Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب أزواج النبي ◌َيات
٦١٨٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ
الشَّبِيِّ نَّهِ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ
الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
فِي الدُّنْيَا امْرَأَةُ إِلَّا خَدِيجَةُ. فَيَقُولُ: ((إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
٦١٨٧ [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
(يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئِكِ السَّلَامَ)) قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. قَالَتْ: وَهُوَ
يَرَى مَا لَا أَرَى. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
٦١٨٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(أُرِيْتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَّةٍ مِنْ حَرِيٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ
امْرَأَتُكَ. فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله
يُمْضِهِ». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(فَقُلتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّه يُمْضِهِ) قَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا قَبْلَ
التُّبُوَّةِ، وَقِيلَ تَخْلِيصُ أَحْلَامِهِ وَيِّ مِن الْأَضْغَاثِ فَمَعْنَاهَا إِنْ كَانَتْ رُؤْيَا حَقٌّ. إِنْ كَانَتْ
بَعْدَ الثُّبُوَّةِ فَلَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادِ إِنْ تَكُنِ الرُّؤْيَا عَلَى وَجْهِهَا وَظَاهِرِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ
وَتَفْسِيرٍ فَسَيُمْضِيهِ الله تَعَالَى وَيُنَجِّزُهُ، فَالشَّكُّ عَائِدُ إِلَى أَنَّهَا رُؤْيَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَمْ تَحْتَاجُ
إِلَى تَعْبِیرٍ وَصَرْفٍ عَلَى ظَاهِرِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادِ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ فِي الدُّنْيَا يُمْضِهَا الله، فَالشَّكّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ
(١) أخرجه البخاري (٣٨١٨)، ومسلم (٦٤٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١٧) ومسلم (٦٤٥٧) وأحمد (٢٥٣١١) وأبو داود (٥٢٣٤) والترمذي
(٤٢٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (٦٤٣٦).

٦٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الْجَنَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَشُكَ، وَلَكِنْ أُخْبِرَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَأَى بِصُورَةِ الشَّكّ كَمَا قَالَ:
أَأَنْتِ أَمْ أُمّ سَالِمِ؟ وَهُوَ نَوْعِ مِن الْبَدِيعِ عِنْد أَهْلِ الْبَلَاغَة يُسَمُّونَهُ تَجَاهُلِ الْعَارِفِ، وَسَمَّاهُ
بَعْضُهُمْ مَزْج الشَّكّ بِالْيَقِينِ.
٦١٨٩ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ
بِذَلِكَ مَرْضَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. وَقَالَتْ: إَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ وَُّ كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبُ
فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ
الله ◌َّهِ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِِّي رَسُولَ اللهِ وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ:
مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَكَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا:
((لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ)) قَالَتْ: أَتُوبُ
إِلَى الله مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ فَأَرْسَلْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ
فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ: (يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟)) قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: ((فَأَحِبِيّ هَذِهِ). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
الفصل الثاني
٦١٩٠ - [عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبيَّ ◌َ قَالَ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ
عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلٍِ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةٌ فِرْعَوْنَ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ](٩).
٦١٩١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ
حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهَ فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». رَوَاهُ
(١) أخرجه بلفظه: البخاري (٢٥٨١)، والترمذي (٣٨٧٩) وقال: حسن غريب. والنسائي (٣٩٤٩)،
وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني) (٣٠١١)، وبنحوه: مسلم (٦٤٤٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٤١٤)، والترمذي (٣٨٧٨) وقال: صحيح. وأبو يعلى (٣٠٣٩)، وابن حبان
(٧٠٠٣)، والحاكم (٤٧٤٥)، والطبراني (١٠٠٣) والضياء (٢٤٠٣).

٦٢٣
كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب أزواج النبي ◌َديقة
التِّرْمِذِيُّ](١).
٦١٩٢ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٌّ. فَبَكَتْ،
فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َهُ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟) فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي
بِنْتُ يَهُودِيٌّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيِّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيُّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٌّ، فَقِيمَ
تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟)) ثُمَّ قَالَ: (تَّقِي اللّهَ يَا حَفْصَةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ](٩).
٦١٩٣ - [ وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيِّ دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ
الْفَتْحِ فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُؤُنِّيَّ رَسُولُ اللهِوَ سَأَلْتُهَا عَنْ
بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا. قَالَتْ: أَخْبَرِي رَسُولُ اللهِ ﴿ أَنَّهُ يَمُوتُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي
سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَضَحِكْتُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٣).
الفصل الثالث
٦١٩٤ - [عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾، قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ﴿ حَدِيثُ
قَظُ، فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ](٤).
٦١٩٥ - [وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًّا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ](٥).
(١) أخرجه الترمذي (٤٢٥٤)، وابن حبان (٧٢١٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٨٩٤) وقال: حسن صحيح غريب. وأبو يعلى (٣٤٣٧)، والنَّسائي في
«الكبرى)) (٨٨٧٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٤٢٤٧).
(٤) أخرجه الترمذي (٤٢٥٧).
(٥) أخرجه الترمذي (٤٢٥٨)، والطبراني (١٨٨١٣).

باب جامع المناقب
الفصل الأول
٦١٩٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: رَأَيْثُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ
فِي يَدِي سَرَقَّةً مِنْ حَرِيرٍ لَا أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّ طَارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُهَا
عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ فَقَالَ: ((إِنَّ أَخَاكِ رَجُلُّ صَالِحُ) أَوْ ((إِنَّ
عَبْدَ الله رَجُلُ صَالِحٌ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَقْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَقْصَةُ عَلَى رَسُولِ الله ◌ِّهِ) الْحَدِيثِ وَقَعَ مِثْله
فِي رِوَايَة حَمَّد عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ البخاري فِي رِوَايَتِه بَعْدَ قَوْله: ((طَارَتْ بِي إِلَيْهِ)) مِن
الزِّيَادَة «وَرَأَيْت كَأَنَّ إِثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّار)) الْحَدِيث بِهَذِهِ الْقِصَّة
مُخْتَصَرًا وَقَالَ فِيهِ: ((فَقَصَّتْ حَقْصَة عَلَى النَّبِيّ ◌َّهِ إِحْدَى رُؤْيَايَ)) وَظَاهِرِ رِوَايَة ◌ُهَيْب
وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي أَبْهِمَتْ فِي رِوَايَةٍ حَمَّادِ هِيَ رُؤْيَة السَّرَقَة مِن الْخَرِيرِ، وَقَدْ وَقَّعَ
ذَلِكَ صَرِيْحًا فِي رِوَايَة ◌َمَّاد عِنْدَ مُسْلِمٍ، لَكِنْ يُعَارِضِهُ مَا رُوي مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْن
عَبْدِ الله بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثِ فِي رُؤْيَته النَّارِ وَفِيهِ ((فَقَصَصْتِهَا عَلَى حَقْصَة
فَقَصَّتْهَا حَفْصَةٍ))، فَهُوَ صَرِيحٍ فِي أَنَّ حَفْصَة قَصَّتْ رُؤْيَاهُ النَّارِ. كَمَا أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد
صَرِيحَةٍ فِي أَنَّ حَفْصَةٍ قَصَّتْ رُؤْيَاهُ السَّرَقَة وَلَمْ يَتَعَرَّض فِي رِوَايَة سَالِمٍ إِلَى رُؤْيَا السَّرَقَة
فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون قَوْله: ((إِحْدَى رُؤْيَايَ)) مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهَا قَصَّتْ رُؤْيَا السَّرَقَة أَوَّلًا ثُمَّ
قَصَّتْ رُؤْيَا النَّارِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ التَّقْدِيرِ قَصَّتْ إِحْدَى رُؤْيَايَ أَوَّلًّا فَلَا يَكُون لِقَوْلِهِ
((إِحْدَى)) مَفْهُومٍ، وَهَذَا الْمَوْضِع لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِن الشُّرَّاحِ وَلَا أَزَالَ إِشْكَالهِ فَلِّلِّهِ
الْحَمْد عَلَى ذَلِكَ.
(فَقَالَ إِنَّ أَخَاكِ رَجُلِ صَالِحٍ أَوْ إِنَّ عَبْد الله رَجُل صَالِحِ) هُوَ شَكٌّ مِن الرَّاوِي،
(١) أخرجه البخاري (٧٠١٥ - ٧٠١٦) ومسلم (٦٥٢٤)، وأحمد (٤٥٨٨) والترمذي (٤١٩٦).
٦٢٤٠

