤٠ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَنَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ) لأنه يقذره، فيسن إذا أراد فعل السنة من التنفيس ثلاثًا؛ أي: يجعلها خارج الإناء بأن يحوله عن فمه وقتها ثم يعيده (وَإِذَا أَقَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) لأنها لما شرف، والذكر ليس كذلك، فكره مسه بها في الخلاء وخارجه. (وَلَا يَتَمَسَّحْ) أي: ليستنج (بِيَمِينِهِ) فيكره كما مر الاستنجاء بها كأن يمسك الحجر بها والذكر باليسار أو عكسه كما تقرر أن مسكه باليمين مكروه، ومثله الاستعانة بها لغير عذر، بل يمسكه بيساره ويمسح به الذكر من غير إمساكه، أو (١) سقطت من الأصل. (٢) أخرجه البخاري (١٥٢)، وأحمد (٢٢٥٨٧)، والترمذي (١٨٨٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٧)، وابن خزيمة (٧٨)، وأبو عوانة (٥٨٨)، وابن حبان (٥٣٢٨). ٢١٣ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء يمسك الذكر بشماله ويمسحه على نحو جدر أو حجر كبير أو صغير يجعله بين عقبيه وإبهامي رجليه، فإن عسر حمله بيمينه وأمسك ذكره وحركه بيساره، فإن حرك اليمين كره؛ لأنه حينئذٍ يصير مستنجيًا بها، وعلى هذا التفصيل يحمل قول الطيبي: لو أخذ الحجر باليمين ومسح بشماله ذكره عليه لم يكره (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٣٤١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) أي: فليجذب الماء في الاستنشاق إلى قرب أقصى الخيشوم، ثم يخرجه بنفسه بنوع قوة حتى يخرج به ما في الأنف من أذى، وظاهر الأمر الوجوب لكن منعه أنه سي# توضأ ولم يفعله كما دل عليه سكوت الواصفين لوضوئه و ﴿ عنه الدال على أنه لم يوجد وإلا لم يسكتوا عنه، فلا يقال: لا يلزم كما قاله الأصوليون من عدم النقل عدم الفعل. (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: مسح المحل بالأحجار وزاد على الثلاث، لما مر أنها واجبة عندنا مطلقًا فإن أنقى بشفع كأربع (فَلْيُوتِرْ) ندبًا بأن يفعل خامسة، وهكذا (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ). ٣٤٢ - [وَعَنْ أَفْسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَقَالَ: لِيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَنَسٍ) ابن مالك الأنصاري ﴾ خادم رسول الله وَّهِ ﴿قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله وَلَّهُ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ) بالمد (فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامُ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ) وهي إناء من جلد يتطهر منه (وَعَنَزَةً) وهي حربة أطول من العصا وأقصر من الرمح فيها سنان، وحملها ليتحفظ بها (١) أخرجه البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٣٧)، ومالك (٣٤)، وأحمد (١٠٧٢٩)، والنسائي (٨٨)، وَابْنُ ماجه (٤٠٩)، وابن حبان (١٤٣٨)، وإسحاق بن راهويه (٥٢٧)، وأبو عوانة (٦٧٣)، والطبراني في الأوسط (٢٢٣٨)، والبيهقي (٢٣٨). (٢) أخرجه البخاري (١٥٢)، ومسلم (٦٤٣)، وأحمد (١٣٠٩١). ٢١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني من غائلة البعد الذي كان يتحراه بحيث لا يرى شخصه، ومن ثم كان هذا هو السنة؛ أعني: بعد التبرز حيث أمن عن أصحابه حتى لا يرى أحد منهم شخصه. وكان التبرز في الميض بحضرة الناس أو قربهم خلاف السنة، بل ربما أخل بالمروءة في بعض الأكابر، كما أشار إليه فقهاؤنا في كتاب («الاعتكاف)) وليثير بها الأرض الصلبة حتى لا يرتد شيء من بوله عليه، ومن ثم سن لمن لم يتمكن من البول إلا في صلبه أن يدقها بحجر لذلك، ثم وصف الماء لبيان الفائدة حمل لأجلها. (فَقَالَ: لِيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) أي: يزيل النجوة التي كنى بها عن الحدث وحقيقتها ما ارتفع من الأرض؛ لأن قاضي الحاجة يستتر بها، واستفيد من هذا وغيره أنه والس كان ربما اقتصر على الماء، وربما اقتصر على الحجر وكثيرًا ما كان يجمع بينهما وهو الأفضل؛ لأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا يمس شيئًا منها بيده، ومن ثم كنى لحصول أصل سنة الجمع المتنجس ودون الثلاث مسحات، ويؤخذ من إعداده ◌َلي الماء أنه يسن إعداده ومثله الأحجار بل أولى؛ لأنه يحتاج إلى القيام لأجلها وهو يمنع أجزاؤها لانتقال النجاسة به عن محلها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (الفصل