Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُقَاتِل قَالَ: الْبَاطِنَانِ السَّلْسَبِيلِ وَالْكَوْثَر.
وَأَمَّا الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ((سَيُحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ مِنْ
أَنْهَارِ الْجَنَّة) فَلَا يُغَايِرِ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَنَّ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَة أَنْهَارِ أَصْلِهَا مِنِ الْجُنَّة،
وَحِينَئِذٍ لَمْ يَثْبُتِ لِسَيْحُونِ وَجَيْحُون أَنَّهُمَا يَنْبُعَانِ مِنْ أَصْلِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى، فَيَمْتَاز
النِّيل وَالْفُرَات عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَهُمَا غَيْرِ
سَيْحُونِ وَجَيْحُون، وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَصْلِ الثّيلِ وَالْفُرَاتِ مِن الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ
مِنْ أَصْلِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى، ثُمَّ يَسِيرَانِ حَيْثُ شَاءَ اللهِ، ثُمَّ يَنْزِلَانٍ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَسِيرَانِ
فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجَانِ مِنْهَا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ الْعَقْلِ، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ ظَاهِرِ الْخْبَرِ فَلْيُعْتَمَدْ. وَأَمَّا
قَوْل عِيَاضِ: إِنَّ الْحَدِيث بَدُلّ عَلَى أَنَّ أَصْلِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ قَالَ: إِنَّ
الثّيل وَالْفُرَاتِ يَخْرُجَانٍ مِنْ أَصْلِهَا وَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ يَخْرُجَانٍ مِن الْأَرْضِ فَيَلْزَم مِنْهُ أَنْ
يَكُونِ أَصْلِ السِّدْرَةِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ مُتَعَقِّب، فَإِنَّ الْمُرَادِ بِكَوْنِهِمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْلِهَا
غَيْرِ خُرُوجهمَا بِالنَّبْعِ مِن الْأَرْض.
وَالْحَاصِلِ أَنَّ أَصْلِهَا فِي الْجُنَّة وَهُمَا يَخْرُجَانٍ أَوَّلًا مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ يَسِيرَانِ إِلَى أَنْ
يَسْتَقِرًّا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْبُعَانِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَةِ مَاء النّيلِ وَالْفُرَاتِ لِكَوْنِ مَنْبَعهمَا
مِن الْجَنَّة، وَكَذَا سَيْحَان وَجِيحَانِ.
قَالَ الْقُرْطُِيّ: لَعَلَّى تَرْكِ ذِكْرِهِمَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ لِكَوْنِهِمَا لَيْسَا أَصْلًا
بِرَأْسِهِمَا. وَإِنَّمَا يَحْتَمِل أَنْ يَتَفَرَّعَا عَنِ الثَّيلِ وَالْقُرَاتِ. قَالَ: وَقِيلَ: وَإِنَّمَا أُظْلِقَ عَلَى هَذِهِ
الْأَنْهَارِ أَنَّهَا مِن الْجُنَّة تَشْبِيهًا لَهَا بِأَنْهَارِ الْجِنَّة لِمَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْعُذُوبَة وَالْحُسْنِ
وَالْبَرَكَةِ، وَالْأَوَّلِ أَوْلَى، وَالله أَعْلَمُ.
تَنْبِيه: الْفُرَاتِ بِالْمُثَنَّةِ فِي الْخَطَ فِي حَالَتَي الْوَصْلِ وَالْوَقْف ◌ِي الْقِرَاءَاتِ
الْمَشْهُورَةِ، وَجَاءَ فِي قِرَاءَة شَاذَّةً أَنَّهَا هَاء تَأْنِيث، وَشَبَّهَهَا أَبُو الْمُظَفَّر بْنِ اللَّيْثِ بِالتَّابُوتِ
وَالتَّاتُّوهُ.

٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
(ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) زَادَ الْكُشْمِیھَنِيّ «يَدْخُلُهُ كُلٌ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْف
مَلَك)) وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِزِيَادَةِ((إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا آخِرِ مَا عَلَيْهِمْ))
وَكَذَا وَقَعَ مَضْمُومًا إِلَى رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَة.
وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدِ الْبَزَّارِ أَنَّهُ رَأَى هُنَاكَ أَقْوَامًا بِيض الْوُجُوهِ وَأَقْوَامًا فِي
أَلْوَانِهِمْ شَيْءٍ فَدَخَلُوا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانِهِمْ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل:
((هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتْكِ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرِ سَيِّئًا)) وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيد عِنْدِ الْأُمَوِيّ
وَالْبَيْهَقِيّ أَنَّهُمْ: (دَخَلُوا مَعَهُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَصَلُّوا فِيهِ جَمِيعًا)) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ
الْمَلَائِكَة أَكْثَرِ الْمَخْلُوقَات ◌ِأَنَّهُ لَا يُعْرَفِ مِنْ جَمِيعِ الْعَوَامِلِ مَنْ يَتَجَدَّد مِنْ جِنْسه فِي
كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًّا غَيْرِ مَا ثَبَتَ عَنِ الْمَلَائِكَة فِي هَذَا الخبر.
(ثُمَّ أَتِيت ◌ِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءُ مِنْ لَيَن وَإِنَاءِ مِنْ عَسَل، فَأَخَذْتِ اللَّبَنِ، فَقَالَ: هِيَ
الْفِطْرَةِ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا) أي: دِينِ الْإِسْلَام.
قَالَ الْقُرْطُبِيِّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ سَبَب تَسْمِيَة اللَّبَنِ فِظْرَة لِأَنَّهُ أَوَّل شَيْءٍ يَدْخُل
بَطْنِ الْمَوْلُودِ وَيَشُقّ أَمْعَاءَهُ، وَالسِّ فِي مَيْلِ النَّبِيّ ◌َّهِ إِلَيْهِ دُون غَيْرِه لِكَوْنِهِ كَانَ مَأْلُوفًا لَهُ؛
وَلِأَنَّهُ لَا يَنْشَأْ عَنْ جِئْسِه مَفْسَدَةٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ إِنْيَانِهِ الْآنِيَة كَانَ بَعْد
وُصُولِه إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
وَيُّ: ((رُفِعَتْ لِي سِدْرَة الْمُنْتَهَى فَإِذَا أَرْبَعَة أَنْهَارِ)) فَذَكَرَهُ قَالَ: ((وَأُتِيت بِثَلَاثَةِ أَقْدَاح))
الْحَدِيث، وَهَذَا مُوَافِقٍ لِحَدِيثِنا؛ إِلَّا أَنَّ شُعْبَة لَمْ يَذْكُرِ فِي الْإِسْنَادِ مَالِك بْن صَعْصَعَة. وَفِي
حَدِيث أَّبِي هُرَيْرَة عِنْدِ إِبْن عَائِذ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ بَعْد ذِكْرِ إِبْرَاهِيم قَالَ: ((ثُمَّ
إِنْطَلَقْنَا، فَإِذَا تَحْنُ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ مُغَظَّةٍ، فَقَالَ جِبْرِيل: يَا مُحَمَّد أَلَا تَشْرَب مِمَّا سَقَاكِ رَبّك؟
فَتَنَاوَلْت إِحْدَاهُمَا فَإِذَا هُوَ عَسَل فَشَرِبْت مِنْهُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَنَاوَلْت الْآخَرِ فَإِذَا هُوَ لَبَن
فَشَرِبْت مِنْهُ حَتَّى رَوِيت، فَقَالَ: أَلَا تَشْرَب مِن الثَّالِثِ؟ قُلْت: قَدْ رَوِيت. قَالَ:
وَفَّقَك الله)) وَفِي رِوَايَة الْبَزَّارِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الثَّالِثِ كَانَ خَمْرًا، لَكِنْ وَقَعَ عِنْده أَنَّ
ذَلِكَ كَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّ الْأَوَّل كَانَ مَاءِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَسَلِ. وَفِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس

٤٤٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
عِنْد أَحْمَدِ ((فَلَمَّا أَنَّى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّ، فَلَمَّا إِنْصَرَفَ جِيءَ بِقَدَحَيْنِ فِي أَحَدهمَا
لَبَنِ وَفِي الْآخَرِ عَسَل، فَأَخَذَ اللَّبَن)) الْحَدِيث، وَقَدْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ
أَنَسِ أَيْضًا أَنَّ إِنْيَانِه بِالْآنِيَةِ كَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْل الْمِعْرَاجِ وَلَفْظه ((ثُمَّ دَخَلْت
الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتِ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتِ فَجَاءَ جِبْرِيل بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرِ وَإِنَاءِ مِنْ لَبَن،
فَأَخَذْتِ اللَّبَنِ، فَقَالَ جِبْرِيلِ: أَخَذْتِ الْفِظْرَةِ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاء)» وَفِي حَدِيث
شَدَّاد بْنِ أَوْس فَصَلَّيْتِ مِن الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللهِ، وَأَخَذَنِي مِن الْعَطَشِ أَشَدّ مَا
أَخَذَنِي، فَأَتَيْتِ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدهمَا لَبَن وَالْآخَرِ عَسَل، فَعَدَلْت بَيْنهمَا، ثُمَّ هَدَانِي الله
فَأَخَذْتِ اللَّبَنِ، فَقَالَ شَيْخِ بَيْنِ يَدَيَّ - يَعْنِي لِجِبْرِيل - أَخَذَ صَاحِبك الْفِظْرَةِ وَفِي حَدِيث
أَبِي سَعِيدٍ عِنْدِ إِبْن إِسْحَاقِ فِي قِصَّة الْإِسْرَاء «فَصَلَّ بِهِمْ - يَعْنِي الْأَنْبِيَاء - ثُمَّ أَتِيَ بِثَلَاثَةِ
آنِيَة: إِنَاء فِيهِ لَبَن، وَإِنَاءِ فِيهِ خَمْرِ، وَإِنَاء فِيهِ مَاء، فَأَخَذْتِ اللَّبَن)) الْحَدِيثِ. وَفِي مُرْسَل
الْحَسَنِ عِنْده تَحْوِه لَكِنْ لَمْ يَذْكُر إِنَاء الْمَاءِ، وَوَقَعَ بَيَانِ مَكَان عَرْض الْآنِيَة فِي رِوَايَة
سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَلَفْظه ((أُنِيَّ رَسُولِ اللهِ وَلِ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ بِيلِيَاءِ بِإِنَاءٍ
فِيهِ خَمْرٍ وَإِنَاءِ فِيهِ لَبَن، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَّ اللَّبَنِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: الْحَمْدِ للهِ الَّذِي هَدَاك
لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتِ الْحُمْرِ غَوَتْ أُمَّتك)) وَهُوَ عِنْد مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ
هَاشِمِ بْن عُتْبَة عَنْ أَنَس عِنْدِ الْبَيْهَقِيِّ ((فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَاءِ وَالْخُمْرِ وَاللَّبَنِ فَأَخَذَ اللَّبَنِ،
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلٍ: أَصَبْتِ الْفِظْرَةِ، وَلَوْ شَرِبْتِ الْمَاءِ لَغَرِقْت وَغَرِقَتْ أُمَّتك، وَلَوْ شَرِبْت
الْخَمْرِ لَغَوَيْت وَغَوَتْ أُمَّتَك)) وَيُجْمَعِ بَيْنِ هَذَا الإِخْتِلَافِ إِمَّا بِحَمْلِ (ثُمَ)) عَلَى غَيْرِ بَابهَا
مِن التَّرْتِيب وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْوَاو هُنَا، وَإِمَّا بِوُقُوعٍ عَرْض الْآنِيَة مَرَّتَيْنِ: مَرَّةٌ عِنْد
فَرَاغِه مِن الصَّلَاة بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَسَبَبِهِ مَا وَقَعَ لَهُ مِن الْعَطَشِ، وَمَرَّة عِنْد وُصُوله إِلَى
سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَرُؤْيَةِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ. أَمَّ الإِخْتِلَافِ فِي عَدَد الْآنِيَةِ وَمَا فِيهَا فَيُحْمَل
عَلَى أَنَّ بَعْض الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرُهُ الْآخَرِ، وَمَجْمُوعِهَا أَرْبَعَة آنِيَة فِيهَا أَرْبَعَة أَشْيَاءِ مِن
الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَة الَّتِي رَآهَا تَخْرُج مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة
عِنْدِ الطَّبَرِيّ لَمَّا ذَكَرَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى «يَخْرُج أَصْلِهَا مِنْ أَنْهَارِ مِنْ مَاء غَيْرِ آسِن، وَمِنْ