٦٢٥
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَمَّادِ الْمَذْكُورَةِ (إِنَّ عَبْد الله رَجُل صَالِحِ)) بِالْجَزْمِ، وَكَذَا فِي رِوَايَة
صَخْرِ بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِعِ، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِه عَنِ الْفَرَبْرِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: ((لَوْ
كَانَ يُصَلِّي مِنِ اللَّيْلِ)) وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِغَيْرِهِ وَهِيَ ثَابِتَة فِي رِوَايَة سَالِمٍ، وَيُؤَيِّد ثُبُوتها
قَوْلُه فِي رِوَايَة حَمَّاد عِنْدَ الْجَمِيع)) فَقَالَ نَافِعٍ: ((فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرِ الصَّلَاة)) وَفِي
رِوَايَة عُبَيْد الله بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَن إِبْن عُمَر عِنْدَ مُسْلِمٍ: ((وَقَالَ نِعْمَ الْفَتَى - أَوْ قَالَ
نِعْمَ الرَّجُل - إِبْن عُمَر لَوْ كَانَ يُصَلِّ مِن اللَّيْلِ قَالَ إِبْنِ عُمَر: وَكُنْت إِذَا نِمْت لَمْ أَقُمْ
حَتَّى أُصْبِحَ، قَالَ نَافِعٍ: فَكَانَ إِبْن عُمَر بَعْدُ يُصَلِّ مِن اللَّيْل)»، أُخْرَجَ مُسْلِمٍ إِسْنَاده
وَأَصْلِهِ وَأَحَالَ بِالْمَثْنِ عَلَى رِوَايَة سَالِمٍ، وَهُوَ غَيْرِ جَيِّد لِتَغَايُرِهِمَا، وَأَخْرَجَهُ بِلَفْظِهِ أَبُو
عَوَانَةِ وَالْجُوْزَقِيُّ بِهَذَا، وَأَيْضًا مِنْ طَرِيقِ صَخْرِ بْن جُوَيْرِيَة عَنْ نَافِعٍ وَكَذَا فِي رِوَايَة سَالِم،
قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكَانَ عَبْدِ الله بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرِ الصَّلاَة مِن اللَّيْلِ، وَلَعَلَّ الزُّهْرِيّ سَمِعَ ذَلِكَ
مِنْ نَافِعِ أَوْ مِنْ سَالِمٍ، وَوَقَعَ فِي ((مُسْنَد أَبِي بَكْرِ بْنِ هَارُون الرُّوبَانِيّ)) مِنْ طَرِيق
عَبْد الله بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّة مِن الزِّيَادَةِ: ((وَكَانَ عَبْد الله كَثِيرِ الرُّقَاد»
وَفِيهِ أَيْضًا: ((إِنَّ الْمَلَكِ الَّذِي قَالَ لَّهُ لَمْ تُرَعْ قَالَ لَهُ: لَا تَدَعَ الصَّلَاة، نِعْمَ الرَّجُل أَنْتَ لَوْلَا
قِلَّة الصَّلاة)). [الفتح ٤/٢٠].
٦١٩٧ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلَّا وَسَمْتًا وَهَدْيًّا بِرَسُولِ اللهِوَهُ
لَابْنُ أُمّ عَبْدٍ، مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا
خَلَا. رَوَاهُ الْخَارِيُّ](١).
٦١٩٨ [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ، فَمَكُثْنَا
حِينًا مَا نُرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ وََّ لِمَا نَرَى مِنْ
دُخُولِهِ وَدُخُولِ أَمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٦١٩٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ:
(١) أخرجه البخاري (٦٠٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٦٣)، ومسلم (٦٤٨١)، والترمذي (٤١٧٦).

٦٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
((اسْتَقْرِتُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ،
وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ حَبَلٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٦٢٠٠ - [وَعَنْ عَلْقَمَةَ ﴾ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ
يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخُ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى
جَنْبِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُوِ الدَّرْدَاءِ. فَقُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا
صَالِحًا فَيَسَّرَكَ لِي، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: أَوَلَيْسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ
أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ التَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِظْهَرَةِ، وَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى
لِسَانٍ نَبِّهِ؟ يَعْنِي: عَمَّارًا - أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ؟ يَعِنِي:
حُذَيفَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
٦٢٠١ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: «أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي
طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلالُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٣).
(وَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلالٌ) هِيَ صَوْتِ الْمَشْي الْيَابِسِ إِذَا حَكَّ بَعْضه
بعْضًا.
٦٢٠٢ - [وَعَنْ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ
وَّ: اْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِثُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلُ مِنْ هُذَيْلٍ
وَبِلَالُّ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ وَهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ،
فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٤).
(١) أخرجه البخاري (٣٥٤٨) ومسلم (٢٤٦٤) وابن حبان (٧١٢٨) وأحمد (٦٧٦٧) والنسائي في
الكبرى (٨٠٠١) وأبو نعيم (١٧٦/١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٤٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٥٧).
(٤) أخرجه مسلم (٦٣٩٤).

