Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة الْكِسَائِيّ قَالَ: وَمَعْنَاهُ تَغَيَّرَ مِنْ حُزْنِ أَوْ فَزَع. وَقَالَ الْمَازِيُّ فِي ((الْغَرِيبَيْنِ)) فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيث: يُقَال: اِنْتَقَعَ لَوْنِه وابْتَقَع وَامْتَقَعَ وَاسْتَقَعِ وَالْتَعَى وَانْتَسَفَ وَانْتَشَفَ بِالسِّينِ وَالشِّينِ وَالْتَمَعَ وَالْتَمَغَ بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ وَابْتَسَرَ وَالْتَهَمَ (كُنْت أَرَى أَثَرِ الْمِخْيَطِ فِي صَدْره) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَان الْخَاء وَفَتْحِ الْيَاءِ وَهِيَ الْإِبْرَة وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز نَظَر الرَّجُلِ إِلَى صَدْرِ الرَّجُلِ وَلَا خِلَاف فِي جَوَازهِ وَكَذَا يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَى مَا فَوْقَ سُرَّته وَتَحْتِ رُكْبَتِه ◌ِلَّا أَنْ يَنْظُرِ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ إِلَى كُلّ آدَمِيّ إِلَّا الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكَتْه وَكَذَا هُمَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ أَمْرَدِ حَسَنِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُم النَّظَرِ إِلَيْهِ إِلَى وَجْهِه وَسَائِرِ بَدَنه سَوَاء كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا إِلَّا أَنْ يَكُون ◌ِحَاجَةِ الْبَيْع وَالشِّرَاءِ وَالتَّطَبُّب وَالتَّعْلِيمِ وَنَحْوِهَا. والله أَعْلَم. [النووي ٢٩٣/١]. ٥٨٥٣ [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَّ قَبْلَ أَنْ أَبْعَثَ، إِّ لأَعْرِفُهُ الآنَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). فِيهِ مُعْجِزَةٍ لَهُ مََّ. وَفِي هَذَا إِثْبَاتِ التَّمْبِيزِ فِي بَعْض الْجَمَادَاتِ، وَهُوَ مُوَافِقٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحِجَارَةِ: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ خِلَافٍ مَشْهُور، وَالصَّحِيحِ أَنَّهُ يُسَبِّحُ حَقِيقَة، وَيَجْعَلُ الله تَعَالَى فِيهِ تَمْبِيرًا بِحَسْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهُ الْحَجَرِ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبٍ مُوسَى وََّ وَكَلَام الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَة، وَمَشْي إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى حِين دَعَاهُمَا النَّبِيّ ◌َِّ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. ٥٨٥٤ - [وَعَنْ أَنَسِ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٤). ٥٨٥٥ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَلِ فِرْقَتَيْنِ: (١) أخرجه مسلم (٢٢٧٧) وأحمد (٢٠٩٣١) والدارمي (٢٠) وابن حبان (٦٤٨٢) والطيالسي (٧٨١) والترمذي (٣٦٢٤)، والطبراني (١٩٠٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٨٦٨)، ومسلم (٧٢٥٤). ٤٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((اشْهَدُوا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٨٥٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدُّ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللّهُ وَّهِ وَهُوَ يُصَلِّ - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ - فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَنْدَقًّا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ دَنَا مِنِّ لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًّا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٤). ٥٨٥٧ - [وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ إِذْ أَتَاهُ رَجُلُ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَجِلُ مِنَ الْحِيْرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا الله)). (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى)) لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ الله أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانْ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: ((أَمْ أُعْطِكَ مَالاً وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَ. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّ جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّ جَهَنَّمَ)) اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةٍ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةِ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)). قَالَ عَدِيُّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيْرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ إِلَّ الله، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ: ((يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِي](٣). (إِذْ أَتَاهُ رَجُلُ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ) قال (١) أخرجه البخاري (٤٨٦٤)، ومسلم (٧٢٤٩). (٢) أخرجه مسلم (٧٢٤٣). (٣) أخرجه البخاري (٣٥٩٥). ٤٠٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة الحافظ: لَمْ أَقِفِ عَلَى اِسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمَا (الظَّعِينَة) بِالْمُعْجَمَةِ: الْمَرْأَةَ فِي الْهَوْدَجِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ إِسْمَ لِلْهَوْدَجِ (الْحِيرَة) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفَتْحِ الرَّاء كَانَتْ بَد مُلُوكِ الْعَرَبِ الَّذِينَ تَحْتِ حُكْم آلٍ فَارِسِ، وَكَانَ مَلِكِهِمْ يَوْمَئِذٍ إِيَاس بْن قَبِيصَة الطَّائِيّ وَلِيَهَا مِنْ تَحْتِ يَدِ كَسْرَى بَعْدِ قَتْلِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِر؛ وَلِهَذَا قَالَ عَدِيّ بْنِ حَاتِم (فَأَيْنَ دُعَّار طَيِّئ؟)) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَدِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيّ عِنْد عَدِيّ بْنِ حَاتِمِ ((قُلْت يَا رَسُول الله فَأَيْنَ مَقَاتِب طَيِّئ وَرِجَالِهَا)) وَمَقَاتِب بِالْقَافِ جَمْع مَقْتَب وَهُوَ الْعَسْكَر وَيُطْلَقَ عَلَى الْفُرْسَان. (حَتَّى تَطُوف بِالْكَعْبَةِ) زَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ عَدِيّ ((فِي غَيْرِ جَوَاز أَحَد)). (وَلَوْ بِشِقَّةٍ تَمْرَةٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة أي: نِصْفها. (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ وَه:) هُوَ مَقُول عَدِيّ بْن حَاتِمٍ. ((يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ) أي: مِن الْمَالِ (فَلَا يَجِدُ أَحَدًّا يَقْبَلُهُ مِنْهُ) قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيّ ◌َِّ وَآمَنَ بِهِ عَدِيّ. ٥٨٥٨ - [وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ وَهْوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنا: أَلَا تَدْعُو اللّهِ، فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرُّ وَجْهُهُ وَقَالَ: (كَانَ الرَّجُل فيمن كَانَ قَبْلَكُمْ يَحَفُر لَهُ فِي الأَرَضِ فَيَجعَلَ فِيهِ، فَيُجاء بِمِنشَار فَيُوضَعُ فَوقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصْدَهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمْشَطُ بِأُمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَخْمِهِ مِنْ عِظَامِ وَعَصَبٍ، مَا يَصدُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَالله لَيْتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَ مَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّ الله أوَ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(١). ٥٨٥٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَدْخُلُ عَلَى أَمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، (١) أخرجه البخاري (٣٨٥٢). ٤٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((نَاسَّ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَّ غُزَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوًَّ عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: ((نَاسُ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَّ غُزَةً فِي سَبِيلِ الله)). كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامِ الْبَحْرَ فِي زَمَّنِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (أُمّ حَرَام) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ خَالَةٍ أَنَس وَكَانَ يُقَال لَهَا: الرُّمَيْصَاءِ وَلِأَمِّ سُلَيْمِ الْغُمَيْصَاءِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاقِي مِثْلِه. قَالَ عِيَاض: وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: الْغُمَيْصَاءِ وَالرُّمَيْصَاءِ هِيَ أُمّ سُلَيْمٍ، وَيَرُدّهُ مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَار عَنِ الرُّمَيْصَاءِ أُخْتِ أُمّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَ نَحْوِ حَدِيث الْبَابِ. وَلِأَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي طُوَالَة عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهُ وَضَعَ رَأْسِهِ فِي بَيْت بِنْت مِلْحَانِ إِحْدَى خَالَاتِ أَنَس، وَمَعْنَى الرَّمَص وَالْغَمَصِ مُتَقَارِب وَهُوَ إِجْتِمَاعِ الْقَذَى فِي مُؤَخَّرِ الْعَيْنِ وَفِي هُدْبِهَا، وَقِيلَ اِسْتِرْخَاؤُهَا وَانْكِسَارِ الْجُمْنِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَنَس: فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَده، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أُمّ حَرَامِ، وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ أَوَّله مِنْ مُسْنَد أَنَس وَقِصَّة الْمَنَامِ مِنْ مُسْنَد أَمّ حَرَامِ، فَإِنَّ أَنَسًا إِنَّمَا حَمَلَ قِصَّةِ الْمَنَامِ عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ((قَالَتْ فَقُلْت يَا رَسُول الله مَا يُضْحِكك))؟ (١) أخرجه البخاري (٢٧٨٩)، ومسلم (٥٠٤٣)، والترمذي (١٧٤٦). ٤٠٥ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة (وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) هَذَا ظَاهِرِهِ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ زَوْجِ عُبَادَةً، وفي أَبِي طُوَالَةٍ عَنْ أَنَسِ قَالَ: ((دَخَلَ النَّبِيّ ◌َ عَلَى إِبْنَة مِلْحَان)) فَذَكَرَ الْحَدِيثِ إِلَى أَنْ قَالَ: ((فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت)) فَإِنَّ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ هُنَا: (وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ) الْإِخْبَارِ عَمَّا آلَ إِلَيْهِ الْحَالِ بَعْد ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي إِعْتَمَدَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْرهِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي تَرْجَمَة أُمَ حَرَامٍ مِنْ (طَبَقَات ◌ِبْنِ سَعْد)) أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتِ عُبَادَةَ فَوَلَّدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَمْرو بْنِ قَيْس بْنِ زَيْدِ الْأَنْصَارِيّ النَّجَّارِي فَوَلَّدَتْ لَهُ قَيْساً وَعَبْد الله وَعَمْرِو بْنِ قَيْسِ هَذَا إِتَّفَقَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ أُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَكَذَا ذَكَرَ إِبْنِ إِسْحَاق أَنَّ إِبْنِه قَيْس بْن عَمْرو بْن قَيْس أُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَلَوْ كَانَ الْأَمْرِ كَمَا وَقَعَ عِنْد إِبْنِ سَعْد لَكَانَ مُحَمَّدٍ صَحَابِيًّا لِكَوْنِهِ وُلِدَ لِعُبَادَةَ قَبْلِ أَنْ يُفَارِقِ أُمّ حَرَامٍ ثُمَّ اِتَّصَلَتْ بِمَنْ وَلَّدَتْ لَهُ قَيْسًا فَاسْتُشْهِدَ بِأَحُدٍ فَيَكُون ◌ُحَمَّد أَكْبَر مِنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرو، إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ عُبَادَةَ سَمَّى إِبْنِه مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا سَتَّى بِهَذَا الإِسْمِ غَيْرِ وَاحِد وَمَاتَ مُحَمَّد قَبْلِ إِسْلَام الْأَنْصَارِ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَيُعَكِّرْ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مُحَمَّد بْنِ عُبَادَةَ فِيمَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الإِسْمِ قَبْلِ الْإِسْلَامِ، وَيُمْكِنِ الْجَوَابِ عَلَى هَذَا فَيَكُون عُبَادَةُ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَتْ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ ثُمَّ أُسْتُشْهِدَ فَرَجَعَتْ إِلَى عُبَادَةً، وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْأَمْرِ بِعَكْسِ مَا وَقَعَ فِي الطَّبَقَاتِ وَأَنَّ عَمْرو بْنِ قَيْس تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ هُوَ وَوَلَده قَيْس مِنْهَا وَتَزَوَّجَتْ بَعْده بِعُبَادَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانِ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ أُمّ حَرَامٍ مَعَ عُبَادَةً فِي الْغَزْوِ وَلَفْظِه مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ (أَنَّهُ أَنَّى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِل بِسَاحِلِ حِمْص وَمَعَهُ أَمّ حَرَامٍ، قَالَ عُمَيْرِ فَحَدَّثَتْنَا أُمّ حَرَامٍ فَذَكَرَ الْمَنَامِ)). (فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ) لَمْ أَقِفِ عَلَى تَعْبِينِ مَا أَطْعَمَنْهُ يَوْمَئِذٍ (ثُمَّ جَلَسَتْ تَقْلِي رَأْسَهُ) وَتَفْلِي: بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْفَاء وَكَسْرِ اللَّامِ أي: تُفَتِّش مَا فِیهِ. (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَهَ) زَادَ فِي رِوَايَة اللَّيْثِ عَنْ يَحْتَّى بْنِ سَعِيد فِي الْجِهَادِ ((فَنَامَ قَرِيبًا مِنِّ)) وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي طُوَالَةٍ فِي الْجِهَادِ ((فَاتَّكَأَ)) وَلَمْ يَقَعِ فِي رِوَايَتِه وَلَا فِي رِوَايَة ٤٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر مَالِكِ بَيَانِ وَقْتِ النَّوْمِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ زَادَ غَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ وَقْتِ الْقَائِلَةِ فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زَيْد عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الْجِهَادِ ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َلَ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا)) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه «أَتَانَا النَّبِيّ وَ فَقَالَ عِنْدَنَا)) وَلِأَحْمَد وَابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق حَمَّد بْنِ سَلَمَة عَنْ يَحْتَى (بَيْنَا رَسُول اللهِ وَ﴿ قَائِلًا فِي بَيْتِي)) وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة عَبْد الْوَارِثِ بْنِ سَعِيد عَنْ يَحَْى ((فَنَامَ عِنْدِهَا أَوْ قَالَ)) بِالشَّكِّ وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى رِوَايَة تَحَْى بْن سَعِيد (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ الله) فِي رِوَايَة حَمَّادِ بْنِ زَيْد عِنْدِ مُسْلِمِ ((بِأَبِ أَنْتَ وَأَمِّ)) وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي طُوَالَة ((لِمَ تَضْحَك)) وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيقه ((مِمَّ تَضْحَك)»؟ وَفِي رِوَايَة عَطَاء بْنِ يَسَارِ عَنِ الرُّمَيْصَاءِ (ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكِ وَكَانَتْ تَغْسِل رَأْسِهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُول الله أَتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِي؟ قَالَ: لَا)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنِ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَة حَمَّد بْنِ زَيْد وَقَالَ: يَزِيد وَيَنْقُص، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدِ الرَّزَّاق مِن الْوَجْهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ («أَنَّ إِمْرَأَةً حَدَّثَتْهُ)) وَسَاقَ الْمَثْنِ وَلَفْظِه ◌َدُلّ عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ قِصَّة أُمّ حَرَامٍ فَالله أَعْلَم. (قَالَ: ((فَاسْ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَّ غُزَةً فِي سَبِيلِ الله) فِي رِوَايَة حَمَّادِ بْنِ زَيْد (فَقَالَ: عَجِبْتِ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي)) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه ((أُرِيت قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي)) وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ إِعْجَابًا بِهِمْ وَفَرَحًا لِمَا رَأَى لَهُمْ مِن الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ. (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ (يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَر)) وَفِي رِوَايَة حَمَّد بْنِ زَيْدِ ((يَرْكَبُونَ الْبَحْرِ)) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقه ((يَرْكَبُونَ ظَهْرِ الْبَحْر)) وَفِي رِوَايَة أَبِي ◌ُوَالَة «يَرْكَبُونَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ فِي سَبِيل الله)) وَالشََّجِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَالْمُوَحَّدَة ثُمَّ جِيمٍ ظَهْرِ الشَّيْء، هَكَذَا فَسَّرَهُ جَمَاعَةِ. وَقَالَ الْخُطَّابِيُّ: مَتْنِ الْبَحْرِ وَظَهْرهِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ: ثَبَجِ كُلّ شَيْءٍ وَسَطه، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ فِي (أَمَالِيهِ): قِيلَ: ظَهْرهِ وَقِيلَ مُعْظَمِه وَقِيلَ: هَوْلِهِ، وَقَالَ أَبُوزَيْدِ فِي (نَوَادِرِه): ضَرَبَ ثَبَج الرَّجُل بِالسَّيْفِ أي: وَسَطه، وَقِيلَ مَا بَيْن كَتِفَيْهِ، وَالرَّاجِحِ أَنَّ الْمُرَاد هُنَا ظَهْرهِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا، وَالْمُرَادِ أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ السُّفُنِ الَّتِي تَجْرِي ٤٠٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة عَلَى ظَهْرهِ. وَلَمَّا كَانَ جَرْي السُّفُنِ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُون فِي وَسَطْه قِيلَ: الْمُرَادِ وَسَطه وَإِلَّا فَلَا إِخْتِصَاص لِوَسَطِهِ بِالرُّكُوبِ، وَأَمَّا قَوْله: ((الْأَخْضَر)) فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هِيَ صِفَة لََّ زِمَة لِلْبَحْرِ لَا مُخَصِّصَةِ إِنْتَهَى، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون ◌ُخَصِّصَة ◌ِأَنَّ الْبَحْرِ يُظْلَقَ عَلَى الْمِلْحِ وَالْعَذْبِ فَجَاءَ لَفْظِ الْأَخْضَرِ لِتَخْصِيصِ الْمِلْحِ بِالْمُرَادِ، قَالَ وَالْمَاءِ فِي الْأَصْلِ لَا لَوْن لَّهُ وَإِنَّمَا تَنْعَكِس الْخُضْرَةِ مِن إِنْعِكَاس الْهَوَاءِ وَسَائِرِ مُقَابَلَاته إِلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرهِ: إِنَّ الَّذِي يُقَابِلهُ السَّمَاءِ، وَقَدْ أَظْلَقُوا عَلَيْهَا الْخُضْرَاءِ لِحَدِيثِ «مَا أَظَلَّت الْخُضْرَاءِ وَلَا أَقَلَّت الْغَبْرَاء)» وَالْعَرَبِ تُظْلِقِ الْأَخْضَرِ عَلَى كُلّ لَوْن لَيْسَ بِأَبْيَض وَلَا أَحْمَرِ، وَالْأَحْمَرِ يُظْلِقُونَهُ عَلَى كُلّ مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. وَمِنْهُ((يُعِثْتِ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرَ)). (مُلُوَكًا عَلَى الأَسِرَّةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَّبِ ذَرّ (مُلُوكَ)) بِالرَّفْعِ. (أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) يَشُكّ إِسْحَاق يَعْنِي رَاوِبِهِ عَنْ أَنَس، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْثِ وَجَمَّادِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمَا قَبْل «كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة» مِنْ غَيْرِ شَيْءِ، وَفِي رِوَايَة أَبِي طُوَالَةِ ((مِثْلِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة)) بِغَيْرِ شَكّ، أَيْضًا، وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيقه ((مَثَلِهِمْ كَمَثَلِ الْمُلُوكَ عَلَى الْأَسِرَّة) وَهَذَا الشَّكّ مِنْ إِسْحَاق وَهُوَ إِبْنِ عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة يُشْعِرِ بِأَنَّهُ كَانَ يُحَافَظ عَلَى تَأْدِيَةِ الْحَدِيث بِلَفْظِهِ وَلَا يَتَوَسَّعِ فِي تَأْدِيَتِه بِالْمَعْنَى كَمَا تَوَسَّعَ غَيْرِهِ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي عِدَّة مَوَاضِع تَظْهَر مِمَّا سُقْتِه وَأَسُوقُهُ، قَالَ إِبْنِ عَبْدِ الْبَرّ، أَرَادَ والله أَعْلَمْ أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاةِ فِي الْبَحْرِ مِنْ أُمَّتِهِ مُلُوَّكَا عَلَى الْأَسِرَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَرُؤْيَاهُ وَحْي، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى فِي صِفَة أَهْلِ الْجُنَّة ﴿عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] وَقَالَ ﴿عَلَى الْأَرَائِكَ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وَالْأَرَائِك السُّرَرِ فِي الْحِجَالِ. وَقَالَ عِيَاض: هَذَا مُخْتَمَل، وَيُحْتَمَلِ أَيْضًا أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ حَالهِمْ فِي الْغَزْوِ مِنْ سَعَة أَحْوَالهِمْ وَقِوَام أَمْرِهِمْ وَكَثْرَة عَدَدهُمْ وَجَوْدَة عَدَدهمْ فَكَأَنَّهُم الْمُلُوكَ عَلَى الْأَسِرَّةِ. قُلْت: وَفِي هَذَا الإِحْتِمَالِ بُعْد، وَالْأَوَّل أَظْهَر لَكِنَّ الْإِثْيَانِ بِالتَّمْثِيلِ فِي مُعْظَم طُرُقِه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْرِهِمْ لَا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، أَوْ مَوْقِع التَّشْبِيهِ أَنَّهُمْ فِيمَا هُمْ مِنِ النَّعِيمِ الَّذِي أُثِيبُوا بِهِ عَلَى جِهَادهمْ مِثْلِ مُلُوكَ الدُّنْيَا عَلَى ٤٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر أَسِرَّتِهِمْ، وَالتَّشْبِيهِ بِالْمَحْسُوسَاتِ أَبْلَغْ فِي نَفْسِ السَّامِعِ. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَتَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: ((نَاسُ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَةً فِي سَبِيلِ اللّه)). كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) دَعَالَهَا فَأُجِيبَ فَأَخْبَرَهَا جَازِمًا بِذَلِكَ. (قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ))) زَادَ فِي رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِي طُوَالَة ((وَلَسْت مِن الْآخَرِينَ)) وَفِي رِوَايَةٍ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ فِي الثَّانِيَةِ((فَقُلْت: يَا رَسُول الله أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ لَا)). قُلْت: وَظَاهِرِ قَوْله فَقَالَ مِثْلِهَا أَنَّ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ يَرْكَبُونَ الْبَحْرِ أَيْضًا وَلَكِنْ رِوَايَة عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَد تَدُلّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةِ إِنَّمَا غَزَتْ فِي الْبَرّ لِقَوْلِهِ يَغْزُونَ مَدِينَة فَيْصَرِ)) وَقَدْ حَكَّى إِبْنِ التِّينِ أَنَّ الثَّانِيَة وَرَدَتْ فِي غَزَاة الْبَرّ وَأَقَرَّهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَاجٍ إِلَى حَمْلِ الْمِثْلِيَّةِ فِي الْخَبَرِ عَلَى مُعْظَم مَا اِشْتَرَكَتْ فِيهِ الطَّائِفَتَانِ لَا خُصُوص رُكُوبِ الْبَحْر وَيُحْتَمَلِ أَنْ يَكُون بَعْض الْعَسْكَرِ الَّذِينَ غَزَوْا مَدِينَة قَيْصَرِ رَكِبُوا الْبَحْرِ إِلَيْهَا، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ مَا حَكَّى إِبْنِ التِّينِ فَتَكُون الْأَوَّلِيَّةِ مَعَ كَوْنَهَا فِي الْبَرّ مُفَيَّدَة بِقَصْدِ مَدِينَة قَيْصَرِ، وَإِلَّا فَقَدْ غَزَوْا قَبْلِ ذَلِكَ فِي الْبَرّ مِرَارًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأُولَى فِي أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْرِ مِنِ الصَّحَابَةِ، وَالثَّانِيَةِ فِي أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْرِ مِنِ التَّابِعِينَ. قُلْت: بَلْ كَانَ فِي كُلّ مِنْهُمَا مِن الْفَرِيقَيْنِ لَكِنْ مُعْظَم الْأُولَى مِن الصَّحَابَةِ وَالثَّانِيَة پِالْعَكْسِ. وَقَالَ عِيَاض وَالْقُرْطُبِيّ فِي السِّيَاقِ دَلِيل عَلَى أَنَّ رُؤْيَاءُ الثَّانِيَةِ غَيْرِ رُؤْيَاهُ الْأُولَى، وَأَنَّ فِي كُلّ نَوْمَة عَرَضَتْ طَائِفَةٍ مِن الْغُزَاة. وَأَمَّا قَوْل أُمّ حَرَامِ ((أُدْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ)) فِي الثَّانِيَةِ فَلِظَنَّهَا أَنَّ الثَّانِيَة تُسَاوِي الْأُولَى فِي الْمَرْتَبَةِ فَسَأَلَتْ ثَانِيًا لِيَتَضَاعَفِ لَهَا الْأَجْرِ، لَا أَنَّهَا شَكَّتْ فِي إِجَابَة دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ لَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَفِي جَزْمه بِذَلِكَ. ٤٠٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة قُلْت: لَا تَنَافِي بَيْن إِجَابَةِ دُعَائِهِ وَجَزْمِه بِأَنَّهَا مِن الْأَوَّلِينَ وَبَيْنِ سُؤَالِهَا أَنْ تَكُون مِن الْآخِرِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ النَّصْرِيحِ لَهَا أَنَّهَا تَمُوتِ قَبْل زَمَان الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ فَجَوَّزَتْ أَنَّهَا تُدْرِكِهَا فَتَغْزُو مَعَهُمْ وَيَحْصُل لَهَا أَجْرِ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَعْلَمَهَا أَنَّهَا لَا تُدْرِكَ زَمَان الْغَزْوَةِ الثَّانِيَة فَكَانَ كَمَا قَالَ وَلِّهِ. (فَرَّكِبَتْ أُمُ حَرَامِ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ اللَّيْث: ((فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّل مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرِ مَعَ مُعَاوِيَة)) وَفِي رِوَايَة حَمَّاد ((فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْو)) وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي ◌ُوَالَة ((فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ، فَرَكِبَت الْبَحْرِ مَعَ بِئْتِ قَرَظَةٍ)) وَالْوَقْت الَّذِي رَكِبَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرِ لِلْغَزْوِ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَة عُثْمَان وَمُعَاوِيَة يَوْمَئِذٍ أَمِير الشَّامِ، وَظَاهِرِ سِيَاق الْخَبَرِ يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَته وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَد ◌ِغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ بَعْض النَّاس فَوَهَمَ، فَإِنَّ الْقِصَّةِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقّ أَوَّل مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ عُمَر يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانِ إِسْتَأْذَنَهُ مُعَاوِيَةٍ فِي الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ فَأَذِنَ لَهُ. وَنَقَلَهُ أَبُو جَعْفَرِ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيد بْنِ أَسْلَمَ، وَيَكْفِي فِي الرَّدّ عَلَيْهِ التَّصْرِيحِ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلِ مَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْرِ، وَنُقِلَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْن مَعْدَان قَالَ: (أَوَّل مَنْ غَزَا الْبَحْرِ مُعَاوِيَةٍ فِي زَمَن عُثْمَانِ وَكَانَ اِسْتَأْذَنَ عُمَر فَلَمْ يَأْذَن لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِعُثْمَانِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ وَقَالَ: لَا تَنْتَخِب أَحَدًا، بَلْ مَن إِخْتَارَ الْغَزْوِ فِيهِ طَائِعًا فَأَعِنْهُ فَفَعَلَ)) وَقَالَ خَلِيفَة بْنِ خَيَّاط في ((تَارِيخه)) فِي حَوَادِث سَنَةٍ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ: وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَة الْبَحْرِ وَمَعَهُ إِمْرَأَتِه فَاخِتَة بِنْت قَرَظَة وَمَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ إِمْرَأَتِهِ أُمَ حَرَامِ، وَأَرَّخَهَا فِي سَنَةٍ ثَمَان وَعِشْرِينَ غَيْرٍ وَاحِد، وَبِهِ جَزَمَ إِبْن أَبِي حَاتِمٍ، وَأَرَّخَهَا يَعْقُوبِ بْنِ سُفْيَان فِي الْمُحَرَّم سَنَة سَبْع وَعِشْرِينَ قَالَ: كَانَتْ فِيهِ غَزَاة قُبْرُس الْأُولَى. وَأَخْرَجَ الظََّرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيّ أَنَّ مُعَاوِيَةٍ غَزَا الرُّومِ فِي خِلَافَة عُثْمَان فَصَالَحَ أَهْل قُبْرُس، وَسَمَّى إِمْرَأَتِه كَبْرَة بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَقِيلَ فَاخِتَة بِنْت قَرَظَة وَهُمَا أُخْتَانِ كَانَ مُعَاوِيَة تَزَوَّجَهُمَا وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى، وَمِنْ طَرِيقِ إِبْنِ وَهْب عَن ◌ِبْنِ لَهِيعَة أَنَّ ٤١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر مُعَاوِيَةٍ غَزَا بِامْرَأَتِهِ إِلَى قُبْرُس فِي خِلَافَةِ عُثْمَانِ فَصَالَخَهُمْ. وَمَنْ طَرِيقٍ أَبِي مَعْشَرِ الْمَدَنِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ. فَتَحَصَّلْنَا عَلَى ثَلاثَة أَقْوَال وَالْأَوَّل أَصَحّ وَكُلّهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي آخِرِ سَنَة خَمْس وَثَلَاثِينَ. (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ) فِي رِوَايَةِ اللَّيْث: ((فَلَمَّا إِنْصَرَفُوا مِنْ غَزَوِهِمْ قَافِلِينَ إِلَى الشَّامِ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ)) وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْنِ زَيْد عِنْدِ أَحْمَد ((فَوَقَصَتْهَا بَغْلَةٍ لَهَا شَهْبَاء فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ)) وَفِي