٤٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرِ طَعْمِه، وَمِنْ خَمْرٍ لَذَّةِ لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ عَسَل مُصَفَّى)) فَلَعَلَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ
كُلّ نَهْرِ إِنَاء. وَجَاءَ عَنْ كَعْب أَنَّ نَهْرِ الْعَسَلِ نَهْرِ الثَّيلِ وَنَهْرِ اللَّبَن نَهْرِ جَيْحَانِ وَنَهْر
الْخَمْرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ وَنَهْر الْمَاءِ سَيْحَان، وَالله أَعْلَمُ.
(ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَّ الصَّلَاة) وَالْحِكْمَةِ فِي تَخْصِيص فَرْض الصَّلَاة بِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ
◌َ* لَمَّا عُرِجَ بِهِ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَة تَعَبُّد الْمَلَائِكَة وَأَنَّ مِنْهُم الْقَائِمِ فَلَا يَقْعُد
وَالرَّاكِعِ فَلَا يَسْجُد وَالسَّاجِدِ فَلَا يَقْعُد، فَجَمَعَ الله لَهُ وَلِأُمَّتِهِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ كُلّهَا فِي كُلّ
رَكْعَة يُصَلِّيهَا الْعَبْدِ، بِشَرَائِطِهَا مِن الظُّمَأْنِينَةِ وَالْإِخْلَاصِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ إِبْن أَبِي جَمْرَة،
وَقَالَ فِي اِخْتِصَاص فَرْضِيَّتِهَا بِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ إِشَارَةٍ إِلَى عَظِيمٍ بَيَانِهَا، وَلِذَلِكَ أُخْتُصَّ
فَرْضِهَا بِكَوْنِهِ بِغَيْرٍ وَاسِطَة.
(وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّم) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ ((وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّم) وَفِيهِ
حَذْفِ تَقْدِيرِ الْكَلَامِ: سَأَلْتِ رَبِي حَتَّى إِسْتَحْيَيْتِ فَلَا أَرْجِعِ، فَإِي إِنْ رَجَعْت صِرْت غَيْرِ
رَاضٍ وَلَا مُسَلِّم، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّم.
(أَمْضَيْت فَرِيضَتِي، وَخَقَّفْت عَنْ عِبَادِي) وَفِي رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم
((حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدِ هِيَ خَمْس صَلَوَاتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ، كُلّ صَلَاة عَشْرَة فَتِلْكَ خَمْسُونَ
صَلَاةِ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حسنة)) الحديث، وفي ڕِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي
مَالِكِ عَنْ أَنَس عِنْدِ النَّسَائِيِّ((وَأَتَيْت سِدْرَة الْمُنْتَهَى فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَة، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا،
فَقِيلَ لِي: إِي يَوْمٍ خَلَقْتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَرَضْت عَلَيْك وَعَلَى أُمَّتك خَمْسِينَ صَلَاة
فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتك)) فَذَكَرَ مُرَاجَعَته مَعَ مُوسَى وَفِيهِ «فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل
صَلَاتَانِ فَمَا قَامُوا بِهِمَا)) وَقَالَ فِي آخِرِهِ «فَخَمْس ◌ِخَمْسِينَ فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأَمَّتك، قَالَ
فَعَرَفْت أَنَّهَا عَزْمَةٍ مِن اللهِ، فَرَجَعْت إِلَى مُوسَى فَقَالَ لِي إِرْجِعْ، فَلَمْ أَرْجِع)».
(فَلَمَّا جَاوَزْت نَادَانِي مُنَادٍ: أَمْضَيْت فَرِيضَتِي وَخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي) هَذَا مِنْ
أَقْوَى مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الله سُبْحَانِه وَتَعَالَى كُلَّمَ نَبِّهِ مُحَمَّدًا وَ لَيْلَة الْإِسْرَاءِ بِغَيْرِ
وَاسِطَة.

٤٤٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
تَكْمِلَة: وَقَعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَاتِ رَآهَا ◌َهَ بَعْدِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى لَمْ تُذْكَر
فِي هَذِهِ الرِّوَايَة، مِنْهَا: ((حَتَّى ظَهَرْت لِمُسْتَوَّى أَسْمَعِ فِيهِ صَرِيف الْأَقْلَام)) وَفِي رِوَايَة
شَرِيك عَنْ أَنَس ((حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارِ رَبّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَكَانَ
قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاة) الْحَدِيث. وَقَد أُسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة.
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي ذَرٌ مِن الزِّيَادَة أَيْضًا (ثُمَّ أُدْخِلْت الْجُنَّة، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذِ اللُّؤْلُؤْ، وَإِذَا تُرَابها
الْمِسْك)) وَعِنْد مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسِ رَفَعَهُ («بَيْنَا أَنَا أَسِير فِي الْجَنَّة
إِذَا أَنَا بِنَهَرِ حَافَتَاهُ قِبَابِ الدُّرّ الْمُجَوَّف، وَإِذَا طِينه مِسْك أَذْفَرِ، فَقَالَ جِبْرِيل: هَذَا
الْكَوْثَرِ)) وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ((لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ◌َ) فَذَكَرَ نَحْوه.
وَعِنْدِ إِبْنِ أَبِي حَاتِمْ وَابْنِ عَائِذْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس ((ثُمَّ إِنْطَلَقَ حَتَّى
إِنْتَهَى بِي إِلَى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَنِي مِنْ كُلّ سَحَابَةٍ فِيهَا مِنْ كُلّ لَوْن، فَتَأَخَّرَ جِبْرِيل. وَخَرَرْت
سَاجِدًا)» وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ عِنْدِ مُسْلِمِ ((وَأَعْطِيَ رَسُول اللّهِ وَيِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْس،
وَخَوَاتِمِ سُورَة الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكِ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّته الْمُفْحِمَات، يَعْنِي الْكَبَائِرِ)) وَفِي
هَذِهِ الرِّوَايَة مِن الزِّيَادَة: ((ثُمَّ اِنْجَلَتْ عَنِّ السَّحَابَةِ وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيل، فَانْصَرَفْت
سَرِيعًا فَأَتَيْت عَلَى إِبْرَاهِيمٍ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَيْت عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْت))
الْحَدِيث. وَفِيهِ أَيْضًا «فَقَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهُ لِجِبْرِيلِ: مَا لِي لَمْ آتِ أَهْلِ سَمَاءِ إِلَّا رَحَّبُوا
وَضَحِكُوا إِلَيّ، غَيْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلِيّ السَّلَامِ وَرَخَّبَ بِي وَلَمْ يَضْحَك
إِلَيَّ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّد ذَاكَ مَالِك خَازِن جَهَنَّم، لَمْ يَضْحَكِ مُنْذُ خُلِقَ، وَلَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَد
لَضَحِكَ إِلَيْك)»، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَة عِنْد أَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِيّ ((حَتَّى فُتِحَتْ لَهُمَا أَبْوَاب
السَّمَاءِ فَرَأَيَا الْجَنَّة وَالنَّارِ، وَوَعْدِ الْآخِرَة أَجْمَع)) وَفِي حَدِيث أَّبِي سَعِيد: (أَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ
الْجَنَّة، وَإِذَا رُمَّانَهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءِ؛ وَإِذَا طَيْرِهَا كَأَنَّهَا الْبُخْتِ، وَأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارِ، فَإِذَا
هِيَ لَوْ ظُرِحَ فِيهَا الْحِجَارَةِ وَالْحَدِيدِ لَّأَكْلَتْهَا)) وَفِي حَدِيث شَدَّاد بْنِ أَوْس ((فَإِذَا جَهَنَّم
تَكْشِف عَنْ مِثْلِ الزَّرَابِيّ، وَوَجَدْتَهَا مِثْلِ الْحُمَّة السُّخْنَةِ)) وَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ رَآهَا فِي وَادِي
بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس عِنْد إِبْن أَبِي حَاتِم «أَنَّ جِبْرِيل