٦٢٧
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
وَ لِّ قَالَ لَهُ: ((يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ
٦٢٠٣ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ أَنَّ النَّبِيِّ
مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرٍ آلِ دَاوُدَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ مَحْمُولَةٍ عَلَى التَّحْزِينِ وَالتَّشْوِيقِ. قَالَ:
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ فَكَرِهَهَا مَالِك وَالْجُمْهُورِ لِخُرُوجِهَا عَمَّا جَاءَ الْقُرْآن لَهُ مِن
الْخُشُوعِ وَالنَّفَهُّم، وَأَبَاحَهَا أَبُو حَنِيفَة وَجَمَاعَةٍ مِنِ السَّلَفِ لِلْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَب
لِلرِّقَّةِ وَإِثَارَة الْخَشْيَة وَإِقْبَالِ النُّفُوس عَلَى اِسْتِمَاعه.
قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيّ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَه الْقِرَاءَة بِالْأَلْحَانِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا أَكْرَههَا.
قَالَ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ فِيهَا خِلاف، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْتِلَاف حَالَيْنِ، فَحَيْثُ كَرِهَهَا أَرَادَ إِذَا
مَطَّطَ وَأَخْرَجَ الْكَلَامِ عَنْ مَوْضِعِه بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْص أَوْ مَدّ غَيْرِ مَمْدُودٍ وَإِدْغَامٍ مَا لَا يَجُوز
وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَيْثُ أَبَاحَهَا أَرَادَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغَيُّرُ لِمَوْضُوعِ الْكَلَام. والله أَعْلَم.
[النووي ١٤٧/٣].
٦٢٠٤ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَرْبَعَةُ: أَبِيُّ بْنُ
كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قِيل لأَنَسِ: مَنْ أَبُوزَيْدِ؟ قَالَ: أَحَدُ
عُمُومَتِي. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩).
(جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَرْبَعَةُ: أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ،
وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ) قَالَ الْمَازِرِيّ: هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْض الْمَلَاحِدَة فِي
تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، وَجَوَابِه مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيعُ بِأَنَّ غَيْرِ الْأَرْبَعَة لَمْ
يَجْمَعْهُ، فَقَدْ يَكُون مُرَاده الَّذِينَ عَلِمَهُمْ مِن الْأَنْصَارِ أَرْبَعَة، وَأَمَّا غَيْرِهِمْ مِن
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُهُمْ فَلَمْ يَنْفِهِمْ، وَلَوْ نَفَاهُمْ كَانَ الْمُرَاد نَفْي عِلْمِه،
وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَوَى غَيْرِ مُسْلِم حِفْظ جَمَاعَاتِ مِنِ الصَّحَابَةِ فِي عَهْد الشَِّيّ ◌َِّ وَذَكَّرَ
(١) أخرجه البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (١٨٨٨)، والترمذي (٣٨٥٥) وقال: غريب.
(٢) أخرجه البخاري (٣٨١٠)، ومسلم (٦٤٩٤)، وأحمد (١٤٣٠٣)، والترمذي (٤١٦٣).

٦٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مِنْهُم الْمَازِرِيّ خَمْسَة عَشَر صَحَابِيًّا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمِ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ
مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنِ، وَكَانَتِ الْيَمَامَة قَرِيبًا مِنْ وَفَاة النَّبِيِّ نََّ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ
جَامِعِيهِ يَوْمئِذٍ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِمَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِمَّنْ حَضَرَهَا، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَبَقِيَ
بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان
وَعَلِيّ وَتَحْوِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ يَبْعُدُ كُلُّ الْبُعْد أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوهُ، مَعَ كَثْرَة رَغْبَتِهِمْ
فِي الْخَيْرِ، وَحِرْصهمْ عَلَى مَا دُون ذَلِكَ مِن الطَّاعَاتِ. وَكَيْف نَظُنُّ هَذَا بِهِمْ، وَتَحْنُ نَرَى
أَهْلِ عَصْرِنَا حَفِظَهُ مِنْهُمْ فِي كُلّ بَلْدَة أُلُوفٍ مَعَ بُعْد رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ عَنْ دَرَجَة
الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَحْكَامٍ مُقَرَّرَة يَعْتَمِدُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ وَحَضَرِهِمْ
إِلَّا الْقُرْآنِ، وَمَا سَمِعُوهُ مِن النَّبِيّ ◌َّةِ، فَكَيْف نَظُنُّ بِهِمْ إِهْمَالهِ؟ فَكُلّ هَذَا وَشِبْهِهِ يَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَحَد يَجْمَعُ
الْقُرْآنِ إِلَّ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورُونَ. الْجَوَابِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُ إِلَّا الْأَرْبَعَةِ لَمْ
يَقْدَح فِي تَوَاتُره؛ فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ حِفْظ كُلّ جُزْءٍ مِنْهَا خَلَائِقِ لَا يُحْصُونَ، يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ
بِبَعْضِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَنْقُلَ جَمِيعِهِمْ جَمِيعه، بَلْ إِذَا نَقَلَ كُلّ جُزْءٍ عَدَد
الثَّوَاتُر صَارَت الْجُمْلَةِ مُتَوَاتِرَة بِلَا شَكِّ، وَلَمْ يُخَالِفِ فِي هَذَا مُسْلِمٍ وَلَا مُلْحِد. وبالله
التَّوْفِيق.
(قُلْت لِأَنَسِ: مَنْ أَبُوزَيْدِ؟ قَالَ: أَحَد عُمُومَتِي) أَبُوزَيْدِ هَذَا هُوَ سَعْد بْنِ عُبَيْد بْن
الثَّعْمَانِ الْأَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، بَدْرِيّ يُعْرَفُ بِسَعْدٍ الْقَارِي، أُسْتُشْهِدَ
بِالْقَادِسِيَّةِ سَنَة خَمْس عَشْرَةٍ فِي أَوَّل خِلَافَةِ عُمَر بْنِ الْخَطَّاب .. رَضِيَ الله عَنْهُ -.
قَالَ إِبْنِ عَبْدِ الْبَرّ: هَذَا هُوَ قَوْل أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرِهِمْ، فَقَالُوا: هُوَ
قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ الْخُزْرَچِيّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْن النَّجَّارِ بَدْرِيّ.
قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة: أُسْتُشْهِدَ يَوْمٍ جَيْش أَبِي عُبَيْد بِالْعِرَاقِ سَنَة خَمْس عَشْرَة
أَيْضًا. [النووي ٢٢١/٨].
٦٢٠٥ - [وَعَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ ﴾ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ نَبْتَغِي

٦٢٩
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
وَجْهَ الله تَعَالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ:
مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ؛ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَظَّيْنَا
رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَظَيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((غَطُوا بِهَا رَأْسَهُ،
وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيهِ الإِذْخِرَ)) وَمِنَّا مَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى الله) مَعْنَاهُ: وُجُوب إِنْجَازِ وَعْد بِالشَّرْعِ لَا وُجُوب بِالْعَقْلِ كَمَا
تَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ نَحْوِمَا فِي الْحَدِيث ((حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله)). (فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُل
مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا) مَعْنَاهُ: لَمْ يُوَسَّع عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُعَجَّل لَهُ شَيْءٍ مِنْ جَزَاء عَمَله.
(فَلَمْ يُوجَد لَهُ شَيْءٍ يُكَفَّن فِيهِ إِلَّا نَمِرَة) هِيَ كِسَاءِ، وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكَفَن مِنْ
رَأْسِ الْمَال وَأَنَّهُ مُقَدَّمٍ عَلَى الدُّيُون؛ لِأَنَّ النَِّيّ ◌َّهِ أَمَرَ بِتَكْفِينِهِ فِي نَمِرَتِه وَلَمْ يَسْأَل هَلْ
عَلَيْهِ دَيْنِ مُسْتَغْرِق أَمْ لَا؟ وَلَا يَبعد مِنْ حَالِ مَنْ لَا يَكُون عِنْده إِلَّا نَمِرَة أَنْ يَكُون
عَلَيْهِ دَيْنِ. وَاسْتَثْنَى أَصْحَابِنَا مِن الدُّيُونِ الدَّيْنِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيُقَدَّمِ عَلَى الْكَفَن،
وَذَلِكَ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمَرْهُونِ، وَالْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ زَكَاةَ أَوْ حَقُّ بَائِعِه بِالرُّجُوعِ
بِإِفْلَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(غَطُوا بِهَا رَأَسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ، وَهُوَ
حَشِيش مَعْرُوف طَيِّب الرَّائِحَةِ.
وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْكَفَنِ عَنْ سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَن وَلَمْ يُوجَد غَيْرهِ جُعِلَ
مِمَّا يَلِي الرَّأْسِ، وَجعَلَ النَّقْص مِمَّا بَلِي الرِّجْلَيْنِ وَيَسْتُرِ الرَّأْسِ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ
سُتِرَتِ الْعَوْرَةِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ جُعِلَ فَوْقِهَا، فَإِنْ ضَاقَ عَنِ الْعَوْرَةِ سُتِرَتِ السَّوْأَتَانِ؛
لِأَنَّهُمَا أَهُمُّ وَهُمَا أَصْلِ فِي الْعَوْرَةِ.
وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَنِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَقَظْ، وَلَا تَجِب
إِسْتِيعَابِ الْبَدَن عِنْدِ التَّمَكُنِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَن لِقَوْلِهِ:
(١) أخرجه البخاري (١٢١٧)، ومسلم (٢٢٢٠)، وأحمد (٢١١١٤)، وأبو داود (٢٨٧٦)، والترمذي
(٣٨٥٣) وقال: حسن صحيح. والشاشي (١٠٠٤).

