Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب الطّهارة أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لأجل الشفاعة العظمى في فصل القضاء، وذكر الأولية يقتضي أن غيره ولها. يسجد بعده إلا أن يقال أن أول بمعنى: أولى (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) من ذلك السجود إجابة له إلى ما سأل فيه (فَأَنْظُرَ) الفاء فصيحة؛ أي: فأرفع رأسي فأنظر (إِلَى مَا بَيْنِ يَدَيَّ فَأَعْرِفَ) أي: أميز لتعديته بمن، وبين المعرفة والتمييز تلازم فصح التضمين (أَمَّتِي مِنْ بَينَ الأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ) الظاهر أنه جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على مجموع الجملتين قبلها، ويصح نصب مثل بإضمار أعرف الدال عليه نظيره السابق؛ أي: ومن خلفي أعرف مثل ذلك. وكذا يقال في: (وَعَنْ يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ) أي: تميز لما مر (أَمَّتَكَ) أي: الذين أعانوك (مِنْ بَيْنِ) سائر (الأُمَمِ) حال كون الأمم كائنين (فِيمًا) أي: في الزمن الذي (بَيْنَ) زمن (نُوچ) خص مع أن قبله أنبياء وأمماً كآدم وشيت وإدريس وأممهم لشهرته، أو لكثرة أمته وانتشارهم في جميع الأرض، فكان التعجب فيهم أكثر؛ لأن الاختلاط بهم وبمن بعدهم أعظم في عدم تميز من نبيهم (إِلَى أُمَّتِكَ؟) القياس: وأمتك لتعين عطف ما بعد بيَّن بالواو، فبقدر محذوف بعد نوح، وقيل: إلى لدلالة كل من بين وإلى على ذلك المحذوف، والتقدير فيما بين نوح وغيره مبتدئًا، ذلك من أمته أو زمنهم إلى أمتك أو زمنهم. (قَالَ: هُمْ غُرُّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدْ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ) صريح في أن الغرة والتحجيل من خصوصيات أمته ﴿ ﴿ كما مر (وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ) في القيامة (بِأَيْمَانِهِمْ) ظاهره أن هذا من خصوصياتهم، إلا أن يحمل على أنهم يأتون ذلك قبل غيرهم أو على صفة لم تكن لغيرهم؛ إذ الذي دلت عليه الآيات وبقية الأحاديث (١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٩). ١٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني العموم، وأن الفاسق يؤتى كتابه بيمينه أيضًا، وهو ما دلت عليه الآيات أيضًا، فالمؤمن بأي وصف كان يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، والكافر يؤتاه بشماله من وراء ظهره، وما اقتضته الآية من أن يؤتاه بيمينه لا يصلى النار، محمول على أنه لا يصلاها صلو الكافر المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] أي: لا يلزمها مقاسيًا شدتها إلا الكافر، وإنما كان حسابه يسيرًا مع ذلك الصلو؛ لأنه لمجرد التطهير، فهو يسير بالنسبة لصلو الكافر المقتضي لهلاكه وتأبيد عذابه ومناقشة الحساب المقتضية لذلك الصلو ليست كمناقشة الكافر المشار إليها بخبر: ((ومن نوقش الحساب هلك)»(١). وأمَّا المؤمن الكامل فلا يناقش أصلاً، ونقل ابن عطية عن قوم أن الفاسق الذي أريد تعذيبه يعطاه بيمينه أولاً قبل دخوله النار، ثم خالفه وقال: إنما يعطاه عند خروجه منها ورد بأن الظاهر الأول، وقد أخرج النقاش عن أنس مرفوعًا ما يقتضيه (وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) لوقايتهم من بعض المشاق وإرفاقهم بحسن الصحبة وأنواع من الإرفاق، ويمكن بقاء ما أفهمه هذا من أن ذلك من خصوصياتهم على ظاهره؛ لأني لم أرما يعارض ذلك (رَوَاهُ أُحْمَدُ) وسنده حسن. (١) أخرجه الحاكم (٩٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٠)، وإسحاق بن راهويه (٩٠٩)، وأحمد (٢٤٢٦١)، وابن خزيمة (٨٤٩)، وابن حبان (٧٣٧٢). (باب ما يوجب الوضوء) وما يتعلق به (الفصل الأول) ٣٠٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ) أي: لا تصح صلاته؛ إذ نفي القبول، إمَّا بمعنى نفي الصحة كما هنا، وإمَّا بمعنى نفي الثواب كما في خبر: ((من أتى عرافًا)» أي: منجمًا ويلحق به كل ما في معناه («لم تقبل له صلاة أربعین صباحًا))(٢). (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) مادام الماء موجود أو لا عذر في ترك استعماله وإلا فحتى يتيمم إن وجد التراب، ولكنه بمحل الغالب فيه فقد الماء وإعادة ضمير يتوضأ للمحدث، إنما هو باعتبار ما كان (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٣٠١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَيُ:((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ))(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِ ظُهُورٍ) عن الحدث الأصغر والأكبر (وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) أي: كثير الغل؛ أي: الخيانة في الغنيمة، والمراد هنا: من خان بما تصدق به، بأن تصدق من حرام فلا يثاب على التصدق به، بل يعاقب إن علم أنه حرام وثوابه لمالكه، وأشير بهذا الاقتران إلى أن (١) أخرجه البخاري (١٣٥)، وأحمد (٨٢٩٩)، والبيهقي (٥٨١). (٢) أخرجه مسلم (٥٩٥٧)، وأحمد (١٧٠٩٠)، والبيهقي (١٦٩٥٢). (٣) أخرجه مسلم (٥٩٥٧)، وأحمد (١٧٠٩٠)، والبيهقي (١٦٩٥٢). - ١٨٣ - ١٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الصدقة تطهر النفس من خبائث بخلها وشحها وأملها وما يتعلق بذلك، وتزكية لها يرقيها بها إلى معالي