رِوَايَة عَنْهُ ((فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقِهَا)). وَالْحَاصِلِ أَنَّ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا لِتَرْكَبَهَا فَشَرَعَتْ لِتَرْكَب فَسَقَطَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقِهَا فَمَاتَتْ، وَظَاهِرِ رِوَايَةِ اللَّيْثِ أَنَّ وَقْعَتَهَا كَانَتْ بِسَاحِلِ الشَّامِ لَمَّا خَرَجَتْ مِن الْبَحْرِ بَعْد رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزَاة قُبْرُسَ، لَكِنْ أَخْرَجَ إِبْنِ أَبِي عَاصِم عَنْ هِشَامِ بْن عَمَّارِ عَنْ يَحْتَى بْنِ حَمْزَة .. وَفِيهِ ((وَعُبَادَة نَازِل بِسَاحِلٍ حِمْص)) قَالَ هِشَامِ بْن عَمَّار: رَأَيْتِ قَبْرهَا بِسَاحِلِ حِمْصٍ، وَجَزَمَ جَمَاعَة بِأَنَّ قَبْرِهَا بِجَزِيرَةٍ قُبْرُس، فَقَالَ اِبْنِ حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد بِسَنَدِهِ: (قَبْرِ أَمّ حَرَامٍ بِجَزِيرَةٍ فِي نَجْرِ الرُّوم يُقَال لَهَا: قُبْرُسُ بَيْنِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنِهَا ثَلَاثَة أَيَّامٍ)) وَجَزَمَ إِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهَا حِين خَرَجَتْ مِن الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةٍ قُبْرُسَ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابُّتُهَا فَصَرَعَتْهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيّ أَنَّ مُعَاوِيَةٍ صَالَهُمْ بَعْدِ فَتْحِهَا عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارِ فِي كُلّ سَنَّةٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجِ مِنْهَا قُرِّبَتْ لِأُمّ حَرَامِ دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَسَقَطَتْ فَمَاتَتْ فَقَبْرِهَا هُنَاكَ يَسْتَسْقُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ قَبْرِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحِة، فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ مُرَادِ هِشَامِ بْن عَمَّر بِقَوْلِهِ: ((رَأَيْت قَبْرِهَا بِالسَّاحِلِ)) أي: سَاحِل جَزِيرَة قُبْرُس فَكَأَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى قُبْرُسَ لَمَّا غَزَاهَا الرَّشِيد فِي خِلَافَته. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْجْزِيرَةِ بَادَرَت الْمُقَاتِلَة وَتَأْخَّرَت الضُّعَفَاءِ كَالنِّسَاءِ، فَلَمَّا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ وَصَالَخُوهُمْ طَلَعَتْ أُمّ حَرَامٍ مِنِ السَّفِينَة قَاصِدَة الْبَلَدِ لِتَرَاهَا وَتَعُودِ رَاجِعَة لِلشَّامِ فَوَقَعَتْ حِينَئِذٍ، وَيُحْمَلُ قَوْل حَمَّاد بْنِ زَيْد فِي رِوَايَته ((فَلَمَّا رَجَعَتْ)) وَقَوْل أَبِي ◌ُوَالَة: ((فَلَمَّا قَفَلَتْ)) أي: أَرَادَتِ الرُّجُوعِ، وَكَذَا قَوْل ٤١١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة اللَّيْثِ فِي رِوَايَته ((فَلَمَّا إِنْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ)) أي: أَرَادُوا الإِنْصِرَاف. ثُمَّ وَقَفْت عَلَى شَيْءٍ يَزُول بِهِ الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارِ أَنَّ اِمْرَأَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ (نَامَ رَسُولِ اللهِ وَّهُ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكِ، فَقُلْت: تَضْحَك مِنِّ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَخْرُجُونَ غُزَاةٍ فِي الْبَحْرِ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. ثُمَّ نَامَ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ فَقَالَ مَثَلُ ذَلِكَ سَوَاء لَكِنْ قَالَ فَيَرْجِعُونَ قَلِيلَةً غَنَائِمُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ. قَالَتْ فَادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا)) قَالَ عَطَاء فَرَأَيْتِهَا فِي غَزَاة غَزَاهَا الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى أَرْض الرُّومِ فَمَاتَتْ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرْط الصَّحِيحِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُف عَنْ مَعْمَر فَقَالَ فِي رِوَايَته «عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَار عَنِ الرُّمَيْصَاء أُخْتِ أُمّ سُلَيْمٍ)) وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ وَهْب عَنْ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَة عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ فَقَالَ فِي رِوَايَته ((عَنْ أَمّ حَرَامِ)) وَكَذَا قَالَ زُهَيْرِ بْن عَبَّد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَالَّذِي يَظْهَر ◌ِي أَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ حَدِيث عَطَاء بْنِ يَسَارِ هَذَا عَنْ أُمّ حَرَامِ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ الرُّمَيْصَاءِ، وَلَيْسَتْ أُمّ سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَتْ يُقَال لَهَا أَيْضًا الرُّمَيْصَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيث جَابِر؛ لِأَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ لَمْ تَمُتْ بِأَرْضِ الرُّومِ وَلَعَلَّهَا أُخْتَهَا أُمّ عَبْد الله بْنِ مِلْحَانَ فَقَدْ ذَكَّرَهَا اِبْنِ سَعْدٍ فِي الصَّحَابِيَّاتِ، وَقَالَ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَبّرهَا إِلَّا مَا ذَكَرَ إِبْنِ سَعْد. فَيُحْتَمَلِ أَنْ تَكُونِ هِ صَاحِبَة الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا إِبْن عَطَاء إِبْنِ يَسَار وَتَكُون تَأَخَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا عَطَاءِ، وَقِصَّتِهَا مُغَايِرَة لِقِصَّةٍ أَمّ حَرَام مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ: أَنَّ فِي حَدِيثِ أُمّ حَرَامِ أَنَّهُ لَّهْ لَمَّا نَامَ كَانَتْ تَقْلِي رَأْسَهُ، وَفِي حَدِيث الْأُخْرَى: ((أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِل رَأْسِهَا)) مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُد. الثَّانِي: ظَاهِرِ رِوَايَةٍ أُمّ حَرَامٍ أَنَّ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَة تَغْزُو فِي الْبَرّ وَظَاهِرِ رِوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهَا تَغْزُو فِي الْبَحْر. الثَّالِثِ: أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُمّ حَرَامِ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْفِرْقَة الْأُولَى، وَفِي رِوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهَا ٤١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر مِنْ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَّة. الرَّابِعِ: أَنَّ فِي حَدِيث أُمّ حَرَامٍ أَنَّ أَمِيرِ الْغَزْوَةِ كَانَ مُعَاوِيَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ أَمِیرھَا كَانَ الْمُنْذِر بْن الزُّبَيْر. الْخَامِس: أَنَّ عَطَاء بْنِ يَسَار ذَكَرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ وَهُوَ يَصْغُر عَنْ إِذْرَاك أُمّ حَرَامٍ وَعَنْ أَنْ يَغْزُو فِي سَنَةٍ ثَمَان وَعِشْرِينٍ بَلْ وَفِي سَنَةٍ ثَلَاث وَثَلَائِينَ؛ لِأَنَّ مَوْلِده عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ عَمْرو بْنِ عَلِيّ وَغَيْرِهِ كَانَ فِي سَنَة ◌ِسْعِ عَشْرَة. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّة ◌ِأُمّ حَرَامٍ وَلِأُخْتِهَا أُمّ عَبْد الله؛ فَلَعَلَّ إِحْدَاهُمَا دُفِنَتْ بِسَاحِلٍ قُبْرُس وَالْأُخْرَى بِسَاحِلٍ حِمْصٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ وَلِلِه الْحَمْد عَلَى جَزِيل نِعَمه. وَفِي الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ: فيه: التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ وَالْحَضّ عَلَيْهِ، وَبَيَانِ فَضِيلَةِ الْمُجَاهِد. وَفِيهِ: جَوَازِ رُكُوب الْبَحْرِ الْمِلْحِ لِلْغَزْوِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانِ الإِخْتِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ عُمَر كَانَ يَمْنَع مِنْهُ ثُمَّ أَذِنَ فِیهِ عُثْمَان. قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيّ: ثُمَّ مَنَعَ مِنْهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ مَنْ بَعْده وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ رُكُوبِه ◌ِغَيْرِ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ إِبْن عَبْد الْبَرِّ أَنَّهُ يَحْرُم رُكُوبِه عِنْدِ إِرْتِجَاجِه إِنَّفَاقًا، وَكَرِهَ مَالِكِ رُكُوب النِّسَاء مُظْلَقًا الْبَحْرَ لِمَا يُخْشَى مِن إِطَّلَاعِهِنَّ عَلَى عَوْرَاتِ الرِّجَالِ فِيهِ إِذْ يَتَعَسَّرِ الإِحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ أَصْحَابِه ذَلِكَ بِالسُّفُنِ الصِّغَارِ، وَأَمَّا الْكِبَارِ الَّتِي يُمْكِنُهُنَّ فِيهِنَّ الإِسْتِتَار بِأَمَاكِن تَخْصّهُنَّ فَلَا حَرَج فِیهِ. وَفِي الْحَدِيث: جَوَاز تَمَنِّي الشَّهَادَة وَأَنَّ مَنْ يَمُوت غَازِيًا يَلْحَقِ بِمَنْ يُقْتَل فِي الْغَزْوِ، كَذَا قَالَ إِبْن عَبْد الْبَرِّ وَهُوَ ظَاهِرِ الْقِصَّةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنِ الإِسْتِوَاء فِي أَصْل الْفَضْلِ الإِسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَات. وَفِيهِ: مَشْرُوعِيَّةِ الْقَائِلَة لِمَا فِيهِ مِن الْإِعَانَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَجَوَاز إِخْرَاج مَا يُؤْذِي الْبَدَن مِنْ قَمْل وَنَحْوِهِ عَنْهُ. ٤١٣ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة وَمَشْرُوعِيَّةِ الْجِهَادِ مَعَ كُلّ إِمَامٍ لِتَضَمُّنِهِ الثَّنَاء عَلَى مَنْ غَزَا مَدِينَةٍ قَيْصَرِ وَكَانَ أَمِير تِلْكَ الْغَزْوَةِ یَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَيَزِید یَزِيد. وَثُبُوتِ فَضْلِ الْغَازِي إِذَا صَلُحَتْ نِيَّته. وَقَالَ بَعْض الشُّرَّاحِ فِي فَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة لِقَوْلِهِ فِيهِ: ((وَلَسْت مِن الْآخِرِينَ)) وَلَا نِهَايَة لِلْآخِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة. وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْآخِرِينَ فِي الْحَدِيثِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَة، نَعَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فَضْل الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجُمْلَةِ لَا خُصُوص الْفَضْلِ الْوَارِدِ فِي حَقِّ الْمَذْكُورِينَ. وَفِيهِ: ضُرُوب مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيّ ◌َ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ؛ وَذَلِكَ مَعْدُودٍ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِه: مِنْهَا إِعْلَامِه بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده وَأَنَّ فِيهِمْ أَصْحَابِ قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ وَنِكَايَة فِي الْعَدُوّ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِن الْبِلَادِ حَتَّى يَغْزُوا الْبَحْرِ، وَأَنَّ أُمّ حَرَامٍ تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان، وَأَنَّهَا تَكُون مَعَ مَنْ يَغْزُو الْبَحْرِ، وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكُ زَمَان الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ. وَفِيهِ: جَوَازِ الْفَرَحِ بِمَا يَحْدُثُ مِن النَّعَمِ، وَالضَّحِكِ عِنْد حُصُول السُّرُور لِضَحِكِهِ وَّهِ إِعْجَابًا بِمَا رَأَى مِن إِمْتِثَالِ أُمَّته أَمْرَهُ لَهُمْ بِهَادِ الْعَدُوّ، وَمَا أَثَابَهُم الله تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْص ◌ُرُقِه بِلَفْظِ الثَّعَجُّبِ مَحْمُول عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ: جَوَازِ قَائِلَةَ الضَّيْفِ فِي غَيْرِ بَيْتِه بِشَرْطِهِ كَالْإِذْنِ وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَجَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّة لِلصَّيْفِ بِإِطْعَامِهِ وَالتَّمْهِيد لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِبَاحَة مَا قَدَّمَتْهُ الْمَرْأَةَ لِلِضَّيْفِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا لِأَنَّ الْأَغْلَبِ أَنَّ الَّذِي فِي بَيْتِ الْمَرْأَةَ هُوَ مِنْ مَالِ الرَّجُل، كَذَا قَالَ إِبْنِ بَطَّال، وَقَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْوَكِيلِ وَالْمُؤْتَمَّنِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسُرُّ صَاحِبِهِ مَا يَفْعَلهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا شَكّ أَنَّ عُبَادَةَ كَانَ يَسُرُّهُ أَكْلِ رَسُولِ اللهِلَيْ هِمَّا قَدَّمَتْهُ لَهُ إِمْرَأَتُهُ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ خَاصّ مِنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطِيّ بِأَنَّ عُبَادَة حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ زَوْجِهَا. قُلْت: لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَنْفِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ ذَاتِ زَوْجِ، إِلَّا أَنَّ فِي كَلَامِ إِبْنِ سَعْد مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ عَزَبًا. وَفِيهِ: خِدْمَةِ الْمَرْأَةَ الضَّيْف بِتَفْلِيَةِ رَأْسِه، وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى جَمَاعَة فَقَالَ إِبْنِ ٤١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر عَبْد الْبَرّ: أَظُنّ أَنَّ أُمّ حَرَامٍ أَرْضَعَتْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَوْ أُخْتَهَا أُمّ سُلَيْمٍ فَصَارَتْ كُلّ مِنْهُمَا أُمَّهِ أَوْ خَالَتِهِ مِنِ الرَّضَاعَةِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ يَنَامِ عِنْدهَا وَتَنَال مِنْهُ مَا يَجُوز لِلْمَحْرَمِ أَنْ يَنَالهُ مِنْ مَحَارِمِه، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْتَى بْن إِبْرَاهِيمِ بْن مُزَيِّن قَالَ: إِنَّمَا اِسْتَجَازَ رَسُولِ اللهِ وَيهِ أَنْ تَفْلِي أُمّ حَرَامِ رَأْسِه لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُ ذَات مَحْرَم مِنْ قِبَل خَالَاته؛ لِأَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب جَدّه كَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. وَمِنْ طَرِيقِ يُونُس بْن عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْنِ وَهْبِ أَمّ حَرَامِ إِحْدَى خَالَّتِ النَّبِيّ ◌َهَ مِن الرَّضَاعَةِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدِهَا وَيَنَامِ فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأُسه. قَالَ إِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَيّهُمَا كَانَ فَهِيَ مَخْرَمِ لَهُ. وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْجَوْهَرِيّ والدَّاوُدِيُّ وَالْمُهَلَّب فِيمَا حَكَّاهُ إِبْنِ بَظَّال عَنْهُ بِمَا قَالَ إِبْنِ وَهْب قَالَ: وَقَالَ غَيْرِهِ: إِنَّمَا كَانَتْ خَالَة ◌ِأَبِيهِ أَوْ جَدّه عَبْد الْمُظَلِبِ. وَقَالَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ: سَمِعْتِ بَعْض الْحُفَّاظِ يَقُول: كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أُخْت آمِنَة بِنْت وَهْبِ أُمّ رَسُولِ اللهِوَّهِ مِن الرَّضَاعَة. وَحَكَى إِبْنِ الْعَرَبِيّ مَا قَالَ إِبْنِ وَهْب، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرِهِ: بَلْ كَانَ النَّبِيّ وَِّ مَعْصُومًا يَمْلِك ◌َرَبَهُ عَنْ زَوْجَته فَكَيْفٍ عَنْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَرَّأْ عَنْ كُلّ فِعْلٍ قَبِيجِ وَقَوْلٍ رَفَتٍ، فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. ثُمّ قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل الْحِجَابِ، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد الْحِجَاب جَزْمًا؛ وَذَلِكَ كَانَ بَعْد حَجَّة الْوَدَاعِ وَرَدَّ عِيَاضَ الْأَوَّل بِأَنَّ الْخَصَائِصِ لَا تَثْبُت بِالإِحْتِمَالِ، وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمُ لَكِنَّ الْأَصْلِ عَدَمِ الْخُصُوصِيَّةِ، وَجَوَازِ الإِقْتِدَاء بِهِ فِي أَفْعَاله حَتَّى يَقُومِ عَلَى الْخُصُوصِيَّة دَلِيل. وَبَالَغَ الدّمْيَاطِيّ فِي الرَّدّ عَلَى مَن ◌ِدَّعَى الْمَحْرَمِيَّةَ فَقَالَ: ذَهِلَ كُلّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أُمّ حَرَامِ إِحْدَى خَالَاتِ النَّبِيّ ◌َهَ مِنِ الرَّضَاعَة أَوْ مِنِ النَّسَب وَكُلّ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا خُؤُولَةً تَقْتَضِي مَخْرَمِيَّةً؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِهِ مِنِ النَّسَبِ وَاللَّتِي أَرْضَعْنَهُ مَعْلُومَاتِ لَيْسَ فِيهِنَّ أَحَد مِنِ الْأَنْصَارِ الْبَّة ◌ِوَى أُمّ عَبْد الْمُطَلِب وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْنِ زَيْد بْن لَبِيدِ بْنِ خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْمِ بْن عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَمّ حَرَامِ هِيَ بِنْت مِلْحَان بْن خَالِدِ بْن زَيْد بْن حَرَامِ بْن جُنْدُ بْن عَامِرِ الْمَذْكُور فَلَا تَجْتَمِعِ أُمّ ٤١٥ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة حَرَامٍ وَسَلْعَى إِلَّ فِي عَامِر بْنِ غَنْمِ جَدّهمَا الْأَعْلَى، وَهَذِهِ خُؤُولَةٌ لَا تَثْبُت بِهَا مَحْرَمِيَّةُ لِأَنَّهَا خُؤُولُةٌ مَجَازِيَّة، وَهِيَ كَقَوْلِهِ ◌َِّ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص «هَذَا خَالِي)) لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي زُهْرَة وَهُمْ أَقَارِبِ أُمّه آمِنَة، وَلَيْسَ سَعْد أَخَا لِمِنَةَ لَا مِن النَّسَبِ وَلَا مِن الرَّضَاعَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﴿ كَانَ لَا يَدْخُل عَلَى أَحَد مِن النِّسَاء إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: أَرْحَمَهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي، يَعْنِي حَرَامِ بْن مِلْحَانَ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمٍ بِثْرِ مَعُونَة. قُلْت: وَأَوْضَحْتِ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنِ مَا أَفْهَمَهُ هَذَا الْخُصْرِ. وَمَا حَاصِله أَنَّهُمَا أُخْتَانٍ كَانَتَا فِي دَارِ وَاحِدَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي بَيْتِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، وَحَرَامِ بْنِ مِلْحَانَ أَخُوهُمَا مَعَا فَالْعِلَّةِ مُشْتَرِكَةٍ فِيهِمَا. وَإِنْ ثَبَتَ قِصَّة أُمّ عَبْد الله بِنْت مِلْحَانَ؛ فَالْقَوْلِ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي أُمّ حَرَامٍ، وَقَدِ إِنْضَافَ إِلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ كَوْن أَنَس خَادِمِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةِ بِمُخَالَطَةِ الْمَخْدُومِ خَادِمِه وَأَهْلِ خَادِمِه وَرَفْعُ الْحِشْمَة الَّتِي تَقَعِ بَيْن الْأَجَانِب عَنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ الدّمْيَاطِيّ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى الْخُلْوَةِ بِأُمِّ حَرَامٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مَعَ وَلَد أَوْ خَادِمٍ أَوْ زَوْجِ أَوْ تَابِعٍ. قُلْت: وَهُوَ إِحْتِمَالِ قَوِيّ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَع الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ لِبَقَاءِ الْمُلَامَسَة فِي تَقْلِيَةِ الرَّأْسِ، وَكَذَا النَّوْمِ فِي الْحِجْرِ، وَأَحْسَنِ الْأَجْوِبَةِ دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ وَلَا يَرُدّهَا كَوْنُهَا لَا تَثْبُتِ إِلَّا بِدَلِيل؛ لِأَنَّ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ وَاضِح، والله أُعْلَم. [الفتح ٢٦/١٨ بتصرف]. ٥٨٦٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مََّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مََّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونَ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ الله يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّ أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِنَّ الْخَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ)). فَقَالَ: أَعِدْ عَلَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ ٤١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (قَامُوس) بِالْقَافِ وَالْمِيمِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُور في رِوَايَات الحديث فِي غَيْرِ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: أَكْثَرِ نُسَخْ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَقَعَ فِيهَا (قَاعُوس) بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ. قَالَ: وَوَقَعَ عِنْد أَبَى مُحَمَّد بْنِ سَعِيد (تَاعُوس) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّةِ فَوْق. قَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضِهِمْ (نَاعُوس) بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ. قَالَ: وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ فِي أَظْرَاف الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ بَعْضهمْ: هُوَ الصَّوَاب. قَالَ أَبُو عُبَيْد: قَامُوس الْبَحْرِ وَسَطِه. وَقَالَ اِبْنِ دُرَيْدٍ: ◌ُجْتِهِ. وَقَالَ صَاحِب كِتَاب الْعَيْنِ: فَعْرِهِ الْأَقْصَى، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: قَامُوس الْبَحْرِ قَعْره. وَقَالَ أَبُو مَرْوَان بْنِ سَرَّاج: قَامُوس فَاعُول مِنْ قَمَسْتَه إِذَا غَمَسْتَه فَقَامُوسِ الْبَحْر ◌ُجُتْهِ الَّتِي تَضْطَرِب أَمْوَاجِهَا، وَلَا تَسْتَقِرٌ مِيَاهِهَا، وَهِيَ لَفْظَة عَرَبِيَّة صَحِيحَة. وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ: لَمْ أَجِدٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة ثَلْجًا. وَقَالَ شَيْخِنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: قَاعُوس الْبَحْرِ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ صَحِيحٍ بِمَعْنَى قَامُوس كَأَنَّهُ مِن الْقَعْسِ، وَهُوَ تَطَامُنِ الظَّهْرِ وَتَعَمُّقه فَيَرْجِعِ إِلَى عُمْقِ الْبَحْرِ وَلُتْه، هَذَا آخِر كَلَامِ الْقَاضِي. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَائِيّ: وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم (نَاعُوس الْبَحْر) بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ قَالَ: وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ قَامُوس، وَهُوَ وَسَطِه وَلُّته، قَالَ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَوْجُودَةٍ فِي مُسْنَد إِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ الَّذِي رَوَى مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ، لَكِنَّهُ قَرَنَّهُ بِأَبِي مُوسَى فَلَعَلَّهُ فِي رِوَايَةٍ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْرَدَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظ ◌ِأَنَّ الْإِنْسَانِ قَدْ يَظْلُبِهَا فَلَا يَجِدهَا فِي شَيْءٍ مِن الْكُتُبِ فَيَتَحَيَّرِ فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِي عَرَفَ أَصْلِهَا وَمَعْنَاهَا. (هَاتِ) هُوَ بِكَسْرِ الثَّاء. [النووي ٢٤٨/٣]. (١) أخرجه مسلم (٢٠٤٥). ٤١٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة الفصل الثالث ٥٨٦١ - [عَن ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرَبَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﴿ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ؛ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هُنَا أَحَدُّ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِي؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتُرْهُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِي سَائِلُّ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَيْمُ اللّهِ، لَوْلًا مُخَافَةُ أَنْ يُؤْثِرَ عَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: وَمَنْ يَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُ أَحَدُّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ، بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوه؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيف كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَكُونُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يُصِيبُ مِنَّ وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَتَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَائِعُ فِيهَا؟ قَالَ: وَاللهِ، مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِي سَأَلْئُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابٍ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكُ؟ فَزَعَمْتَ أَلَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكْ قُلْتُ: رَجُلْ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضْعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ ٤١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَلَاء فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُ أَحَدُّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَلَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الْخَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدَّ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَلَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدُّ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلُ اثْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُ كُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيُّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجُ، وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ وَيُّ فَقَرَأَهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). وقد سبق تمام الحديث في: ((باب الكتاب إلى الكفار)). (١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٤٧٠٧). باب في المعراج المعراج في اللغة: السُّلَّم، وجمعه: معاريج ومعارج، كمفاتيح ومفاتح. وقيل: واحد المعارج: معرج، مثل مرقاة، فيقال على هذا: معراج وجمعه: معاريج كمفتاح وجمعه: مفاتيح، ومعرج وجمعه: معارج كمفتح وجمعه: مفاتح، والمعارج: المصاعد. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الله ذِي المَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] قيل: أراد به معارج الملائكة، وقيل: ذي الفواضل العالية. ويقال: عرج في السُّلَّم بفتح الراء يعرج بضمها: إذا ارتقى، وعرج يعرج أيضًا: إذا غمز من شيء أصابه فإذا هو أعرج، يقال: عرِج بكسر الراء يعرَج بفتحها، فإذا قيل: كان النبي ◌َّ معراج فمعناه: إنه عرج في السماء، والاشتقاق ما ذکرنا. * والذين أنكروا المعراج، وأحالوه من جهة العقل هم الملاحدة والطبائعيون الذين قالوا: إن حول الهواء المحيط بنا نارًا محيطة بالهواء المحيط بكرة الأرض، وإن الأرض نهاية السفل، وهذه الأجسام الكثيفة تهوي بطبعها إلى أن تستقر على الأرض التي هي المركز. وهذا القول باطل؛ لقيام الدلالة على حدوث العالم، ووجوب وجود مُحدِثه بوصف الجلال، واستحقاق نعوت العظمة باستحالة النقص، وفساد القول بالطبع، وإنكارهم المعراج كإنكارهم جواز بقاء أهل النار وهم أحياء في النار، وفساد أقاويلهم مذكور في مسائل الأصول؛ لوجوب القول بقدرة الصانع تعالى عما يتوهم حدوثه. * وأمَّا الذين أنكروا أن يكون معراجه وليه بالجسد: فهو قول أكثر الروافض والمعتزلة، فمنهم من قال: إن المعراج كان رؤيا رآها النبي ◌َّ في منامه، ثم ذكر لأصحابه في اليقظة ما كان قد رآه في النوم، وإنه لم يغب بجسده عن مكة، وقالوا: إنه عرج بروحه دون جسده، وعندهم الإنسان هو الروح، وقال قوم من المعتزلة: إنه ٤١٩ ٠ ٤٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر أسري به إلى بيت المقدس، على ما في ظاهر الكتاب، وأنكروا ما وراء ذلك. * وأمَّا أهل الحق: فهم مجمعون على أن النبي وَلّ أُسري به ليلة المعراج، وأنه ذهب ببدنه وعرج في السماء بنفسه، خرج في شطر ليلٍ من مكة إلى المسجد الأقصى بالبيت المقدس، ثم صعد إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وإنه رأى بعينه الجنة والنار، وغير ذلك على ما يجيء تفصيل ذكره. ولا يبعد أن يقال: كان للنبي ◌َ و تلك الليلة معارج بجسده، ثم في غير تلك الليلة كانت له معارج في النوم، فإن في بعض ألفاظ الأخبار الواردة في المعراج ما يدل على كونه في النوم، مثل لفظة ((الانتباه)) وغيره. وأمَّا تاريخ المعراج: ففي رواية السُّدِّي: إنه كان قبل مهاجرته إلى المدينة بستة عشر شهرًا. وفي رواية موسى بن عقبة: إنه كان قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وفي كثير من الروايات مما ذُكر في الصحيح: إنه كان قبل أن أوحي إليه. [المعراج للقشيري بتحقيقنا]. الفصل الأول ٥٨٦٢ [عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َليّ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: (بَيْنَمَا أَنَا فِي الْخَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا؛ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ)) يَعْنِي: مِنْ ثُغْرَةِ تَخْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ ((فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًّا، فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِي ثُمَّ أُعِيْدَ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً (ثُمَّ أَوتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ)) فَقَالَ لَهُ: الْبُرَاقُ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ ((فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدْ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