٦٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
لَمْ يُوجَد لَهُ غَيْرِهَا، فَجَوَابِهِ: أَنَّ مَعْنَاهُ: لَمْ يُوجَد مِمَّا يَمْلِكَ الْمَيِّتِ إِلَّا نَمِرَة، وَلَوْ كَانَ سَتْر
جَمِيعِ الْبَدَن وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرِينَ تَتْمِيمِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيب تَلْزَمهُ
نَفَقَته، فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةِ جَرَتْ يَوْمٍ أُحُد وَقَدْ كَثُرَت
الْقَتْلَى مِن الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَغَلُوا بِهِمْ وَبِالْخَوْفِ مِن الْعَدُوّ وَغَيْرِ ذَلِكَ!
فَجَوَابِهِ: أَنَّهُ يَبْعُد مِنْ حالِ الْحَاضِرِينَ الْمُتَوَّلِّينَ دَفْنه أَلَّا يَكُون مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
قِطْعَة مِنْ ثَوْب وَنَحْوَهَا. وَالله أَعْلَمُ. [النووي ٣٥٧/٣].
٦٢٠٦ - [وَعَنْ جَابِرِ هِ قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ ◌َ يَقُولُ: ((اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)). وَفِي رِوَايَةٍ: (اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِه، فَقَالَتْ طَائِفَة:
هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاهْتِزَازِ الْعَرْشِ تَحَرُّكُهُ فَرَحًا بِقُدُومٍ رُوح سَعْد، وَجَعَلَ الله تَعَالَى فِي
الْعَرْشِ تَمْيِيزًا حَصَلَ بِهِ هَذَا، وَلَا مَانِعٍ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشْيَةِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَهَذَا الْقَوْلِ هُوَ ظَاهِرِ الْحَدِيث، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيّ: قَالَ بَعْضِهِمْ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ الْعَرْشِ تَحَرَّكَ لِمَوْتِهِ.
قَالَ: وَهَذَا لَا يُنْكَرُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَرْشِ جِسْم مِن الْأَجْسَامِ يَقْبَل الْخَرَكَة
والسُّگون.
قَالَ: لَكِنْ لَا تَحْصُلِ فَضِيلَةٍ سَعْد بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى جَعَلَ
حَرَكَتَهُ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى مَوْته.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادِ اِهْتِزَازِ أَهْلِ الْعَرْشِ، وَهُمْ حَمَلَتُهُ، وَغَيْرِهِمْ مِن الْمَلَائِكَة،
فَحَذَفَ الْمُضَاف، وَالْمُرَاد بِالإِهْتِزَازِ الإِسْتِبْشَارِ وَالْقَبُول، وَمِنْهُ قَوْل الْعَرَبِ: فُلَانِ يَهْتَزّ
لِلْمَكَارِمِ، لَا يُرِيدُونَ إِضْطِرَاب جِسْمِه وَحَرَكَته، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ إِرْتِيَاحِه إِلَيْهَا، وَإِقْبَاله
(١) أخرجه البخاري (٣٨٠٣)، ومسلم (٦٥٠٠)، وأحمد (١١٤٨٥).

٦٣١
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: هُوَ كِنَايَة عَنْ تَعْظِيمِ شَأْن وَفَاته. وَالْعَرَبِ تَنْسُبُ الشَّيْءَ الْمُعَظّم
إِلَى أَعْظَمَ الْأَشْيَاء، فَيَقُولُونَ: أَظْلَمَتْ لِمَوْتِ فُلَانٍ الْأَرْضُ، وَقَامَتْ لَهُ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ جَمَاعَةُ: الْمُرَادِ اِهْتِزَازِ سَرِير الْجِنَازَةِ، وَهُوَ النَّعْشِ، وَهَذَا الْقَوْلِ بَاطِلِ، يَرُدُّهُ
صَرِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٍ: اِهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْش الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا قَالَ هَؤُلَاءِ هَذَا
التَّأْوِيل لِكَوْنِهِمْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الرَّوَايَاتِ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ. وَالله أَعْلَمُ. [الفتح ٢٢٦/٨].
٦٢٠٧ - [وَعَنِ الْبَرَاءَ ﴾ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ
يَمَسُّونَهَا وَيَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله حُلَّةُ حَرِيرٍ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأَخْرَى: (ثَوْبِ حَرِير)) وَفِي
الْأَخْرَى: (جُبَّة). قَالَ الْقَاضِي: رِوَايَة الْجُبَّةِ بِالْجِيمِ وَالْبَاء لِأَنَّهُ كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا كَمَا صَرَّحَ
بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: الْحُلَّةُ لَا تَكُون إِلَّا تَوْبَيْنِ، يَحُلُّ أَحَدهمَا عَلَى
الْآخَرِ، فَلَا يَصِحُّ الْحُلَّةُ هُنَا. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: الْحُلَّ ثَوْبُ وَاحِدُ جَدِيدُ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِلِّهِ
مِنْ طَيِّهِ، فَيَصِحُ. وَقَدْ جَاءَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبَاءِ.
(لَمَنَادِيلِ سَعْد بْن مُعَاذْ فِي الْجَنَّة خَيْرِ مِنْهَا وَأَلْيَنِ) الْمَنَادِيل جَمْع مِنْدِیل بِكَسْرِ
الْمِيمِ فِي الْمُفْرَدِ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي يُحْمَلِ فِي الْيَد.
قَالَ إِبْنِ الْأَعْرَابِيّ وَابْنِ فَارِسِ وَغَيْرِهِمَا: هُوَ مُشْتَقُّ مِنِ النَّدْلِ، وَهُوَ النَّقْلُ؛ لِأَنَّهُ
يُنْقَلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ. وَقِيلَ: مِنِ النَّدَل، وَهُوَ الْوَسَخِ لِأَنَّهُ يَنْدَلُّ بِهِ.
قَالَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّة: يُقَالُ مِنْهُ: تَنَدَّلْت بِالْمِنْدِيلِ.
قَالَ الْجُوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ أَيْضًا تَمَنْدَلْت. قَالَ: وَأَنْكَرَ الْكَسَائِيّ، قَالَ: وَيُقَالُ أَيْضًا:
تَمَدَّلْت.
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٣)، ومسلم (٢٤٦٨)، والترمذي (٣٨٤٧) وقال: حسن صحيح. وابن
ماجه (١٥٧).