الأخلاق ومحاسن الأوصاف، كما أن الطهور الذي هو المبالغة في التطهير تطهير للبدن من كل خبث وقذر حسي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٣٠٢ - [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْبِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ لِمَكَانٍ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً) أي: كثير المذي بالمعجمة، وهو ماء أصفر رقيق يخرج عند الشهوة الضعيفة، ومثله في حكمه الودي بالمهملة، وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل (وَكُنْتُ أَسْتَحْبِي أَنْ أَسْأَلَ السَّبِيِّ وَّل لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) فاطمة - رضي الله عنها - أي: لكونها تحته، والمذي كثيرًا ما يخرج بسبب ملاعبة الزوجة، فكان في السؤال عن كثرته تعريض بشيء من أحوال بنته ولي التي يستحي من إظهارها سيما للصهر، سيما هو وله. وعلل الحياء بذلك؛ لئلا يرد عليه أن الاستحياء من السؤال، والتعلم مذموم (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) بن الأسود ﴾ أن يسأله عن ذلك (فَسَأَلَهُ) عنه (فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ) أي: مماسه منه لا غير قياسًا على نحو البول، بل سائر النجاسات، وقيل: يحتمل أنهم كانوا لا يتنزهون عنه تنزههم عن البول ظنًّا أخف منه. انتهى. وهذا لا يجدي في صرف ما اقتضاه ظاهر الخبر من وجوب غسل جميع الذكر، وإن لم يمسه منه شيء وبه قال أحمد ﴾، وقيل: يجب غسل الأنثيين أيضًا لرواية به، ووجوب غسله المستفاد من الأمر صريح في نجاسته، فإن قلت: صرحوا بأن من طلق زوجته في الحيض مثلاً يسن له رجعتها ولا يلزمه مع قوله وله لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض ((مُرْهُ فليراجعها))(٤) فما الفرق؟ قلت: كان القياس ثم (١) أخرجه البخاري (١٧٦)، ومسلم (٣٠٣) وأحمد (٦٠٦) وابن خزيمة (١٩) والطحاوي (٤٦/١)، والبيهقي (٥٥٩). (٢) أخرجه مسلم (١٤٧١)، وأحمد (٤٧٨٩)، والترمذي (١١٧٦) وقال: حسن صحيح. وأبو نعيم في == ١٨٥ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء الوجوب أيضًا كما قال به جماعة، واختير لكن أكثر أصحابنا ثم صرفوه عنه لأمر خارج، وهنا لا صارف له (وَيَتَوَضَّأُ) فخروجه حدث ككل خارج من القبل أو الدبر وإن ندر كقيح، بل ولو نحو دودة أخرجت رأسها وعادت للباطن (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٣٠٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ («تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ (٢)]. (وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ( له) يقول: توضؤوا مما) أي: من كل ما (مست النار. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٣٠٤ - [قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ الأَجُلُّ مُحِبِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخُ بِحَدِيثٍ ابنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ الأَجُلُّ مُحِبِي السُّنَّةِ) البغوي (رَحِمَهُ اللهُ) تبعًا لغيره (هَذَا مَنْسُوعُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَكَلَّ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). انتهى. وفيه نظر لتوقف النسخ على علم التاريخ وعدم إمكان الجمع بينهما، والأول غير موجود هنا ولا نظر لتأخر صحبة ابن عباس عن أبي هريرة؛ لأن إسلامه سنة سبع، وابن عباس إنما صحب بعد ذلك؛ لأن أباه لم يسلم إلا زمن الفتح سنة ثمان، واختلفوا في سنه عند وفاته ويليه والأصح كما قاله بعضهم: إنه خمس عشرة سنة. وقيل: عشر. وقيل: ثلاثة عشرة، وذلك؛ لأن تأخر صحبته لا تستلزم تأخر مرويه؛ إذ كثيرًا = الحلية (٩٥/٧)، والبيهقي (١٤٦٩٠). (١) أخرجه مسلم (٣٥٢) وعبد الرزاق (٦٦٨) وابن أبي شيبة (٥٤٩) وأحمد (٧٥٩٤) والنسائي في الكبرى (١٧٩) وَابْنُ ماجه (٤٨٥) وابن حبان (١١٤٧). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٧)، ومسلم (٨١٧)، وأبو داود (١٨٧)، ومالك (٧١). ١٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ما كان يروي عن كثيرين من الصحابة الذين تقدمت صحبتهم، فالوجه أن النسخ إنما استفيد من قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار. ٣٠٥ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِوَلِ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُخُومٍ الْغَنَمِ؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأ)) قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، فَتَوَضَّأُ مِنْ لُومِ الإِبِلِ)) قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: أَصَلِّ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: (لَا))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ◌ِ) فقال: (أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُومِ الإِيِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَوَضَّأُ مِنْ لُومِ الإِيلِ) وهو صريح في مذهب أحمد الموجب للوضوء منه؛ لما فيه من الرائحة الغليظة الزائدة على سائر اللحوم، وليس فيما مر عن جابر ما ينسخ خصوص هذا؛ لأن الخاص مقدم على العام، ومن ثم اختار جمع منا مذهب أحمد، والجواب يحمل الوضوء على غسل اليدين بعيد؛ لأن كلام الشارع إنما يحمل على المدلولات الشرعية لا اللغوية؛ لأنه * إنما بعث لبيان الشرعيات. (قَالَ: أُصَلِّ فِي مَرَابِضٍ الْغَنَّمِ؟) جمع مربض بفتح فسكون فكسر، وهو محل ربوضها الذي هو كالبروك للجمل (قَالَ: نَعَمْ) فلا كراهة في الصلاة فيه؛ لأنه لا نفار لها تشوش الخشوع (قَالَ: أَصَلِّ فِي مَبَارِكِ الإِيِلِ؟ قَالَ: لَا) فيكره تنزيها الصلاة فيها لشدة نفارها فيتشوش خشوعه به والبقر كالغنم، ومحل الفرق حيث خلت المرابض والمبارك عن النجاسة وإلا كرهت في المرابض أيضًا، لكن للنجاسة ولو خشي خروج الوقت إن خرج من المبارك وجبت الصلاة فيها، وكذا كل محل كرهت الصلاة فيه كالحمام والكنيسة والمقبرة والمزبلة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٣٠٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ (١) أخرجه مسلم (٨٢٨)، وابن حبان (٤٣١)، والبيهقي (٧٦٧). ١٨٧ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًّا أَوْ تَجِدَ رِيحًا))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا) كالقرقرة (فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ) آثره للزومه لصلاة المتيقن غالبًا وإيذانًا بأن الخارج عنه كأنه خارج عن محل الصلاة بالكلية مبالغة في رفع شأو المسجد (حَتَّى يَسْمَعَ) أي: تسمع وإن لم يوجد سماع الصمم أو نحوه (صَوْتًّا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) أي: تحس بخروجه، وإن لم تشمه سواء خرج من الدبر أم القبل الذكر أو الفرج كما شمله الحديث. وقالت الحنفية: لا يجب وضوء بالريح من القبل، وقد یوجه بأنه نادر فلا يشمله النص، وقد صرح أصحابنا بأنه لا عبرة باحتمال خروجه من قبل النائم ممكنًا لندرته، ويجاب بمنع شمول النص للنادر ويفرق بين ما هنا ومسألة النوم بأن ما هنا فيه تحقق خروجه، وما في النوم المدار فيه على ما هو مظنة الخروج والنادر لا مظنة فيه، فلم يلتفوا لاحتمال خروجه من القبل؛ لأنه ليس مظنة له لما تقرر من ندرته، وفي الحديث إفادة القاعدة العامة النافعة لمن ألهم رشده، ووفق للتخلص من كيد عدوه اللعين، ولم يلتفت إلى زخارفه التي هي في الحقيقة أحد من السيوف، وأوحى من السموم من داء الوسواس الذي يجر كثيرًا إلى الخبل الفاحش والغباوة المفرطة والجنون المتقطع أو المطبق، وهي أن اليقين لا يزول بالشك ولا بالظن وإن قوي لا في هذا الباب ولا في غيره والمراد: إنه يقين باعتبار ما كان وإلا فاليقين حقيقة لا يجامعه ظن ولا شك ولا وهم (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٣٠٧ - [وَعَنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َّ شَرِبَ فَمَضْمَضَ وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَمًا))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه مسلم (٣٦٢)، وأبو عوانة (٧٤١)، والبيهقي (٥٦٩). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٨)، وأبو داود (١٩٦)، والترمذي (٨٩) وقال: حسن 1 ١٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَعَنِ عَبْدِ اللّه بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَرِبَ فَمَضْمَضَ) فمه منه (وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا) أي: فربما بقي في الفم فاختلط به الريق فنزل إلى الجوف أثناء الصلاة فيبطلها إن علم، وتعمد فمن ثم سن قطع دسمه بالمضمضة حتى يأمن البطلان به، ومثله كل ما له بقية في الفم يخشى من بقائها اختلاط الريق بها الذي قد يؤدي إلى الإبطال، فيسن التمضمض منه لما يأتي أنه والقر تمضمض من السويق مع أنه لا دسومة فيه فهي ليست العلم مطلقًا، بل في بعض الصور الشاملة لكلها، فهي ما ذكرته من خشية الاختلاط الذي قد يؤدي إلى الإبطال، كما دل التمضمض الآتي من السويق (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٣٠٨ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قَالَ: ((عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ) المعهودة وهي الخمس (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي: فتح مكة (بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُقَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا) هو جمع الصلوات بوضوء واحد مع المسح على الخفين (لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ) فيه إن عاد إلى جمع الصلوات بوضوء أيضًا كما هو ظاهر السياق أنه كان يحب الوضوء لكل فرض ويوافقه ظاهر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ثم نسخ ذلك الحكم يوم الفتح فصار تقدير الآية: ((إذا قمتم إلى الصلاة محدثین)). (قَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ) أي: ما ذكرته؛ أي: صنعته من جهة العمد أو حال كوني صحيح. والنسائي (١٨٧)، وأبو عوانة (٧٥٦)، والبيهقي (٧٢١). (١) أخرجه مسلم (٢٧٧)، وأحمد (٢٣٠٢٣)، وعبد الرزاق (١٥٨)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١) وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٣٣)، والدارمي (٦٥٩)، وابن خزيمة (١٢)، وابن الجارود (١)، وابن حبان (١٧٠٨). ١٨٩ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء متعمدًا له (يَا عُمَرُ) أي: لأبين به نسخ ذلك الأمر المشق، وهو وجوب الوضوء لكل فرض وإن