٤٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
قَالَ: يَا مُحَمَّد هَلْ سَأَلْتِ رَبّكَ أَنْ يُرِيك الْخُورِ الْعِين؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ: قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى
أُولَئِكَ النِّسْوَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: فَأَتَيْتِ إِلَيْهِنَّ فَسَلَّمْت، فَرَدَدْتِ فَقُلْت: مَنْ أَنْتُنَّ؟
فَقُلْنَ: ((خَيِّرَاتِ حِسَان)) الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد الله بْن مَسْعُود عَنْ
أَبِهِ: (أَنَّ إِبْرَاهِيمِ الْخَلِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ لِلنَّبِّ ◌َهِ: يَا بُنَّ إِنَّكَ لَاقٍ رَبّكِ اللَّيْلَةِ،
وَإِنَّ أُمَّتك آخِرِ الْأُمَم وَأَضْعَفْهَا، فَإِن إِسْتَطَعْتِ أَنْ تَكُون حَاجَتِك أَوْ جُلّهَا فِي أُمَّتك
فَافْعَلْ)) وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيّ بِأَسَانِيدِهِ فِي أَوَّل حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ (كَانَ النَِّيّ ◌َِّ يَسْأَلَ رَبّه
أَنْ يُرِبِه الْجَنَّة وَالنَّارِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَة السَّبْت لِسَبْعَ عَشْرَةِ لَيْلَة خَلَتْ مِنْ رَمَضَان قَبْل
الْهِجْرَة بِثَمَانِيَةَ عَشَرِ شَهْرًا وَهُوَ نَائِمٍ فِي بَيْته ظُهْرًا أَتَاهُ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل فَقَالًا: اِنْطَلِقْ
إِلَى مَا سَأَلْت، فَانْطَلَقَا بِهِ إِلَى مَا بَيْنِ الْمَقَامِ وَزَمْزَمٌ، فَأَتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَن شَيْء
مَنْظَرًا، فَعَرَجَا بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ، فَلَقِيَ الْأَنْبِيَاءِ، وَانْتَهَى إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، وَرَأَى الْجَنَّة
وَالنَّارِ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ الْخَمْس)) فَلَوْ ثَبَتَ هَذَا لَكَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ مِعْرَاجٍ آخَر لِقَوْلِهِ إِنَّهُ
كَانَ ظُهْرًا، وَأَنَّ الْمِعْرَاجِ كَانَ مِنْ مَكَّة، وَهُوَ مُخَالِفِ لِمَا فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَة فِي
الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَيُعَكِّر عَلَى التَّعَدُّد قَوْله إِنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ حِينَئِذٍ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ
أُعِيدِ ذِكْرهِ تَأْكِيدًا، أَوْ فُرِّعَ عَلَى أَنَّ الْأَوَّل كَانَ مَنَامًا وَهَذَا يَقْظَة أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالله
أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لِلسَّمَاءِ أَبْوَابًا حَقِيقَة وَحَفَظَةٍ مُؤَكَّلِينَ
بِهَا، وَفِيهِ إِثْبَاتِ الإِسْتِئْدَانِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْتَأْذِن أَنْ يَقُول أَنَا فُلَان، وَلَا يَقْتَصِر عَلَى
أَنَا لِأَنَّهُ يُنَافِي مَطْلُوبِ الإِسْتِفْهَامِ، وَأَنَّ الْمَارَ يُسَلِّم عَلَى الْقَاعِدِ وَإِنْ كَانَ الْمَارّ أَفْضَل مِن
الْقَاعِد، وَفِيهِ إِسْتِحْبَابِ تَلَقِّي أَهْلِ الْفَضْلِ بِالْبَشَرِ وَالتَّرْحِيبِ وَالثَّنَاء وَالدُّعَاءِ، وَجَوَاز
مَدْحِ الْإِنْسَانِ الْمَأْمُون عَلَيْهِ الإِقْتِتَانِ فِي وَجْهه، وَفِيهِ جَوَازِ الإِسْتِنَادِ إِلَى الْقِبْلَة بِالظَّهْرِ
وَغَيْرِهِ مَأْخُوذ مِن اِسْتِنَادِ إِبْرَاهِيمٍ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَهُوَ كَالْكَعْبَةِ فِي أَنَّهُ قِبْلَةٍ مِنْ كُلّ
جِهَةٌ، وَفِيهِ جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْم قَبْل وُقُوعِ الْفِعْلِ، وَقَدْ سَبَقَ الْبَحْث فِيهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاة،
وَفِيهِ فَضْلِ السَّيْرِ بِاللَّيْلِ عَلَى السَّيْرِ بِالنَّهَارِ لِمَا وَقَعَ مِن الْإِسْرَاءِ بِاللَّيْلِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ
أَكْثَرِ عِبَادَتِهِ وَهَ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ أَكْثَرِ سَفَرَهُ وَّهِ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ وََّ: ((عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ

٤٤٧
كتاب الفضائل والشمائل / باب في المعراج
الْأَرْضِ تُظْوَى بِاللَّيْلِ)».
وَفِيهِ: أَنَّ التَّجْرِبَةِ أَقْوَى فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ مِن الْمَعْرِفَةِ الْكَثِيرَةِ، يُسْتَفَادِ ذَلِكَ
مِنْ قَوْل مُوسَى الَّيْ لِلنَِّيِّ وَِّ أَنَّهُ عَالَجَ النَّاسِ قَبْله وَجَرَّبَهُمْ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَحْكِيم
الْعَادَةِ، وَالتَّنْبِيه ◌ِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى لِأَنَّ مَنْ سَلَفَ مِن الْأُمَم كَانُوا أَقْوَى أَبْدَانًا مِنْ هَذِهِ
الْأُمَّة، وَقَدْ قَالَ مُوسَى فِي كَلَامِه إِنَّهُ عَالَجَهُمْ عَلَى أَقَلْ مِنْ ذَلِكَ فَمَا وَافَقُوهُ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ
إِبْن أَبِي جَمْرَة قَالَ: وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَقَامِ الْخُلَّةِ مَقَام الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَمَقَّامِ التَّكْلِيم
مَقَام الْإِلَالِ وَالإِنْبِسَاطِ، وَمِنْ ثَمَّ اِسْتَبَدَّ مُوسَى بِأَمْرِ النَّبِيّ ◌ََّ بِطَلَبِ التَّخْفِيفِ دُون
إِبْرَاهِيمِ العَيْهِ مَعَ أَنَّ لِلنَّبِيِّ وَهُ مِن الإِخْتِصَاصِ بِإِبْرَاهِيم أُزْيَد مِمَّا لَهُ مِنْ مُوسَى لِمَقَامِ
الْأَبُوَّة وَرِفْعَة الْمَنْزِلَة وَالإِتَّبَاعِ فِي الْمِلَّةِ.
وَقَالَ غَيْرِهِ: الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُوسَى الَيْهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مِنْ سَبْقه
إِلَى مُعَالَجَةٍ قَوْمِهِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِعَيْنِهَا وَأَنَّهُمْ خَالَفُوهُ وَعَصَوْهُ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْجُنَّة وَالنَّارِ قَدْ خُلِقَتَا، لِقَوْلِهِ فِي بَعْض ظُرُقِه الَّتِي بَيِّنْتَهَا ((عُرِضَتْ عَلَيَّ
الْجُنَّة وَالنَّار)).
وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنْ سُؤَال الله تَعَالَى وَتَكْثِيرِ الشَّفَاعَة عِنْده، لِمَا وَقَعَ
مِنْهُ بَّهِ فِي إِجَابَتِهِ مَشُورَة مُوسَى فِي سُؤَال التَّخْفِيف.
وَفِيهِ: فَضِيلَةِ الإِسْتِحْيَاءِ، وَبَذْلِ النَّصِيحَة لِمَنْ يَحْتَاجِ إِلَيْهَا وَإِنْ لَمْ
يَسْتَشِرِ النَّاصِحِ فِي ذَلِكَ. [شرح قصة المعراج للغيطي - الدردير (بتحقيقنا) فتح الباري
٢١٦/١١].
٥٨٦٣ - [وَعَنْ ثَابِتِ الْنَانِيِّ عَنْ أَنَس، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: «أُتِيثُ بِالْبُرَاقِ
- وَهُوَ دَابَّةُ أَبْيَضُ طَوِيلُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَفَى طَرْفِهِ -
فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْخَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ)) قَالَ: ((ثُمَّ
دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَتِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَّاءٍ
مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِظْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ)) وَسَاقَ

٤٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مِثْلَ مَعْنَاهُ، قَالَ: (فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَجَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) وَقَالَ: فِي السَّمَاءِ الثَّالِئَةِ: ((فَإِذَا
أَنَا بِيُوسُفَ إِذَا هُوَ قَدْ أَعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ فَرَجَّبَ بِيٍ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاء
مُؤْسَى)) وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: ((فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ،
وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ
الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُّهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ الله مَا
غَشِيَ تَغَيََّتْ، فَمَا أَحَدُّ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، وَأُوْحِي إِلَّ مَا
أَوْحِي، فَفَرَضَ عَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ
رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ
التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَإِّ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى
رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَظَّ عَنِّي خَمْسًا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَظّ
عَنِّ خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ)) قَالَ: ((فَلَمْ
أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِي وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،
لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٍّ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ
عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ
سَيِّئَةً وَاحِدَةً)) قَالَ: ((فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ
فَسَلْهُ الَّخْفِيفَ)) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ
مِنْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(أُقِيتُ بِالْبُرَاقِ) بالبناء للمجهول وقصر الهمزة بوزن رمي؛ أي: جيء له به، ويجوز
البناء للفاعل؛ أي: ثم بعد طهارة باطنه وظاهره بالوضوء المناسب لشهود الحضرة
القدسية وللصلاة الآتي بيانها، وإن لم يذكر طهارة الظاهر في القصة جاءه الملك
بالبراق بضم الموحدة مأخوذ من البريق؛ بمعنى: البياض، فإنه أبيض وهو أشرف
(١) أخرجه مسلم (١٦٢)، وأحمد (١٢٥٢٧)، وأبو يعلى (٣٣٧٥)، وابن أبي شيبة (٣٦٥٧٠)، وأبو عوانة
(٣٤٤).

٤٤٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
الألوان، أو من البرق لسرعة سيره أرسله الله تعالى له من الجنة إجلالاً وتعظيمًا على
عادة الملوك إذا استدعوا عظيمًا بعثوا إليه النجيب مهيأً مع أعز خواصه للحضور، فهو
من عالم الغيب لا يوصف بذكورة ولا بأنوثة كالملائكة.
٥٨٦٤ - [وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرِّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ
قَالَ: ((فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَّا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَّ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ
زَهْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَظْبَقَهُ،
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ
السَّمَاءِ: اقْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدُّ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي
مُحَمَّدْ مَلْ فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَّمَا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، إِذَا رَجُلُ عَلَى
يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةُ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى،
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلٍ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ،
وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي
عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ؛ وَإِذْ نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى
عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأُوَّل))
قَالَ أَنَسَّ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ
يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ
السَّادِسَةِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَفِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا
يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ وَُّ: (ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ،
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُّ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ
بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ الله لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ
صَلَاةَ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى
مُوسَى فَقُلْتُ: وُضِعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أَمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ
فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ،

٤٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسُ وَهْيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ:
رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِي ثُمَّ انْطَلَقَ بِي انْتَقَى بِي إِلَى سِدْرَةَ الْمُنْتَقَى،
وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌّ لَا أَدْرِي مَا هِي؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُقٍ، وَإِذَا تُرَابُهَا
الْمِسْكُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٥٨٦٥ - [وَعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ((لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ وَهِ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ
الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا،
وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾
[النجم: ١٦] قَالَ: فَرَاشُ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأَعْطِيَ رَسُولُ اللهِ وَ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ
الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أَمَّتِهِ شَيْئًا
الْمُفْحِمَاتُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
٥٨٦٦ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ
وَقُرَيْشُ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَاي، فَسَأَلَثْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أَثْبِتْهَا. فَكَرِبْتُ
كَرْبًا مَا كَرِبْتُ مِثْلَهُ، فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأَتُهُمْ، وَقَدْ
رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمْ يُصَلّ، فَإِذَا رَجُلْ ضَرْبُ جَعْدُ كَأَنَّهُ مِنْ
رِجَالٍ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمُ يُصَلِّ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهَّا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ التَّقَفِيُّ،
وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي: نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ
فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكْ خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ
عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٣).
وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثاني
(١) أخرجه البخاري (٣١٦٤) ومسلم (١٦٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٤) وابن حبان (٧٤٠٦) وأبو
عوانة (٣٥٤) وأبو يعلى (٣٦١٦) وابن منده في ((الإيمان)) (٧١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤٤٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٧٢).