٦٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَقَالَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ إِشَارَةً إِلَى عَظِيم مَنْزِلَةٍ سَعْدٍ فِي الْجُنَّةِ، وَأَنَّ أَدْنَى ثِيَابِهِ فِيهَا
خَيْرٍ مِنْ هَذِهِ، لِأَنَّ الْمِنْدِيلِ أَدْنَى القَيَابِ، لِأَنَّهُ مُعَدُّ لِلْوَسَخِ وَالإِمْتِهَانِ، فَغَيْرُهُ أَفْضَلُ.
وَفِيهِ: إِثْبَاتِ الْجَنَّة لِسَعْدٍ.
٦٢٠٨ - [وَعَنْ أَمِّ سُلَيْمِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسَّ
خَادِمُكَ، ادْعُ اللّهَ لَهُ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)). قَالَ أَنَسَّ:
فَوَالله إِنَّ مَالِي لَكَثِيرً، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَّدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَّدَ وَلَدِي لَيَتَعَادَوْنَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمِ) مَعْنَاهُ: وَيَبْلُغُ عَدَدُهُمْ نَحْوِ
الْمِائَة، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس أَنَّهُ دَفَنَ مِنْ أَوْلَاده قَبْلِ مَقْدَم الْحَجَّاجِ بْن
يُوسُف مِائَة وَعِشْرِينَ. وَالله أَعْلَمُ.
٦٢٠٩ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِيِ وَقَّاصٍ ﴾ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ لأَحَدٍ
يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) قَدْ ثَبَتَ أَنَّ
الشَِّيّ ◌ََّ قَالَ: أَبُو بَكْرِ فِي الْجُنَّة وَعُمَرِ فِي الْجُنَّة وَعُثْمَانِ فِي الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ الْعَشَرَة.
وَثَبَتَ أَنَّهُ بَّهِ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجُنَّةِ، وَأَنَّ عُكَّاشَةَ
مِنْهُمْ، وَثَابِتِ بْن قَيْس وَغَيْرِهِمْ. وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِقَوْلِ سَعْد؛ فَإِنَّ سَعْدًا قَالَ: مَا
سَمِعْته، وَلَمْ يَنْفِ أَصْلِ الْإِخْبَارِ بِالْجُنَّةِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ نَفَاهُ كَانَ الْإِثْبَاتِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.
[النووي ٢٤٨/٨].
٦٢١٠ - [وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًّا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ
رَجُلُ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلُّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ
فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا: هَذَا رَجُلْ مِنْ أَهْلِ
(١) أخرجه البخاري (٦٣٧٨)، ومسلم (٦٥٢٧ - ٦٥٣١)، وأحمد (٢٨١٨٨)، والترمذي (٤٢٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨١٢)، ومسلم (٦٥٣٥)،.

٦٣٣
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
الْجَنَّةِ. قَالَ: وَالله مَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؛ رَأَيْتُ رُؤْيَا
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َّهِ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنِي فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا
وَخُضْرَتِهَا - وَسْطَهَا عَمُودُ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ
عُرْوَةُ فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ. فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَأَتَانِي مِنْصَفُّ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَرَقِيتُ
حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهُ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ: اسْتَمْسِكْ. فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي،
فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ،
وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ العُرْوَةُ الْوُثْقَى، فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ)) وَذَلِكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ
سَلَامٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(فَأَتَانِي مِنْصَف) بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَةِ بَعْدهَا فَاء،
وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْأَوَّل أَشْهَر وَهُوَ الْخَادِمِ. (فَرَقِيتُ) بِكَسْرِ الْقَاف
وَحُكِيَ فَتْحِهَا. (فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي) أي: أَنَّ الإِسْتِيقَاظِ كَانَ حَالِ الْأَخْذ مِنْ
غَيْرِ فَاصِلَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ فِي حَالِ يَقَظَتِه، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَمْتَنِعٍ فِي
قُدْرَة الله، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرِ خِلَاف ذَلِكَ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَنَّ أَثَرِهَا بَقِيَ فِي يَده بَعْد
الإِسْتِيقَاظ كَأَنْ يُصْبِحِ فَيَرَى يَده مَقْبُوضَة (وَذَلِكَ الرَّجُلِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَام) هُوَ قَوْل
عَبْدِ الله بْن سَلَام، وَلَا مَانِعٍ مِنْ أَنْ يُخْبِرِ بِذَلِكَ وَيُرِيد نَفْسِه، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ
کلام الرَّاوِي.
٦٢١١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بنِ شمَّاسِ خَطِيبَ الأَنصَارِ،
فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]
إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ فِي بَيْتِهِ وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ فَسَأَلَ السَّبِيُّ ◌َ سَعْدَ بْنَ
مُعَاذٍ، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَيَشْتَكِي)) فَأَتَاهُ سَعْدُ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِّ فَقَالَ
ثَابِتْ: أَنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْنًا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَأَنَا
(١) أخرجه البخاري (٣٨١٣)، ومسلم (٦٥٣٦).

٦٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌّ لِلنَّبِيِّ ﴿ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
٦٢١٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كُنَّ جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّنَّهِ إِذْ نَزَلَتْ سُورَةُ
الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قَالُوا: مَنْ هَؤلاءِ يَا
رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِيُّ، قَالَ: فَوَضَعَ النَِّيُّ ◌َهِ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ:
(لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَّيَّا لَنَالَهُ رِجَالُ مِنْ هَؤُلَاءٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَبَّا لَتَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ) أي: مِنْ أَبْنَاء فَارِسِ كَمَا في
روایة.
قِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ وَلَد هدرام بن أرفخشد بن سَامِ بْن نُوح وَأَنَّهُ وَلَدَ بِضْعَة
عَشَرِ رَجُلًا كُلّهِمْ كَانَ فَارِسًا شُجَاعًا فَسُمُّوا الْفُرْس لِلْفُرُوسِيَّةِ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِمْ أَقْوَال
أُخْرَى.
وَقَالَ صَاعِدٍ فِي ((الطَّبَقَات)): كَانَ أَوَّلهُمْ عَلَى دِينِ نُوحٍ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي دِينِ الصَّابِئَة
فِي زَمَن طمهورث فَدَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرِ مِنْ أَلْفَيْ سَنَة، ثُمَّ تَمَجَّسُوا عَلَى يَد زَرَادِشْت.
قَالَ الْقُرْطُِّيّ: وَقَعَ مَا قَالَّهُ بَّهِ عِيَانًا، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمْ مَن اِشْتَهَرَ ذِكْرِهِ مِنْ حُفَّاظ
الْآثَارِ وَالْعِنَايَةِ بِهَا مَا لَمْ يُشَارِکهُمْ فِیهِ گَثِیر مِنْ أُحَد غَيْرِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلِ النَّسَبِ فِي أَصْلِ فَارِسِ فَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى جيومرت
وَهُوَ آدَمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْن نُوحٍ، وَقِيلَ: مِنْ ذُرِّيَّة لَاوِي بْنِ سَامِ بْن نُوح،
وَقِيلَ: هُوَ فَارِسِ بْنِ يَاسُورَ بْنِ سَامٍ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ وَلَد هدرام بن أرفخشد بْنِ سَامٍ،
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ يُوسُف بْنِ يَعْقُوبِ بْن إِسْحَاقِ بْنِ إِبْرَاهِيمِ، وَالْأَوَّل أَشْهَر الْأَقْوَال
عِنْدهمْ، وَالَّذِي يَلِيهِ أَرْجَحِهَا عِنْدِ غَيْرِهِمْ.
٦٢١٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي: أَبَا
(١) أخرجه مسلم (٣٢٩)، وأحمد (١٢٨١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٦٦٦٢)، وأحمد (٩٦٤٦).