لم يحدث، وأنه لا كراهة في ذلك الجمع إلا إن أدى إلى حقن ببول أو نحوه، ويؤخذ منه تأييد مذهبنا أنه يجب التيمم لكل فرض، وبيانه أن الوضوء كان واجبًا قبل الفتح لكل فرض فيكون التيمم كذلك؛ لأنه مفروضًا قبل الفتح قطعًا، ثم نسخ وجوب الوضوء لكل فرض، ولم يتعرض الشارع للتيمم بنفي ولا إثبات، فوجب بقاؤه على ما عرف واستقر فيه ولم يعدل عنه قياسًا على الوضوء لوضوح الفارق بينهما من غاية ضعف التيمم وقوة الوضوء (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وعند البخاري من حديث أنس طرف منه. ٣٠٩ - [وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِّ ◌َ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - وَهْيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ - صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسّوِيقِ، فَتُرِّيَ فَأَكَلَ رَسُولُ الله ◌َيْهِ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ(١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ التَّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، وَهْيَ) محل (مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ) فيه عظيم ما كان ◌َّ هو وأصحابه من إيثار الآخرة على طيبات الحياة الدنيا، والإعراض عن لذاتها والصبر على مشاقها ببذل الموجود والصبر على المفقود، والسويق ما يحرش من نحو الشعير والبر للزاد (فَتُرِّيَ) أي: بلّ بالماء حتى يسهل بلعه (فَأَكَلّ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومسلم ومر كما فيه. (الفصل الثاني) ٣١٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيح)»(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالِّزْمِنِيُّ]. (١) أخرجه البخاري (٤١٩٥)، ومالك (٧٢)، والنسائي (١٨٧)، وابن حبان (٤٣٢). (٢) أخرجه أحمد (١٠٠٩٥)، والترمذي (٧٤)، وَابْنُ ماجه (٥١٥)، وابن خزيمة (٢٧). ١٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهَ: لَا وُضُوءَ) واجب (إِلَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيج) يتحقق خروجه ولو من القبل كما مر، والحصر فيه إضافي بالنسبة لمن شك أخرج من بطنه شيء كما بينه الرواية السابقة، فلا تنصرفن من المسجد حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحًا فلا ينافي وجوبه بغير ذلك (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح. ٣١١ - [وَعَنْ عَلِّ ﴾ قَالَ: سَأَلْتُ النَِّيَّ ◌َّهُ عَنِ الْمَذْىٍ فَقَالَ: «مِنَ الْمَذْىِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ عَلِيَّ ◌َه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ عَنِ الْمَذْيِ) ما حكمه إذا خرج (فَقَالَ: مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ) واجب (وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ) واجب، وهذا زيادة على السؤال لتعلقه به، وهو محمود على حد يتوضأ بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميته، ويجمع بين هذا وما مر أنه أمر المقداد أن يسأل له بأن ذاك في السؤال عن خصوص نفسه، وكثرة إمذائه والحياء من هذا الخصوص واضح فاستناب فيه، وهذا عن مطلق حكم المذي، وهذا لا حياء في السؤال عنه فباشره بنفسه، واختلاف سياق الحديثين يدل على تعدد الواقعة ويمنع الحمل على أنه سأل بنائبه فلا يصار إليه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح. ٣١٢ - [وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْظُهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَخْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)) (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الظُهُورُ) بالماء والتراب، فلا تدخل لحرمها الآمن إلا به، وصحتها من فاقد الطهورين للضرورة فلا يرد (وَتَخْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ) أي: قول: ((الله أكبر)) فلا يدخل فيه إلا به دون مرادفه، كما اقتضاه الحصر (١) أخرجه الشافعي (٣٤/١)، وأحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١٨)، والترمذي (٣) وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب. وَابْنُ ماجه (٢٧٥)، وابن أبي شيبة (٢٣٧٨)، وأبو يعلى (٦١٦)، والدارقطني (٣٦٠/١)، والضياء (٧١٨) وقال: إسناده حسن. والدارمي (٧١٢). ١٩١ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء بتعريف جزءَي الكلمة بالجملة، فلا يكفي: ((الله أعظم)) ولا ((الرحمن أكبر)) ولا ((الرحمة عنه لقادر)) كما يأتي وسمي التكبير تحريمًا باعتبار أنه يحرم به الدخول به فيها ما كان حلالاً له قبل ذلك. (وَتَخْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) أي: قول: السلام عليكم، فلا يخرج منها بغيره كما يصرح به الحصر هنا أيضًا سواء، فإنها بالكلية كالحدث أم لا كالكلام القليل، فقول أبي حنيفة لا يتعين خصوص التكبير، والسلام مخالف للحصر فيهما لما قام عنده، وسمي السلام تحليلاً؛ لأنه حل به ما كان من محرماتها، وفيما ذكر إيماء إلى أن الدخول في الصلاة دخول في حريم شهود الحق المحمي عن الأغيار، وإلى أن فتح باب ذلك الحريم إنما يتم لمن جاهد نفسه وسل عليها سيوف الامتحان حتى تطهرت من كل خلق ذميم وتحلت بكل وصف حميد، فحينئذٍ يتمتع