٤٥١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
(كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةً
ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ: حَيُّ مِن الْيَمَنِ يُنْسَبُونَ إِلَى شَنُوءَةَ وَهُوَ عَبْدُ الله بْنُ كَعْبِ بْنٍ
عَبْدِ الله بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَلَقَبُ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ،
وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ شَنُونِيٌّ بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْوَاوِ وَبِالْهَمْزِ بِغَيْرٍ وَاوٍ، قَالَ إِبْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ
قَوْلِك رَجُلُ فِيهِ شَنُوءَةٌ أَي: تَقَزّزُ، وَالتَّقَزُّزُ بِقَافٍ وَزَايَيْنِ الثَّبَاعُدُ مِن الْأَدْنَاسِ، قَالَ
الدَّاوُدِيُّ رِجَالُ الْأَزْدِ مَعْرُوفُونَ بِالظُولِ إِنْتَهَى.
الفصل الثالث
٥٨٦٧ - [عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشَ قُمْتُ فِي
الْحِجْرِ فَجَلى اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٦)، ومسلم (٤٤٦).

باب في المعجزات
الفصل الأول
٥٨٦٨ - [عَنْ أَنّسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ ﴾ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ
الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى
قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ؟ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللّهُ ثَالِثُهُمَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٥٨٦٩ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيْهِ أنَّهُ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: «يَا أَبَا بَكْرٍ،
حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا، وَمِنَ الْغَدِ
حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدُّ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةُ لَهَا
ظِلُّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َهِ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ،
وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ
أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنَّ؟ قَالَ: نَعَم، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟
قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُتْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ
يَرْتَوِي فِيْهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْثُ النَّبِيَّ ◌َ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حَتَّى
اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ،
فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟)) قُلْتُ: بَلَ، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ
الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أَتِينَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللّهَ
مَعَنَا)) فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَارْ تَظَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ: إِنِّي
أَرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُّدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيّ ◌ََّ
فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًّا إِلَّ قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًّا إِلَّا رَدَّهُ». مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٢).
(١) أخرجه البخاري (٣٤٥٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والترمذي (٣٠٩٦) وقال: حسن صحيح غريب،
وأحمد (٩١١)، وابن أبي شيبة (٣١٩٢٩)، وعبد بن حميد (٢)، وأبو يعلى (٦٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٧٧٠٦).
- ٤٥٢ -

٤٥٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
٥٨٧٠ - [وعَنْ أَنَسِ قَالَ: سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِنَّهِ وَهْوَ فِي
أَرْضِ يَخْتَرِفُ، فَأَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ: إِّ سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيُّ: فَمَا أَوَّلُ
أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَهُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ:
((أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارْ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى
الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: فَزِيَادَةٌ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ
الْمَزََّةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرََّةِ نَزَعَتْ)) قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّكَ
رَسُولُ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْتَّهُودَ قَوْمُّ بُهُثُّ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ
تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْتَهُودُ فَقَالَ: ((أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ فِيكُمْ)) قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ
خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: (أَرَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ؟)) فَقَالُوا:
أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللّه فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا
رَسُولَ الله. رَوَاهُ البُخَارِي](١).
٥٨٧١ - [وعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ
سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ تُخِيضَهَا الْبَحْرَ
لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ
رَسُولُ اللهِ وَلِّ النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هَذَا مَصْرَعُ
فُلَانٍ)) وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ
رَسُولِ اللهِوَّةٍ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٤).
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ تُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا) قَالَ
الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا قَصَدَ وَّهِ إِخْتِبَارِ الْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ
(١) أخرجه البخاري (٤٤٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٢١).

٤٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
لِلْقِتَالِ وَطَلَب الْعَدُوّ، وَإِنَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّنْ يَقْصِدُهُ، فَلَمَّا عَرَضَ الْخُرُوجِ
لِعِيرٍ أَبِي سُفْيَان أَرَادَ أَنْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ أَحْسَنَ جَوَابٍ بِالْمُوَافَقَةِ
الثَّامَّةِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهِ: اِسْتِشَارَةِ الْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْخِبْرَة.
(أَنْ تُخِيضِهَا) يَعْنِي: الْخَيْلِ (وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبِ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ
لَفَعَلْنَا) أَمَّا (بَرْك) فَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الرَّاءِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ فِي كُتُب
الْحَدِيثِ وَرِوَايَات الْمُحَدِّثِينَ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْض
أَهْلِ اللُّغَة: صَوَابِه كَسْرِ الرَّاءِ، قَالَ: وَكَذَا قَيَّدَهُ شُيُوخِ أَبِي ذَرَ فِي الْبُخَارِيّ، كَذَا ذَكَرَهُ
الْقَاضِي فِي ((شَرْحِ مُسْلِمٍ)) وَقَالَ فِي ((الْمَشَارِقِ)): هُوَ بِالْفَتْحِ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَوَقَعَ
لِلْأَصِيلِيِّ وَالْمُسْتَعْمِلِيِّ وَأَبِي مُحَمَّد الْحَمَوِيِّ بِالْكَسْرِ.
قُلْت: وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَة بِالْكَسْرِ لَا غَيْرِ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الرَّاء
سَاكِنَةٍ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا، وَهَذَا غَرِيب
ضَعِیف.
وَأَمَّا (الْغِمَاد) فَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمَضْمُومَةٍ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانٍ، لَكِنَّ
الْكَسْرِ أَفْصَحِ، وَهُوَ الْمَشْهُورِ فِي رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالضَّ هُوَ الْمَشْهُورِ فِي كُتُب اللُّغَةِ،
وَحَكَى صَاحِب ((الْمَشَارِقِ)) وَ(الْمَطَالِع)) الْوَجْهَيْنِ عَن إِبْنِ دُرَيْدٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي
الشَّرْح: ضَبَطْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَحَكَّى إِبْنِ دُرَيْدٍ فِيهِ الضَّمّ وَالْكَسْرِ،
وَقَالَ الْحَازِيُّ فِي كِتَابِه ((الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ)): هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْن،
وَيُقَال: بِضَمِّهَا، قَالَ: وَقَدْ ضَبَطَهُ إِبْنِ الْفُرَاتِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ بِالضَّمِّ، لَكِنَّ أَكْثَرَ
مَا سَمِعْته مِن الْمَشَابِخِ بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَهُوَ مَوْضِع مِنْ وَرَاء مَكَّة بَخَمْسِ لَيَالٍ
بِنَاحِيَةِ السَّاحِلِ، وَقِيلَ: بَلْدَتَانٍ، هَذَا قَوْل الْحَازِمِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرهِ: هُوَ مَوْضِع
بِأَقَاصِي هَجَر، وَقَالَ إِبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيّ: بَرْكَ الْغِمَادِ وَسَعَفَاتِ هَجَرَ كِنَايَة يُقَالَ فِيمَا
تَبَاعَدَ.