٦٣٥
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ](١).
٦٢١٤ - [وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو ﴾: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ
فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَالله مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ الله مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ الله مَأْخَذَهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشِ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ
أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)) فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَنَاهْ،
أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيَّ رَوَاهُ مُسْلِمْ](٤).
(أَنَّ أَبَا سُفْيَان أَنَى عَلَى سَلْمَان وَصُهَيْبٍ وَبِلَال فِي نَفَرِ فَقَالُوا: مَا أَخَذَتْ
سُيُوف الله مِنْ عُنُق عَدُوّ الله مَأْخَذهَا) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا بِالْقَصْرِ وَفَتْحِ الْخَاء،
وَالثَّانِي بِالْمَدِّ وَكَسْرِهَا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحِ، وَهَذَا الْإِثْيَانِ لِأَّبِي سُفْيَانِ كَانَ وَهُوَ كَافِرٍ فِي
الْهُدْنَة بَعْد صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَفِي هَذَا فَضِيلَةٍ ظَاهِرَة لِسَلْمَانِ وَرُفْقَتِه هَؤُلَاءِ وَفِيهِ مُرَاعَاة
قُلُوب الضُّعَفَاء وَأَهْلِ الدِّينِ وَإِكْرَامِهِمْ وَمُلَاطَفَتهمْ.
قَوْلهُ: (يَا إِخْوَتَاه أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرِ اللّه لَك يَا أَخَيّ) أَمَّا قَوْلهُمْ: (يَا
أَخَيّ) فَضَبَطُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى النَّصْغِيرِ، وَهُوَ تَصْغِيرٍ تَحْبِيب. وَتَرْقِيق وَمُلَاطَفَة. وَفِي
بَعْض النُّسَخِ بِفَتْحِهَا. قَالَ الْقَاضِي: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر أَنَّهُ نَهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ
الصِّيغَةِ، وَقَالَ: قُلْ: عَافَاكِ اللهِ، رَحِمَكَ اللهِ، لَا تَزِدْ أي: لَا تَقُلْ قَبْلِ الدُّعَاء لَا فَتَصِير
صُورَته صُورَة نَفْي الدُّعَاءِ. قَالَ بَعْضهمْ: قُلْ: لَا، وَيَغْفِر لَك الله. [النووي ٢٧٣/٨].
٦٢١٥ - [وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهَ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ
التَّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٣).
(آيَة الْإِيمَان) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَيَاء تَحْتَانِيَّةِ مَفْتُوحَة وَهَاء تَأْنِيث، وَالْإِيمَان
(١) أخرجه مسلم (٦٥٥١).
(٢) أخرجه مسلم (٦٥٦٨)، وأحمد (٢١١٨٢).
(٣) أخرجه البخاري (١٧) ومسلم (٧٤) وأحمد (١٢٣٣٨) والنسائي (٥٠١٩) والبيهقي في (شعب
الإيمان)) (١٩١/٢).

٦٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مَجْرُورِ بِالْإِضَافَةِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدِ فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فِي
الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ وَالْمَسَانِيدِ. وَالْآيَةِ: الْعَلَامَةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ
الْمُصَنِّف، وَوَقَعَ فِي إِعْرَابِ الْحَدِيث ◌ِأَّبِيِ الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيّ ((إِنَّهُ الْإِيمَانِ)) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة
وَنُون مُشَدَّدَةٍ وَهَاءِ، وَالْإِيمَانِ مَرْفُوعٍ، وَأَعْرَبَهُ فَقَالَ: إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْهَاءِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ،
وَالْإِيمَانِ مُبْتَدَأُ وَمَا بَعْده خَبَرِ، وَيَكُون التَّقْدِير: إِنَّ الشَّأْنِ الْإِيمَانِ حُبّ الْأَنْصَار.
وَهَذَا تَصْحِيف مِنْهُ، ثُمَّ فِيهِ نَظَر مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ◌ِأَنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرِ الْإِيمَانِ فِي حُبّ
الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: وَاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ أَيْضًا يَقْتَضِي الْخَصْرِ.
فَالْجُوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَلَامَةِ كَالْخَاصَّةِ تَظَرِدٍ وَلَا تَنْعَكِس، فَإِنْ أُخِذَ مِنْ طَرِيق
الْمَفْهُومِ فَهُوَ مَفْهُوم لَقَب لَا عِبْرَة بِهِ. سَلَّمْنَا الْحَصْرِ لَكِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَل ◌ِدِّعَائِيًّا
لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقِيّ لَكِنَّهُ خَاصّ بِمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّصْرَةِ. وَالْجَوَابِ عَن
الثَّانِي أَنَّ غَايَته أَنْ لَا يَقَع حُبّ الْأَنْصَارِ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ.
وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَقَعِ مِنْهُ ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ أَنَّ غَيْرِ الْمُؤْمِن لَا يُحِبّهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى الشِّقِّ الثَّانِي هَلْ يَكُون مَنْ أَبْغَضَهُمْ مُنَافِقًا وَإِنْ صَدَقَ وَأَقَرَّ؟
فَالْجَوَابِ أَنَّ ظَاهِرِ اللَّفْظ يَقْتَضِيه؛ لَكِنَّهُ غَيْرِ مُرَادٍ، فَيُحْمَلِ عَلَى تَقْبِيد الْبُغْضِ بِالْجِهَةِ،
فَمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ - وَهِيَ كَوْنِهِمْ نَصَرُوا رَسُولِ اللهِ وَ - أَثَّرَ ذَلِكَ فِي
تَصْدِيقه فَيَصِحّ أَنَّهُ مُنَافِقٍ. وَيُقَرِّبِ هَذَا الْحَمْلِ زِيَادَة أَبِي نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَجِ فِي حَدِيث
الْبَرَاءِ بْن عَازِب ((مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارِ فَبِحُبِّ أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارِ فَبِبُغْضِي
أَبْغَضَهُمْ))، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ (لَا يَبْغَض الْأَنْصَارِ رَجُل
يُؤْمِن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))، وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيثه ((حُبِّ الْأَنْصَارِ إِيمَان وَبُغْضِهِمْ نِفَاق)).
وَيُحْتَمَلِ أَنْ يُقَال إِنَّ اللَّفْظ خَرَجَ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ فَلَا يُرَاد ظَاهِرِه، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُقَابِل
الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدّه، بَلْ قَابَلَهُ بِالنَّفَاقِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب
إِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ يُظْهِرِ الْإِيمَانِ، أَمَّا مَنْ يُظْهِرِ الْكُفْرِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُرْتَكِب مَا هُوَ
أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ.