بالصلاة ويستريح بها عن شهود الأغيار ويحصل له فيها قرة العين المتكفلة بقضاء جميع المآرب والأوطار، وهذه هي صلاة العارفین ومطمح المتقين (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّزمِذِيُّ وَالدَّارِمُّ) بسندٍ حسن. ٣١٣ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عنه وعن أبي سعيد]. (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه). ٣١٤ - [وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ) لخروجه بذلك كنظائره عن التأهل للدخول لذلك الحريم الأعظم، لما مر أنه لا يصلح للدخول له إلا من تنزه عن سائر الأقذار، ومن جملتها: رذيلة إتيان عجز الحليلة، فمن ثم قرن ◌َ﴿ للنهي عنه بذلك فقال: (وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) فيحرم ذلك، بل لا يبعد كونه كبيرة؛ لأنه جاء في أحاديث: ((لعن الله فاعله)) واللعن من علامات (١) أخرجه أحمد (٦٥٥)، وأبو داود (٢٠٥)، والترمذي (١١٩٧)، وابن حبان (٥١٤). ١٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الكبيرة. بل في حديث: ((إن من فعله فقد كفر بما أنزل على محمد وَال))(١) وقد بينت ما في ذلك في كتابي (الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن (وَأَبُو دَاوُد). ٣١٥ - [وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: «إِنَّمَا الْعَيْنَانُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتَظْلَقَ الْوِكَاءُ))(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: إِنَّمَا الْعَيْنَانُ) أي: اليقظة فيهما كناية عنها (وِكَاءُ السَّهِ) أي: الدبر وأصله سته، لجمعه على أستاء وصغيرة على ستيهة، والوكاء ما يربط به رأس الشيء كالقربة؛ ليحفظ ما فيه عن الخروج، شبهت اليقظة به لمنعها خروج شيء من الدبر المشبه بفم القربة؛ ليحفظ ما فيه عن الخروج المملوءة، فبزوالها تسترخي المفاصل كما صرح به الحديث الآتي فافهمه. (فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتَظْلَقَ الْوِكَاءُ) فيزول ذلك المنع، فيتحقق مظنة الخروج حينئذٍ، بالنقض بالنوم والجنون والإغماء والسكر، والمفهوم من هذا والمصرح به الحديث الآتي ليس لكونها في نفسها أحداثًا، بل لكون كل منها مظنة لخروج الحديث، ومن ثم لم يستثن من ذلك إلا نوم المتمكن؛ لأن المظنة في النوم تنتفي به بخلافها في غير النوم مما ذكر، فإنها لا تنتفي بشيء (رَوَاهُ الدَّارِميُّ) وفيه ضعف. ٣١٦ - [وَعَنْ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َِّ: ((وَكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِبِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا فِي غَيْرِ القَاعِدِ لما صَحَّ]. (وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: وَكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) وفهم منه وجوب الوضوء بغير النوم مما ذكر بالأولى؛ لأنه أقوى في إزالة التمييز الذي هو (١) أخرجه بنحوه أحمد (١٠٤٣٥)، والنسائي (٩٠١٧)، وَابْنُ ماجه (٦٨٢)، والترمذي (١٣٥). (٢) أخرجه الدارمي (٧٤٧). ١٩٣ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء العقل؛ إذ الجنون يزيله والإغماء والسكر يغمره والنوم يستره (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وَابْنُ مَاجَه، وفي سنده ضعف. (قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحبِي السُّنَّةِ) البغوي (رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا فِي غَيْرِ القَّاعِدِ لِا صَحَّ). ٣١٧ - [وَعَنْ أَنَسِ عُه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِوَ لَهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، إِلَّا إِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ: ((يَنَامُونَ)) بَدَل: ((يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ)) (١)]. (وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله وَهُ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ) فينامون وهم جالسون، كما دل عليه قوله: (حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ) أي: تقرب إلى الأرض من شدة النوم، وتفسير الخفقة بالنعسة الخفيفة معارض بما في معنى القعود، وأن معنى تخفق رؤوسهم تسقط أذقانهم على صدورهم، وهذا يشمل سقوطها بنوم ونعاس فيفيد أنه لا فرق بينهما مع التمكين وهو المعتاد. (ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ. رَوَاهُ) أبو داود و(التِّرْمِذِيُّ، إِلَّا إِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ: (يَنَامُونَ)) بَدَل: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَّخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ) وكذا في مسلم، وإطلاق النوم في هذه الرواية المقتضي لعدم نقضه مطلقًا، أو أن قصر زمنه كما قيل بكل منهما يقيده ما في الرواية الأولى أن نومهم إنما كان وهم جلوس ممكنون مقاعدهم، فعدم النقض به لانتفاء المظنة حينئذٍ كما مر فلا دلالة فيه لواحد من ذينك القولين، ولا يقاس بالقعود من استقر؛ أي: حشي دبره وشده ونام غير ممكن؛ لأن الحس والمشاهدة، وهل للمحتشي تمکین؟ والأصح نعم ما لم يكن هزيلاً بحيث يكون بين بعض مقعدته ومقره تجاف لوجود المظنة حينئذٍ ولو نام ممكنًا فخفق، فإن تحقق زوال بعض مقعدته عن مقره قبل (١) أخرجه مسلم (٨٦١)، وأحمد (١٤٣٠٢)، وأبو داود (٢٠٠). ١٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني يقظته انتقض وضوؤه، وإن شك أو علم أن ذلك بعد يقظته فلا نقض، ومن علامة النوم: الرؤيا ما لم يشك في أنها حديث نفس، ومن علامة النعاس: سماع كلام من عنده وإن لم يفهمه. ٣١٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ))(١). رَوَاهُ التّزمِِيُّ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ) وفهم من الشرط أنه في غير الاضطجاع وما في معناه لا يسترخي مفاصله فيقيد، لو صح ما مر في نوم الممكن أنه لا نقض به لعدم استرخاء المفاصل جميعها الشاملة للتنبيه فيه (رَوَاهُ التّزمنِيُّ وَأَبُو دَاوُد) وقال: هو حديث منكر، ورجح الترمذي وقفه على ابن عباس. ٣١٩ - [وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ)(٤). رَوَاهُ مَالِكْ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِ مُّ]. (وَعَنْ [بُسْرَةَ](٣)) بنت صفوان (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ) بباطن كفه كما اقتضته رواية: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه)(٤) والإفضاء: المس بباطن الكف، وهو الراحة والأصابع (ذَكَرَهُ) من غير حجاب، كما يأتي في الحديث الآخر (فَلْيَتَوَضَّأْ). 1 1 (١) أخرجه أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧) وقال: منكر. والطبراني (١٢٧٤٨)، والبيهقي (٥٩٢). (٢) أخرجه مالك (٨٩)، وابن حبان (١١١٢)، والنسائي (١٦٣)، وَابْنُ ماجه (٤٧٩)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والبيهقي (٦١٠). (٣) في الأصل: ((قسرة)). (٤) أخرجه الشافعي (١٢/١)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٨٦)، وابن حبان (١١١٨). : ١ ١٩٥ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء وذكر غيره كذكره لرواية: ((من مس ذكرًا فليتوضأ)»(١) وليس ذكر هنا مطلقًا، بل عام؛ لأن النكرة في حيز الشرط تفيد العموم، وقبل المرأة والدبر مطلقًا كالذكر، ولمحل المحبوب حكمه؛ لأنه أصله، ولا ينقض فرج بهيمة؛ لأنه غير مشتهى طبعًا، ومن ثم لم يجب ستره (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ) وصححه الترمذي. ٣٢٠ - [وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِىّ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَهْ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: ((وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ؟)) (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَه تَحْوَهُ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِبِي السُّنَّةِ رَحِمُهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوٌّ؛ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومٍ طَلْقِ]. (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةُ) أي: قطعة لحم (مِنْهُ؟) أي: فهو كمس بقية أعضائه، فلا نقض به (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَه تَحْوَهُ). (قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِبِي السُّنَّةِ) البغوي (رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومٍ طَلْقٍ) لأنه كان في أول سني الهجرة، وإسلام أبي هريرة كان سنة سبع، وتبع البغوي في هذا الخطابي، وهو بمجرده غير كاف في ادعاء النسخ، بل لا يثبت أن طلقًا لم يجتمع بالنبي ټۇ بعد سنة سبع حتى يتحقق بآخر خبر أبي هريرة عن خبر طلق. وأمَّا احتمال التأخر فلا يثبت به نسخ، ومن ثم كان الأصح في الأصول أن تأخر خبر أبي هريرة عن خبر طلق. وأمَّا احتمال التأخر فلا يثبت به نسخ، ومن ثم كان الأصح في الأصول أن تأخر (١) أخرجه مالك (٨٩)، وابن أبي شيبة (١٧٢٥)، والترمذي (٨٢)، وأحمد (٢٧٣٣٤)، وأبو داود (١٨١)، والنسائي (٤٤٧)، والحاكم (٤٧٤)، والبيهقي (٦١٣). (٢) أخرجه أبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥). ١٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الراوي لا يثبت به نسخ، فليرجع حينئذٍ إلى أصح الحديثين، وهو عندنا كأحمد وغيره الأول، ويعضده الحديث الآتي وعند أبي حنيفة، وتبعه يحيى بن معين، الثاني. ومن ثم قال جمع من الصحابة بالأول، وجمع منهم بالثاني، لكن الصواب كما هو واضح أنه إذا وقع النزاع في الأصحية يتعين الرجوع إلى مرجح آخر غيرها كالأحوطية، وهي فيما قلناه من النقض لا فيما قالوه من عدمه؛ لأنه تلزم عليه الصلاة بوضوء باطل عند الكثيرين أو الأكثرين من العلماء، وما قلناه من النقض لا يلزم عليه بطلان عند أحد، فتعين الأخذ بما قلنا دون ما قالوه فتأمله. ٣٢١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ: ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأ). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّرَاقُظْنِيُّ](١)]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ: إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ) أي: أوصلها إليه وعداه بالباء للزومه (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّرَاقُظْنِيُّ) وأحمد وَابْنُ مَاجَه نحوه وسنده حسن. ٣٢٢ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ بُسْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُر: ((لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ]. (وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ بُسْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُر: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ). ٣٢٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّ وَلَا يَتَوَضَّأُ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: لَا يَصِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِحَالٍ إِسْنادٍ عُرْوَةٍ عَنْ عَائِشَة وَأَيْضًا إِسِنَادُ إِبْراهِيمَ التَّيْمِيّ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو دَاوَدَ: هَذَا مُرْسَلُ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيّ لَم يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةِ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّ وَلَا يَتَوَضَّأُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه). (١) أخرجه أحمد (٨٣٨٥)، والشافعي (١٢/١)، وابن حبان (١١١٨)، والدارقطني (٥٢٤)، والطبراني في الأوسط (١٨٥٠)، وفي الصغير (١١٠)، والبيهقي (٦٣٠). (٢) أخرجه أحمد (٢٥٠٦١)، والنسائي (١٧١)، وَابْنُ ماجه (٥٤٢)، والدارقطني (٤٩٥). ١٩٧ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء (وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنا) الحفاظ (بِحَالِ إِسْنادٍ عُرْوَةٍ عَنْ عَائِشَة) بهذا الحديث؛ يعني: إن عروة المذكورة هنا إن كان هو المزني كما قاله بعض الحفاظ فهو لم يدرك عائشة، وإن كان هو ابن الزبير وهو ابن أختها أسماء، وهو ما يدل عليه كلام الترمذي، فنقل الترمذي عن البخاري أنه ضعف هذا الحديث؛ لكون حبيب بن أبي ثابت رواه عن عروة، وهو لم يدركه فيكون منقطعًا (وَأَيْضًا إِسنَادُ إِبْراهِيمَ التَّيْمِيّ عَنْهَا) بهذا الحديث لا يصح. (وَقَالَ أَبُو دَاودَ: هَذَا مُرْسَلَّ) أراد به غير المرسل المتبادر عند الإطلاق، وهو أن يسقط التابعي الواسطة بينه وبين النبي وقلّر من المنقطع أو المعضل. (وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيّ لَم يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَة) فثبت من مجموع كلام الترمذي وأبي داود أن الحديث منقطع ضعيف فلا حجة فيه لما ذهب إليه أبو حنيفة ﴾ أن مس المرأة لا ينقض مطلقًا، وغمز عائشة رجل النبي و 98 وهو في الصلاة لا جهة فيه أيضًا؛ لأنها واقعة حال فعلية، وتطرق الاحتمال إليها كالمس من وراء حائل يسقطها، كما حقق في الأصول. وذهب الشافعي إلى أن من مس بشرة الأجنبية من غير حائل ينقض مطلقًا عمل بقوله تعالى: ﴿أَوْ لا مَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وحمل أبي حنيفة له على الجماع لا يضرنا للقراءة الأخرى المتواترة أيضًا عن ابن عمر، رضي الله عنهما: ((أو لمستم النساء» واللمس الحس بظاهر اليد وألحق بها غيرها، والنساء وإن كن عامًا لكن من قواعدهم أنه يستنبط من النص معنى يخصصه أو يعممه ولا يستنبط منه معنى يعود عليه بالبطلان. والمعنى المخصص هنا هو أن حكمة من النساء كالفرج أنه يثير الشهوة التي لا تليق بحال المتوضئ المتأهل لمناجاة الحق، وبالضرورة لا إثارة البتة عند مس المحرم فلم ينقض سواء محرم النسب والرضاع والمصاهرة كأم الزوجة، ولم يلحق بالمحرم العجوز الهرمة الشوهاء التي لا تشتهى بحال؛ لأنها مظنة الشهوة ممن هو مثلها في الجملة؛ إذ ما ١٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني من ساقطة إلا ولها لاقطة على أنه سبق لها أنها كانت تشتهى فاستصحب، وبه فارق الصغيرة فإنها لا تنقض إلا إن بلغت حدًّا تشتهى فيه لذوي الطباع السليمة، وكذا الصغيرة لا ينقض مسها إلا إن بلغ حدًّا تشتهى فيه لذوات الطباع السليمة. وعند أحمد نحو ما سبق عندنا وعليه جمع من الصحابة، كعمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر# كما يأتي، وعند مالك ه إن قصد اللذة ووجدها انتقض وضوؤه وإلا ففيه خلاف. ٣٢٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَكَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ كَتِفًّا، ثُمَّ مَسَحَ يَدَيْهِ بِمِسْجٍ كَانَ تَخْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: أَكَلَ الشَِّيُّ ◌َِّ كَتِفًّا، ثُمَّ مَسَحَ يَدَيْهِ بِمِسْجِ) بكسر أوله؛ أي: كساء (كَانَ تَخْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه) وصححه ابن حبان، وأصله في ((الصحيح)) كما مر وفيه أنه لا كراهة في عدم غسل اليد من الطعام، لكن بشرط أن يزال ما فيها من أثره بالمسح. ٣٢٥ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أنها قَالَتْ: قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َلِجَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ}. (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أنها قَالَتْ: قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهُ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ) وسنده حسن، وفيه كالذي قبله والثلاثة بعده دليل على عدم الوضوء من أكل ما مست النار ومر ما فيه. (الفصل الثالث) ٣٢٦ - [عَنْ أَبِيِ رَافِعٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَقَد كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِوَ بَطْنَ الشَّاةِ، ثُمَّ صَلَّ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (عَنْ أَبِي رَافِعِ قَالَ: أَشْهَدُ) ضمنه؛ لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب (١) أخرجه أبو داود (١٨٩)، وَابْنُ ماجه (٥٢٦). (٢) أخرجه أحمد (٢٧٣٨٠)، والترمذي (١٩٤٥)، والنسائي (١٨٤)، والبيهقي (٧٤٣). ١٩٩ كتاب الطّهارة/ باب ما يوجب الوضوء واللسان واعتقاد ثبوت المدعي معنى القسم؛ ليكون حجة على المخالف؛ ولهذا دخلت اللام في جوابه؛ أي: والله (لَقَد كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ وَ بَطْنَ الشّاةِ) فيأكل منها (ثُمَّ صَلَّ) أتى به ماضيًا، وقياس السياق يصلي؛ لأن ما قبله ماض في المعنى؛ إذ هو حكاية لصورة الحال الماضية والأصل: ((لقد سويت لرسول الله وله بطن الشاة فأكل منها ثم صلى))(١) (وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٣٢٧ - [وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أُهْدِيَتْ لَهُ شَاءً فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِعِ؟)) فَقَالَ: شَاءُّ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ الله فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ. قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ)) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ)) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الآخَرَ، ثُمَّ قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتَّ)) ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ، وَغَسَلَ أَظْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَخْمًا بَارِدًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءَ(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أُهْدِيَتْ لَهُ شَاءً فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِعِ؟ فَقَالَ: شَاةً أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ اللّه فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ، قَالَ: نَاوِلْنِي الدِّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِ الذِّرَاعَ الآخَرَ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الآخَرَ، ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِ الذِّرَاعَ الآخَرَ، فَقَالَ) فيه كالذي بعده التفات؛ إذ مقتضى السياق فقلت وقال لي: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﴿﴿: أَمَا) حرف استفتاح لمزيد تقرير ما بعده وتأكيده. (إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا) الفاء فيه للتعاقب كما في قوله: ((الأمثل فالأمثل)) (مَا سَكَتَّ) أي: لناولتني ذراعًا عن ذراع إلى ما لا نهاية له مادمت ساكتًا، (١) أخرجه الطبراني (٩٦٦). (٢) أخرجه أحمد (٢٧٩٥٧)، والدارمي (٤٥). ٢٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فلما عارضت المعجزة بعقلك لم يحصل لك شهودها، وفي هذا معجزة عظيمة له وَله وقد بسطت الكلام فيه، وفي نظائره من بدائع معجزاته في ((شرح شمائل الترمذي)) وفي طلبه ◌َّ الثالث دليل على عدم كراهته الشبع في بعض الأوقات، سيما مع عوده وأكله اللحم البارد بناء على أن ذلك التراخي الذي أفادته، ثم كان يسيرًا لا ينهضم فيه ما قبله. (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ وَغَسَلَ أَظْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمًا بَارِدًا فَأَكَلَ) فيه ألَّا ضرر في أكل اللحم البارد، وهو كذلك غالبًا (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً. رَوَاهُ أَحْمَدُ) وسنده حسن. ٣٢٨ - [وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرْ: ((ثُمَّ دَعَا بِماءٍ ... )) إِلَى آخِرِهِ] (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((ثُمَّ دَعَا بِماءٍ.)) إِلَى آخِرِهِ). ٣٢٩ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو طَلْحَةَ جُلُوسًا، فَأَكَلْنَا لَخْمًا وَخُبْزًّا، ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ فَقَالَا: لِمْ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ: لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا، فَقَالا: تَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو طَلْحَةَ جُلُوسًا، فَأَكَلْنَا لَخْمًا وَخُبْزًا، ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ) أي: ما أتوضأُ به (فَقَالَا: لِمْ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ: لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا) أي: لأجله. (فَقَالا: تَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؟) فيه أن نقض الوضوء لا يكون إلا بخبث ينافيه، وكل من أسبابه الأربعة عندنا كذلك، أمَّا الخارج من السبيلين فواضح خبثه وكذا النوم؛ لأنه مظنة لذلك الخارج، وأمَّا مس الأجنبية أو الفرج؛ فلأنه سبب أو مظنة لإثارة الشهوة الحارة إلى مناف للطهر، فظهر أن النقض بكل من تلك الأسباب معقول المعنى، لكن الحصر فيها وعدم إلحاق غيرها بها ليس معقول المعنى، فتأمل (١) أخرجه أحمد (١٦٨٠٨).