الثاني) ٣٤٣ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدِ: هَذَا حَدِيثُ مُنْكَرْ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَضَعَ)) بَدَل: (نَزَعَ) (١)]. (عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ) لأنه كان نقشه محمدًا رسول الله، واستفيد منه أنه يندب لمزيد التبرز في فضاء أو بناء أن ينحي كل ما عليه معظم من أسماء الله تعالى، واسم نبي أو ملك ولو مشتركًا كعزيز وأحمد إن قصد به المعظم، ومن القرآن الذي يحمل حمله للمحدث فإن خالف ودخل الخلاء بشيء (١) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٨٥٠ والنسائي (٥٢٣٠)، وَابْنُ ماجه (٣٢٢). ٢١٥ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء کتب عليه شيء من ذلك کره. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يحرم دخول المصحف الخلاء بلا ضرورة، واختاره بعض المتأخرين وهو واضح المعنى، ومن تختم في يساره بما عليه معظم وجب عليه نزعه عند الاستنجاء؛ لأنه يحرم عليه تنجيس مكتوب الاسم الأعظم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) وَابْنُ مَاجَه (وَالتَّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ غَرِيبُ). (وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيثُ مُنْكَرٌ) وهم فيه رواية، لكن دل تصحيح الترمذي له على أنه ثبت عنه خبر ما ذكره أبو داود فيكون حجة (وَفِي رِوَايَةٍ: وَضَعَ) خاتمه (بَدَل: نَزَعَ) ولا تفاوت بينهما. ٣٤٤ - [وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدُّ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ) بفتح الباء وأصله الموضع الواسع، ثم كنى به عن الخارج نفسه كالغائط صيانة عن النطق بما يقبح ذكره، وقيل: بكسر الباء أيضًا، ورد بأنه مصدر بارز، أي حارب، وقد يجاب بأنه لا تعد في اشترا که بينهما. (انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ) فبعد التبرز عن الناس حتى لا يرى شخصه أحد أفضل للإتباع، ومحله كما هو ظاهر إن أمن على نفسه وما معه وما يخلفه وإن قل ولو اختصاصًا، ويؤخذ منه ما قاله أئمتنا: إنه يسن بعد المتبرز عن الناس، وضابطه أن یکون بحیث لا يسمع خارجه صوت ولا یشم له رائحة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن. ٣٤٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَِّّ وَِّ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِئًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَرْتَادِ لِبُولِهِ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ)(٢). كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (١) أخرجه أبو داود (٢). (٢) أخرجه أحمد (١٩٥٥٥)، وأبو داود (٣)، والبيهقي (٤٥٠)، والحاكم (٥٩٦٤) وقال: صحيح = ٢١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴿ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِنًا) أي: محلًّا لينًا سهلاً (فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ) فيه (ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَرْتَاد لِبولهِ فَلْيَزْتَدْ) أي: أن يطلب (لِيَوْلِهِ) محلًّا لينًا سهلاً مثل هذا، وتعليق طلب الارتياد بالإرادة، فإن اقتضى عدم طلبه مطلقًا نظير ما قاله الشافعي ﴾ في أحاديث في الأضاحي، إلا أن اقتران هذا القول بالفعل فيه دليل على طلب التأسي به في ذلك، فمن ثم صرح أصحابنا بأن ذلك سنة. واعلم أن بوله عليه في أصل الجدار محتمل بناء على فرض وصول البول إليه، وإلا فلا يلزم من القعود في أصله للبول إصابته له أن يكون لكونه ملكه، أو لعلمه برضا صاحبه فهي واقعة حال فعلية، فلا دليل فيها على جواز البول في أصل جدار الغير الذي لم يعلم رضاه أو الجدار الموقوف، وكذلك الاستجمار به فكل منهما محرم شديد التحريم؛ لأن تنجيس مال الغير حرام على أن البول في أصله إضرار؛ أي: إضرار به. ثم رأيت الخطابي أجاب بأنه يحتمل أن يكون جدارًا عاديًّا لا مالك له، وعلله بأن البول بأصل البناء يوهي أساسه، وهو وليه لا يفعل ذلك في ملك أحد إلا بإذنه؛ أي: أو علم رضاه كما تقرر (گما رواه أبو داود) وفيه راوٍ ولم يسم. ٣٤٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ أَفَسٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ) فيسن التأسي به وَّ﴾ في ذلك، ومن ثم قال أصحابنا: يسن لمريد التبرز كشف ثوبه قليلاً قليلاً حتى لا يتم جلوسه إلا وقد تم كشف عورته، ويسن له عند إرادة القيام سدله كذلك حتى لا يتم قيامه، وإلا قد تم ستر عورته تحرزًا عن كشف العورة = الإسناد. ووافقه الذهبي. (١) أخرجه الترمذي (١٤)، وأبو داود (١٤)، والدارمي (٦٩١). ٢١٧ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء بقدر الإمكان، ومحل ذلك لم يخش تنجس ثوبه وإلا رفعه بقدر الحاجة، وفي حال الخلوة يجوز كشفه دفعة واحدة مطلقًا اتفاقًا. وأمَّا بحضرة الناس الذين لا يعلم منهم العف فهو حرام، فعلم أنه متى كان هناك من لا يغض بصره عن عورته ممن يحرم عليه نظرها لزمه الستر مطلقًا، ووجوب غض البصر لا يمنع الحرمة عليه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وضعفه (وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِييُّ). ٣٤٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ أُعَلِّمُكُمْ؛ إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا)) وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالدَّارِ مُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) في غاية شفقته عليه ورحمته إياه، وفي هذا غاية التأنيس لهم؛ لئلا يحتشموه ولا يستحيوا من سؤاله عن كل ما يعرض لهم من أمر دينهم، كما لا يستحي الولد عن سؤال والده فيما عرض له، وفيه أيضًا وجوب طاعة الآباء وأنه يلزمهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين (أُعَلِّمُكُمْ) كل ما تحتاجون إليه في أمر دينكم. ومنه (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) أي: أردتم قضاء الحاجة بولاً أو غائطًا (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِيْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) ندبًا في البناء المعد لذلك إذا سهل، ووجوبًا في غيره إلا مع ساتر كما مر، ويستثنى من ذلك ما لو غلبه الخارج أو ضربه كتمه فلا حرج عليه حينئذٍ في الاستقبال ولا في الاستدبار، كما يأتي فيما لو هبت ريح عن يمين القبلة ويسارها. (وَأَمَرَ) وَ مريد الاستنجاء بالحجر مفتقرًا عليه (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وإن أنقى بأقل منها، ثم إن أنقى بها لم يحتج للزيادة عليها وإلا زاد إلى أن يحصل الإنقاء، فإن حصل بوتر فواضح أو بشفع سن وترك كما مر. (١) أخرجه أحمد (٧٣٦٢)، والنسائي (٤٠)، وَابْنُ ماجه (٣١٣)، والشافعي (١٣/١)، والحميدي (٩٨٨)، وأبو عوانة (٥١١). ٢١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَنَهَى) مريد الاستنجاء بالحجر مقتصرًا عليه على أن يستنجي بنجس نحو (الرَّوْثِ وَ) عظم، وإن حرق بسائر أجزائه حتى (الرِّمَّةِ) أي: الرميم وهو العظم البالي، أو جمع رميم كخليل وخله من رم العظم إذا بلي، وفي تخصيص النهي بهما أفاده أن خصوص الحجر غير شرط، وأنه يجري ما في معناه من كل جامد كخرقة وشبيهها؛ وإن لم يصل رطوبة أحدهما إلى الآخر، طاهر قالع غير محترم كالجلد المدبوغ ما لم يتصل بكتاب علم محترم أو يكن بمصحف وإن انفصل فخرج المائع والنجس والمتنجس لاستحالة إباحتهما، وما لا يقلع لملامسته كالزجاج أو لزوجته، أو تناثر أجزائه كفحم رخو وتراب متناثر والمحترم، فلا يجزئ، ويعصي به ككتب العلم الشرعي وآلته، والمطعوم للإنس أو الجن كالعظم بخلاف مطعوم البهائم، فإن شاركونا اعتبر الأغلب فإن استويا حرم على الأوجه، ويجري الحجر بعد المحترم، وغير القالع ما لم ينقلا النجاسة. (وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ) أي: يستنجي، وعبر عنه بالاستطابة؛ لأنه يزيل خبث النجاسة وقدرها (الرَّجُلُ) ذكره مثال؛ إذ لا فرق بينه وبين المرأة (بِيَمِينِهِ) فالاستنجاء بها مكروه، وقيل: حرام كما مر (رَوَاهُ) الشافعي وَأَبُو دَاوُدٍ و(ابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ) وسنده حسن. ٣٤٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَِّ الْيُمْنَى لِظُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَّى(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَتْ) استفيد منها عرفًا أن ما يأتي من أن يمناه و 18 لكل ما هو من باب التكرمة والشرف، ويسراه لكل ما هو من باب القذر والخسة، أمر دائم لا ينفك عنه لقوله وَله: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي))(٢). (يَدُ رَسُولِ اللهِ وَّةِ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ) وغيرهما من كل ما هو من باب (١) أخرجه أحمد (٢٧٠٣٧)، وأبو داود (٣٣)، والبيهقي (٥٦٠). (٢) ذكره السخاوي في المقاصد (٤٥) وضعفه، وكذا العجلوني (١٦٤). ٢١٩ كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء التكريم كما أفادته رواية أخرى، كأخذه وعطائه ولبسه وسواكه وتنعله وترجله، واستفيد من ذلك ندب تقديم الرجل اليمنى على الدخول للمسجد والخروج من الخلاء، وما ألحق به كما يأتي. (وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ) أي: لاستنجائه (وَ) لكل (مَا كَانَ) أي: وجد (مِنْ أَذَّى) وهو ما تستقذره النفس الكاملة، كامتخاطه وانتثاره ما في أنفه وخلعه لشوبه أو نعله، واستفيد منه ندب تقديم رجله اليسار عند دخوله الخلاء والسوق والحمام والمستحم ومحل المعصية، ومنه الصاغة؛ لأنها لا تخلو عن الربا ونحوه، وللعصا القائمة مقام الرجل لنحو قطعها حكمها، وكالخلاء فيما ذكر لما يريد قضاء الحاجة به في الصحراء وما لا مكرمة فيه ولا إهانة، هل يفعل باليمين، نظرًا لعدم الإهانة أو باليسار نظرًا لعدم التكرمة؟ قال بعض أئمتنا بالأول وكلام غيره يقتضي الثاني (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وهو معلول لكن يعضده الحديث الآتي قبيل الفصل الثاني من الوضوء. ٣٤٩ - [وعَنْها - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ))(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيُّ]. (وعَنْها - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ) بالرفع تعليل للأمر بإعداد الأحجار (بِهِنَّ) الباء هنا للدلالة وفيما قبله للتعدية فيه، أنه يندب لمريد التبرز إعداد الأحجار، وكذا يندب له إعداد الماء كما مر. (فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ))) أي: المستنجي أو الماء، وإن بقي أثر النجاسة؛ لأنها إنما تزيل العين فقط، واكتفى بها مع ذلك رخصة وتحقيقًا على الأمة، وهذا هو سبب تعليل (١) أخرجه أحمد (٢٥٠٥٦)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والطحاوي (١٢١/١)، والدارقطني (٥٤/١) وقال: إسناده صحيح. والدارمي (٦٧٠)، وأبو يعلى (٤٣٧٦)، والبيهقي (٥٠٣). ٢٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الاستطاعة بقوله: ((فإنها ... إلى آخره) وفيه أوضح دلالة لما مر عن مذهبنا، أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار مطلقًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمُّ) وسنده حسن. ٣٥٠ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: ((لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ إلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرْ: ((زَادُ إِخْوَانِكُم مِنَ الجِنِّ)) (١)]. (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ) لأنه نجس، وهو يستحيل أن يزيل أو يخفف نجسًا آخر كما مر (وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ) أي: المذكور كما سيتضح من الأحاديث الآتية أن الأول لدوابهم والثاني لذواتهم، وفي رواية: ((فإنها)(٢) أي: العظام، وسكت عن الروث؛ لأن كونه زادًا لهم إنما هو مجاز لما تقرر أنه لدوابهم (زَادُ إِخْوَانِكُمْ) أي: المسلمين (مِنَ الُجِنِّ) واستفيد أن فيهم مسلمين کالإنس، وأنهم یأکلون وپشربون وما مر ما فيه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وسنده حسن (وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرْ: زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ) وللحديث قصة أخرجها أحمد ومسلم أيضًا عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحبت رسول الله وَل﴿ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكن افتقدناه ذات ليلة وهو بمكة، فقلنا: اغتيل استطير ما فعل به فبتنا بشر ليلة بات بها قوم حتى إذا أصبحنا إذا به مجيء من قبل حراء، فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة، فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه))(٣) ولفظ الترمذي: ((لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو في ما يكون لحمًا، وكل (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٤٩)، والترمذي (١٨)، والطبراني (١٠٠١٠)، والنسائي في الكبرى (٣٩)، وأبو عوانة (٥٨٥). (٢) لم أقف عليه. (٣) أخرجه مسلم (٤٥٠)، وابن حبان (٢٨١).