٦٣٧
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
(الْأَنْصَارِ) هُوَ جَمْعِ نَاصِرِ كَأَصْحَابِ وَصَاحِب، أَوْ جَمْعِ نَصِير كَأَشْرَافٍ وَشَرِيف،
وَاللَّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ أي: أَنْصَارِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَالْمُرَادِ الْأَوْس وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا قَبْل ذَلِكَ
يُعْرَفُونَ بِبَنِي قَيْلَة بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاء تَخْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ وَهِيَ الْأُمّ الَّتِي تَجْمَعِ الْقَبِيلَتَيْنِ،
فَسَمَّاهُمْ رَسُولِ اللهِوَّهِ ((الْأَنْصَارِ)) فَصَارَ ذَلِكَ عَلَمَّا عَلَيْهِمْ، وَأَظْلِقَ أَيْضًا عَلَى أَوْلَادهمْ
وَحُلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. وَخُصُّوا بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعُظْمَى لِمَا فَازُوا بِهِ دُون غَيْرِهِمْ مِن الْقَبَائِل
مِنْ إِيوَاءِ النَّبِيّ ◌َّهَ وَمَنْ مَعَهُ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالهِمْ وَإِثَارِهِمْ
إِيَّاهُمْ فِي كَثِير مِن الْأُمُورِ عَلَى أَنْفُسهمْ، فَكَانَ صَنِيعهمْ لِذَلِكَ مُوجِبًا لِمُعَادَاتِهِمْ جَمِيع
الْفِرَقِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ عَرَب وَعَجَمْ، وَالْعَدَاوَةِ نَّجُرّ الْبُغْضِ، ثُمَّ كَانَ مَا اِخْتَصُوا بِهِ مِمَّا
ذُكِرَ مُوجِبًا لِلْحَسَدِ، وَالْحَسَدِ يَجُرّ الْبُغْضِ، فَلِهَذَا جَاءَ التَّحْذِيرِ مِنْ بُغْضِهِمْ وَالتَّرْغِيب
فِي حُبّهِمْ حَتَّى جُعِلَ ذَلِكَ آيَة الْإِيمَانِ وَالنَّفَاقِ، تَنْوِيهًا بِعَظِيمٍ فَضْلهمْ، وَتَنْبِهَا عَلَى كَرِیم
فِعْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ كُلُّ بِقِسْطِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ قَالَ لَهُ ((لَا يُحِبّكَ إِلَّا مُؤْمِن وَلَا
يَبْغَضِكِ إِلَّا مُنَافِقٍ))، وَهَذَا جَارٍ بِطَرَادٍ فِي أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، لِتَحَقُّقِ مُشْتَرَكِ الْإِكْرَامِ، لِمَا
لَهُمْ مِنْ حُسْنِ الْغِنَاء فِي الدِّين. قَالَ صَاحِب الْمُفْهِم: وَأَمَّ الْخُرُوبِ الْوَاقِعَة بَيْنِهِمْ فَإِنْ
وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَذَاكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَل الْأَمْرِ الظَّارِئِ الَّذِي اِقْتَضَى
الْمُخَالَفَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُم بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْض بِالنَّفَاقِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَالهِمْ فِي ذَاكَ
حَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ: لِلْمُصِيبِ أَجْرَانِ وَلِلْمُخْطِئِ أَجْر وَاحِد. والله أَعْلَم.
[الفتح ٢٧/١].
٦٢١٦ [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَيهِ يَقُولُ: ((الأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ
إِلَّا مُؤْمِنْ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٍ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(١) أخرجه البخاري (٣٥٧٢)، ومسلم (٧٥)، وأحمد (١٨٥٩٩)، والترمذي (٣٩٠٠)، وابن أبي
شيبة (٣٢٣٥٣)، والطيالسي (٧٢٨).

٦٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٦٢١٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿، قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ
مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالاً مِنْ قُرَيْشِ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا:
يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ الله ◌َ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَحُدِّثَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّه بِمَقَالتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمِ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ
أَحَدًّا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّ اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟))
فَقَالَ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأَيِنَا يَا رَسُولَ الله فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسَ مِنَّا حَدِيثَةٌ
أَسْنَانُهُمْ قَالُوا: يَغْفِرُ اللّهُ لِرَسُولِ اللهِ وَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُ الأَنصَارَ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ
مِنْ دِمَائِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهُ: ((إِّ أَعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا
تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ) فَقَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ الله، قَدْ رَضِينَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٦٢١٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيُ: (لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأ
مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًّا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًّا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ
الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارَ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا
حَقَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْخَوْضِ)). رَوَاهُ الْخَارِيُّ](٢).
(لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت ◌ِمْرَأَ مِن الْأَنْصَارِ) قَالَ الْخَطَّائِيُّ: أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامَ تَأَلُّف
الْأَنْصَارِ وَاسْتِطَابَة نُفُوسهمْ وَالثَّنَاء عَلَيْهِمْ فِي دِينهِمْ حَتَّى رَضِيَ أَنْ يَكُون وَاحِدًا مِنْهُمْ
لَوْلًا مَا يَمْنَعُهُ مِن الْهِجْرَةِ الَّتِي لَا يَجُوز تَبْدِيلِهَا، وَنِسْبَة الْإِنْسَانِ تَفَع عَلَى وُجُوهِ: مِنْهَا
الْوِلَادَةِ، وَالْبِلَادِيّة، وَالإِعْتِقَادِيَّةِ، وَالصِّنَاعِيَّة. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإِنْتِقَال عَنْ نَسَب
آبَائِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَنِعِ قَطْعًا. وَأَمَّ الإِعْتِقَادِيّ فَلَا مَعْنَى لِلإِنْتِقَالِ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّ الْقِسْمَانِ
الْأَخِيرَانِ، وَكَانَتِ الْمَدِينَةِ دَارِ الْأَنْصَارِ وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا أَمْرًا وَاجِبًا، أي: لَوْلَا أَنَّ النِّسْبَة
الْهِجْرِيَّة لَا يَسْعَنِي تَرْكَهَا لَانْتَسَبْت إِلَى دَارَكُمْ. قَالَ: وَيُحْتَمَلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا أَخْوَالِه لِكَوْنِ
(١) أخرجه البخاري (٤٣٣١)، ومسلم (٢٤٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٣٠).