٤٥٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
وَفِيهِ مُعْجِزة: إِخْبَارِهِوَّهِ بِمَصْرَعٍ جَبَابِرَتهمْ، فَلَمْ يَنْفُذ أَحَد مَصْرَعه.
٥٨٧٢ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ يَومَ بَدْر: «اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ
عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ) فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ
يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلْتَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَثُبِ فِي الدِّرْعِ وَهْوَ يَقُولُ: (سَيُهْزَمُ
الجَمْعُ وَيُوَلَّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. رَوَاهُ الْبُخَارِي](١).
٥٨٧٣ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذُّ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ
أَدَاةُ الْخَرْبِ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٢).
٥٨٧٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ؛ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ، يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ؛ إِذ
نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًّا فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ
كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَ
فَقَالَ: ((صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ)) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
رَوَاهُ مُسْلِمُ](٣).
(أَقْدِمْ حَيْزُوم) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْتِ سَاكِنَةٍ ثُمَّ زَاي مَضْمُومَة
ثُمَّ وَاوِ، ثُمَّ مِيم، قَالَ الْقَاضِي: وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ (حَيْزُون) بِالنُّونِ وَالصَّوَابِ الْأَوَّل،
وَهُوَ الْمَعْرُوفِ لِسَائِرِ الرُّوَاةِ وَالْمَحْفُوظِ، وَهُوَ إِسْم فَرَس الْمَلِكِ، وَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفٍ
حَرْفِ النَّدَاء أي: يَا حَيْزُومٍ، وَأَمَّا (أَقْدِمْ) فَضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحّهِمَا وَأَشْهَرِهِمَا، وَلَمْ
يَذْكُر ◌ِبْنِ دُرَيْدٍ وَكَثِيرُونَ أَو الْأَكْثَرُونَ غَيْرِهِ: أَنَّهُ بِهَمْزَةٍ قَطْعِ مَفْتُوحَة وَبِكَسْرِ الدَّالِ مِن
الْإِقْدَامِ، قَالُوا: وَهِيَ كَلِمَة زَجْر لِلْفَرَسِ مَعْلُومَة في كلّامهمْ.
(١) أخرجه البخاري (٢٩١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٩٥).
(٣) أخرجه مسلم (٤٦٨٧).

٤٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَالثَّانِي: بِضَمِّ الدَّالِ وَبِهَمْزَةٍ وَصْل مَضْمُومَة مِن التَّقَدُّم.
(فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفه) الْخُطْمِ: الْأَثَرِ عَلَى الْأَنْف، وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
٥٨٧٥ - [وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ الله ◌ََّ وَعَنْ
شَمالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا
بَعْدُ، يَعْنِي: جِبْرِيْل وَمِيْكَائِيْل. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٥٨٧٦ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيّ ◌َ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ
عَتِيكٍ بيته ليلاً، وهو نَائمُ فقتله، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَتِيكٍ: فَوَضَعْتُ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ
حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِيّ قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ،
فَوَضَعْتُ رِجْلِي فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، فَانْطَلَقْتُ
إِلَى أَصْحَابِي فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: ((ابْسُطْ رِجْلَكَ)) فَبَسَطْتُ رِجْلِي
فَمَسَحَّهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَظٌّ. رَوَاهُ البُخَارِي](٢).
٥٨٧٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَخْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةُ، فَجَاؤُوا
النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: ((أَنَا نَازِلَّ)) ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ
مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِتْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ◌َهِ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ
كَثِيَبًا أَهْيَلَ فَأَنْكَفَأَثُ إِلَى إِمْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِّ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ◌َلِ خَصًا
شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ جِرَابًا فِيهِ صَاعْ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَمَةٌ دَاجِنٌ فَذَتَجْتُهَا وَطَحَنَت
الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، ذَبَجْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ
النَّبِيُّ ◌َ: ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا فَحَيَّهَلَا بِكُمْ)) فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِالّ:
(لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيء)). وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا
فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعِي خَابِزَةً
(١) أخرجه البخاري (٤٠٥٤)، ومسلم (٦١٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٣٩).

٤٥٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
فَلْتَخْبِزْ مَعَكٍ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا)) وَهُمْ أَلْفًّ، فَأَقْسِمُ بِاللهِ لأَكَلُوا
حَقَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِظُ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(تَرْكُوهِ وَانْحَرَفُوا) أي: شَبِعُوا وَانْصَرَفُوا (لَتَغِطُ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد
الطَّاء، أي: تَغْلِي، وَيُسْمَع غَلَيَانِهَا (كَمَا هِيَ) يَعُود إِلَى الْعَچِین.
وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمَيْنِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّة:
أَحَدهمَا: تَكْثِير الطَّعَامِ الْقَلِيل.
وَالثَّانِي: عِلْمِهِ وَّهِ بِأَنَّ هَذَا الطَّعَامِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَكْفِي فِي الْعَادَةِ خَمْسَةِ أَنْفُس
أَوْ نَحْوِهِمْ سَيَكْثُرُ فَيَكْفِي أَلْفًا وَزِيَادَة، فَدَعَا لَهُ أَلْفًّا قَبْلِ أَنْ يَصِل إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ
صَاعِ شَعِير وَبُهَيْمَة.
٥٨٧٨ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَة أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ل﴿ قَالَ لِعَمَّارِ حِينَ يَحْفِرُ الْخُنْدَقَ فَجَعَلَ
يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: (بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ فِئَةُ بَاغِيةٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
٥٨٧٩ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَّدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: حِينَ أَجْلَي الأَحْزَابُ
عَنْهُ: ((الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٣).
٥٨٨٠ - [وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ وَلاَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ
وَاغْتَسَلَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَالله مَا
وَضَعْتَهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (فَأَيْنَ؟)) فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ إليْهِم.
مُتَّفَقٍّ عَلَيْهِ](٤).
٥٨٨١ - [وَ فِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيّ قَالَ أَنَسْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ
(١) أخرجه البخاري (٤١٠٢)، ومسلم (٥٤٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٠٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٨٤)، وأحمد (١٨٣٣٤)، والطبراني (٦٤٨٤)، والطيالسي (١٢٨٩).
(٤) أخرجه البخاري (٤١٢٢)، ومسلم (٤٦٩٧).