٦٣٩
كتاب المناقب والفضائل / باب جامع المناقب
أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب مِنْهُمْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَسِبِ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْوِلَادَة لَوْلًا مَانِعِ الْهِجْرَة.
وَقَالَ اِبْنِ الْجُوْزِيّ: لَمْ يُرِدْ وَ تَغَيُّر نَسَبه وَلَا تَحْوِ هِجْرَتِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَوْلَا مَا
سَبَقَ مِنْ كَوْنِه هَاجَرَ لَانْتَسَبَ إِلَى الْمَدِينَة وَإِلَى نُصْرَة الدِّينِ، فَالتَّقْدِيرِ لَوْلَا أَنَّ النِّسْبَة
إِلَى الْهِجْرَةِ نِسْبَة دِينِيَّةٍ لَا يَسَع تَرْكَهَا لَانْتَسَبْت إِلَى دَارَكُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ
لَتَسَمَّيْتِ بِاسْمِكُمْ وَانْتَسَبْتِ إِلَيْكُمْ كَمَا كَانُوا يَنْتَسِبُونَ بِالْحِلْفِ، لَكِنْ خُصُوصِيَّة
الْهِجْرَة وَتَرْبِيَتِهَا سَبَقَتْ فَمَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ أَعْلَى وَأَشْرَفِ فَلَا تَتَبَدَّل بِغَيْرِهَا. وَقِيلَ:
مَعْنَاهُ لَكُنْت مِن الْأَنْصَارِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْعِدَادِ. وَقِيلَ: التَّقْدِير لَوْلَا أَنَّ ثَوَابِ الْهِجْرَةِ
أَعْظَمْ لَاخْتَرْت أَنْ يَكُون ثَوَابِي ثَوَابِ الْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُرِدْ ظَاهِرِ النَّسَبِ أَصْلًا. وَقِيلَ:
لَوْلَا إِلْتِزَامِي بِشُرُوطِ الْهِجْرَةِ، وَمِنْهَا تَرْك الْإِقَامَةِ بِمَكَّةٍ فَوْقِ ثَلَاث لَاخْتَرْت أَنْ يَكُون
مِن الْأَنْصَارِ فَيُبَاحِ لِي ذَلِكَ.
(وَادِي الْأَنْصَارِ) هُوَ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ، وَقِيلَ الَّذِي فِيهِ مَاءِ، وَالْمُرَادِ هُنَا بَلَدهُمْ.
(وَشِعْبَهَا) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ اِسْمَ لِمَا إِنْفَرَجَ بَيْن جَبَلَيْنِ. وَقِيلَ
الطَّرِيقِ فِي الْجَبَل. وَأَرَادَ بَّهِ بِهَذَا وَبِمَا بَعْده التَّنْبِيه عَلَى جَزِيل مَا حَصَلَ لَّهُمْ مِنْ ثَوَاب
النَّصْرَة وَالْقَنَاعَة بِاللَّهِ وَرَسُوله عَنِ الدُّنْيَا. وَمَنْ هَذَا وَصْفِه فَحَقّه أَنْ يُسْلَك طَرِيقه
وَيُتْبَع حاله.
قَالَ الْخَطَّائِيُّ: لَمَّا كَانَتِ الْعَادَة أَنَّ الْمَرْءِ يَكُونِ فِي نُزُولُه وَارْتِحَاله مَعَ قَوْمه، وَأَرْض
الْحِجَازِ كَثِيرَة الْأَوْدِيَة وَالشِّعَابِ، فَإِذَا تَفَرَّقَتْ فِي السَّفَرِ الظُّرُقِ سَلَكَ كُلّ قَوْمٍ مِنْهُمْ وَادِيًا
وَشِعْبًا. فَأَرَادَ أَنَّهُ مَعَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيدِ بِالْوَادِي الْمَذْهَب كَمَا يُقَال فُلَان
في وادٍ وَأَنَا فِي وَادٍ.
(الْأَنْصَارِ شِعَارِ وَالنَّاسِ دِقَار) الشِّعَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة بَعْدِهَا مُهْمَلَةٍ خَفِيفَة:
القَّوْبِ الَّذِي يَلِي الْجِلْد مِن الْجَسَد. وَالدِّثَارِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَمُثَلَّئَة خَفِيفَة الَّذِي فَوْقِه.
وَهِيَ اِسْتِعَارَةٍ لَطِيفَة لِفَرْطِ قُرْبِهِمْ مِنْهُ. وَأَرَادَ أَيْضًا أَنَّهُمْ بِطَانَتِه وَخَاصَّتِه وَأَنَّهُمْ أَلْصَق
بِهِ وَأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. زَادَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد «اللَّهُمَّ إِرْحَم الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاء

٦٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَبَكَّى الْقَوْمِ حَتَّى أَخْضَلُوا لِجَاهُمْ وَقَالُوا: رَضِينَا
بِرَسُولِ الله قَسَمَا وَحَظًّا)).
(إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّئَةِ وَبِفَتْحَتَيْنِ، وَيَجُوز
كَسْرِ أَوَّله مَعَ الْإِسْكَان، أي: الاِنْفِرَاد بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَكِ دُون مَنْ يُشْرِكِهُ فِیهِ. وَفِي رِوَايَة
الزُّهْرِيِّ (أَثْرَةٍ شَدِيدَة)) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَأْثِرِ عَلَيْهِمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ اِشْتَرَاكِ فِي الإِسْتِحْقَاق.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يُفَضِّلِ نَفْسِه عَلَيْكُمْ فِي الْفَيْء. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْأُثْرَةِ الشِّدَّة.
وَيَرُدّهُ سِيَاق الْحَدِيث وَسَبَبه.
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) أي: يَوْمِ الْقِيَامَة. وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ ((حَتَّى
تَلْقَوْا الله وَرَسُولُه فَإِّي عَلَى الْخَوْض)) أي: إِصْبِرُوا حَتَّى تَمُوتُوا، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَنِي عِنْد
الْخَوْض، فَيَحْصُل لَكُم الإِنْتِصَاف مِمَّنْ ظَلَمَكُمْ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَى الصَّبْرِ. وَفِي
الْحَدِيث مِن الْفَوَائِد غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ إِقَامَة الْحُجَّة عَلَى الْخَصْم وَإِفْحَامه بِالْحَقِّ عِنْد الْحَاجَة
إِلَيْهِ، وَحُسْنِ أَدَبِ الْأَنْصَارِ فِي تَرَّكَهُمُ الْمُمَارَاةِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْحَيَاءِ، وَبَيّانِ أَنَّ الَّذِي نُقِلَ
عَنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَنْ شُبَّنهمْ لَا عَنْ شُيُوخِهِمْ وَكُهُولهمْ. وَفِيهِ مَنَاقِب عَظِيمَة لَهُمْ لِمَا
اِشْتَمَلَ مِنْ ثَنَاءِ الرَّسُولِ الْبَالِغِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْكَبِيرِ يُنَبِّه الصَّغِيرِ عَلَى مَا يَغْفُل عَنْهُ،
وَيُوَضِّح لَهُ وَجْه الشُّبْهَة لِيَرْجِعِ إِلَى الْحَقّ. وَفِيهِ الْمُعَاتَبَة وَاسْتِعْطَافِ الْمُعَاتِب وَإِعْتَابه
عَنْ عَتْبِه بِقَامَةِ حُجَّةٍ مَنْ عَتَبَ عَلَيْهِ، وَالإِعْتِذَارِ وَالإِعْتِرَافِ. وَفِيهِ عَلَم مِنْ أَعْلَامِ
التُّبُوَّة لِقَوْلِهِ: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثْرَة) فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَتِه عَنْ أَنَس
فِي آخِرِ الْحَدِيث ((قَالَ أَنَس: فَلَمْ يَصْبِرُوا)).
وَفِيهِ: أَنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيل بَعْض النَّاس عَلَى بَعْض فِي مَصَارِفِ الْفَيْء.
وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِي الْغَنِّ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَأَنَّ مَنْ طَلَبَ حَقّهِ مِن الدُّنْيَا لَا عَتَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَمَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ عِنْدِ الْأَمْرِ الَّذِي يَحْدُث سَوَاء كَانَ خَاصَّا أَمْ عَامًّا.
وَفِيهِ: جَوَازٍ تَخْصِيص بَعْض الْمُخَاطَبِينَ فِي الْخُطْبَةِ.