٤٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بّنِي غَنْمِ مَوْكِبٍ جِبْرِيلَ العَيُ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ﴾(١).
٥٨٨٢ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ الله ◌َ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ
رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَخْوَهُ، قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءُ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّ مَا
فِي رَكْوَتِكَ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالٍ
الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، قِيْلَ لِجَابِرِ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَّانَا،
كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)(٢).
٥٨٨٣ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْن عَازِب قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً
يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - وَالْحُدَيْبِيَةُ: بِثْرُ - فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ الشَّبِيُّ ◌َّ فَأَتَاهَا
فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوضَّأَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ
قَالَ: ((دَعُوهَا سَاعَة)) فَأَرْوَوا أَنفُسَهُمْ وَرِكَابَهُم حَتَّى ارْتَحَلُوا رَوَاهُ الْبُخَارِي(٣).
(وَالْحُدَيْبِيَةُ بِثْرَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَكَانَ الْمَعْرُوفَ بِالْحُدَيْبِيَةِ سُمِّيَ بِثْر كَانَتْ هُنَالِكَ،
هَذَا اِسْمُهَا ثُمَّ عُرِفَ الْمَكَانُ كُّهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الشُّرُوطِ.
(فَنَزَحْنَاهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي شَرْجِ إِبْنِ التِّينِ (فَنَزَفْنَاهَا)) بِالْفَاءِ بَدَل الْحَاءِ
الْمُهْمَلَةِ قَالَ: وَالنَّزْفُ وَالنَّزْحُ وَاحِدُ وَهُوَ أَخْذُ الْمَاءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ
شَيْءُ.
(فَلَمْ نَتْرُكَ فِيهَا قَطْرَةً) فِي رِوَايَةِ ((فَوَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ نَزَحُوهَا)).
(فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْر: ((ثُمَّ قَالَ: إِثْتُونِي بِدَلْوٍ
مِنْ مَائِهَا)).
(فَتَوضَّأَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرِ فَبَصَقَ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ
دَعُوهَا سَاعَةً)).
(١) أخرجه البخاري (٤١١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٥٢)، ومسلم (٤٩١٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤١٥٠).

٤٥٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات
٥٨٨٤ - [وَعَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِيْن قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ
مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ
وَنَسِبُهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: ((اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ)) فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ
مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا،
وَدَعَا الشَِّيُّ ◌َّهِ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا فَاسْتَقُوا.
قَالَ: فَشَرِبَنَا عِطَاشًا أَرْبَعِيْنِ رَجُلاً حَتَّى رُوِيْنَا فَمَلأَنَا كُلَّ قُرْبَةٍ مَعَنَا وَإِذْوَاةِ، وَأَيْمُ الله
لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَّةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٥٨٨٥ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيَا أَفْيَحَ فَذَهَبَ
رَسُولُ اللهِ ﴿ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَينِ بِشَاطِئِ الْوَادِي
فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: ((انْقَادِي عَّ
بِإِذْنِ الله)) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَنَى الشَّجَرَةَ
الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَّ بِإِذْنِ الله)) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ
حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: ((الْتَئِمَا عَلَّ بِإِذْنِ الله)) فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ
أُحَدِّثُ نَفْسِي فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةُ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللهِ وَ مُقْبِلاً، وَإِذَا الشَّجَرَتَينِ قَدِ
افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ- رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
(فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوش) هُوَ بِالْحَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي
يُجْعَل فِي أَنْفِه خِشَاش بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَهُوَ عُودٍ يُجْعَل فِي أَنْف الْبَعِيرِ إِذَا كَانَ صَعْبًا،
وَيُشَدّ فِيهِ حَبْل لِيَذِلٌ وَيَنْقَاد، وَقَدْ يَتَمَانَع لِصُعُوبَتِهِ، فَإِذَا اِشْتَدَّ عَلَيْهِ وَآلَمَهُ إِنْقَادَ شَيْئًا
وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يُصَانِعِ قَائِده. وَفِي هَذَا هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَاتِ لِرَسُولِ اللهِوَهُ.
(حَقَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِنَّا بَيْنَهُمَا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّاد، وَهُوَ نِصْف الْمَسَافَة،
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِفَتْحِهِ الْجُوْهَرِيّ وَآخَرُونَ.
(١) أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (١٥٩٥).
(٢) أخرجه مسلم (٧٧٠٥).

٤٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
(فَحَانَتْ مِنِّ لَفْتَة) اللَّفْتَةِ النَّظْرَةِ إِلَى جَانِب، وَهِيَ بِفَتْجِ اللََّمِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ
الرُّوَاة: (فَحَالَتْ) بِاللَِّ، وَالْمَشْهُورِ بِالنُّونِ، وَهُمَا بِمَعْنَّى، فَالْحِين وَالْحَالِ الْوَقْت، أي:
وَقَعَتْ وَانَّفَقَتْ وَكَانَتْ.
٥٨٨٦ - [وَعَنْ يَزِيد بن أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بِن
الأُكْوَعِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ
النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى
السَّاعَةِ، رَوَاهُ البُخَارِي](١).
٥٨٨٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ◌َ زَيْدًا وَجَعْفَرًّا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌّ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرُّ فَأُصِيبَ، ثُمَّ
أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ - حَتَّى أَخَذَ سَيْفُ مِنْ سُيُوفِ الله - يَعْنِي:
خَالِدِ بْنِ الوَلِيْد - حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢).
٥٨٨٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴾ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا
الْتَّقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ
قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آَخِذُّ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ وَ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَلَا تُشْرِعَ، وَأَبُو
سُفْيَانَ بْن الْحَارِثِ آخِذُّ بِكَابٍ رَسُولِ اللهِ وََّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (أي: عَبَّاسُ، نَادِ
أَصْحَابَ السَّمُرَةِ) فَقَالَ عَبَّاسَ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا - فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ
السَّمُرَةِ؟ فَقَالَ: وَاللهِ، لَكَأَنَّ عَظْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا،
فَقَالُوا: يَا لَتَّيْكَ يَا لَبَيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ
الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْخَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ
رَسُولُ اللهِ لَّهِ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: «هَذَا حِينَ حَمِيَ
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (١١٨٩)، وأحمد (١٢١٣٥)، والنسائي (١٨٧٨)، والبيهقي (١٥٤/٨)، وأبو يعلى
(٤١٩٠).